مستجدات المادة49
لتدبير الأموال المكتسبة في الميزان
بقلم مدير المجلة:
ذ. التهامي القائدي
أولا: تعريف المستجد:
بمقتضى المادة 49 من مدونة الأسرة أصبح بإمكان الزوجين إنفاق الأموال التي ستكتسب أثناء قيام العلاقة الزوجية، لكن يلاحظ أن المستجد يوحي بأنه مجرد تقليد نموذج الغربي، إذ أن الأسباب الموضوعية التي لا تطبق في الغرب تختلف تماما فيما ورد في الفقرة الأولى من المادة 49 على أن لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر، وأن هذه الفقرة تستمد روحها من الفقه الإسلامي، غير أن المشرع المغربي أضاف بأنه إذا لم يكن هناك اتفاق فيرجع للقواعد العامة للإثباب، مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين وما قدمه من مجهودات، وما تحمله من أعباء لتنشئة أموال الأسرة.
وقد أثار هذا المستجد جدلا واسعا بعد صدور المدونة، في حين أن ما ورد في المادة 49 لا يعدو أن يكون إجراءا تنظيميا وفق ما تضمنته الفقرة الثانية التي تنص على أنه يضمن هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج، وأن الجدل الذي أثير لم يكن مبررا ما دام أن النص يتحدث عن الاتفاق الذي يخضع لإرادة الأطراف وفق المادة 230 من قانون الالتزامات والعقود.
ثانيا: هل من الضروري تقنين تدبير الأموال بين الزوجين
تبعا لما هو متعارف عليه في القوانين العربية والإسلامية بصفة أعم، أن الزوجة ليست ملزمة بالإنفاق إلا على وجه التبرع، فضلا على أن ذمتها المالية مستقلة، والحال أن التعريف الفقهي في النظام الغربي للنظام المالي بين الزوجين تم تعريفه بأنه مجموعة من القواعد القانونية التي تحدد مصير أموال الزوجين وتوزيع هذه الأموال عند انحلال الزوجية. والأمر مختلف تماما في المجتمع الإسلامي خاصة من المنظور القواعد القانونية الفقهية في الاقتصاد الإسلامي. ذلك أن عبء النفقة تقع على الزوج بدءا من بناء العلاقة الزوجية مهما كانت المرأة موسيرة أي أن مساهمتها إن فعلت تكون على وجه التبرع ليس إلا.
والغريب في الأمر أن بعض الفقهاء الغربيين استنتجوا أن التشريعات ذات المصدر الإسلامي لا يوجد بها نظام مالي خاص للزوجة.
وحيث أن الإنكار الغربي لوجود التنظيم للجانب المالي للعلاقة الزوجية في التشريعات ذات المصدر الإسلامي، إنكار غير صحيح، وينم على عدم إطلاعهم على الفقه الإسلامي.
فهل الواجب المالي المؤدى من طرف الزوج في شكل صداق، والذي يشكرا أحد الشروط الأساسية لقيام الزواج.
وهل إلزام الزوج بإعداد منزل الزوجية مسبقا، وهل إلزام بأداء النفقة، وهل منع الزوج من التصرف في مال زوجته حتي وإن كان هذا الزوج مثقلا بالديون، ألا تشكل هذه العلاقة علاقة مالية بين الزوجين؟ ذلك أن المرأة في ظل التشريع المستمد من التشريع الإسلامي، الذي ينص على أنه لا ولاية على مال زوجته كما ألقى بكل الواجبات والتبعات ذات الطابع المالي على عاتق الزوج. إن هذه المعايير الاقتصادية لا وجود لها في النظام الغربي.
غير أن التطور الذي شهده المجتمع المغربي في السنوات الأخيرة، وخروج المرأة إلى العمل بعد أن كانت تضطلع بالمسؤولية فقط داخل بيت الزوجية، لم يغير من الوضعية القانونية للمرأة فيما يخص مساهمتها المادية في الإنفاق داخل الأسرة إلا برضاها ودليلنا على ذلك أن لها حق التطليق عند عجز الزوج عن الإنفاق.
وإذا كان المغرب ثاني دولة عربية تنص على هذا المستجد بعد المشرع التونسي الذي سمح للزوجين باختيار نظام الاشتراك في الممتلكات المكتبسبة خلال فترة الزوجية فإنه لا يمكن اعتبار أن هذا النص المقتبس من بعض القوانين، مكسبا للمرأة المغربية إسوة بالمرأة الغربية، ذلك أنه باستقراء تاريخي لتطور الذمة المالية للمرأة في الغرب، فإننا نجد أن المرأة في المجتمعات الغربية هي من كان ملزما بأن تقدم أموالا للزوج عند إبرام عقد الزواج، بخلاف المجتمعات الإسلامية والتي يلزم فيها الزوج بكافة القواعد القانونية المنشأة للنفقة حتي وإن بلغ أبناؤه سن الرشد والأمر مخالف للمجتمعات الغربية أي أن الأب غير ملزم بالنفقة بعد بلوغ الأبناء سن الرشد القانوني ذكورا وإناثا.
كما أنه بمجرد إبرام عقد الزواج فإن أموال الزوجة في الغرب المسيحي تصبح أموالا مشتركة بين الزوجين، وتؤدى منها ديون الزوج في حالة وجودها بل أنه في العصور القديمة، كانت الزوجة نفسها تسلم للدائن في حالة إعسار الزوج المدين.
وأن المرأة الغربية ناضلت من أجل أن تستقل ذمتها عن ذمة الزوج، وهو ما تؤكده الإحصائيات الحديثة والتي تؤكد أن أغلب الدول الغربية وفي مقدمتها فرنسا وبلجيكا مثلا، فإن معظم عقود الزواج تنصب على استقلال الذمة المالية
لكل من الزوجين تماشيا مع ما يشهده الغرب من تشبث المرأة بحرية التصرف في شؤونها الخاصة معنوية كانت أو مادية، دون أن نغفل ما تعرفه هذه المجتمعات من الابتعاد عن نظام الزواج التقليدي باتجاه نظام العيش المشترك بين المرأة والرجل حتي دون عقد الزواج فبالأحرى الحديث عن ذمة مالية مشتركة للطرفين.
غير أنه لا يمكن أن ننسى بأنها في المغرب، عرفت بعض المناطق من خلال الأعراف السائدة بها، نظام الكد والسعاية والذي تتمتع به الزوجة بنصيب من الأموال المكتسبة خلال فترة الزوجية يوازي ما قدمته من مجهودات لتنمية هذه الأموال.
ثالثا: موقف الإجتهاد القضائي من نظام الكد و السعاية
إن عدم وجود نص قانوني يسمح بإنصاف بعض الزوجات اللواتي لا يعملن خارج بيت الزوجية بالنسبة للحواضر، والتي لا يمكن إنكار مساهمتها في تنمية ثروة زوجها إن وجدت، أما الزوة في غير الحواضر فإنها تقوم بأعمال الفلاحة من حرث وحصاد وتربية المواشي وغيرها من الأعمال الشاقة والتي تعتبر كلها مساهمة مباشرة في تنمية أموال الزوج.
وهذا ما دفع بالقضاء المغربي بالاعتماد على التراث الفقهي والعرف السائد، رغبة منه في تحقيق نوع العدالة فيما يخص هذا الإشكال المتنازع فيه حول الثروة المكتسبة للطائفتين المذكورتين، وتبني القضاء المغربي نظام الكد والسعاية، والتي أساسها حق المرأة في جزء من الثروة التي ينشئها الزوج خلال فترة الزوجية في نطاق ما يقدم أمام القضاء من توضيحات بين كل حالة وحالة وأن القاعدة لا يمكن تطبيقها بوجه أعم.
كما أصدرت المحكمة الابتدائية بإنزكان أيضا حكما صادرا بتاريخ 23/3/2005 حكم رقم 447 حيث جاء فيه “أن المحكمة، وللوقوف على الحقيقة، وتطبيقا للقواعد الفقهية المعمول بها وللتأكد من عمل الزوجة وما قدمته من مجهودات في تنمية أموال الأسرة، اتضح أن جميع الشهود أجمعوا أنها كانت تكد وتجتهد بجانب زوجها، وبناءا على النوازل والفتاوى وحكمت في النصف”.
وطريقة تحديد ذلك تخضع للقواعد الفقهية التي تقضي بأن مقابل السعي لا ينصب على كل المال المكتسب، ومن العناصر التي يعتمد عليها القضاء في مثل هذه الحالات، عمل كل واحد من الزوجين مع ماقدمه كل منهما، وما تحمله أيضا كل طرف من أعباء لتنمية أموال الأسرة دون توضيح بعض الأعباء، مما يتيح إمكانية اعتبار الأعباء المعنوية كذلك إثبات قدر المساهمة، ومردوديتها مع بيان ما كان يمكن الزوج الأخر قبل حصول المساهمة، وقد قضت إحدى المحاكم بتزنيت: ” بأنه للمطلقة نصف المستفاد خلال فترة الزواج مقابل كدها وسعايتها” ([1]).
وحيث إنه بالإطلاع على بعض الأنظمة المالية للزوجين في التشريع المقارن نجد مثلا أن الفصل 1387 من القانون المدني الفرنسي جاء فيه: ” للأزواج كامل الحرية من أجل اختيار النظام المالي المناسب لظروفهم، ولا يقيدهم في ذلك سوى مراعاة الأخلاق الحميدة، وبعض المقتضيات القانونية الخاصة لكل تشريع”.
فمثلا للزوجين الحق في اختيار نظام المساهمة في المكتسبات، أو النظام الشامل، كما بإمكان الأزواج الجمع بين نظام انفصام الأموال، ونظام اشتراك الأموال، عبر تبني نظام الفصال الأموال مصحوب بشركة المكتسبات.
فبالرغم مما ذكر فإن موقف المشرع المغربي في المستجد في الفقرة الثانية من المادة 49 من مدونة الأسرة، يبقى محمودا، حيث تضمن أن الاتفاق يكون في وثيقة مستقلة، لما لعقد الزواج من قدسية، والذي يختلف عن سائر العقود المدنية، وأن المستجد إشارة لمن أراد أن ينشئ عقدا اتفاقيا لتدبير الأموال المكتسبة خلال فترة الزواج.
كما أنه يمكن التعديل في الاتفاق متي شاء المتعاقدين، أو إلغاءه كليا، وهذا التوجه يتماشى مع استقرار الأسرة، وحاجة أحد الزوجين للتصرف في أمواله بحرية ولذلك لم يمنع المشرع التعدي في الاتفاق أو إلغاءه.
وهنا تجدر الإشارة أن عقود الزواج المبرمة بين المغاربة المقيمين في الدول الغربية أمام ضابط الحالة المدنية بدولة الإقامة وفق مقتضيات المادة 14 من مدونة الأسرة، فإن الزوجة إذا كانت عاملة تصبح بمقتضى القانون الفرنسي ملزمة بالمساهمة في الإنفاق على الأسرة، في حالة إذا طالب بذلك الزوج، باعتبار أن المشرع الفرنسي يقر بمساهمة الزوجة في تحمل أعباء الأسرة، خاصة بعد صدور قرار محكمة النقض الفرنسي بتاريخ 20/10/1987 والقاضي بتطبيق القواعد المتعلقة بالنظام المتعلقة بالنظام المالي على كل المقيمين على التراب الفرنسي.
وتجدر الإشارة أنما أشير إليه من نظام الكد والسعاية كاجتهاد فقهي في ما يخص المناطق الغير الحضرية قبل أن تلج المرأة العمل في كل مستوياته وبصفة متساوية من حيث الأجر بل وبالتفاوت أحيانا فإنه يجدر الآن بالقضاء أن ينظر نظرة واقعية على أن المرأة المتقفة عليها ألا تدعي الجهل بالقانون لأن لا يعذر أحد بجهله أي أن الزوجة لم يمنعها القانون من أي اشتراط فيما يخص مساهمتها في النفقة إن كانت هناك فعلا مساهمة مستدامة أن تشترط على زوجها الشراء المحلات العقارية بصفة مشتركة وفق الإرادة الاختيارية بين الطرفين ما لم يتغير النص القانوني بجعل النفقة متساوية بين الزوجة والزوج كل قدر استطاعته أما أن يكون الزوج عاجزا عن النفقة ورغم ذلك يلزم بالإنفاق والمرأة لها راتب شهري فإذا وقع انفصام في العلاقة الزوجية وظهر شيء ما للزوج فإنه لا يجوز الادعاء بمفهوم تطبيق نظام الكد والسعاية.
[1]حكم صادر في 24/12/1960.
ذ/ وحداني نور الدين
نائب وكيل الملك بالمحكمة
الابتدائية بآسفي
مقدمة:
من المسلم به أن الدعوى العمومية هي حق للنيابة العامة، وهي تثار باسم المجتمع بكامله، والذي تمثله النيابة العامة هو النيابة العامة وقد باعتبارها خصماً شريفاً وتتكون الدعوى العمومية من طرفين الطرف المدعي الذي يكون عادة هو النيابة العامة وقد يكون استثناء جهات أخرى حددها القانون أو يكون المتضرر نفسه، والطرف المدعي عليه هو المتهم سواء فاعلا أصليا أو مساهما أو مشاركا.
وقد عهد قانون المسطرة الجنائية للنيابة العامة بإقامة الدعوى العمومية وممارستها، أي تحريكها وتتبعها ومراقبة سيرها إلى غاية تنفيذ الحكم بشأنها مستعينة لتنفيذ هذه الغاية بتسخير القوة العمومية.
وإقامة الدعوى العمومية هي تحريكها عن طريق إحالة الخصومة الجنائية على المحكمة لتنظر فيها، وأما ممارستها فهي تتبع الدعوى وتقديم الملتمسات بشأنها وحضور الجلسات وكذا سلوك طرق الطعن التي يتيحها القانون.وفد اختلفت النظم التشريعية حول قدرة النيابة العامة في التصرف في الدعوى العمومية فمنهم من ذهب إلى القول بوجود حرية كاملة لها و إعطائها كافة الصلاحيات في التصرف في الدعوى بتحريكها أو حفظها أو عدم رفعها أصلا ومنهم من رأى العكس باعتبار أن هذه الصلاحية في تحريك أو عدم تحريك الدعوى العمومية هي مقيدة.
وعلى هذا الأساس سنقسم هذه الدراسة إلى محورين.
- المحور الأول: مبدأ الشريعة أو قانونية المتابعة والذي سنتطرق له بإيجاز.
- المحور الثاني: مبدأ ملاءمة المتابعة.
تحريك الدعوى العمومية بين مبدأ الشرعية أو قانونية المتابعة ومبدأ ملاءمة المتابعة.
أولا: مبدأ الشريعة أو قانونية المتابعة:
مفاده أنه على النيابة العامة بمجرد ما يبلغ إلى علمها أمر واقعة مجرمة وتحققت من وجود عناصرها القانونية ودلائل نسبتها إلى متهم معين أن تحرك الدعوى العمومية اتجاه هذا المتهم. فالنيابة العامة تلتزم بتحريك الدعوى العمومية في جميع الجرائم كيفما كانت درجة خطورتها دون أن يكون لها من السلطة التقديرية ما يسمح لها باستبعاد أية جريمة من أن تعرض على القضاء، وقد عبر عن ذلك الأستاذ الخمليشي بقوله بأن النيابة العامة تكون ملزمة بفتح المتابعة ضد من نسبت إليه تلك الجريمة بصرف النظر عن وجود أدلة إثبات أو قرائن مؤيدة للنبأ أو عدم وجود ذلك، ويترك للمحكمة مهمة تصفية البلاغات الصحيحة عن الوشايات الكاذبة.
ومبدأ الشرعية يضمن إلى حد ما أدلة لا تحيز فيها، وذلك بمتابعة ومعاقبة كل مرتكب جريمة ما دامت الأدلة الموجودة كافية لإدانته، وإعمال هذا المبدأ حسب بعض الفقه يمنع تحكم النيابة العامة في الدعوى العمومية كما يؤدي إلى تحقيق المساواة بين جميع الاظناء أمام القانون.
إلا أن لمبدأ الشرعية عيوب حيث يساهم فيها إثقال كاهل الجهات المختصة بالتحقيق ولا سيما المحاكم الجنائية التي تشتغل بكثير من الدعاوي القليلة الأهمية والتي تستنفذ وقت وجهد القضاء دون ما ضرورة حقيقة لهذا بل إن المتابعة تثار لوجود أدلة ضعيفة أو ناقصة أو غير كافية الأمر الذي يترتب عنه صدور أحكام بالبراءة التي تحرج النيابة العامة التي تبادر إلى الاستئناف الأمر الذي ينتج عنه تضاعف المصاريف الإجرائية التي تتكبدها الدولة.
ثانيا مبدأ ملاءمة القضاء:
عرف الأستاذ الخمليشي المبدأ: ((بأنه ذلك الأسلوب التقديري الذي يخول للنيابة العامة سلطة تقدير ما يرد عليها من مستندات وبلاغات بارتكاب الجرائم فإن تبين لها من تقديرها الأولي وجود قرائن يمكن أن تؤدي إلى إدانة المعني بالأمر، أثارت الدعوى العمومية وأن ظهر لها أن القضية خالية من كل إثبات أو أنها لا تكون جريمة يعاقب عليها القانون امتنعت من تحريك المتابعة))[(1)].
إذن فمن خلال هذا التعريف فبدأ الملائمة يعطى الحق للنيابة العامة بأن تختار بحسب الدلائل والمعطيات لديها بين أن تحرك الدعوى العمومية أو لا تحركها، على إنه إذا تم تحريك الدعوى العمومية فإن مباشرتها تصبح لازمة على النيابة ولا يحق لها بعد ذلك أن تتراجع عن متابعة الدعوى العمومية لأنها ليست ملكاً لها بل هي ملك المجتمع.
فكما أن لقضاء الحكم سلطة تقدير وسائل الإثبات في القضايا المعروضة عليهم وكذا سلطة تقدير العقوبة الواجبة التطبيق فإن لقضاء النيابة العامة في إطار مبدأ الملاءمة، السلطة التقديرية في إثارة الدعوى العمومية أو عدم إثارتها والوسيلة التي تستعملها النيابة العامة في عدم تحريك الدعوى العمومية تعرف بالأمر بحفظ الأوراق ((Classement sans suite))
وذلك في حالة الإنكار أو انعدام وسائل الإثبات.
أما الحالات التي يتوقف فيها تحريك الدعوى العمومية على تقديم شكايات من جهة أخرى فلا مجال للحديث هناك عن سلطة الملائمة، لأن النيابة العامة تكون ملزمة بتحريك الدعوى العمومية إن قدمت شكاية في الموضوع وتكون ملزمة بحفظ القضية وعدم المتابعة في حالة التنازل والأمر ينطبق هنا على بعض الجرائم كإهمال الأسرة والخيانة الزوجية والسرقة حق أحد أصول السارق أو احد أقاربه أو أصهاره إلى الدرجة الرابعة، جرائم التهريب ….
وقد أقر المشرع المغربي بمبدأ الملائمة في الفصل ال40 من ق م ج الذي جاء فيه: ((يتلقى وكيل الملك المحاضر و الشكايات والوشايات ويتخذ بشأنها ما يراه ملائما)) ثم تلي في الفقرة الرابعة من نفس الفصل ((يحيل ما يتلقاه من محاضر وشكايات ووشايات أو يأمر بحفظها بمقرر يمكن دائما التراجع عنه)) ومفاد ذلك أن لممثل النيابة العامة كامل الحرية في التقدير إن شاء حرك الدعوى الجنائية برفعها أو بإجراء التحقيق فيها، وإن رأى عدم ملائمة ذلك قرر حفظ القضية، مع إمكانية إثارة المتابعة مستقبلا كلما قدمت أو ظهرت أدلة أو وقائع يمكن أن تثبت بها إدانة من حرر ضده المحضر أو الشكاية أو الوشاية، علما بأن القضية يمكن أن تخرج من الحفظ تلقائياً بمبادرة النيابة العامة أو بناءا على طلب المشتكي أو الضحية.
وتتلخص مزايا مبدأ الملائمة في أنه نظام متزن يسمح بوزن كل ملابسات الجريمة وخصوصيات المجرم، فهو نظام يقوم إذن على تفريد العدالة وإتمام تدابير الرأفة على الجاني، كما يمكن أن يعود بالفائدة على مصالح المجني عليه وذلك بإتاحته فرصة التعويض التي تبقى أكثر ضماناً من أن يزج بالمتهم في السجن أو تجريده من حقوقه بتنفيذه للحكم بالإدانة.
هذا وإن مبدأ الملاءمة يساعد على التخفيف من أعباء جهات التحقيق والحكم وذلك بإتاحتها متسعا من الوقت هي في أمس الحاجة إليه لتختص بالقضايا الأهم، كما انه يقلص بدرجة كبيرة مصاريف الدولة المخصصة لتنفيذ إجراءات المتابعة أو التحقيق أو الحكم.
أما عيب هذا المبدأ حسب ذ. الخمليشي أنه يجعل من النيابة العامة محكمة تتولى تقدير قيمة وسائل الإثبات مع أن هذا ليس من اختصاصها بل من اختصاص قضاء الحكم كما انه يسهل عليها إمكانية التحيز.
إلا أنه لا يجب أن يغيب عن النظر أن النيابة العامة تصون المصالح العامة للمجتمع، وانها لا تقوم بعملها إلا بغرض الحفاظ على هاته المصالح، كما لا يجب أن يغيب عن النظر أيضاً أن مبدأ الملائمة يعمل من ناحية أن القانون يفترض أن العقاب على كافة الجرائم مفيد للحفاظ على المصالح العامة للمجتمع، بل يعهد إلى النيابة العامة بالبحث في مطابقة ظروف الحال لتحريك إجراءات العقاب من عدمها، وقد تتناول النيابة العامة بعد ذلك الفائدة الاجتماعية العملية للعقاب وتحدد إلى أي مدى تخل الجريمة بالنظام العام لتثبت فيما إذا كان العقاب على الجريمة قد يصلح الخلل الاجتماعي الراجع إليه أم لا.
وهذا الحديث يقودنا إلى الحديث عن العناصر التي يقوم عليها قرار الملاءمة أو عدمها، حيث نجد هناك عنصرين: الأول يتعلق بجسامة الخلل الاجتماعي التي تخلفه الجريمة والثاني يتعلق بفحص شخصية الجاني.
أ- الخلل الاجتماعي
لا شك أن كل جريمة تخل بالنظام الاجتماعي بحسب ضعف أو قوة وقوعها على المجتمع، وتدفع النيابة العامة بمقتضى مبدأ الملائمة أن تحدد طبيعة الخلل الاجتماعي لتقدير مدى جسامته في سبيل البت حول الفائدة العملية للعقاب، إلا أنه في الواقع العملي لا يمكن تعداد الظروف التي من أجلها تقوم سلطة المتابعة عليها، لأن هذه الظروف متعددة للغاية وتختلف باختلاف الأحوال وأنه يمكن استخلاص العناصر التي تقود بصفة عامة قرار هاته السلطة في عنصرين أحدهما يتعلق بالجريمة والأخر يتعلق بالأصداء الاجتماعية الناشئة إما عن تطبيق العقاب أو التخلي عن الإجراءات.
ويدخل ضمن العناصر المتعلقة بالجريمة عنصر جسامة الخطأ من طرف الجاني بل إن بعض التشريعات[(1)]يعتبر هذه الجسامة شرطا يخول النيابة العامة سلطة التقدير فيكون الخطأ بدرجة قليلة من الجسامة وذلك بتحليله إما بطريقة موضوعية من خلال تحديد درجة مضادة سلوك الجاني للمجتمع وإما بطريقة شخصيته وذل من خلال توافر أو عدم توافر الإرادة الإجرامية والطبيعة العمدية للفعل فضلا على أن يقام وزن جسامة النتائج المباشرة للجريمة وطبيعة الضرر الحادث وجسامة العلاقات الشخصية القائمة بين الفاعل وبين المجني عليه دون أن ننسى أيضا عنصر التأثر الكبير او الهين الذي تحدثه الجريمة لدى الجمهور ومدى انتساب فعل التعدد ودرجة احتمال العودة إليها حيث يلزم أن تدخل في الحساب اعتبارات الوقاية من جريمة مستقبلية ويكون تحريك الإجراءات عادة مفيدا لصيانة المصالح العامة للمجتمع حيث تسجل سلطة المتابعة توافر واحد أو أكثر من هذه العناصر فضلا على أن توازن هذه السلطة بين ملائمة الكشف عن الواقعة وبين التغاضي عنها.
ب- شخصية الجاني:
من بين ما يجب أن ترتكز عليه النيابة العامة في تقديرها لسلطة المتابعة، نجد شخصية الجاني التي يجب أن تبحث من خلالها فيما إذا كان مبتدءا أو عائدا وفيما إذا كان الفعل عرضيا أم انه يخشى أن يعود إليه الجاني من جديد في حالة التسامح فضلا عن البحث فيما إذا كان الإجراء المتخذ ضده يلحق به ضررا اشد لا يتناسب مع الضرر الناتج عن جريمته بل على النيابة العامة أيضا أن تزن الموقف اللاحق للجاني وعلى الأخص انصراف إرادته إلى إصلاح آثار سلوكه.
الطبيعة القانونية لقرارات النيابة العامة وكيفية صياغته
يقوم عضو النيابة العامة في إطار استعماله لسلطة تقدير ملاءمة تحريك الدعوى العمومية بعمليتين متتاليتين: فهو يبدأ بدراسة مشروعية المتابعة أولا وبعد أن ينتهي منه يقوم بدراسة ملائمة المتابعة في عنصر ثان.
1. ففحص مشروعية المتابعة تقتضي أولا التحقق من وجود الجريمة ومن مسؤولية المشتبه فيه ثانيا، وكون الدعوى العمومية مقبولة ثالثا.
أ. فوجود الجريمة يعني الوجود القانوني لها، وهذا لا يتم إلا إذا انتهى عضو النيابة العامة من دراسته للواقع وإخضاعها للتكييف القانوني المناسب لها من خلال تحديد النص العقابي لها.
ب. ثم مسئولية المشتبه فيه الجنائية بحيث أنه من المهام أيضا التي يجب أن يأخذها عضو النيابة العامة في الاعتبار، هي أن يتأكد من عدم وجود سبب من الأسباب التي تجعل الفعل مباحا والمسماة أسباب الإباحة، أو سبب من الأسباب التي تقوم معها المسئولية الجناية للجاني والمسماة موانع المسؤولية والتي تجعل قاضي النيابة العامة يصدر قراره بالحفظ للعلة المذكورة أعلاه.
ج. قبول الدعوى العمومية: لإتمام فحص مشروعية المتابعة يلزم على عضو النيابة العامة أن يتأكد من كون الدعوى العمومية مقبولة شكلا وحتى لا يتفاجأ بدفع من الدفوعات الشكلية التي يثيرها دفاع المتهم كبطلان محضر الضابطة القضائية لعدم قانونية مدة الحراسة النظرية أو عدم إشعار عائلة المتهم أو التناقض أو عدم الإشارة في المحضر للصفة الضبطية لمحرره أو عدم إشعار العون القضائي للمملكة في الجرائم التي يرتكبها موظفو الدولة أو عدم الانتباه لمدة التقادم أو وجود صلح متى كان هذا الصلح سببا لسقوط حق الدولة في العقاب كما هو الشأن فى جرائم التهريب الجمركي.
2- فحص ملاءمة المتابعة
الملاحظ أنه في ظل مبدأ ملاءمة المتابعة تحاول النيابة العامة أن توازن بين سلطتها في تقييم العناصر الماثلة أمامها موضوعيا، وكذا بين اقتناعها الأكيد بفائدة المعاقبة وهذه تنتج لا من قواعد القانون وإنما من الظروف الخاصة للجريمة إذ أنه إلى جانب التحليل الموضوعي لعناصر الواقع والقانون يضاف إليه العامل الشخصي الذي يتوقف أخذه على حرية اقتناع سلطة المتابعة.
والدعوى العمومية المخولة للنيابة العامة ليست ملكاً لها بل هي ملك المجتمع وحتى إن تنازل أحد الأطراف عن شكايته فإن هذا التنازل لا يقيد النيابة العامة في تحريك الدعوى العمومية ومتابعته المتهم والمطالبة بإدانته إلا في الحالات الاستثنائية التي سبق ذكرها والتي تغل يد النيابة العامة في تحريك الدعوى العمومية إلا بناء على شكاية الطرف المشتكي وأن التنازل
عن الشكاية يؤدي إلى حفظ القضية إن لم تكن قد حركت الدعوى العمومية ويؤدي إلى سقوط الدعوى العمومية بعد تحريك المتابعة.
والملاحظة الجديرة بالإثارة في هذا الشأن أن قرار ممثل النيابة العامة في تحريك المتابعة أو حفظها إن وجد أساسه القانوني في مبدأ ملاءمة المتابعة فإن قانون المسطرة الجنائية الجديد تبناه بشكل واضح في الآليات الجديدة المقترحة لمكافحة الجريمة وحماية الضحايا، ومن ضمنها آلية الصلح بين الخصوم الذي أقرته المادة 41 ق م ج التي جاء فيها: يمكن للمتضرر أو المشتكي به قبل إقامة الدعوى العمومية وكلما تعلق الأمر بجريمة يعاقب عليها بسنتين حبسا أو أقل أو بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم أن يطلب من وكيل الملك تضمين الصلح الحاصل بينهما.
ولذلك فإن من أسباب الاطمئنان إلى العدالة الجنائية تمكين الضحايا من الوصول إلى حقوقهم عبر تسوية حبية دون اللجوء إلى حكم قضائي وهذا التدبير أحدث حلا وسطا بين قرار النيابة العامة في تحريك المتابعة وبين قرارها في حفظ المتابعة وفي نفس الوقت يقدم حلا للضحية بالحفاظ على حقوقه ويصون حقوق المجتمع.
وبطبيعة الحال فإن مسطرة الصلح المشار إليها في المادة 41 ق م ج المذكورة توقف إقامة الدعوى العمومية.
بل إن المادة 372 ق ج م ذهبت إلى أكثر من ذلك حيث نصت على أنه: إذا كان الأمر يتعلق بمتابعة من أجل جنحة من الجنح المنصوص عليها في المادة 41 من هذا القانون، فإنه يمكن للمحكمة المعروض عليها القضية بناء على ملتمس تقدمه النيابة العامة في حالة تنازل الطرف المتضرر من الفعل الجرمي عن شكايته، أن توقف سير إجراءات الدعوى العمومية …
فآلية إيقاف سير الدعوى العمومية التي أتى بها قانون المسطرة الجنائية جاءت للحفاظ على الروابط الاجتماعية بين طرفي النزاع، و لإذكاء فضائل التعايش والتسامح خاصة حين لا يكون الضرر الاجتماعي ذا أهمية بالغة والأمر ينطبق هنا على الجرائم المحصورة في المادة 41 ق ج و هي التي يعاقب عليها بسنتين حسبا أو اقل بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم.
فإمكانية إيقاف سير الدعوى العمومية المخول لقاضي الحكم بناء على ملتمس النيابة العامة يكون عندما تحرك الدعوى العمومية وتعرض القضية على هيئة الحكم ويتم الإدلاء بتنازل صادر عن الضحية لفائدة المتهم فإن النيابة العامة يمكنها أن تقدم ملتمسا بإيقاف إجراءات سير الدعوى العمومية للتنازل وقاضي الحكم يتبني هذا الملتمس ويصدر الحكم بإيقاف سير الدعوى العمومية للعلة أعلاه وهذا يتم في مرحلة تحريك الدعوى العمومية ووجود التنازل.
لكن هل يمكن أن ينطبق نفس الأمر قبل تحريك الدعوى العمومية من قبل النيابة العامة، أي في مرحلة دراسة القضية من قبل ممثل النيابة العامة ويكون هناك تنازل في الملف، فهل هذا التنازل يشفع لممثل النيابة العامة في إصدار قرار بحفظ المتابعة للتنازل أم يقرر المتابعة رغم وجود تنازل وينتظر مرحلة المحاكمة لتقديم ملتمس إيقاف المتابعة.
جواباً على ذلك من وجهة نظر شخصية أقول انه ما دام أنه من أسباب الاطمئنان إلى العدالة الجنائية تمكن الضحايا من الوصول إلى حقوقهم عبر تسوية حبية دون اللجوء إلى حكم قضائي وذلك بفضل التصالح بين طرفي الخصومة المباشرين الأمر الذي يؤدي إلى استقرار الامن واستتباب الطمأنينة بالمجتمع فمن البديهي أن تكون لممثل النيابة العامة صلاحية اتخاذ قرار بالحفظ في الجنح المنصوص عليها في المادة 41 من ق م ف م ج لوجود صلح أو تنازل لأنه سيكون من باب تحصيل حاصل تحريك المتابعة وانتظار مرحلة المحاكمة لتقديم ملتمس إيقاف سير الدعوى العمومية لقاضي الموضوع، الامر الذي سيثقل كاهل المحكمة بمثل هذه الملفات وما أكثرها مما سيزيد في تطويل إجراءات ومدة التقاضي لنصل إلى نفس النتيجة وهي إيقاف سير إجراءات الدعوى العمومية والتي كان من الممكن أن تختزل في قرار الحفظ الأولى الذي يتخذه ممثل النيابة العامة، سيما إذا تعلق الأمر بنزاع بين الأقارب أو بين الزوج وزوجته أو بين الابن وأحد أصوله.
والجدير بالذكر أن طبيعة القرارات التي تتخذها النيابة العامة إثر ممارستها لسلطة الملائمة في تحريك الدعوى العمومية بالمتابعة أو حفظها هي أصلا قرارات قضائية بطبيعتها صادرة عن القضاء الواقف ليبت فيها القضاء الجالس، وأن هذا الاختصاص لمن شأنه تحديد سلطة القاضي الزجري عند النظر في الدعوى العمومية في حدود المتابعة وما جاءت به وثيقة الاتهام:
– الاستدعاء أو قرار الإحالة من وصف للجريمة المرتكبة وفصول القانون المطبقة عليها.
والنيابة العامة قبل ممارستها الدعوى العمومية بإجراء المتابعة تتوفر على صلاحيات هامة لجمع عناصر الدعوى العمومية فهي تتلقى الشكايات والبلاغات واليها تقدم محاضر الضابطة القضائية والمساطر المجراة في البحث التميهدي وهي تتمتع بسلطة تقديرية “سلطة الملاءمة” في فتح المتابعة أو الحفظ أو إعادته لتعميق البحث، وهي بذلك تهيء عناصر الدعوى التي يجب أن تكون مؤسسة على أساس قانوني سليم، لأن المتابعة هي المطالبة المقدمة إلى قضاء الحكم باسم المجتمع والرامية إلى توقيع العقوبة على مرتكب الجريمة فهي إذن المطالبة عن طريق القضاء وهي مجموعة من الإجراءات حددها القانون سلفاً، والهدف منها الحصول على حكم قضائي يقرر تطبيقا صحيحا للقانون في شأن وضع إجرامي معين، فالنيابة العامة قبل تقديم الدعوى العمومية تقوم بجمع المعلومات الكافية عن القضية ودراستها ومن تم تنتقل إلى تكييفها، لأن التكييف هو التقدير المبذول من قاضي النيابة العامة لاستخلاص الخصائص القانونية المنبعثة في الوقائع ومطابقتها مع الأركان والعناصر القانونية للجريمة المشكلة فيها تلك الوقائع، هذا التكييف الذي يشكل من الناحية الوجدانية الصورة الحقيقة للنازلة، وهو نواة الحكم الجنائي الذي سيصدر لأنه انتقاء مدروس للوصف الذي ينطبق مفهومه المجرد مع الخصائص القانونية الناتجة عن الوقائع كما تأكدت لدى وكيل النيابة العامة واقتنع بها وإعطائها وصفا ماديا محددا ثم اسما قانونيا- جريمة كذا- معبرا بذلك عن العلاقة الصحيحة التي تربط الوقائع المجرمة بالوقائع القانونية التي تحكمها وإن هذه الخاصية- دراسة ملف النازلة قبل المتابعة- تنفرد بها النيابة العامة دون غيرها من هيئات قضاء الحكم.
لكن إن كان تكييف المتابعة هو الأساس القانوني لها ولتحريك الدعوى العمومية والمتابعة. فهل تكييف المتابعة يخضع للسلطة التقديرية المطلقة لممثل النيابة العامة أم له ضوابط لازم أن يخضع لها أي لابد أن يكون معللا للجواب على هذا السؤال، وما دمنا سلمنا بكون قرارات النيابة العامة بشأن المتابعة أو الحفظ هي قرارات قضائية، إذن فمن اللازم أن تكون معللة لأن طبيعة القرار القضائي تستوجب التسبيب والتعليل.
إذن فما المقصود بالتعليل أو التسبيب؟
يقصد بكلمة التسبيب أو التعليل عند رجال الفقه والقضاء احتواء القرار القضائي على الأسباب الواقعية والقانونية التي أدت إلى صدوره فكما على قاضي الحكم أن يعلل أحكامه فايضا على قاضي النيابة العامة أن يعلل قراراته وغاية الأمر أن استعمال التعليل يتميز بإبراز دور القاضي الجالس أو الواقف في ممارسته لوظيفته ويبرز أيضا فكرة رقابته في ممارسته لسلطاته.
ويتضمن التحليل الذي يجريه القاضي أمرين في وقت واحد أولهما هو أن يعرض القاضي* جالس أو واقف* في قراره مجموعة الأسباب الواقعية والقانونية التي قادته إلى التقرير وإصدار قراره على نحو معين، ويعد التحليل عند هذا الحد ركنا شكليا في القرار القضائي باعتباره
النموذج الذي لا خلاف على تعليله والأمر الثاني هو أن تعبر هذه الأسباب والتعليلات عن العملية العقلية التي وصل بها القاضي إلى نتيجة معينة. وبذلك يكون التسبيب إجراء ونتيجة في آن واحد لأن سائر الأعمال القضائية بما فيها أعمال النيابة العامة يجب أن تكون معللة لأن التعليل يحمل القرار القضائي في طياته الدليل والبرهان على أن القاضي لم يضمنه إجراءات سرية وإنما يتضمن قراره الإيضاح الحقيقي لإرادته. وهو ما ينتفي معه أي احتمال للغموض أو اللبس أو التحكم أو التعسف فى المتابعه أو الاعتقال وبذلك يؤدى التعليل دوره في الحماية الاجتماعية باعتباره إجراء يستهدف تحقق مصلحة عامة[(1)] وتتجلى أيضا أهمية التسبيب فيما يلي:
- التعليل ضمان لعدم المتابعة بناء على هوى أو ميل شخصي لممثل النيابة العامة.
- التعليل يؤدي إلى احترام حقوق الدفاع لأنه يعتبر وسيلة غير مباشرة لتحقيق حق الدفاع.
- التعليل يعني حلول الاستلال محل التأكيد وتصبح المتابعة وسيلة للإقناع وليس مجرد ممارسة لسلطة الاتهام.
- التعليل يؤدي إلى إقناع الرأي العام بعدالة المتابعة ويكسب ثقة المتقاضين.
- التعليل وسيلة لحماية ممثل النيابة العامة مما قد يقع عليه من ضغوط لكونه يبرر المتابعة التي أثارها.
ونظرا لأهمية التعليل في تسطير المتابعات، فقد تبناه المشرع المغربي في المادة 47 من قانون المسطرة الجنائية الجديد حيث نصت الفقرة الأخيرة منه على: “يمكن لوكيل الملك في غير حالة التلبس بجنحة، أن يطبق المسطرة المنصوص عليها في الفقرتين الأولى والثانية أعلاه- إصدار الأمر بالإيداع في السجن في حق المشتبه فيه الذي اعترف بالأفعال المكونة لجريمة، يعاقب عليها بالحبس أو ظهرت معالم أو أدلة قوية على ارتكابه لها، والذي لا تتوفر فيه ضمانات الحضور أو ظهر انه خطير على النظام العام أو على سلامة الأشخاص أو الأموال وفي هذه الحالة يعلل وكيل الملك قراره”.
ورغم تبني المشرع المغربي لضرورة تعليل قرار النيابة العامة إلا أن هذا التعليل جاء محتشما ومقيدا باعتراف المتهم بالأفعال المكونة لجريمة يعاقب عليها بالحبس أو ظهرت معالم أو أدلة قوية على ارتكابه لها إضافة إلى ضرورة عدم توافر ضمانات الحضور فيه وظهر على أنه خطير على النظام العام أو على سلامة الأشخاص أو الأموال.
إذن هكذا نلاحظ بأن وكيل الملك غير ملزم بتعليل كل قراراته، باستثناء قرار الإيداع في السجن في غير حالة التلبس بجنحة والذي يشترط الاعتراف أو تواجد أدلة إثبات قوية إضافة لعدم توافر ضمانات الحضور.
والجدير بالذكر أن الملاحظة المثيرة للانتباه في هذا الشأن إن صياغة الفصل بخصوص التعليل لم تأت بصيغة الوجوب. بحيث جاءت العبارة بأنه “في هذه الحالة يعلل وكيل الملك قراره” بحيث أنه قد يستشف ضمنيا بأن وكيل الملك غير ملزم بتعليل القرار المذكور.
كما أن الفصل لم يرتب أية أثار عند إغفال ممثل النيابة العامة تعليل قراره بالإيداع في السجن أو عدم رغبة في التعليل.
واستنادا على ما ذكر نستشف بأن مبدأ وجوب التعليل لم يأخذ مكانة المستحق والمفروض في ظل ق م ج المغربي لأننا نتمنى أن تكون كل القرارات القضائية التي تتخذها النيابة العامة أن تكون معللة تعليلا كافيا ومقنعا، وأن لا يقتصر الأمر على حالات المتابعة في حالة اعتقال بل أيضا على حالات المتابعة في حالة سراح، لأن قاضي الحكم غير ملزم بطبيعة الإحالة فكما يمكن إصدار حكم بوقف التنفيذ أو البراءة في حالة الإحالة في حالة اعتقال فإنه أيضا يمكنه إصدار عقوبة حبسية نافذة في حالة المتابعة في حالة سراح وهنا تهدر حقوق المتهم وحق الدفاع الذي توبع من طرف النيابة العامة دون أن يكون قرارها معللا ومقنعا وصدرت في حقه عقوبة حبسية نافذة.
كما أننا نسجل بكون تعليل قرارات النيابة العامة ويتطلب صيغة خاصة، فلا يكفي أن تضمن المتضمنة في صك المتابعة على ظهر محضر الضابطة القضائية بالاقتصار على الإشارة لأسم المتهم والتهمة ونص المتابعة بل يجب أن يجب أن تكون المتابعة مضمنة في محضر مستقل تضمن فيه الهوية الكاملة للمتهم والإشارة لدفاعه وكذا الطرف المشتكي ونائبه وتضمن فيه تصريحات المتهم كاملة، ثم بعد ذلك تأتي مرحلة المتابعة التي يجب أن تكون معللة تعليلا مقنعا وواقعيا وقانونيا، لأنه كما أن الأحكام غير معللة تنزل منزلة العدم فأيضا إن قرارات النيابة العامة الغير معللة يكون لها نفس المصير.
[(1)] شرح قانون المسطرة الجنائية، احمد الخمليشي، ص 49.
[(1)] قانون الإجراءات الجنائية الألماني.
[(1)] j. flour, jh, aubert, les obligations, vol,l-la gazette juridique p 197-1975-198
منشور، مؤلف الدكتور عزمي عبد الفتاح


