مستجدات المادة49 لتدبير الأموال المكتسبة في الميزان بقلم مدير المجلة
: ذ. التهامي القائدي أولا: تعريف المستجد: بمقتضى المادة 49 من مدونة الأسرة أصبح بإمكان الزوجين إنفاق الأموال التي ستكتسب أثناء قيام العلاقة الزوجية، لكن يلاحظ أن المستجد يوحي بأنه مجرد تقليد نموذج الغربي، إذ أن الأسباب الموضوعية التي لا تطبق في الغرب تختلف تماما فيما ورد في الفقرة الأولى من المادة 49 على أن لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر، وأن هذه الفقرة تستمد روحها من الفقه الإسلامي، غير أن المشرع المغربي أضاف بأنه إذا لم يكن هناك اتفاق فيرجع للقواعد العامة للإثباب، مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين وما قدمه من مجهودات، وما تحمله من أعباء لتنشئة أموال الأسرة. وقد أثار هذا المستجد جدلا واسعا بعد صدور المدونة، في حين أن ما ورد في المادة 49 لا يعدو أن يكون إجراءا تنظيميا وفق ما تضمنته الفقرة الثانية التي تنص على أنه يضمن هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج، وأن الجدل الذي أثير لم يكن مبررا ما دام أن النص يتحدث عن الاتفاق الذي يخضع لإرادة الأطراف وفق المادة 230 من قانون الالتزامات والعقود. ثانيا: هل من الضروري تقنين تدبير الأموال بين الزوجين تبعا لما هو متعارف عليه في القوانين العربية والإسلامية بصفة أعم، أن الزوجة ليست ملزمة بالإنفاق إلا على وجه التبرع، فضلا على أن ذمتها المالية مستقلة، والحال أن التعريف الفقهي في النظام الغربي للنظام المالي بين الزوجين تم تعريفه بأنه مجموعة من القواعد القانونية التي تحدد مصير أموال الزوجين وتوزيع هذه الأموال عند انحلال الزوجية. والأمر مختلف تماما في المجتمع الإسلامي خاصة من المنظور القواعد القانونية الفقهية في الاقتصاد الإسلامي. ذلك أن عبء النفقة تقع على الزوج بدءا من بناء العلاقة الزوجية مهما كانت المرأة موسيرة أي أن مساهمتها إن فعلت تكون على وجه التبرع ليس إلا. والغريب في الأمر أن بعض الفقهاء الغربيين استنتجوا أن التشريعات ذات المصدر الإسلامي لا يوجد بها نظام مالي خاص للزوجة. وحيث أن الإنكار الغربي لوجود التنظيم للجانب المالي للعلاقة الزوجية في التشريعات ذات المصدر الإسلامي، إنكار غير صحيح، وينم على عدم إطلاعهم على الفقه الإسلامي. فهل الواجب المالي المؤدى من طرف الزوج في شكل صداق، والذي يشكرا أحد الشروط الأساسية لقيام الزواج. وهل إلزام الزوج بإعداد منزل الزوجية مسبقا، وهل إلزام بأداء النفقة، وهل منع الزوج من التصرف في مال زوجته حتي وإن كان هذا الزوج مثقلا بالديون، ألا تشكل هذه العلاقة علاقة مالية بين الزوجين؟ ذلك أن المرأة في ظل التشريع المستمد من التشريع الإسلامي، الذي ينص على أنه لا ولاية على مال زوجته كما ألقى بكل الواجبات والتبعات ذات الطابع المالي على عاتق الزوج. إن هذه المعايير الاقتصادية لا وجود لها في النظام الغربي. غير أن التطور الذي شهده المجتمع المغربي في السنوات الأخيرة، وخروج المرأة إلى العمل بعد أن كانت تضطلع بالمسؤولية فقط داخل بيت الزوجية، لم يغير من الوضعية القانونية للمرأة فيما يخص مساهمتها المادية في الإنفاق داخل الأسرة إلا برضاها ودليلنا على ذلك أن لها حق التطليق عند عجز الزوج عن الإنفاق. وإذا كان المغرب ثاني دولة عربية تنص على هذا المستجد بعد المشرع التونسي الذي سمح للزوجين باختيار نظام الاشتراك في الممتلكات المكتبسبة خلال فترة الزوجية فإنه لا يمكن اعتبار أن هذا النص المقتبس من بعض القوانين، مكسبا للمرأة المغربية إسوة بالمرأة الغربية، ذلك أنه باستقراء تاريخي لتطور الذمة المالية للمرأة في الغرب، فإننا نجد أن المرأة في المجتمعات الغربية هي من كان ملزما بأن تقدم أموالا للزوج عند إبرام عقد الزواج، بخلاف المجتمعات الإسلامية والتي يلزم فيها الزوج بكافة القواعد القانونية المنشأة للنفقة حتي وإن بلغ أبناؤه سن الرشد والأمر مخالف للمجتمعات الغربية أي أن الأب غير ملزم بالنفقة بعد بلوغ الأبناء سن الرشد القانوني ذكورا وإناثا. كما أنه بمجرد إبرام عقد الزواج فإن أموال الزوجة في الغرب المسيحي تصبح أموالا مشتركة بين الزوجين، وتؤدى منها ديون الزوج في حالة وجودها بل أنه في العصور القديمة، كانت الزوجة نفسها تسلم للدائن في حالة إعسار الزوج المدين. وأن المرأة الغربية ناضلت من أجل أن تستقل ذمتها عن ذمة الزوج، وهو ما تؤكده الإحصائيات الحديثة والتي تؤكد أن أغلب الدول الغربية وفي مقدمتها فرنسا وبلجيكا مثلا، فإن معظم عقود الزواج تنصب على استقلال الذمة المالية لكل من الزوجين تماشيا مع ما يشهده الغرب من تشبث المرأة بحرية التصرف في شؤونها الخاصة معنوية كانت أو مادية، دون أن نغفل ما تعرفه هذه المجتمعات من الابتعاد عن نظام الزواج التقليدي باتجاه نظام العيش المشترك بين المرأة والرجل حتي دون عقد الزواج فبالأحرى الحديث عن ذمة مالية مشتركة للطرفين. غير أنه لا يمكن أن ننسى بأنها في المغرب، عرفت بعض المناطق من خلال الأعراف السائدة بها، نظام الكد والسعاية والذي تتمتع به الزوجة بنصيب من الأموال المكتسبة خلال فترة الزوجية يوازي ما قدمته من مجهودات لتنمية هذه الأموال. ثالثا: موقف الإجتهاد القضائي من نظام الكد و السعاية إن عدم وجود نص قانوني يسمح بإنصاف بعض الزوجات اللواتي لا يعملن خارج بيت الزوجية بالنسبة للحواضر، والتي لا يمكن إنكار مساهمتها في تنمية ثروة زوجها إن وجدت، أما الزوة في غير الحواضر فإنها تقوم بأعمال الفلاحة من حرث وحصاد وتربية المواشي وغيرها من الأعمال الشاقة والتي تعتبر كلها مساهمة مباشرة في تنمية أموال الزوج. وهذا ما دفع بالقضاء المغربي بالاعتماد على التراث الفقهي والعرف السائد، رغبة منه في تحقيق نوع العدالة فيما يخص هذا الإشكال المتنازع فيه حول الثروة المكتسبة للطائفتين المذكورتين، وتبني القضاء المغربي نظام الكد والسعاية، والتي أساسها حق المرأة في جزء من الثروة التي ينشئها الزوج خلال فترة الزوجية في نطاق ما يقدم أمام القضاء من توضيحات بين كل حالة وحالة وأن القاعدة لا يمكن تطبيقها بوجه أعم. كما أصدرت المحكمة الابتدائية بإنزكان أيضا حكما صادرا بتاريخ 23/3/2005 حكم رقم 447 حيث جاء فيه “أن المحكمة، وللوقوف على الحقيقة، وتطبيقا للقواعد الفقهية المعمول بها وللتأكد من عمل الزوجة وما قدمته من مجهودات في تنمية أموال الأسرة، اتضح أن جميع الشهود أجمعوا أنها كانت تكد وتجتهد بجانب زوجها، وبناءا على النوازل والفتاوى وحكمت في النصف”. وطريقة تحديد ذلك تخضع للقواعد الفقهية التي تقضي بأن مقابل السعي لا ينصب على كل المال المكتسب، ومن العناصر التي يعتمد عليها القضاء في مثل هذه الحالات، عمل كل واحد من الزوجين مع ماقدمه كل منهما، وما تحمله أيضا كل طرف من أعباء لتنمية أموال الأسرة دون توضيح بعض الأعباء، مما يتيح إمكانية اعتبار الأعباء المعنوية كذلك إثبات قدر المساهمة، ومردوديتها مع بيان ما كان يمكن الزوج الأخر قبل حصول المساهمة، وقد قضت إحدى المحاكم بتزنيت: ” بأنه للمطلقة نصف المستفاد خلال فترة الزواج مقابل كدها وسعايتها” ([1]). وحيث إنه بالإطلاع على بعض الأنظمة المالية للزوجين في التشريع المقارن نجد مثلا أن الفصل 1387 من القانون المدني الفرنسي جاء فيه: ” للأزواج كامل الحرية من أجل اختيار النظام المالي المناسب لظروفهم، ولا يقيدهم في ذلك سوى مراعاة الأخلاق الحميدة، وبعض المقتضيات القانونية الخاصة لكل تشريع”. فمثلا للزوجين الحق في اختيار نظام المساهمة في المكتسبات، أو النظام الشامل، كما بإمكان الأزواج الجمع بين نظام انفصام الأموال، ونظام اشتراك الأموال، عبر تبني نظام الفصال الأموال مصحوب بشركة المكتسبات. فبالرغم مما ذكر فإن موقف المشرع المغربي في المستجد في الفقرة الثانية من المادة 49 من مدونة الأسرة، يبقى محمودا، حيث تضمن أن الاتفاق يكون في وثيقة مستقلة، لما لعقد الزواج من قدسية، والذي يختلف عن سائر العقود المدنية، وأن المستجد إشارة لمن أراد أن ينشئ عقدا اتفاقيا لتدبير الأموال المكتسبة خلال فترة الزواج. كما أنه يمكن التعديل في الاتفاق متي شاء المتعاقدين، أو إلغاءه كليا، وهذا التوجه يتماشى مع استقرار الأسرة، وحاجة أحد الزوجين للتصرف في أمواله بحرية ولذلك لم يمنع المشرع التعدي في الاتفاق أو إلغاءه. وهنا تجدر الإشارة أن عقود الزواج المبرمة بين المغاربة المقيمين في الدول الغربية أمام ضابط الحالة المدنية بدولة الإقامة وفق مقتضيات المادة 14 من مدونة الأسرة، فإن الزوجة إذا كانت عاملة تصبح بمقتضى القانون الفرنسي ملزمة بالمساهمة في الإنفاق على الأسرة، في حالة إذا طالب بذلك الزوج، باعتبار أن المشرع الفرنسي يقر بمساهمة الزوجة في تحمل أعباء الأسرة، خاصة بعد صدور قرار محكمة النقض الفرنسي بتاريخ 20/10/1987 والقاضي بتطبيق القواعد المتعلقة بالنظام المتعلقة بالنظام المالي على كل المقيمين على التراب الفرنسي. وتجدر الإشارة أنما أشير إليه من نظام الكد والسعاية كاجتهاد فقهي في ما يخص المناطق الغير الحضرية قبل أن تلج المرأة العمل في كل مستوياته وبصفة متساوية من حيث الأجر بل وبالتفاوت أحيانا فإنه يجدر الآن بالقضاء أن ينظر نظرة واقعية على أن المرأة المتقفة عليها ألا تدعي الجهل بالقانون لأن لا يعذر أحد بجهله أي أن الزوجة لم يمنعها القانون من أي اشتراط فيما يخص مساهمتها في النفقة إن كانت هناك فعلا مساهمة مستدامة أن تشترط على زوجها الشراء المحلات العقارية بصفة مشتركة وفق الإرادة الاختيارية بين الطرفين ما لم يتغير النص القانوني بجعل النفقة متساوية بين الزوجة والزوج كل قدر استطاعته أما أن يكون الزوج عاجزا عن النفقة ورغم ذلك يلزم بالإنفاق والمرأة لها راتب شهري فإذا وقع انفصام في العلاقة الزوجية وظهر شيء ما للزوج فإنه لا يجوز الادعاء بمفهوم تطبيق نظام الكد والسعاية. [1]حكم صادر في 24/12/1960.


