الضرر البحري في التشريع المغربي
نور الدين الرحالي
باحث في الحقوق (سلك الدكتوراه)
جامعة محمد الخامس– السويسي – الرباط
مقدمة:
تعتبر المسؤولية من أهم وأدق المواضيع التي يبحثها القانون المدني، وهى بالتالي المجال المفسوح الذي يحتك فيه الأطراف بخصوماتهم ونزاعاتهم، ثم أنها تبعا للتطورات التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية أصابها التطور والتجديد، نظرا لما يستحدث فيها على الدوام من نظريات متعددة، وما يحيط بها من جدل فقهي متباين([1]) وما الضرر البحري إلا دليل على تطور أحكام المسؤولية في التشريع المغربي.
ويعتبر موضوع التصادم البحري دليلا على تطور أحكام الضرر في التشريع المغربي خلال طبيعة وخصوصية الأثار المترتبة عنه، إذ تعتبر كل السفن مهما كانت ضخامتها معرضة له في أي وقت، وهو ما يتطلب ضرورة احترام القواعد المنظمة للتصادم البحري، سواء من حيث وقوعه أو من حيث تعويض أضراره، أو من حيث طبيعة الطرف المتسبب فيه.
وتجدر الإشارة إلى أنه يجب على طاقم السفينة ومجهزها الامتثال للقوانين والأنظمة والقرارات المنظمة للملاحة البحرية، فقد فرضت التشريعات القانونية عقوبات تأديبية وزجرية على الربان أو المجهز الذي يرتكب خطأ، يتسبب في إحداث أضرار مادية أو معنوية([2]) سواء للسفينة أو للعنصر البشري.
وبالاطلاع على القانون المغربي نرى أنه لم يخضع الدعوى القضائية في التصادم البحري لإجراءات خاصة، وأنما ترفع وفقا لأحكام قانون المسطرة المدنية باعتباره الشريعة العامة في باب التقاضي أمام المحاكم.
وعليه، فأن الأضرار التي تحدث نتيجة التصادم، تنشأ عنها دعويان، دعوى جنائية يتابع بموجبها مرتكب الخطأ الذي يتسبب في وقوع التصادم، ودعوى مدنية تهدف إلى تعويض الأضرار المادية الناتجة عن التصادم، وهذه الأخيرة هي محور اهتمامنا في هذه الدراسة([3]).
ويطرح موضوع الضرر البحري الناتج عن التصادم البحري مجموعة من الإشكالات منها: الطبيعة القانونية للتصادم البحري: هل هو واقعة قانونية، أم تصرف يتخذ في بعض الأحيان صفة الخطأ العمدي، بالإضافة إلى تحديد الجهات القضائية المختصة بالبت في منازعات التصادم البحري([4])، وأخيرا القانون الواجب التطبيق على واقعة التصادم.
وللإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها، نعتمد التصميم المنهجي التالي:
- المحور الأول: تحديد الضرر البحري: المفهوم والخصوصية.
- المحور الثاني: دعوى المسؤولية المدنية عن التصادم البحري.
المحور الأول:
تحديد الضرر البحري: المفهوم والخصوصية
إذا كان التصادم البحري قد يلحق ضررا بالسفن المتصادمة، فأنه مع ذلك قد يلحق أضرارا بالأشخاص أو البضائع التي توجد على متنها، مما يجعل تقدير التعويض، يختلف باختلاف نوع الأضرار التي قد تنتج عن التصادم، وبحسب ما إذا كانت بدنية أو مادية، والضرر الذي يعنينا أساسا في هذا السياق هو الخسارة اللاحقة بالسفن أو الأشخاص أو البضائع التي على متنها.
وتختلف مسؤولية السفن المتصادمة باختلاف نوعية الضرر، منها ما يلحق السفينة في هيكلها، ومنها ما يلحق الأشخاص والبضائع التي كانت على متن السفن المتصادمة.
أولا: الأضرار التي تلحق السفن
فرضت المسؤولية المدنية نفسها كمحور قانوني هام في الدراسات القانونية بفعل اهتمام التشريع والفقه والقضاء بها، ولازال هذا الاهتمام في تزايد مستمر بفعل المخاطر التي يتسبب فيها الإنسان بفعله أو بفعل الأشياء التي تعهد إليه أثناء القيام بأعمال الحراسة.
ولقيام المسؤولية عن التصادم البحري، يشترط ضرورة ارتكاب خطأ من طرف إحدى السفن أو من كلاهما، وأن ينتج عن ارتكاب هذا الخطأ وقوع ضرر([5]).
وعرف المشرع المغربي في الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود المغربي الخطأ بأنه: “كل فعل ارتكبه الأنسان عن بينة واختيار، ومن غير أن يسمح له القانون بإحداث ضرر مادي أو معنوي للغير”.
ولم يتفق الفقه على تعريف موحد للخطأ، ومرد ذلك إلى أن أغلب التشريعات لم تضع تعريفا له وإذا كانت أغلب التشريعات لم تضع تعريفا للخطأ، فأن المشرع المغربي خروجا منه عن مسلك هذه التشريعات قد عرف الخطأ في قانون الالتزامات والعقود في المادة 78 حينما نص على أنه” كل شخص مسؤول عن الضرر المعنوي أو المادي الذي أحدثه لا بفعله فقط ولكن بخطئه أيضا، وذلك عندما يثبت أن هذا الخطأ هو السبب المباشر في ذلك الضرر، وكل شرط مخالف يكون عديم الأثر.
والخطأ هو ترك ما كان يجب فعله أو فعل ما كان ينبغي الإمساك عنه وذلك من غير قصد لإحداث الضرر” وإذا كان يلاحظ على المشرع المغربي من خلال هذا التعريف أنه أخذ بالاتجاه الموضوعي في تعريف الخطأ، فأنه أضاف في الفصل 96 من قانون الالتزامات والعقود على أن القاصر عديم التمييز لا يسأل مدنيا عن الضرر الحاصل بفعله، ويطبق نفس الحكم على فاقد العقل بالنسبة إلى الأفعال الحاصلة في حالة جنونه، وأنه على العكس من ذلك يسأل القاصر عن الضرر الحاصل بفعله إذا كان له من التمييز الدرجة اللازمة لتقدير نتائج أعماله ولقد كان الخطأ كمصطلح قانوني محط اهتمام من لدن الفقه نظرا للإشكاليات التي يطرحها خصوصا ما يتعلق بوضع تعريف محدد ومضبوط له، حيث لا توجد في مجال المسؤولية المدنية إشكالية اكثر صعوبة من الخطأ([6]) وعليه أن الخطأ يقوم على ركنين: الأول مادي يتمثل في التعدي وهو الفعل الذي ينطوي على الإخلال بالتزام قانوني، والثاني معنوي يتمثل في الإدراك أو التمييز، أي أن الفاعل يدرك تمام الإدراك أن عمله ينطوي على الإضرار بالغير([7]).
ونرى أن الضرر الذي يمكن أن ينتج عن التصادم البحري: هو الخسارة التي تلحق المدعي والمصروفات الضرورية، التي اضطر أو سيضطر إلى أنفاقها لإصلاح الأضرار التي لحقت به وتجدر الإشارة إلى أن الأضرار التي تلحق بالسفن تختلف باختلاف نوع الإصابة التي تعرضت لها السفينة، فقد تكون هذه الإصابة شديدة وجسيمة، وتؤدي بالتالي إلى فقدان السفينة لكامل جاهزيتها وصلاحيتها وهو ما يعرف بالهلاك الكلي للسفينة، كما قد تؤدي الإصابة إلى عوار جزئي قابل للإصلاح، ويبقي بعض أجزاء السفينة صالحة للاستعمال والاستغلال.
وترجع الأضرار التي تنتج عن التصادم إلى ارتكاب خطأ من طرف إحدى القائمين على السفينة([8])، وتقوم في حقه المسؤولية الكاملة.
أ: الهلاك الكلي
أن الهلاك الكلي الذي قد يلحق بالسفينة من جراء التصادم هو فقدانها بالغرق، أو إصابتها بصدمة شديدة تصبح معها غير قابلة للغرض الذي أعدت له و غير قادرة على مواجهة المخاطر البحرية.
ويعتبر شرط مواجهة المخاطر شرطا مميزا للسفينة، من حيث قابليتها للملاحة البحرية وصلاحيتها لهذا النشاط الأساسي، ومتى فقدته أصبحت حطاما([9]) تسري بشأنه مقتضيات ظهير 23 مارس 1916 الخاص بالحطام البحري.
ولقيام المسؤولية عن الهلاك الكلي لابد أن ينتج هذا الهلاك عن فعل ينسب إلى خطأ إحدى السفن المتصادمة، وأن ينتفي أي سبب من أسباب الإعفاء من المسؤولية كالقوة القاهرة، أو الحادث الفجائي، والذي وأن تسبب في التصادم، يجعل المتضرر يتحمل ما أصابه من خسارة من جراء التصادم لانتقاء الخطأ([10]).
فالغاية من التعويض هي جبر الضرر الذي لحق المتضرر، وحتى يكون التعويض عن الهلاك الكلي للسفينة عادلا وقبولا، فلا بد من تقديره على أساس القيمة الحقيقية للسفينة المتضررة وقت التصادم.
وبما أن المسؤولية المترتبة عن التصادم البحري هي: مسؤولية تقصيرية، فأن الضرر الذي يجب تعويضه هو الضرر المباشر([11])، إذ لا يراعى في تقدير التعويض إلا الضرر المباشر الناتج عن الخطأ([12])، وعلى ذلك فأن الخطأ المرتكب من طرف السفينة المخطئة لا تكون مسؤولة إلا في حدود الأضرار التي نتجت عن خطئها بالوصف السابق.
وإذا كان هلاك إحدى السفن راجع إلى تصادم ناتج عن خطأ مشترك فأن تقدير التعويض في هذه الحالة يكون بتوزيع التعويض حسب جسامة خطأ كل سفينة([13])، وفي حالة تعذر نسبة خطأ كل من السفن المتصادمة أو كانت الأخطاء تبدو متعادلة فأن الأطراف يتقاسمون المسؤولية بالتساوي بينهم.
وإذا كانت المسؤولية المترتبة عن التصادم البحري هي مسؤولية تقصيرية، فما هي الكيفية التي يتم بها تقدير التعويض في الهلاك الكلي؟
اعتمادا على نصوص القانون البحري المغربي، نجد أن المشرع لم ينظم الكيفية التي يتم بها تقدير التعويض في حالة التصادم البحري، الشيء الذي أثر على القضاء في تطبيق مقتضيات الفصل 124 من القانون البحري المغربي([14]).
وفي ذات السياق ذهب المجلس الأعلى في قراره الصادر بتاريخ 10/10/1993([15]) إلى تأييد حكم استئنافية أكادير، حيث قضى بأن مقتضيات المادة 292 من القانون البحري المغربي، وما بعدها تنظم المتحمل للمسؤولية في حالة التصادم البحري والمادة 124 من نفس القانون تهم الترخيص المخول لمالك السفينة في تحديد مسؤوليته في أحد التعويضين: إما التخلي عن السفينة وتوابعها، أو تعويض الأضرار بقيمة 133 درهم عن كل طن حجمي سواء تعلق الأمر بمسؤولية عقدية أو غيرها([16]).
ونري أن المجلس الأعلى في هذا القرار، عندما أيد ما قضت به استئنافية اكادير من تطبيقها للفصل 124 من القانون البحري المغربي قد تناقض مع قراره الصادر بتاريخ 9/3/1988، والذي قضى فيه بأن المسؤولية المترتبة عن التصادم البحري مطلقة، وتخضع لمقتضيات الفصل 292 وما بعده من ظهير 31/3/1919، وأن استئنافية أكادير حين طبقت الفصل 124 من القانون البحري على النازلة المعروضة تكون قد أساءت تطبيق القانون التطبيق السليم.
ذلك أن هذه المقتضيات، أنما تجد مجالا للتطبيق بخصوص الالتزامات التي تنشأ عن الأفعال المنجزة والعقود المبرمة من طرف الربان، ولا شأن لها بالمسؤولية التقصيرية، لأن الفصل الواجب التطبيق هو الفصل 292 وما بعده من القانون البحري المتعلق بالتعويض عن التصادم البحري.
ب: حالة العواريات التي تلحق السفن المتصادمة
أن الأضرار المادية التي تنتج عن التصادم البحري إصابة السفن المتصادمة أو إحداها بعوار قابل للإصلاح، وفي هذه الحالة فأن تقدير التعويض عن الأضرار يؤخذ فيه بعين الاعتبار الحال التي كانت عليها السفينة وقت التصادم، ونوع الضرر الذي لحق السفينة في أجزائها، والمصاريف التي تطلبها إصلاح هذا الضرر([17]).
ولقد نصت الفقرة الأولى من المادة 98 من قانون الالتزامات والعقود المغربي على أن ” الضرر في الجرائم وأشباه الجرائم هو الخسارة التي لحقت المدعي فعلا، والمصروفات الضرورية التي اضطر أو سيضطر إلى أنفاقها لإصلاح نتائج الفعل الذي ارتكب أضرارا به وكذلك ما حرم من نفع في دائرة الحدود العادية لنتائج هذا الفعل”
ويدخل في التعويض عن العوار الجزئي الذي لحق السفينة المصدومة جميع الإصلاحات المؤقتة بما فيها مصاريف الإنقاذ والإخراج والمساعدة([18])، وغيرها من المصاريف التي قد تنفق على السفينة المتضررة في انتظار وصولها إلى ميناء الإصلاح.
ويؤخذ عند تقدير التعويض حالة السفينة المتضررة، من حيث حداثة صنعها أم قديمة البناء وللمجهز أن يطالب بتعويض كامل عن الأضرار التي لحقته من جراء إصابة السفينة في بعض أجزائها.
ويشمل التعويض عن الكسب الضائع عنصرين أساسيين: يتمثل الأول منهما في تعطيل السفينة: والثاني في فقدان أجرة النقل عندما يؤدي التصادم إلى عدم إتمام الرحلة البحرية.
وقد تباين موقف القضاء الفرنسي في التعويض عن الكسب الضائع فيما يخص التعويض عن فترة الإصلاح، فذهبت المحكمة التجارية “ب Reen”، إلى أنه لا يجب احتساب التعويض عن مدة الإصلاح في التعويض عن العواريات الناتجة عن التصادم([19])، في حين قضت استئنافية “ب Reen ” بأنه: كي يتم إدخال التعويض عن التوقف خلال مدة الإصلاح، لا بد من إبراز الضرر الناتج عن توقف العائمة([20]).
وبالنسبة لسفن “النزهة والترفيه” فأن توقفها لغرض الإصلاح قد لا يلحق أضرارا بالمجهز، كما هو الحال بالنسبة للسفن الأخرى([21])، إذ أن الضرر الذي يلحق مجهز سفينة النزهة يتمثل في خسارة مؤقتة من الصعب إثبات أنها ضرر مادي([22]).
ثانيا: الأضرار التي تلحق البضائع والأشخاص
أن الأضرار التي تنتج عن التصادم البحري لا تقتصر على تلك التي تلحق السفينة في هيكلها، وأنما تتعدى ذلك إلى إصابة البضائع التي توجد على متن السفينة بفقدها لقيمتها أو بجعلها غير صالحة، كما أن الأشخاص الموجودون على متن السفينة المتصادمة قد يتعرضون لإصابات جسدية أو حوادث مميتة، الشيء الذي يجعل المتضررين من جراء هذه الإصابة يطالبون بما لحقهم من ضرر من جراء التصادم.
وينبغي في هذا الساق التمييز بين نوعين من التصادمات: ففي التصادم الناتج عن خطأ واحد ومنفرد، فأن السفينة التي تسببت في التصادم يقع على عاتقها تحمل التعويض([23]).
أما إذا كان التصادم ناتجا عن خطأ مشترك فأن مسؤولية كل واحدة من السفن تتحدد بالنسبة لجسامة خطئها([24])، وفي حالة تعذر معرفة نسبة خطأ كل سفينة أو تبين أن الأخطاء متساوية وزعت المسؤولية بالتساوي بينهم.
وبالنسبة للأضرار التي تلحق البضائع، فقد نصت الفقرة الثالثة من المادة 295 من القانون البحري المغربي على ما يلي: “أن الأضرار التي تحدث للسفن أو لحمولتها أو لأمتعة أو أموال الملاحين أو الركاب أو غيرهم من الأشخاص الموجودين على ظهر السفينة تتحملها السفن المخطئة بنفس النسبة المذكورة سابقا دون أن يكون بينها تضامن تجاه الغير”.
وقد يرجع في تقدير الأضرار التي لحقت البضائع إلى فاتورة الشراء، بالإضافة إلى الأرباح التي كان من المفترض أن تحققها البضاعة لو أنها وصلت إلى ميناء التفريغ دون تلف أو تأخير.
أما بخصوص الأضرار البدنية من جروح ووفاة، فأن السفن المتصادمة تتضامن فبما بينها بشأن هذه الأضرار اتجاه الغير، مع احتفاظ السفينة التي سددت حصة أكبر مما كان عليها أن تتحمله، الرجوع على السفينة الأخرى([25]).
والأشخاص الموجودون على ظهر السفن المتصادمة من بحارة ومسافرين قد يتعرضون نتيجة التصادم لإصابات جسدية قد تتسبب في فقدان الحق في الحياة أو في فقدان أحد الأعضاء البدنية الأساسية، وفي الحالتين معا، فأن المتضررين لهم الحق في رفع دعوى المطالبة بالتعويض عن الأضرار اللاحقة بهم([26]).
المحور الثاني:
دعوى المسؤولية المدنية عن التصادم البحري
التصادم واقعة مادية تتيح الفرصة في تحديد المسؤولية، وعادة ما يعتبر خطأ الأنسان هو السبب الأول والرئيسي في حادثة التصادم.
والدليل العملي على ذلك، الإحصائيات التي أنجزتها وزارة الفلاحة والصيد البحري سنة، 2009 والتي أظهرت أن 80% من الحوادث البحرية ترجع إلى خطأ العنصر البشري، ونسبة 20% تبقى مجرد أخطاء تقنية، ناتجة عدم مراعاة قواعد السلامة البحرية([27]).
فإذا كان التصادم البحري كواقعة قانونية برتب القانون أثرا عليها، وخطأ الأنسان هو أهم سبب يثير المسؤولية المترتبة عليه، فأن التساؤل يطرح حول الطبيعة القانونية لهذه المسؤولية وعن كيفية تحديدها.
أولا: الطبيعة القانونية للمسؤولية
أن الأصل في مسؤولية مالك السفينة الصادمة أو مجهزها في مواجهة مالك السفينة الأخرى: هي مسؤولية تقصيرية ما لم يكن هناك علاقة تعاقدية سابقة بين السفينتين المتصادمتين([28])، فتعتبر في هذه الحالة: مسؤولية عقدية، وتخضع لقانون العقد الذي يعتبر مصدرا من مصادر الالتزام بين الأطراف.
واعتمادا على هذه المعايير([29])، لا تسرى أحكام التصادم البحري على التصادم الذى يقع بين سفينة القطر والسفينة المقطورة، لأن عقد القطر ينظم العلاقة بينهما، بالإضافة إلى أنه لا محل لتطبيق أحكام التصادم البحري على الأضرار التي تحصل بين سفينة الإرشاد والسفينة التي استخدمتها.
ومن ناحية أخرى إذا كان الأصل في المسؤولية المترتبة على التصادم البحري: كونها مسؤولية تقصيرية، تترتب فأنها لا تختلف عن المسؤولية التي تترتب على الحوادث البحرية التي لا يطلق عليها هذا الوصف القانوني: كالارتطام بين مراكب الملاحة الداخلية، أو الارتطام برصيف عائم، الشيء الذى يخرج من وصف التصادم بالمعنى الفني، ويبعده عن دائرة المسؤولية المنفردة بأحكام قانونية خاصة، تتماشى وخصوصية الضرر الحاصل.
وفي إطار القانون الدولي الخاص، نجد أن تحديد كون المسألة يدخل في نطاق المسؤولية التقصيرية لا في نطاق المسؤولية العقدية، كما أن هذه المسألة المتعلقة بالتكييف تخضع لقانون قاضي الموضوع.
فإذا اعتمدنا قانون القاضي في إطار التكييف القانوني، نتوصل إلى أن الواقعة القانونية تدخل ضمن أحكام المسؤولية التقصيرية، فأن القانون الذي يحكم هذه الفكرة يكون هو القانون الواجب التطبيق، دونما حاجة لمعرفة ما إذا كانت المسؤولية مترتبة على تصادم بحرى أو غيره من الأسباب الأخرى.
وفي إطار التشريعات المقارنة، نجد أن التشريع المصري، قد جاء في المادة 242 من القانون البحري الصادر سنة 1990، بأحكام تختلف عن الأحكام المقررة للمسؤولية التقصيرية في القانون المدني.
ذلك أنه لا يكفي أن يحدد القاضي المختص وهو ينظر في النزاع المطروح أمامه، فيقرر أن القانون البحري المصري هو القانون الذي يجب تطبيقه على النزاع، بل يتوجب عليه أن يطبق أحكام القانون البحري المصري لتحديد وصف التصادم محل النزاع، وما إذا كان يعد تصادما بحريا وفقا للمعنى المحدد لهذا الاصطلاح من عدمه، حتى يتسنى له الحكم في النزاع المعروض أمامه([30]).
وعليه، فأن مالك السفينة أو المجهز يكون مسؤولا شخصيا عن الأخطاء التي تقع منه أثناء استغلاله لسفينته، فيهمل القيام ببعض الأعمال التي يتطلبها حسن هذا الاستغلال، كما لو لم يجهز السفينة تجهيزا كافيا بالمؤونة أو الوقود، أو يتركها تقوم بالملاحة وهي غير صالحة لها، مما يؤدي إلى إلحاق أضرار بالبضائع أو الركاب.
ونرى أنه لا يجب في هذا الاطار، تطبيق مقتضيات مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه، التي تعتبر من أهم مظاهر المسؤولية التقصيرية عن فعل الغير وقد تعرض لها المشرع المغربي وخصها بأحكام مستقلة تعتبر في مجملها لصالح الضحية، فهي مبنية على الخطأ المفترض غير القابل لإثبات العكس.
وهكذا فأن المشرع لم يترك للشخص المتبوع أية فرصة للتخلص من هذه المسؤولية الموضوعية إلا في حالة واحدة وهي ثبوت السبب الأجنبي وقد ورد التنصيص على هذه المسؤولية في الفقرة الثالثة من الفصل 85 من قانون الالتزامات والعقود.
وفي هذه الأوضاع، يكون مالك السفينة أو المجهز مسؤولا عن خطئه الشخصي مسؤولية تقصيرية، ويجب على المتضرر في هذه الحالة إثبات الخطأ الشخصي للمالك أو المجهز لأنه في كثير من الأحيان يصعب على المتضرر إثبات الخطأ، لذلك فقد مكن القضاء الفرنسي المتضررين من الاستناد على فكرة الخطأ المفترض.
بمعنى أن المالك أو المجهز يعتبر مسؤولا عما تحدثه السفينة من ضرر للبضائع أو الركاب بوصفه حارسا للسفينة تطبيقا للقواعد العامة المنصوص عليها في القانون المدني الفرنسي، لأن السفينة من الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة بسبب الخطر الملازم لها.
ونرى أن المسؤولية عن حراسة الأشياء وتطبيقاتها في مجال المسؤولية المدنية عن الضرر البحري، تتضح من خلال المعالم القانونية التالية:
أفرد المشرع المغربي لمسؤولية حارس الأشياء الفصل 88 من قانون الالتزامات والعقود الذي نص على أن:
“كل شخص يسأل عن الضرر الحاصل من الأشياء التي في حراسته، إذا تبين أن هذه الأشياء هي السبب المباشر للضرر، وذلك ما لم يثبت:
1- أنه فعل ما كان ضروريا لمنع الضرر.
2- وأن الضرر يرجع إما لحادث فجائي أو لقوة قاهرة أو لخطأ المتضرر”.
ولعل السبب الذي جعل المشرع المغربي يولي اهتماما لهذه المسؤولية هو الرغبة في الاستجابة للمتطلبات الاجتماعية الملحة والمتولدة عن التقدم العلمي والتكنولوجي والصناعي والاقتصادي الهائل مع ما رافقه من ظهور للآلات ووسائل النقل السريعة والاختراعات الحديثة والتقنيات الخطيرة، وما ينجم عنها من تعريض الممتلكات للهلاك والتلف، فيلزم العناية بالمضرور وتخفيف عبء الإثبات عنه عندما يطالب بالتعويض عن الأضرار التي تسببها له هذه الأشياء (أي الآلات والوسائل…)
وعليه، فأن البحث في أساس مسؤولية حارس الشيء، نلاحظ أنها تقوم على أساس خطأ([31]) مفترض في جانب الحارس، لذلك كان الخطأ المفترض في جانب حارس الشيء كالخطأ المفترض في جانب حارس الحيوان هو خطأ في الحراسة Faute dans la garde فإذا ألحق الشيء ضررا بالغير، كان المفروض أن زمام هذا الشيء قد أفلت من يد حارسه، وهذا هو الخطأ أي أن الخطأ المفترض في جانب الحارس هو خطأ في الرقابة وعدم الحرص على الحفاظ على الشيء، وتجنب إلحاق الضرر بالغير على نحو ما تتطلبه الحراسة.
والمتضرر لا يكلف بإثبات الخطأ لأنه مفترض، ولكنه يكلف بإثبات شروط تحقق مسؤولية حارس الأشياء، فعليه أن يثبت أن المدعى عليه هو حارس الشيء الذي سبب الضرر والأصل أن المالك هو الحارس ما لم يثبت هذا الأخير أن حراسة الشيء قد انتقلت من يده إلى يد شخص آخر وقت وقوع الضرر عندما يكون هذا الشخص هو المسؤول.
وفيما يتعلق بقيام مسؤولية حارس الأشياء، يلزم توفر شرطين هما:
– حراسة الشيء.
– وقوع ضرر بفعل الشيء.
فهذه المسؤولية تقوم على أساس خطأ مفترض من جانب مالك السفينة في الحراسة: وهو خطأ مفترض يعفي المتضرر من إثباته، ولا يبقى لمالك السفينة أو مجهزها التحلل من مسؤوليته إلا إذا أثبت أن الفعل راجع لقوة قاهرة أو حدث فجائي أو لخطأ المتضرر نفسه([32]).
أما بخصوص القانون البحري المغربي، فأن المشرع قد أورد نصوصا خاصة بتحديد المسؤولية، إلا أنه لم يخصص نصوصا تتعلق بطبيعة المسؤولية وكيفية إثباتها، وعليه، فأنه يتعين الرجوع إلى القواعد العامة المنصوص عليها في الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود لتطبيق أحكام المسؤولية في هذا السياق.
وبما أن السفينة هي من الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة لما يرافقها من مخاطر باستمرار، فيعتبر مالك السفينة أو المجهز مسؤولا عن الأضرار التي تحدثها السفينة للغير بوصفه حارسا لها، وأساس هذه المسؤولية هو الخطأ المفترض من جانبه في الحراسة، ولا يستطيع دفعها إلا إذا أثبت أن وقوع الضرر كان لسبب أجنبي لا يد له فيه كقوة قاهرة أو حادث فجائي، أو خطأ المتضرر، تطبيقا لمقتضيات الفصل 88 من قانون الالتزامات والعقود.
ثانيا: تحديد المسؤولية عن التصادم
فرضت مسألة تحديد المسؤولية نفسها في المجال البحري كمحور قانوني هام في معظم التشريعات الوضعية، حيث كان يعقد نوع من شركة التوصية بين مالك السفينة الذي يساهم في الشركة بسفينته، وتكون مسؤوليته محدودة في قيمة هذه السفينة، ويساهم الربان بعمله وتكون مسؤوليته مطلقة عن الأخطاء التي يرتكبها([33]).
وعلى صعيد الفقه، نجد أن مبدأ التحديد يتأسس على مسؤولية المتبوع عن أخطاء تابعيه، بحيث تفترض خطأ المتبوع في اختيار التابع أو في مراقبته وتوجيهه، وهو ما لا يتوفر بالنسبة للربان، لأن المجهز لا يختاره بحرية مطلقة، ولأن الربان كذلك ينبغي أن يكون متوفر على مؤهلات معينة مفروضة لهذا الغرض، كما أنه قد يعين من طرف القنصل في السلك الدبلوماسي.
ونرى أن المجهز لا يستطيع أن يراقب الربان في البحر، بل أنه ليس من حقه التدخل في عمله التقني، وبالنظر إلى هذه الاعتبارات، فأنه من باب المنطق تخفيف مسؤولية المجهز عن أخطاء الربان([34]).
ومن جهة أخرى، فأن الدائنين في المجال البحري يستفيدون من التحديد، لأن علاقة العاملين بالملاحة البحرية يسودها التشابك والترابط بحيث يصبح كل منهم مرة داننا ومرة أخرى مدينا ولذلك فأن مبدأ التحديد إذا كان يضره كدائن فهو يفيده كمدين([35]).
كما أن مبدأ تحديد المسؤولية يشجع على الاستثمار البحري لأن مالك السفينة يكون مطمئنا إلى أن مسؤوليته عن الأضرار التي تحدثها سفينته بالغير محددة بالسفينة ولا تشمل أمواله الأخرى([36]).
ولا يشمل مبدأ تحديد مسؤولية المالك إلا تعويض الأضرار التي يحدثها التصادم الناشئ عن خطأ الربان أو البحارة أو الأشخاص الذين يوجدون في خدمة السفينة ويخرج عن نطاق التحديد تعويض الأضرار التي يتسبب فيها التصادم الناتج عن خطأ المجهز نفسه كان يترك سفينته تبحر وهي غير صالحة للملاحة أو بغير مؤونة كافية أو غير مزودة بطاقم كامل لتسييرها، كما لا يكون لمبدأ تحديد المسؤولية أي مفعول حينما يكون المجهز هو الربان في ذات الوقت لأن مسؤوليته حينئذ تكون شخصية([37]).
وإزاء القيمة المحدودة لقواعد المسؤولية التقليدية التي تقف عاجزة في بعض الأحيان وفي أغلبها عن تعويض الأضرار البيحرية الناتجة عن هذه الأخطار، ظهر أن الاعتماد على هذه القواعد التقليدية لا يتلاءم مع الأنشطة الحديثة والثورة العلمية التي صاحبها الكثير من الأضرار التي يتعذر تحديد مداها ومسبباتها على وجه التحديد.
وأمام هذه الصعوبات، فأن خصوصية الضرر البحري تقتضي عدم حصره في الإطار التقليدي لقواعد المسؤولية المدنية، وبالتالي ندعو إلى تطوير هذه القواعد عن طريق اعتماد المسؤولية بدون خطأ، وذلك من أجل ضمان حصول المضرور على حقه في التعويض.
ونطرح تساؤلا في هذا السياق حول إمكانية تجاوز القصور الذي يعتري المسؤولية المدنية التقليدية المرتكزة على فكرة الخطأ([38])، إلى إقرار بديل لها يتمثل في فكرة تحمل التبعة كأسلوب آخر أكثر فعالية للحد من الضرر البحري.
أن ما توصلنا إليه من خلال ما سبق، أن البحث متعذر في إطار المسؤولية المدنية التقليدية في أغلب الحالات عن الأضرار البحرية، حيث ثمة صعوبات، تتجلى في التحديد الدقيق لهوية المسؤول الذي قام بالنشاط الضار.
ولذلك كان لابد من إيجاد حلول قانونية أكثر فاعلية في نظام المسؤولية التقصيرية، وتفاديا لحرمان المتضررين([39]) من التعويضات المستحقة لهم وهو ما حاول من خلاله المشرع المغربي التنصيص عليه في الفصل 85 من ق.إ.ع عندما نص على ما يلي:
“الشخص لا يكون مسؤولا عن الضرر الذي يحدثه بفعله فحسب، لكن يكون مسؤولا أيضا عن الضرر الذي يحدثه الأشخاص الذين هم في عهدته”.
وعليه فأن مقتضيات العدالة تقتضي تبني هذا التوجه، والبحث عن تقنيات أكثر سهولة وضمانا من أجل تحديث وتطوير قواعد المسؤولية المدنية.
فما هو الأساس الفقهي لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه في مجال الضرر البحري؟
أ– الأساس النظري لمسؤولية المتبوع
اختلف الفقه بصدد تحديد أساس مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه، وتعددت نتيجة لذلك النظريات الفقهية التي تناولتها بخصوص تأصيل هذا النوع من المسؤولية.
والغاية من استعراض أساس هذه المسؤولية هو معرفة خصائصها وأحكامها التي تعنى بالأضرار التي تمس المجلى البحري.
وذهب جانب من الفقهاء إلى أن مسؤولية المتبوع([40]) عن أعمال تابعيه تقوم على أساس خطأ مفترض من جانب المتبوع، ورأي آخر أقام هذه المسؤولية على فكرة تحمل التبعة، وآخرون أسسوا هذه المسؤولية على فكرة الضمان، واتجه البعض إلى إقامتها على فكرة النيابة أو على فكرة الحلول.
وأنقسم الفقه بخصوص هذه النقطة إلى اتجاهين، لكل دعائمه ومبرراته فيما يخص الأساس النظري لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه.
الاتجاه الفقهي الأول لتكييف مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعية
سنقسم هذا المطلب إلى فقرتين نتناول في الأولى: تكييف مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه بناء على الخطأ المفترض Faute presume من جانب المتبوع، وفي الثانية: على فكرة تحمل التبعة idee de risqué.
- نظرية الخطأ المفترض
يتلخص هذا الرأي في أن المتبوع يقوم في جانبه على خطأ مفترض هو خطأ في الرقابة أو خطأ في التوجيه أو الاختيار.
وهذا الخطأ مفترض افتراضا لا يقبل إثبات العكس، فالتابع إذا ارتكب خطأ كان المتبوع مسؤولا عنه بموجب خطأ آخر يفترض أنه قائم في جانب المتبوع.
فإما أن يكون المتبوع قد قصر في اختيار تابعه أو قصر في الرقابة في توجيهه، وهذا التقصير يفترض افتراضا، ولا يقبل من المتبوع أن يثبت أنه لم يقصر.
ولكن لا يمكن أخذ هذا الرأي على إطلاقه لأن المتبوع ليس دوما حرا في اختيار تابعيه وتعيينه، كالموظف الذى لا شأن له في تعيين سائقه مثلا، ومع ذلك فهو مسؤول عن الأضرار التي يرتكبها السائق أثناء قيامه بوظيفته.
ولذلك يتجه هذا الرأي إلى اعتبار الخطأ المفترض من جانب المتبوع هو خطأ في الرعاية والتوجيه والرقابة لا خطأ في اختيار التابع.
2 نظرية تحمل تبعة المخاطر
وفقا لهذه النظرية فأن مسؤولية المتبوع هي مسؤولية ذاتية لا تقوم على الخطأ، وقوامها أن المتبوع ينتفع بنشاط تابعه، فعليه أن يتحمل تبعة هذا النشاط إذ الغرم بالغنم.
وحسب هذا الرأي لا يجوز للمتبوع أن يتخلص من المسؤولية حتى ولو أثبت أنه كان يستحيل عليه منع الفعل الضار الذي سبب الضرر، إذ المسؤولية المبنية على تحمل التبعة لا ترتفع بهذه الاستحالة، بل يبقى المتبوع مسؤولا لأنه يتحمل تبعة نشاط تابعه بعد أن أنتفع بهذا النشاط، ويتحمل المتبوع المسؤولية عن خطأ تابعه حتى لو كان المتبوع غير مميز، لأن هذه المسؤولية لم تنتج عن الخطأ وأنما عن تحمل التبعة([41]).
ولكن ما يؤخذ على هذه النظرية أنها تشترط قيام خطأ من التابع لتقوم مسؤولية المتبوع في حين أن المتبوع يتحمل تبعة نشاط لا تبعة خطأه، فكل نشاط من التابع يصيب الغير بالضرر سواء أنطوى على خطأ أو كان مجردا من الخطأ، كان يجب أن يحقق مسؤولية المتبوع طبقا لفكرة تحمل التبعة ما دامت هذه المسؤولية تقوم على هذا المبدأ.
فكيف يمكن تبرير وجوب ارتكاب التابع خطأ لقيام مسؤولية المتبوع؟ ومن ناحية أخرى لو كانت مسؤولية المتبوع تقوم على تحمل التبعة لما جاز للمتبوع أن يرجع على التابع أن أراد أن يطالبه بمبلغ التعويض الذي دفعه، لأن المتبوع يتحمل تبعة نشاط يستفيد منه ويكون قد أخذ سلفا مبلغا لما أعطى، فلماذا يرجع إذن على التابع؟.
لذلك كان لابد من إيجاد اتجاه فقهي أخر يكيف مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه على أسس ونظريات أخرى وكان ذلك هو موضوع محور الحديث في المطلب الثاني.
الاتجاه الفقهي الثاني لتكييف مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعية:
عمل الاتجاه الفقهي الثاني في تكييف مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه على تجاوز النظريات التي أتى بها الاتجاه الأول وهو ما فرض علينا تقسيم هذا المطلب أيضا إلى ثلاثة فقرات، جاءت على الشكل التالي:
الفقرة الأولى تكييف مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه بناء على فكرة الضمان، والفقرة الثانية: فكرة النيابة.
والفقرة الثالثة: فكرة الحلول.
1- نظرية الضمان.
تقيم هذه النظرية مسؤولية المتبوع على أساس الضمان Garantie، فالمتبوع يكفل التابع فيما يرتكب من خطأ يصيب الغير بالضرر، ما دام للمتبوع حق الرقابة والتوجيه على التابع، وما دام الخطأ الذي ارتكبه التابع قد وقع في تأدية الوظيفة أو بسببها، أي أن المتبوع هو ضامن للأضرار التي يرتكبها التابع([42]).
ووفقا لهذه النظرية أيضا يكون المتبوع ضامنا للأضرار التي قد يتسبب فيها أتباعه خاصة بعد إعسارهم أو امتناعهم عن أداء ما بذمتهم، وتكون الكفالة في مثل هذه الأوضاع قانونية، أي أن مصدرها هو القانون([43]) وعليه فأن مسؤولية المتبوع تؤسس بناء على تحققها في جانب التابع باعتباره المدين الأصلي، كما أن للمتبوع حق الرجوع على التابع بما أداه المضرور.
2- نظرية النيابة
تعتبر هذه النظرية أن التابع نائب عن المتبوع، والنيابة هنا قانونية، ويلزم التابع المتبوع بما يقوم به من إعمال مادية (أي ما يرتكبه من خطأ) في حدود تبعيته، فالحدود التي ترسم نطاق مسؤولية المتبوع تفسر هنا فكرة النيابة وتبررها شريطة أن تتسع هذه الفكرة لتشمل التصرفات القانونية والأعمال المادية في وقت واحد([44]) فالتابع إذن ما هو إلا نائب قانوني عن المتبوع، والخطأ التابع ما هو إلا خطأ المتبوع.
3– نظرية الحلول
تعتبر هذه النظرية أن التابع يحل محل المتبوع، ويصبح الشخصان عبارة عن شخص واحد، فإذا ارتكب التابع خطأ في الحدود المعروفة فكأنما ارتكب المتبوع هذا الخطأ، بمعنى أن التابع هو امتداد لشخصية المتبوع، يضاف إلى ذلك أن التابع يحل محل المتبوع في التمييز([45]) أيضا، فإذا ارتكب خطأ وهو مميز وكان المتبوع غير مميز أنتقل تمييز التابع إلى المتبوع عن طريق الحلول، فأصبح هذا الأخير مسؤولا عن هذا التمييز.
ولكن يعاب على هذا الرأي أن الحلول لا يكون في الأعمال الضارة وحدها، بل يكون في التصرفات النافعة أيضا، فلماذا يحل المتبوع محل التابع في أفعاله الضارة فقط؟
وعليه، فأن أفضل تبرير لقيام مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه عن الأعمال الضارة التي يسببها التابع للغير هو إسناد هذه المسؤولية على فكرة الخطأ المفترض على أن يكون أساس هذا الخطأ هو الرقابة و التوجيه والإشراف لا في الاختيار([46]).
شروط تحقق مسؤولية المتبوع
تتحقق مسؤولية المتبوع إذا قامت رابطة التبعية بين المتبوع والتابع، وارتكب التابع في حالة تأدية وظيفته أو بسببها خطا أحدث ضررا بالغير([47]).
ويلاحظ أن هذا النوع من المسؤولية تقوم بتوافر الشرطين أعلاه: فالمتبوع يتعين أن يكون مرتبطا بخدمه وتابعيه بمقتضى علاقة تبعية قد تكون قانونية أو اقتصادية، ويجب أن يتسبب التابع في ارتكاب الفعل الضار أثناء تنفيذه للمهام المنوطة به أو بمناسبتها.
فبالنسبة للشرط الأول فأنه يتحقق إذا كان للمتبوع سلطة فعلية على تابعيه في الرقابة والتوجيه، ولا يشترط أن تكون بمقتضى عقد، كما لا يشترط أن يكون المتبوع قد اختار تابعيه، ويكف. لمباشرة الرقابة والتوجيه أن يباشر المتبوع على التابع هذا الامتياز من الناحية الإدارية دون الفنية([48]).
أما الشرط الثاني والمتمثل في خطأ التابع أثناء أداء وظيفته أو بمناسبتها، فالمتبوع لا يسأل عن كل الأخطاء الصادرة من التابع إلا إذا كانت ترتبط ارتباط وثيقا بالعمل الذي يقوم به لحسابه، على اعتبار أن مسؤوليته التبعية لا تتحقق إلا بناء على خطأ التابع.
فأساس هذه المسؤولية إذن هو الصلة الموجودة بين الفعل الضار والوظيفة التي كلف بها التابع، وينعدم بانعدامها.
قيام مسؤولية المتبوع:
لقيام مسؤولية المتبوع عن أعمال التابع فأنه يتعين أن يكون المتبوع مرتبطا بخدمه وتابعيه بمقتضى علاقة تبعية قانونية أو اقتصادية (فقرة أولى)، وأن يتسبب التابع في ارتكاب الفعل الضار أثناء تنفيذه المهام المسندة إليه (فقرة ثانية)، وأن يتولد عن هذا الفعل حصول ضرر للغير.
1– علاقة التبعية
يلزم لقيام مسؤولية المتبوع عن فعل التابع أن يكون هذا الأخير مرتبطا بالأول بمقتضى علاقة للتبعية سواء كانت قانونية أو اتفاقية ما دام التابع يأتمر بتعليمات متبوعة ويعمل في حدود توجيهاته، إذ يكفي لإعمال هذه المسؤولية أن يكون التابع خاضعا لرقابة المتبوع حتى ولو لم يكن لهذا الأخير دور في اختيار خدمه وتابعيه([49]).
تم أنه لا يلزم في العلاقة التي تربط المتبوع بالتابع أن تكون بمقتضى عقد رسمي مكتوب، فالارتباط قد يكون بناء على اتفاقات شفوية جرى العرف على تداولها كتبعية خدم المنازل والعمال العرضيين والموسميين الذين يشتغلون لحسابهم فالعلاقة التبعية لا يلزم فيها أن تكون قانونية،
فمجرد وجود تبعية اقتصادية بين المتبوع والتابع كافية لتطبيق أحكام هذه المسؤولية متى تبث أن هذا التابع كان يأتمر بأوامر المتبوع ويخضع لرقابته وتوجيهه([50]).
ويترتب على ما سبق أن هناك بعض العلاقات العقدية([51]) الأخرى التي لا تتحقق فيها عناصر التبعية بالمعنى المشار إليه أعلاه: كعقد المقاولة، وعقود المهن الحرة التي تتطلب نوعا من الاستقلال في العمل، وبناء على ذلك فأن المقاول والمهندس المعماري والطبيب لا يعتبرون أتباعا لزبنائهم ولو كانوا يتقاضون مقابلا عن الأعمال والخدمات التي يقدمونها لمن يتعاقدون معهم.
وقد يحدث أن يكون للشخص الواحد متبوعين أو أكثر، الأول اصلي والباقي عرضيين ويطرح التساؤل بخصوص المتبوع الذي يتحمل المسؤولية عن أخطاء التابع المشترك بينهم.
أن صورة هذا المتبوع المشترك تتمثل في الحالة التي يعهد فيها المتبوع الأصلي إلى متبوع آخر عرضي مؤقت لكي ينجز له عملا أو يقدم له خدمة ما، وأثناء هذه الفترة قد يتسبب التابع في إلحاق ضرر بالغير.
وقد أجاب الفقه([52]) على أن المسؤولية عن فعل التابع يتحملها المتبوع الذي يمارس سلطته الفعلية على شخص التابع، فإذا احتفظ المتبوع الأصلي بهذه السلطة والرقابة على تصرفات التابع فهذا يعني أن المسؤولية يتحملها هو شخصيا ولا تنتقل إلى المتبوع العرضي.
وعلى عكس الحالة السابقة فأن الشخص إذا كان تابعا لأكثر من متبوع واحد على وجه الدوام والاستمرار، فأن تحديد المسؤولية عن فعل التابع تختلف، ففي الحالة التي يعمل فيها التابع لحساب مجموعة أشخاص في عمل مشترك بينهم، فمنطق الأمور يفرض أن يكون هؤلاء الشركاء مسؤولين عن فعل التابع مسؤولية تضامنية([53]) خصوصا في الحالات التي يتلقى فيها التابع أوامر من كل الشركاء بشرط أن يكون لهذه الأوامر علاقة بشؤون الشركة.
أما الحالة التي يكون فيها الشخص يعمل لحساب أكثر من متبوع وذلك بصورة متزامنة ومتعاقبة كخدم المنازل الذين يتولون خدمة اكثر من منزل في اليوم الواحد، ففي مثل هذه الحالة فأن المسؤولية عن فعل التابع ستحدد في المتبوع الذي ارتكب الفعل الضار عنده أي في حدود النطاق الزمني المخصص لخدمته من طرف التابع.
إذا قامت علاقة التبعية بين المتبوع والتابع فأن مسؤولية المتبوع تتحقق عن الخطأ الذي يرتكبه التابع ويلحق ضررا بالغير في حالة تأدية وظيفته أو بسببها، وعلى المتضرر عند رجوعه على المتبوع أن يثبت خطأ التابع لأن مسؤوليته التبعية لا تقوم إلا إذا تحققت مسؤولية التابع، ويجب على المضرور كذلك أن يثبت أن خطأ التابع قد ألحق به ضررا، ويجوز أن يكون المضرور هو أيضا تابعا لنفس المتبوع، فيظل المتبوع مسؤولا أمامه عن خطأ التابع الأول.
أما إذا كان المضرور هو المتبوع ذاته فلا يستطيع التابع أن يتمسك بخطأ مفترض ضده لتخفيف المسؤولية عن كاهله، وأنما تقوم مسؤوليته عن الخطأ الشخصي الواجب الإثبات، وإذا كان المضرور هو التابع وقد ألحق بنفسه الأذى وهو في خدمة متبوعة فأنه لا يرجع على المتبوع بخطأ مفترض لأن هذه المسؤولية ليست مسؤولية خطئية بل مسؤولية عن خطأ مفترض لا يقبل أثبات العكس.
وقد تتحقق مسؤولية التابع على أساس خطأ مفترض كان يقود التابع سيارة وهو الحارس لها، ويدوس أحد المارة وهو يؤدي وظيفته، فأن المسؤولية تتحقق هنا على أساس خطأ مفترض لا يقبل الدليل العكسي باعتباره حارس الشيء (السيارة) وتتحقق معها مسؤولية المتبوع.
وبناء على ما سبق فأن أساس مسؤولية المتبوع عن فعل تابعه قائم على السلطة الفعلية للأول على الثاني في الرقابة والتوجيه أثناء تأدية الخدمة، فلا بد من أن ترتبط هذه المسؤولية بصلة قائمة بين الفعل الضار والوظيفة المكلف بها([54]).
ولهذا فإذا انعدمت هذه الصلة ينعدم أساس المسؤولية، وعليه تنتفي مسؤولية المتبوع إذا وقع خطأ التابع خارج حدود الوظيفة التي يقوم بها سواء من حيث الزمان أو المكان المتعلقين بالعمل، كوقوع الخطأ خارج أوقات العمل أو في أيام العطلة أو الراحة أو الأعياد.
ولا يكفي وقوع الخطأ بمناسبة الوظيفة، أي أن تكون الوظيفة قد سهلت أو ساعدت على ارتكاب الخطأ أو هيئت الفرصة لارتكابه، بل يجب أن يقع الخطأ أثناء العمل الوظيفي، أو أن تكون على الأقل هناك رابطة سببية بين الخطأ والوظيفة بحيث يثبت أن التابع ما كان يستطيع اقتراف الخطأ أو ما كان يفكر في ذلك لولا الوظيفة سواء تجاوز التابع حدود وظيفته أم لا، وسواء كان خطأ التابع يقصد خدمة متبوعة أو يتصرف بدافع شخصي كل هذا يستوى طالما أن شرط ارتكاب الخطأ في حال أداء الوظيفة قد حصل([55]).
فالخطأ بمناسبة الوظيفة لا يرتب مسؤولية المتبوع، أنما تقوم مسؤولية التابع وحده، وكذلك فأن الخطأ الأجنبي عن الوظيفة ينفي مسؤولية المتبوع من باب أولى.
فارتكاب الأجير خطأ خارج أوقات العمل وخارج مكان العمل يعتبر خطا أجنبيا عن الوظيفة لا يرتب مسؤولية رب العمل، وكذلك خطأ التابع في وقت تغيبه عن عمله في إجازة يعتبر خطأ أجنبيا عن الوظيفة، تنتفي معه مسؤولية المتبوع.
وإذا تحققت مسؤولية المتبوع، يكون للمضرور الخيار في أن يرجع على التابع، أو أن يرجع على المتبوع أو أن يرجع عليهما معا بوصفهما متضامنين تجاهه، ولكن لا يجوز له أن يحصل إلا على تعويض واحد، حتى لا يحصل له إثراء بلا سبب، بأن يأخذ تعويضين من نفس الفعل الضار، وإذا رجع المضرور على المتبوع واخذ التعويض منه، فللمتبوع أن يرجع بما دفع على تابعه، لأنه مسؤول عنه لا مسؤول معه([56]).
خاتمة:
أن المسؤولية المدنية هي فرع من المسؤولية القانونية، وتتفرع إلى فرعين: المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية وهذه الأخيرة هي موضوع دراستنا باعتبارها مصدرا للالتزام اللاإرادي المتولد من الواقعة القانونية ويتمثل بالحق في التعويض للمتضرر في مجال الضرر البحري.
وكما هو معلوم فأن الثورة الصناعية([57]) أسفرت عن تطور هائل في مجال التكنولوجيا الحديثة التي كان لها وقع فعال في تحقيق أمال البشرية، غير أن هذا التطور بقدر ما أسعد الأنسان، فأنه بالمقابل كان مصدر إزعاج له نتيجة لكثرة المخاطر التي نجمت عن سوء استعمال هذه الأليات والمنشات الصناعية، فإلالة غالبا ما تنطوي على قدر كبير من الخطر، وغالبا ما يكون الأنسان أول ضحاياها، وهذا ما نلمسه عن قرب من خلال تزايد حالات التصادمات البحرية.
وتكاد تجمع التشريعات الوضعية المعاصرة على توحيد الهدف من وضع قواعد المسؤولية المدنية والمتمثل في حصول المضرور على التعويض عن الضرر الذى يلحق به، وذلك بتكثيف حالات التأمين الإلزامي على المسؤولية قصد ضمان حصول المضرور على التعويض([58]).
والجدير بالذكر، أن المسؤولية المدنية عن الضرر البحري([59]) تعتبر من المواضيع الحديثة والتي لم تلق الاهتمام الكافي من لدن التشريع والفقه وهو ما اتضح جليا في القانون المغربي، عندما لم تحض بتعريف تشريعي، إلا أن أهميتها دفعت المشرع إلى الأخذ بها من خلال القانون البحري.
وينبغي التذكير بأنه ظل اتفاقية “بروكسيل” لسنة 1957 الخاصة بالمسؤولية المحدودة، فأنه لا محل للخلاف حول شمول المستأجر بمبدأ تحديد المسؤولية، حيث يمكن للمجهز سواء كان هو المالك الأصلي للسفينة أم كان مستأجرا لها، أن يحدد مسؤوليته عن تعويض الأضرار المادية والبدنية التي تنشأ عن التصادم الحاصل بخطأ الربان أو البحارة أو غيرهم ممن يوجد في خدمة السفينة، ويتم التحديد على أساس الحمولة الطنية للسفينة ونوع الضرر الحاصل.
وإذا كانت جل التشريعات تتفق على مبدأ تحديد مسؤولية المالك فأنها تختلف عن الطريقة المتبعة في هذا التحديد ففي التشريع الفرنسي وتحديدا القانون التجاري الفرنسي لسنة 1807 نجد أن المادة 216 المعدلة بمقتضى قانون 14 يوليوز 1841 وقانون 12 غشت 1885، تقرر مبدا تحديد المسؤولية، وبالتالي فأن المالك يتحمل مسؤولية شخصية ومطلقة من تعويض الأضرار المترتبة عن التصادم البحري الذي وقع نتيجة خطأ من جانب الربان أو البحارة غير أنه يستطيع التخلص من المسؤولية بترك السفينة والأجرة، وهذا ما يعرف: بالتخلي عينا.
وينصب الترك على السفينة التي تعلق بها الدين الواجب تحديده بحالتها وقت انتهاء الرحلة التي وقع فيها التصادم ولو كانت في ذلك الوقت حطاما أو في قاع البحر ما دام أنها كانت سفينة عند وقوع الحادث المنشئ للدين أو الحق في التعويض أن كان له محل.
ونرى أن المشرع المغربي يعتمد بنظام الاختيار، والمستويان اللذان يقع بينهما الاختيار والمفاضلة بينهما: وهما: القيمة الحقيقية للسفينة مع أجرة نقل معينة وبعض التوابع المحددة قانونا، والقيمة القانونية للسفينة المحددة في مبلغ إجمالي قدره 138 درهما عن كل طن حجمي بالنسبة للأضرار اللاحقة بالأشخاص.
وحينما يتمسك المجهز بمبدأ تحديد المسؤولية في مواجهة دائنيه الذين يسرى عليهم التحديد القانوني، يصبح مدعيا فرعيا، ويجب عليه في هذه الحالة إثبات قيمة السفينة وتوابعها.
ويعين نطاق المسؤولية عند وصول السفينة أول ميناء ترسو فيه بعد حدوث التصادم الذي نشأت عنه هذه المسؤولية ما عدا حالة هلاك السفينة في حادثة قبل وصولها إلى أول ميناء حيث المسؤولية في تاريخ وقوع الحادثة.
وتضاف إلى السفينة توابعها والتي تشمل أجرة النقل([60]) التي تعين في وقت تعيين نطاق المسؤولية، كما تشمل الحقوق التي تكون للمالك قبل الغير كلما أصاب السفينة من ضرر لم يتم إصلاحه لأن هذه التعويضات تعتبر مكملة للثروة البحرية المتمثلة في السفينة([61]) ويوجد خلاف حوي مبلغ التأمين على السفينة الذي يقبضه المالك عند هلاك السفينة هل يعتبر من قبيل توابع السفينة؟ وحسما لهذا الخلاف نصت الفقرة الأخيرة من الفصل 125 من القانون البحري المغربي لسنة 1919 على أن التوابع “لا تشمل التعويضات المدفوعة أو المستحقة بمقتضى عقود التأمين ولا المساعدات والمكافآت أو غير ذلك من الإعانات الوطنية”.
[1] البراوى حسن: مخاطر التطور بين قيام المسؤولية والإعفاء منها دار النهضة العربية القاهرة، 2008 ص:19.
[2] يوسف البكراوي: التصادم البحري رسالة لنيل الماستر في القانون الخاص جامعة الحسن الأول سطات2011 ص44.
[3] محمد التغدويني: القانون البحري الجزء الثالث الأخطار البحرية مطبعة أنفو فاس2009 ص67.
[4]كان الاختصاص في القضايا التجارية فبل صدور قانون رقم 53.95، يرجع إلى المحاكم الابتدائية بصفتها صاحبة الولاية العامة ووفق ما ينص عليه الفصل 18 من قانون المسطرة المدنية مع استئناف أحكامها لدى محاكم الاستئناف العادية.
وبدخول القانون رقم 53.95 حيز التطبيق عرف التنظيم القضائي المغربي تطورا ملموسا بإحداث محاكم تجارية متخصصة بمقتضى الظهير رقم 1.97.65 الصادر بتاريخ 12 فبراير 1997 بتنفيذ القانون رقم 93.95 القاضي بإحداث محاكم تجارية والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 4482 بتاريخ 15 ماي 1997، والمرسوم المطبق له رقم 2.97.771 الصادر بتاريخ: 28/10/1997 بتحديد عدد المحاكم التجارية، ومحاكم الاستئناف التجارية ومقارها ودوائر اختصاصها.
[5] نور الدين لبريس: نظرات في قانون المسطرة المدنية مكتبة دار السلام الرباط 2012 ص:11.
[6] يوسف أمير فرج: المسؤولية المدنية والتعويض عنها، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2006،ص:85.
[7] الكبير الخدري: ركن الخطأ في بناء المسؤولية التقصيرية، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء،2002، ص:29.
[8] جاء الفصل 292 من القانون البحري المغربي لسنة 1919 مطابقا للمادة الأولى من اتفاقية بروكسيل لسنة 1910 غير أن الترجمة الرسمية لهذا النص غير دقيقة حيث نصت على انه في حالة تصادم بين سفينتين بحريتين وسفينة للملاحة البحرية، مع العلم أن لفظ (سفينة) في الفقه البحري لا تطلق إلا على السفن البحرية دون مراكب الملاحة الداخلية.
وقد عرف المشروع البحري المغربي لسنة 2007 التصادم البحري في المادة 203 من الجزء المخصص للحوادث البحرية بأنه: “التصادم هو التداخل الحاصل سواء بين سفينة وكل سفينة أخرى للملاحة، أو بين سفينة وكل آلة عائمة باستثناء تلك التي تكون مربوطة بمكان ثابت.
[9]يوسف البكراوي: مرجع سابق ص88.
[10]الفصل 293 من القانون البحري المغربي.
[11]الفصل 264 من قانون الالتزامات والعقود المغربي.
[12]المختار بكور: الوجيز في القانون البحري، شركة بابل للطباعة والنشر،1997 ص35.
[13]الفصل 295 من القانون البحري المغربي.
[14]تنص المادة 124 من القانون البحري المغربي لسنة 1919 على انه: “يكون مالك السفينة مسؤولا شخصيا في حدود قيمة السفينة وتوابعها المبينة بعده وعلى كل حال في حدود مبلغ أقصى قدره 13.800فرنك عن كل طن حجمي (ظهير 26 أبريل 1948) عن الالتزامات التي تنشا عن الأفعال المنجزة والعقود المبرمة من طرف الربان داخل ممارسة صلاحيته القانونية، كما يكون مسؤولا أيضا عن التصرفات والأخطاء التي تصدر عن الربان والملاحي. والمرشد وعن كل شخص آخر يوجد في خدمة السفينة.
ويكون مسؤولا أيضا عن الالتزام برفع حطام السفينة الغارقة أو التعويض عن الأضرار التي تحدثها السفينة في بناءات الموانئ والمخازن والطرق الصالحة للملاحة …”
[15]قرار المجلس الأعلى الصادر في الملف المدني رقم 2003/93 بتاريخ 10/10/1993 والمنشور بمجلة الإشعاع التي تصدر عن نقابة المحامين بالقنيطرة، العدد الثاني عشر، السنة السابعة يونيو 1995 صفحة من 123 إلى 134.
[16]حكم استئنافية اكادير الصادر بتاريخ 14/9/89 تحت رقم 1569 من الملف عدد 8820 والمتعلق بتصادم باخرة صيد تسمى (يوسف) بالباخرة (بارباسيك) بالمحيط الأطلسي عندما كانت باخرة الصيد ملقية لشباك الصيد إذ تعرضت لصدمة من الباخرة (بارباسيك) تسببت في هكك باخرة الصيد (يوسف) هلاكا كليا، ولقد حكمت المحكمة في هذه النازلة بتحمل الباخرة (بارباسيك) ثلثي المسؤولية والباخرة (يوسف) الثلث الباقي، والمنشور بمجلة المرافعة التي تصدرها هينة المحامين بأكادير، العدد الخامس، ماي 1994، صفحة 194.
[17].أدولف ريولط، ترجمة إدريس ملين: المسطرة المدنية في شروح مطبوعات وزارة العدل، المعهد الوطني للدراسات القضائية، ص:6و7
[18]وهو ما يتماشى ومقتضيات المادة 8 من اتفاقية بروكسيل لسنة1910.
[19]قرار المحكمة التجارية “برين” الصادر بتاريخ 3 دجنبر 1963 Droit Maritime Francais””ماي 1965 صفحة44.
[20]قرار محكمة الاستئناف “برين” الصادر بتاريخ 5 نونبر 1963 المنشور ب “Droit Maritime Francais” ماي 1965 صفحة 36.
[21]قرار صادر عن محكمة الرباط بتاريخ 22 فبراير 1949 والمنشور ب “Droit Maritime Francais” إبريل 1950 صفحة 405.
[22]يوسف البكراوي: مرجع سابق، ص 44.
[23]الفصل 294 من القانون البحري المغربي.
[24]الفصل 295 من القانون البحري المغربي.
[25]الفصل 295 من القانون البحري المغربي.
[26]الفصل 98 من قانون الالتزامات والعقود المغربي.
[27]للمزيد من التفاصيل يرجى الاطلاع على الموقع الإلكتروني التالي: http://www.lobscrvatcur.ma/banniercs.php?rcf ban=l
[28]هشام علي صادق: تنازع القوانين في مسائل المسؤولية التقصيرية المترتبة عن التصادم البحري والحوادث الواقعة على ظهر السفن، م س، ص67.
[29]يوسف البكراوي: م س، ص68
[30]هشام علي صادق، تنازع القوانين في مسائل المسؤولية التقصيرية المترتبة عن التصادم البحري والواقعة على ظهر السفن، منشاة المعارف الإسكندرية 1980، ص69.
[31]زياد جمال: طبيعة خطأ وفعل المضرور واثرهما على مسؤولية حارس الأشياء غير الحية: دراسة في القانون المغربي والفرنسي رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص جامعة الحسن الثاني عين الشق الدار البيضاء1997، ص:35.
[32]قرار محكمة النقض الفرنسية الصادر بتاريخ 19 يونيو 1951، منشور بالمجلة الفرنسية للقانون البحري، DMF لسنة 1951، صفحة 429، والقرار الصادر عنها في 23 يناير 1952، منشور بنفس المجلة، لسنة 1952، صفحة 242.
[33]علي جمال الدين عوض: مسؤولية مالك السفينة في التقنين البحري القائم ومشروع القانون الجديد، مجلة القانون والاقتصاد المصرية 1954، عدد 101 صفحة 135.
[34]مصطفي كمال طه: أصول القانون البحري، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، دار القضاء للنشر القاهرة 1952 ص69.
[35]جمال الدين عوض، القانون البحري، مرجع سابق، صفحة 245.
[36]رمضان الجزائري: التصادم البحري من الناحية القانونية، رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية القانون والسياسة، جامعة بغداد 1975 ص352.
[37]محمد بهجة عبد الله القايد: الخطأ في التصادم البحري، دار النهضة العربية، القاهرة 1992 صفحة 248.
[38]الكبير الخدري: م .س .ص69.
[39]الحسن شمس الدين: تفويت الفرصة في المسؤولية المدنية من الفكرة إلى النظرية أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء،2004، ص:22.
[40]عبد الودود فاطمة: شروط مسؤولية المتبوع عن فعل التابع وآثارها في قانون الالتزامات والعقود المغربي رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء 1998، ص:66.
[41]عبد الرحمن الشرقاوي: القانون المدني الكتاب الأول دار أبي رقراق للطباعة والنشر2012 ص:18.
[42]املوي عبد العزيز: طبيعة الخطأ في القانون المغربي رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء 1998،ص:59.
[43]زيد قدري الترجمان: الموجز في القانون المدني الجزء الأول شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع 1992،ص:339.
[44]آيت حسين أمينة: مسؤولية الدولة عن حراسة الأشياء: التنازع بين الفصلين 79و88 من قانون الالتزامات والعقود. رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص. جامعة الحسن الثاني عين الشق الدار البيضاء،1998،ص:64.
[45]زهير إبراهيم: الخطأ في المسؤولية التقصيرية عن العمل الشخصي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء 2000، ص:44.
[46]فتحي عبد الرحيم عبد الله: دراسات في المسؤولية التقصيرية: نحو مسؤولية موضوعية منشاة المعارف الإسكندرية ص2006، ص12.
[47]عبد القادر العرعاري: م.س،ص: 144.
[48]سعيدة علمي: مسؤولية المتبوع عن فعل التابع في ضوء ق .إ.ع المغربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، 1995 ص44.
[49]عبد المجيد السملالي: المختصر في النظرية العامة للالتزام: المصادر الإرادية وغير الإرادية دار القلم 2009، ص:137.
[50]يعتبر عقد الشغل من اهم العلاقات التعاقدية التي تتجسد فيه علاقة التبعية بكيفية واضحة، إذ أن الأجير يرتبط بالمشغل، وعليه أن ينجز المهام المسندة إليه بمقتضى هذا العقد وبناء على هذه العلاقة فأن المشغل هو الذي يسل عن أخطاء عماله باعتبارهم أتباعا له، حتى ولو كان الأجير يتلقى توجيهات العمل من المشرف المباشر على تأدية الشغل، إذ العبرة بالمتبوع الرئيسي الذي يستفيد من خدمات التابع وليس ممن ينوب عنه في تسيير شؤون العمل، فهذا الأخير لا يعدو أن يكون واسطة بين المشغل والأجراء.
[51]عبد القادر العرعاري: المسؤولية العقدية للمقاول والمهندس المعماري بالمغرب الطبعة الأولى دار الأمان الرباط 2009 ص:50.
[52]عبد اللطيف خالفي: الوسيط في مدونة الشغل علاقات الشغل الفردية الطبعة الأولى2004 ص:353.
[53]شوقي عبد الرحمن: الالتزام التضامني للمسؤولين تقصيريا في مواجهة المضرور المطبعة العربية الحديثة القاهرة،1980، ص:21.
[54]الحاج الكوري: القانون الاجتماعي المغربي دار السلام للطباعة والنشر الطبعة الثانية 2001، ص:138.
[55]عبد القادر العرعاري: المسؤولية المدنية م .س، ص:147.
[56]عبد القادر العرعاري: المسؤولية المدنية.م.ي,ص :156.
[57]علي عدنان الفيل: شرح التلوث البيئي في قوانين حماية البيئة العربية المركز القومي للإصدارات القانونية 2013 ص 41.
[58]عامر طراف: المسؤولية الدولية والمدنية في قضايا البيئة والتنمية المستدامة المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع لبنان 2012 ص:227.
[59]الهادي مقداد: قانون البيئة الطبعة الأولى مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء2012 ص:96
[60]الفقرة الأولى من المادة 125 من القانون البحري لسنة 1919.
[61]الفقرة الثانية من الفصل 125 من القانون البحري لسنة1919.


