دعاوى المسؤولية ضد المحافظ العقاريhttps://espaceconnaissancejuridique.com/2026/02/14/%d9%85%d8%b3%d9%…8%a6%d9%8a%d8%a9/

 

رجاء البقالي الطاهري

دكتورة في القانون الخاص

مقدمة :

على ضوء النصوص القانونية المؤطرة لنظام التحفيظ العقاري بالمغرب ولاسيما القانون الأساسي المتمثل في الظهير الشريف المؤرخ في 9 رمضان الموافق ل 12 غشت 1913، المغير والمتمم بالقانون رقم 14.07 نشأت هيأت إدارية مكلفة بالتحفيظ العقاري، على كافة الصعيد الوطنية تمثلت في مصالح المحافظات العقارية للمغرب، وخاصة بعد مرحلة الاستقلال، هذه المصالح يقف على رأسها موظفون إداريون، هم المحافظون على الأملاك العقارية والرهون.

ومحافظ الملكية العقارية هو الرئيس التسلسلي لجميع الخلايا والمكاتب التي تتكون منها مصلحة المحافظة العقارية، ويعني في ظل النظام العالي، بقرار من وزير الفلاحة بناء على اقتراح من مدير المحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية.

ونظرا للمركز الذي يشتغل المحافظ فقد أسند له المشرع عدة مهام تتوزع بين مهام إدارية وقانونية وهمام قضائية ومالية يمارسها يوميا في مصلحته تحت مراقبة الأجهزة الإدارية المخولة قانونيا.

هذه المهام تقابلها بطبيعة الحال مسؤوليات كثيرة وثقيلة، ولعل أشدها وطأة – كما سنرى فيما بعد- المسؤولية الشخصية (المدنية)، فضلا عن المسؤولية الإدارية، وهي مسؤوليات على قدر كبير من الخطورة.

باعتبار المحافظ على الأملاك العقارية كموظف عمومي، يخضع إلى جميع المقتضيات القانونية والتنظيمية والمهنية، التي توجبها ممارسة الوظيفة العمومية.

كما يتحمل مسؤولية مدنية، وهي تعتبر مسؤولية تقصيرية تجد سندها في الخطأ المهني الناتج عن عدم القيام بالالتزامات المعروضة عليه قانونا، والتي تؤدي إلى إلحاق أضرار بالغير.

كما أنه يتحمل مسؤولية جنائية تخضع لنظام قانوني وقضائي مستقل بقواعده، على غرار المسؤولية الإدارية، التي في غياب أية إشارة لها في قانون التحفيظ العقاري، يسري عليها ما هو مقرر في قانون الوظيفة العمومية.

والكلام عن مسؤولية المحافظ العقاري وهو موضوع حديثنا في هذا البحث  – لا يزال في الحقيقة حديثا له أهمية سواء من الناحية النظرية أو من الناحية العملية .
فمن الناحية النظرية تأتي أهمية دراسة هذا الموضوع من جميع شتات النصوص المنظمة لمسؤولية المحافظ، فهذه الأخيرة تقع تحت مجموعة من النصوص القانونية بعضها منصوص عليه في ق.ل.ع  والبعض الآخر في القانون الوظيفة العمومية، والأخير من قانون التحفيظ العقاري.

أما من الناحية العملية، فتكمن أهمية دراسة هذا الموضوع، هو معرفة موقف المشرع المغربي من هذه المسؤولية، هل يعتبر ما مسؤولية رئيسية وقائمة في جميع الأحوال، أم مجرد دعوى ثانوية باعتبار أن القرارات الصادرة عن القضاء المغربي في هذا الموضوع تعد على رؤوس الأصابع.

فقرار المحافظ بشأن تحفيظ عقار، هو قرار غير معلل يترتب عنه تأسيس رسم عقاري، وهذا الرسم كما يقول الأستاذ أحمد الباتولي ” يختفي أخطاء كل شخص بمن فيهم أخطاء المحافظ العقاري كما تخفي الأرض أخطاء الإنسان” والحل الذي أتى به المشرع هو إيجاد رقابة قضائية غير مباشرة ذات طابع إملائي، وذلك عن طريق تحمل المحافظ للمسؤولية العامة الواردة في الفصلين 97-80 من ق.ل.ع.

لكن يبقى السؤال المطروح هنا هو إلى أي حد يمكن اعتبار القواعد التي تنظم مسؤولية المحافظ العقاري كفيلة لحماية حقوق طالبي التحفيظ؟ ألا يمكن القول بأن مسؤولية المحافظ العقاري هي مسؤولية ثانوية؟.

تبعا لذلك وإعمالا لمقتضيات الفصل 64 من ق. ت. ع فإنه يعد ثبوت مسؤولية المحافظ، يحق للمتضرر أن يمارس وسيلتين للطعن في قرارات هذا الأخير ويتعلق الأمر إما دعوى المسؤولية التقصيرية الناتجة عن المسؤولية المجنية (المبحث الأول)، وكذلك بدعوى المسؤولية الإدارية ضد المحافظ على الملكية العقارية أو الدولة، في حالة ارتكاب أو وجود خطأ جسيم أو خطأ مصلحي خلال جريان مسطرة التحفيظ (المبحث الثاني).

المبحث الأول: دعـوى المسؤوليـة المدنيـة ضـد المحافـظ العقـاري

بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 64 من ظهير التحفيظ العقاري نجده يتطرق لمسؤولية المحافظ العقاري عن الأخطاء التي يتسبب فيها، بحيث بعدما قرر مبدأ عدم إمكانية إقامة آية دعوى عينية ضد قرار المحافظ، أكد في فقرته الأخيرة على مراعاة تطبيق القواعد الخاصة بمسؤولية الدولة وموظفيها، كما ومنصوص عليها في الفصول 79 و81 من قانون الالتزامات والعقود.

لكن ما دامت مسؤولية المحافظ العقاري، لا يمكن أن تكون إلا عن الإخلال بالالتزام المهني،  فهل يكفي للقول بأن هذه المسؤولية هي مسؤولية تقصيرية[1]، أم أنها مسؤولية من نوع خاص على اعتبار أنه تجمع بين القواعد العامة والقواعد الخاصة؟.

المطلب الأول : متابعة المحافظ العقاري في إطار دعوى المسؤولية التقصيرية

إن المحافظ العقاري عندما يرتكب خطأ في تحفيظ العقار، نتيجة استعمال وسائل تدليسية يمكن أن تتم مساءلته في إطار المبادئ العامة للمسؤولية التقصيرية[2]، ويتعين على من يدعي وقوعه، إذا كان في نيته الحصول على التعويض عن الضرر ان يوفر حجتين:

1 – حجة توفره على حق تملك أو أي نوعه آخر من الحقوق العينية، التي كانت على العقار لمصلحته، والتي لم تنتف إلا بسبب عملية التحفيظ، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى أن محكمة الاستئناف بالرباط كانت قد قضت في قرارها بتاريخ 10 دجنبر 1935، أنه يمكن للمحكمة التي تعرض عليها دعوى التعويض أن تأمر بإجراء بحث في الموضوع هدفه البحث عن حقوقه كل طرف على العقار الذي ادعى بأنه حفظ بطريقة غير قانونية[3].

2 – حجة ارتكاب تدليس من طرف المحافظ أو المستفيد، وهو ما أقرته محكمة استئناف الرباط في قرارها بتاريخ 13 أكتوبر 1934[4].

وقد ذهب أحد الباحثين[5] إلى القول بان التدليس المنصوص عليه في الفصل 64 من ظهير التحفيظ العقاري، يجب أخذه بمفهومه العام كواقعة ترتب عنها ضرر مقصود، وهو الاتجاه السائد لدى الفقه القانوني والاجتهاد القضائي الذي يفسر مفهوم التدليس بصفة عامة، بحيث يكفي أن يكون المستفيد من التحفيظ ذو نية سيئة حتى يثبت تدليسه، ولا حاجة إلى القيام بمناورات تدليسية كما هو الشأن في الميدان التعاقدي[6]، وبذلك يفسر التدليس الوارد في الفصل 64 حسب المفهوم العام بالفعل المتعمد الذي يلحق الضرر، هذا وتجب الإشارة إلى أن المطالبة بالتعويض نتيجة التدليس تتقادم بمرور 5 سنوات، ابتداء من اليوم الذي يعلم فيه المدلس عليه بوقوع التحفيظ أو التدليس، وبعشرين سنة على كل حال ابتداء من تاريخ اتخاذ قرار التحفيظ، وذلك تطبيقا لمقتضيات الفصل 106 من قانون الالتزامات والعقود.

وقد ذهبت محكمة النقض في إحدى قراراتها بالقول :

“حيث بمقال مرفوع بتاريخ 29/06/2008 أمام المحكمة الإدارية بالرباط، عرضت الجماعة السلالية لمدشر هوارة في شخص نائبها السيد العربي الدرباع أنها تملك الأرض المعروفة باسم (الملاح)، البالغة مساحتها نحو 2000 هكتار بمدشر هوارة جماعة وقيادة اجزناية إقليم طنجة، بها منازل لأفراد الجماعة والباقي مخصص للرعي والفلاحة، وأنه بتاريخ 4/6/1999 أقام السيد موحى أرحو المحافظ على الأملاك العقارية بطنجة رسما عقاريا لهذه الأرض تحت رقم 62009/06 لفائدة الدولة (الملك الخاص) دون احترام قانون التحفيظ العقاري، فيكون بذلك قد ارتكب التدليس مفوتا عليها (المدعية) ممارسة حقوقها المنصوص عليها في الفصل 25 وما يليه من قانون التحفيظ، ملتمسة الأمر بإجراء خبرة لتحديد قيمة الأرض والقول بمسؤولية المحافظ والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري باعتباره تابعا لها، وحفظ حقها في تحديد طلب التعويض على ضوء الخبرة، وبعد المناقشة، صدر الحكم بانعقاد الاختصاص النوعي للمحكمة الإدارية، استأنفه المدعى عليه السيد المحافظ على الأملاك العقارية والرهون بطنجة ناعيا عليه خرق الفصل 96 من ظهير التحفيظ العقاري الذي يعتبر نصا خاصا يسند الاختصاص للمحكمة الابتدائية في حالة رفض المحافظ تحفيظ عقار أو تسجيل حق عيني أو التشطيب عليه بسبب عدم صحة الطلب أو عدم كفاية الرسوم، وكذا خرق مقتضيات الفصل 60 من القرار الوزاري المؤرخ في 4/6/1915 الذي يحمل المسؤولية الشخصية للمحافظ من اختصاص القضاء العادي.

لكن حيث إنه فضلا عن أن المدعية تؤسس دعواها على مسؤولية الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية باعتبار المحافظ المدعى عليه تابعا لها، فإن تعليل المحكمة الإدارية قضاءها باختصاصها نوعيا بأن ” الخطأ المنسوب للمحافظ تم بمناسبة قيامه بتدبير مرفق عمومي … ” جاء مطابقا لواقع الملف فلم تخرق أي مقتضى، والحكم المستأنف واجب التأييد.”[7]

وفي الأخير يبقى السؤال مطروحا، حول مدى إمكانية متابعة التحفيظ في إطار دعوى الإثراء بلا سبب مشروع؟.

المطلب الثاني : مدى إعمال دعوى الإثراء بلا سبب في مواجهة المحافظ العقاري

بادئ ذي بدء ينبغي الإشارة إلى ان الإثراء بلا سبب واقعة تقوم على انتقال قيمة مالية من ذمة إلى أخرى، دون أن يكون لهذا الانتقال سبب قانوني، يرتكز عليه كمصدر له[8]، وكما هو معلوم تقوم دعوى الإثراء بلا سبب على ثلاث أركان: إثراء المدين، افتقار الدائن المترتب على الإثراء، وانعدام السبب القانوني للإثراء[9].

فهل يحق للمضرور علاوة على حقه في تحريك دعوى المسؤولية الإدارية الموجهة ضد الدولة، أو الدعوى الموجهة ضد المحافظ العقاري، اللجوء إلى دعوى الإثراء بلا سبب ضد الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية…؟

إن طرح هذا السؤال لا يخلو من الأهمية بمكان، وقد سبق لأحد الباحثين أن ذهب إلى أن السبب القانوني للإثراء يمكن ان يتمثل أيضا في قرار يصدر من جهة الإدارة[10]، وفي هذا الصدد أعطت محكمة النقض الفرنسية للمتضرر من التحفيظ الحق في إقامة دعوى مرتكزة على نظرية الإثراء بلا سبب[11]، والمنظمة بمقتضى الفصل 66 من قانون الالتزامات والعقود.

إلا أن تعويض المتضرر من التحفيظ العقاري عن طريق الاعتراف لفائدته بدعوى الإثراء بلا سبب ليس حلا ناجحا، وذلك راجع لكون هذه الدعوى لا تستعمل في كل حالات التدليس باعتبار شروطها ليست محددة بكيفية واضحة، فهي عبارة عن طعن لا يستعمل إلا بعد استنفاذ كافة الطعون المنصوص عليها في الفصل 64 من ظهير التحفيظ العقاري، مما يترتب عليه تضييع للوقت وكذا تحمل المعني مصاريف كثيرة[12].

ومع ذلك فإذا سلمنا بأحقية المضرور في تحريك دعوى الإثراء بلا سبب، فمن هم الأشخاص المستفيدين من ذلك؟

في هذا الصدد ذهب أحد الباحثين للقول بأنه ما دمنا نتحدث عن ضحايا التحفيظ، فإن أطراف مسطرة التحفيظ العقاري، يحق لهم رفع هذه الدعوى ضد الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، التي اغتنت على حسابهم، بغض النظر عن نوع هذا الاغتناء[13].

لكن إذا كانت دعوى الإثراء بلا سبب، مطالبة مشروعة من جانب أطراف مسطرة التحفيظ، أو التقييد، فإن وجه الصعوبة الذي يطرح ويحول دون انتصار المتضرر في دعواه يتمثل في كون القرار الوزيري المتعلق بتعيين نظام إدارة المحافظة على الأملاك العقارية، يعتبر الرسوم المستخلصة بصورة قانونية حقوقا مكتسبة لخزينة الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية[14].

لكن هذا لا ينفي مشروعية وأحقية أطراف مسطرة التحفيظ في المطالبة باسترداد الرسوم المستخلصة، على اعتبار انها دفعت للمحافظة العقارية، لأجل قيام هذه الأخيرة بالإجراءات اللازمة لمسطرة التحفيظ أو التقييد، حسب ما أكد عليه إحدى دوريات المحافظة العقارية[15]، حيث كرست حق المتضرر في استرداد الرسوم في حالتين:

الأولى تتعلق بدفع غير مستحق، والثانية تتعلق بعدم قيام المحافظ العقاري بالإجراءات المطلوبة كلا أو بعضا.

والجدير بالذكر في الأخير أن حق المطالبة باسترداد الدفع الغير المستحق يسقط بعد مرور الأجل القانوني للتقادم وهو سنتين ابتداء من يوم الأداء، إذا تعلق الأمر بقرار التحفيظ أو من يوم التقييد أو التشطيب بالسجلات العقارية[16].

المبحث الثاني: دعـوى المسؤوليـة الإدارية ضـد المحافـظ العقـاري

قد تثار المسؤولية الإدارية للمحافظ باعتباره موظفا عموميا، وذلك عند ارتكابه أو أحد أعوانه خطأ مصلحيا يؤسس لمسائلته الشخصية لتأتي مسؤولية الدولة إلى جانبها على سبيل الاحتياط حال إعساره، ولعل هذه المقتضيات تجد سندها في الفصلين 79 و80 من قانون الالتزامات والعقود بإحالة من الفصل 64 من ظهير التحفيظ العقاري، والفصل 5 من القرار الوزيري المؤرخ في 4 يونيو 1915 المتعلق بتنظيم مرفق المحافظة على الملكية العقارية.

وبالرجوع إلى هذين الفصلين، يمكن الوقوف من جهة أولى على إمكانية الجمع بين الخطأين، لعدم توفر النصين على ما يدفع هذا الطرح، ومن جهة ثانية يمكن الوقوف على حدود كلا المسؤوليتين.

المطلب الأول : إمكانية الجمع بين الفصلين 79 و80 من ق.ل.ع

إن تحليل الفصل 80 من ق.ل.ع يوضح أنه يقف عقبة أمام تبني الموقف الذي انتهى إليه القضاء الفرنسي[17] من إمكانية الجمع بين المسؤوليتين الإدارية والشخصية، فالمتضرر ومع استمرار تواجد الفصل 80، وبالرغم من إمكانية الجمع بين الخطأين، لا يمكن تصور جمعه بين مسؤولية الموظف ومسؤولية الإدارة ومتابعة هذه الأخيرة مباشرة، وإنما يسأل الموظف شخصيا عن أخطاءه الشخصية، ويتحمل تبعاتها[18]، ولا تسأل الدولة عن أخطاءه إلا في حالة إعساره وبعبارة أخرى فإن المتضرر وبالرغم من علمه المسبق بعسر الموظف، فهو ملزم برفع دعوى التعويض ضده والسير في جميع إجراءاتها بداية من إيداع المقال الافتتاحي لدى كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية المختصة، إلى أن يصير الحكم نهائيا غير قابل لأي أوجه الطعن، ليطالب بعد ذلك الموظف بأداء مبلغ التعويض المحكوم عليه به ليواجهه بإعساره[19]، الشيء الذي يلزمه بدعوى جديدة تستهدف حلول الدولة محل موظفيها في أداء التعويض، ليبقى في النهاية تحت رحمة الدولة ما دام لا يمكن التنفيذ الجبري في مواجهتها[20].

هذا الوضع يدفعنا إلى ضم صوتنا إلى صوت ثلة من الفقهاء[21] التي تنادي بتجاوز العقبة التي يؤسس لها الفصل 80 من ق.ل.ع، على اعتبار محدودية فعالية الجمع بين الخطأين في ظل عدم إمكانية الجمع بين المسؤوليتين، ما دام أن الفصل بينهما في جوهره يعني قيام كل مسؤولية باستقلال عن الآخر، فعمليا هناك فصل ضمني بين خطأ مصلحي تواجه به الإدارة في إطار المسؤولية الإدارية، وخطأ شخصي لا يمكن أن يواجه به إلا موظف في إطار دعوى شخصية أمام المحاكم الابتدائية.

فالمحافظ يشرف على الوكالة التي يرأسها من مكتبه، رغم ان الفصل 20 من ظهير التحفيظ العقاري ينص على إمكانية التحري بعين المكان، ومن ثم فوضعه لا يخرج عن كونه موظف، لا يمكن تصور خطأه الشخصي إلا عبارة عن خطأ قانوني يخرق بموجبه التزاما وظيفيا.

وعلى اعتبار مسؤولية الشخصية لهذا الموظف تقوم بالأساس على خرق واجب مهني[22] فالعلاقة جدلية بين الواجب والمسؤولية وخصوصية الاختصاص لا بد وان تنعكس على خصوصية المسؤولية وإن استندت على نصوص عامة.

ولعل أهم ما نقف عليه من خلال هذه المقاربة، هو محاولة تحديد نطاق الفصلين 79 و80 من ق.ل.ع هل يشملان كل نشاط المحافظ أن أن إعمالهما يقتصر على مرحلة دون أخرى، مسائلين في ذلك التشريع والقضاء والفقه.

المطلب الثاني: نطاق إعمال الفصلين 79 و80 من ق.ل.ع في مواجهة المحافظ العقاري

إن إشكال تحديد نطاق إعمال الفصلين 79 و80 من ق.ل.ع ما كان ليطرح لو وجدا منفردين كأساس لمسؤولية المحافظ، لكن وجود نصوص أخرى تؤسس لذات المسؤولية هو الذي جعل إشكالا من هذا النوع يطرح.

فما موقف التشريع والقضاء والفقه مما ذكر؟

إن القراءة المستقلة في الفصلين 79 و80 من ق.ل.ع غير كافية لتشطير نطاقهما في مواجهة المحافظ، وهو أمر طبيعي باعتبار أنهما غير موجهان بالأساس إلى المحافظ، وإنما للموظف العمومي بصفة عامة، فا اقل بالتالي من محاولة مساءلة الفصل 64 من ظهير التحفيظ العقاري المحيل عليهما، والذي يحتوي بعض الإشارات بالنظر إلى تموضعه مقارنة مع تموقع الفصل 97 من نفس الظهير[23].

فالفصل 64 جاء في نهاية القسم الأول المتعلق بالتحفيظ، بينما جاء الفصل 97 في نهاية القسم المتعلق بإشهار الحقوق العينية المقامة على العقارات المحفظة وتسجيلها، ولو شاء المشرع لأي من الفصلين عمومية التطبيق، لكان الأولى وضعه ضمن المقتضيات العامة، لذلك فلا يمكن فهم موقعة الفصلين إلا كقرينة على نطاق تطبيقهما.

أما بالنسبة للقضاء فهو بدوره لم يسلم من الخلط بين الفصلين، حيث ترواح اجتهاده بين التوسيع والتضييق من نطاق الفصلين 79 و80 على حساب أو لصالح الفصل 97 من ظهير التحفيظ العقاري.

وفي ذلك جاء قرار لمحكمة الاستئناف[24] جعل المبدأ متمثلا في خصوصية مسؤولية المحافظة وخضوعها للفصل 97 من ظ.ت.ع، حتى على مستوى مسطرة التحفيظ متجاهلا وجود الفصل 64 وإحالته على الفصلين 79 و80 من ق.ل.ع. متعسفا بذلك في تفسير الفصل 97 محملا إياه مالا يحتمل، بحيث نص على خضوع الموظف العمومي للفصل 80، ثم نص إثر ذلك على خضوع المحافظ للفصل 97، وكأنه غير معني بمقتضيات الفصل 80[25].

في حين جاء قرار آخر لاستئنافية الرباط[26] وهي تبث في قرار رفض التسجيل بمقتضاه أخضعت الطعن في هذا الأخير للفصل 95 من ظ.ت.ع أما بالنسبة للمسؤولية عنه نص على أنه: ” …  يكون للمحافظ مسؤولا عن قرار رفض التسجيل بموجب مقتضيات القانون العام، والقرار الوزيري المؤرخ في 1915 – 05 – 04 المنظم لمصلحة المحافظة العقارية بعدما حدد في فصله الرابع صلاحيات المحافظ نص في فصله الخامس على أن مسؤولية المحافظ ينظمها الفصلان 79 و80 من ق.ل.ع المحدد لنطاق ومسؤولية كل أعوان الدولة أثناء ممارستهم لوظائفهم…”.

بعد ذلك جاء قرار للمجلس الأعلى سابقا (محكمة النقض حاليا) رسم لكلا الفصلين نطاق إعماله الصحيح حيث حصر أعمال الفصلين 79 و80 من ق.ل.ع على مرحلة التحفيظ مقابل إعمال الفصل 97 على المرحلة اللاحقة للتحفيظ، حيث نص على أن: ” … المحافظ على الملكية العقارية الذي ينشأ رسما عقاريا لمساحة تحمل أصلا رسما عقاريا قد يكون قد ارتكب طأ جسيما لأنه لا يمكن تخصيص رسمين عقاريين لعقار واحد….مسؤولية المحافظ في هذه الحالة تكون قائمة على أساس الفصل 80 ق.ل.ع[27]“.

هذا وقد اختلف الفقه بدوره حول نطاق الفصل 80 حيث ذهب اتجاه[28] إلى اعتبار المحافظ موظفا عموميا يخضع لما يخضع له هؤلاء دون أية خصوصية، وبالتالي إعمال الفصلين 79 و80 على الإطلاق.

في مقابل ذلك هناك من اعتبر الوضعية الخاصة للمحافظ العقاري تفرض خصوصية حتى على مستوى الأساس المرتكز عليه القول بالمسؤولية، والذي يتمثل في الفصل 97 من ظهير التحفيظ العقاري[29].

إلا أن هناك من أقر لكل فصل نطاق تطبيقه الصحيح، فجعل الفصل 80 ينحصر على الأعمال المنصبة على مسطرة التحفيظ، بينما يشمل الفصل 97 من ظهير التحفيظ العقاري المرحلة اللاحقة للتحفيظ.

خاتمة:

على امتداد سطور هذا البحث استنتجنا أن المشرع قد أعطى للمحافظ سلطات واسعة، سلطة إدارية وسلطة قضائية، فهو سلطة إدارية من حيث أنه يصدر قرارات تقنية وإدارية من تقييد وتشطيب ورفض، وهي قرارات يتم الطعن فيها عند الاقتضاء أمام القضاء العادي والإداري، وبوصفه سلطة إدارية فإن قراراته تبقى خاضعة للطعن بالإلغاء أمام المحاكم الإدارية والتعويض ثم أمام المحاكم العادية بمختلف درجاتها.

لذلك يجب على المحافظ أن يعي تماما بالمسؤولية التي وضعها المشرع على كاهله عند اتخاذه بعض قراراته، وأن يسعى إلى تحقيق المصلحة العامة أولا وأخيرا، والتعامل بجدية مع كل مراحل عملية التحفيظ العقاري، لأجل المحافظة على حقوق الأشخاص وليكون اسما على مسمى.

غير أننا نخلص إلى أن كثرة النصوص التي تجعل المحافظ على الأملاك العقارية مسؤولا عن الأخطاء التي يرتكبها لا تعني تشديد المسؤولية عليه، ولا تمييزه عن باقي الموظفين تميزه عنهم في الاختصاصات والقرارات الخطيرة التي يتخذها، حيث إن مسؤوليته لا تقوم إلا بتوفر أركانها من خطأ وضرر وعلاقة سببية تجمع بينهما.

ومما لا شك فيه، إن اشتراط الخطأ لقيام مسؤولية المحافظ العقاري هو دعامة تشعره بالحرية في عمله، وليس تشديدا أو إضافة تعوقه في ممارسة سلطاته، إذن فمسؤولية المحافظ على الأملاك العقارية ليست مسؤولية بدون خطأ، هذا الخطأ الذي يجب أن يتجاوز الحد المعقول والمقبول ليصل إلى درجة الجسامة، التي يحدد حدودها القاضي وفق سلطته التقديرية، مع التأكد من أن المتضرر لا يتوفر على وسيلة تمكنه من متابعة طرف آخر غير المحافظ العقاري، لذا لا داعي للقول بأنها مسؤولية مشددة ما دامت لا تنتج إلا عن الإخلال بالتزام مهني، كما أنه من الصعب على المتضرر إثبات الخطأ الجسيم أو التدليس في حق المحافظ من أجل إثبات مسؤولية هذا الأخير، وخير دليل على ذلك ندرة القرارات التي حكمت مسؤولية المحافظ على الملكية العقارية.

وينضاف إلى ذلك قلة وعي المتعاملين بنظام التحفيظ العقاري، وعدم جرأتهم على مقاضاة الإدارة، مما يمنعهم من مطالبة الدولة أو المحافظ العقاري بالتعويض، مما يزيد من ندرة حالات إثارة مسؤولية المحافظ مقارنة مع سلطاته الواسعة واختصاصاته المهمة وكثرة الملفات المعروضة عليه وحساسية مجال الملكية العقارية الذي يعمل فيه.

وهنا سؤال  يطرح نفسه: هل مقتضيات ظهير التحفيظ العقاري المتعلقة بمسؤولية المحافظ على الأملاك العقارية الموضوعة منذ سنة 1913، والمقتضيات المحال عليها في ظل قانون الالتزامات والعقود الموضوعة في نفس السنة، لا تزال مطابقة للواقع القانوني والاقتصادي المغربي؟، أم أن الأوضاع القانونية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية تتطلب إعادة تنظيمه تبعا للتطور الذي شهده الميدان العقاري؟.


[1] – عبد الحفظ أبو الصبر، “مسؤولية المحافظ على الأملاك العقارية والرهون بالمغرب” رسالة لنيل دبلوم السلك العالي للمدرسة الوطنية للإدارة العمومية، السنة الجامعية: 1993 – 1992، ص: 45

[2]  – عمر موسى، “الدعاوى الكيدية أثناء مسطرة التحفيظ العقاري” رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الخامس، الرباط، السنة الجامعية: 2006 – 2007، ص: 100.

[3]  – محمد ابن الحاج السلمي، “سياسة التحفيظ العقاري بالمغرب بين الإشهار العقاري والتخطيط الاجتماعي والاقتصادي” مرجع سابق، ص: 135.

[4]  – قرار محكمة الاستئناف بتاريخ 1934/10/13، أورده بول ديكرو، “القانون العقاري المغربي” الطبعة الثانية، 1977، الرباط، ص: 131.

[5]  – عمر موسى، مرجع سابق، ص: 110.

[6] – محمد ابن الحاج السلمي، مرجع سابق، ص: 136.

[7] – قرار عدد : 672/4/1/2011 ملف إداري المؤرخ في : 08/11/2011.

[8]  – عبد الرزاق السنهوري، “الوسيط في شرح القانون المدني، نظرية الالتزام بوجه عام، مصادر الالتزام” دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، ص: 1121.

[9]  – عبد القادر لشقر، “محاضرات في قانون التحفيظ العقاري” وراقة الرقيم، السنة 2007/2008، ص: 64.

[10]  – عبد الإله لمرابط، ” إلغاء مطلب التحفيظ لعدم متابعة المسطرة ” رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط، السنة الجامعية: 2005-2006،، ص: 104.

[11]  – قرار بتاريخ 11 نونبر 1951 مجموعة لما وراء البحار 1952، ص: 126 أورده محمد ابن الحاج السلمي، مرجع سابق، ص: 137.

[12] – نوال بوهرو، رقابة القضاء الإداري على قرارات المحافظ العقاري. رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص ـ وحدة قانون العقود والعقار، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة، السنة الجامعية 2010-2011. ص: 25.

[13]  – عبد الإله لمرابط،  م ص :104.

[14]  – انظر الفصل 54 من القرار الوزيري الصادر في 4 يونيو 1915.

[15]  – الدورية رقم 25 بتاريخ 14 يناير 1928، صادر عن رئيس مصلحة المحافظة العقارية.

[16]  – الفصل 55 من القرار الوزيري 13 مارس 1933.

[17]  – مع وجود التأكيد أنه لمسألة الجمع بين المسؤوليتين مزايا مسطرية وموضوعية تجعل تعديل الفصل 80 ضرورة ملحة خاصة مع التطورات التي عرفا ميدان المسؤولية الإدارية وتفاديا لدعاوى الاختصاص التي طفت مع إحداث المحاكم الإدارية.

[18]  – رضوان دزاري، “المحافظ بين المسؤوليتين المدنية والإدارية” بحث لنيل دبلوم الدراسات المعمقة، شعبة القانون الخاص، قانون مدني، كلية الحقوق، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، السنة الجامعية: 2001 – 2002، ص:55.

[19] – بوجمعة الزويقي، “دور المحافظ العقاري في تحقيق الملكية – دراسة مقارنة بين النظام العقاري في المغرب وليبيا ” أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء السنة الجامعية: 1992 – 1993، ص: 65.

[20]  – هذا على المستوى النظري، أما على المستوى العملي يتم إدخال الدولة كطرف احتياطي ينفذ في مواجهتها مباشرة بعد تبوث إعسار الموظف، ومع ذلك فالأولى هو فسخ الطريق أمام مقتضياتها مباشرة لنجاعة هذا الخيار.

[21]  – رضوان درازي، مرجع سابق، ص: 56.

[22]  – محمود جمعة الزريقي، مرجع سابق، ص: 66.

[23]  – نوال بوهرو، مرجع سابق، ص: 28.

[24]  – قرار محكمة الاستئناف بالرباط دون عدد ورقم، ملف بتاريخ 23 يونيو 1964 أورده رضوان درازي، مرجع سابق، ص: 58.

[25]  –  انظر كذبك قرار محكمة الاستئناف بالرباط عدد  1077، ملف بتاريخ 19 يونيو 1931 أورده رضوان درازي، مرجع سابق، ص: 95.

[26]  – قرار دون عدد أو رقم، ملف أشار إليه جمعة محمود زريقي، مرجع سابق، ص: 290.

[27]  – قرار رقم 148 ملف إداري عدد 95–5 –1 بتاريخ 29 فبراير 1996 أورده خالد اليزيدي، مرجع سابق،
ص: 95.

[28]  – محمد المنتصر الداودي، “الإشكاليات القانونية والواقعية في اختصاص القضاء الإداري” دون مطبعة، الطبعة الأولى، 2005، ص: 36.

[29]  – محمود جمعة الزريقي، مرجع سابق، ص: 70.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة