الشركة في طور التأسيس
الوضع القانوني والتدابير الحمائية ([1])
نور الدين الفقيهي
إطار بالوكالة القضائية للمملكة
أستاذ زائر بكلية الحقوق السويسي- الرباط
قام المشرع المغربي بإصلاح جذري مس قوانين الشركات التجارية، وكان له تأثيرا عميقا على مفاهيم قانونية أساسية، ويتمثل هذا الإصلاح في النظام القانوني للشركة في طور التأسيس، التي زاد المشرع من أهميتها على غرار نظيره الفرنسي، لا سيما وأن الميلاد القانوني للشركة يشكل حدثا مهما بالنسبة لجميع الأطراف : الشركة والشركاء أو المساهمين والأغيار ومن بينهم الدولة.
فبالرجوع إلى المادة 7 من القانون رقم 95-17 المتعلق بشركات المساهمة والمادة 2 من القانون رقم 96-5 المتعلق بباقي الشركات التجارية([2])، نجدها قد نصت على تغيير جوهري، غير مجموعة من المسلمات التي كانت من قبل، ويتعلق الأمر بسن قاعدة ربط ميلاد الشخص المعنوي- لكل أنواع الشركات التجارية باستثناء شركة المحاصة – بالقيد في السجل التجاري. هذه القاعدة التي تشكل حجر الزاوية في موضوع هذه الدراسة لما لها من انعكاس على مفهوم الشركة في طور التأسيس بوجه عام.
وإذا كان لكل موضوع إشكالا محوريا يحوي إشكالات فرعية. فإن الإشكال الأساس في هذا الموضوع يجد مصدره في فصل المشرع من خلال مفهوم الشركة في طور التأسيس بين مرحلتي تأسيس الشركة واكتسابها الشخصية المعنوية؛ الأمر الذي يؤشر على أهمية الوقوف على مزايا ومثالب هذا التصور.
لقد وقفنا على غموض هذا المفهوم من خلال مختلف المقتضيات المرتبطة به، محاولين رفع الخلط واللبس الذي يلفه؛ وتبيان نوع الترابط والتداخل الذي قد يجمعه بالمفاهيم المشابهة (الوعد بتأسيس شركة والشركة المنشأة بفعل الواقع وشركة المحاصة والشركة الفعلية). بالإضافة إلى كشف العلائق التي تنتظم من خلاله سواء ما تعلق بعلاقات المساهمين فيما بينهم أو علاقتهم بالمؤسسين والأغيار، مع سبر أغوار العديد من المؤسسات القانونية المدعمة لهذا النظام، التي تشكل معه كلا متكاملا لا غنى عنه، رغم تعدد مجالاتها (نظام تسوية عيوب التأسيس ومراقبة هذا الأخير والمسؤولية عن التصرفات المبرمة باسم الشركة قبل تقييدها في السجل التجاري والبطلان والمسؤولية المدنية والجنائية…)؛ قصد استجلاء تأثيراتها على منظومة الشركة في طور التأسيس والكشف عن مكامن القوة والضعف في هذه التدابير التي ابتدعها المشرع لتوفير حماية قانونية لجميع الأطراف المعنية، من بينها الشركة قبل كل شيء، التي هي في حاجة لأن تنشأ سليمة من كافة العيوب ومحصنة قانونا من كل ما من شأنه أن يعصف بوجودها أو يهدد من تربطه بها مصلحة أو علاقة معينة.
كما تطرقنا إلى التدابير والمقتضيات التشريعية والتنظيمية التي اتخذت بالمغرب في السنين الأخيرة من أجل التشجيع على إنشاء المقاولات، منها ما ارتبط بتبسيط مسطرة تأسيس الشركات، بغية تسريع عملية تقييدها بالسجل التجاري؛ ومن بينها إحداث المراكز الجهوية للاستثمار التي تضم الشباك الوحيد. بالإضافة إلى إصدار القانون رقم 05-20 المغير والمتمم للقانون رقم 95-17 المتعلق بشركات المساهمة و كذا القانونين رقم 05-21 ورقم 10- 24 المغيرين والمتممين للقانون رقم 96-5 المتعلق بباقي أنواع الشركات. مما استلزم معالجة الموضوع على ضوء هذه المستجدات التشريعية، من أجل تحيين البحث والنقاش حول نظام الشركة في طور التأسيس وملاءمة دراسته وفق الإصلاحات المذكورة، التي شكل هاجس التبسيط وتجنب المقاربة الجنائية أهم سماتها. وكذا لمعرفة مدى توفق المشرع في تقديم إصلاح حقيقي وإضافة نوعية للخطوة التشريعية التي عرفها المغرب بمناسبة سنه ق.ش.م وق. باقي الشركات، وما إذا كان قد تفادى الثغرات القانونية وأجاب على الإشكالات المطروحة على مستوى نظام الشركة في طور التأسيس.
وقد حرصنا في معالجة هذا الموضوع على أن نربأ به من الوقوع في مثلب الوصفية، بتجنب كل ما يتعلق بسرد الإجراءات التي تناولتها الإصدارات الأكاديمية بالإضافة إلى بعض البحوث الجامعية، من قبيل إجراءات تأسيس شركات المساهمة وأحكام القيد في السجل التجاري وتنظيمه الإداري وخصائص الشخصية المعنوية من اسم وموطن وجنسية… واعتماد منهج تحليلي تركيبي لمختلف الإشكالات، بما فيها تلك التي تطرح في الحياة العملية دون الاقتصار على ما هو نظري بحت. وذلك من خلال رصد التساؤلات – الجوهرية منها والثانوية – التي يثيرها الموضوع واقتراح أجوبة وحلول مقنعة، مع عرض منظور شامل وصياغة تصور متكامل حول نظام الشركة في طور التأسيس وتقديمه للباحثين في نسق مندمج وقالب متوازن متلاحم الأجزاء)[3](، بعد البحث في مختلف المقتضيات القانونية عن كل ماله علاقة بهذا النظام ومعالجته.
فحاولنا وضع تقسيم موضوعي يراعي الأهمية التي يكتسيها المفهوم الواسع للشركة في طور التأسيس، ويمكن من الوقوف على الغايات التي كانت وراء وضع كل مؤسسة من المؤسسات القانونية التي رصدت لتدعيم وتقوية هذا المفهوم ومعرفة مدى فعاليتها. وذلك من خلال بابين، خصص الباب الأول لدراسة الوضعية القانونية للشركة في طور التأسيس، ورصد الباب الثاني لبحث الآليات التي سخرها المشرع من أجل تحقيق الحماية لكافة الأطراف. بحيث جاءت أهم التفريعات على الشكل التالي:
الباب الأول: الوضعية القانونية للشركة في طور التأسيس
الفصل الأول: الإطار المفاهيمي للشركة في طور التأسيس
الفرع الأول: مفهوم الشركة في طور التأسيس
الفرع الثاني: تمييز الشركة في طور التأسيس عن المفاهيم المشابهة………
الفصل الثاني: النظام العلائقي للشركة في طور التأسيس……………..
الفرع الأول: نظام الأموال في الشركة في طور التأسيس
الفرع الثاني: نظام الأشخاص في الشركة في طور التأسيس…………….
الباب الثاني: التدابير الحمائية في النظام القانوني للشركة في طور التأسيس
الفصل الأول: الآليات الاحترازية في نظام الشركة في طور التأسيس…………
الفرع الأول: إجراءات ضمان صحة الشركة في طور التأسيس
الفرع الثاني: المسؤولية عن التصرف لفائدة الشركة في طور التأسيس…….
الفصل الثاني: الوسائل الجزائية في نظام الشركة في طور التأسيس………..
الفرع الأول: التنظيم التشريعي الجديد لبطلان الشركة……………..
الفرع الثاني: المسؤولية القانونية عن اختلالات الشركة في طور التأسيس…..
الباب الأول: الوضعية القانونية للشركة في طور التأسيس.
لقد تجلت أولى الاشكالات بدءا من عنوان الأطروحة في حد ذاته، ذلك أن من يسمع للوهلة الأولى بالشركة في طور التأسيس، سيجزم لا محالة بأن هذا المفهوم يشمل كل ما يتعلق بتأسيس الشركة وإلى غاية تأهيلها لممارسة نشاطها أي ميلادها كشخص معنوي. غير أن استقراء بعض النصوص القانونية المتعلقة بالشركة في طور التأسيس (المواد 17 و31 و32 و35 و380 – المنسوخة – من القانون رقم 95- 17 كما تم تغييرها بموجب القانون رقم 05-20)، تفضي إلى حقيقة مفادها أن هذا المصطلح يلفه الكثير من الغموض والضبابية، وذلك نتيجة تفريق المشرع بين مرحلة التأسيس – تكُون الشركة عند نهايتها مؤسسة، لكن غير مستعدة بعد لتحقيق غرضها – وأطلق عليها عبارة الشركة في طور التأسيس وبين مرحلة اكتساب هذه الشركة الشخصية المعنوية، التي تنتهي بتقييد الشركة في السجل التجاري، بحيث إن غياب الشخصية المعنوية لا يمنع من اعتبار الشركة مؤسسة قبل التقييد.
وهذا ما دفع بجانب مهم من الفقه الفرنسي إلى القول بأنه يوجد بالإضافة إلى مفهوم التأسيس، الذي يشكل المرحلة الأولى من مراحل ميلاد الشركة، مفهوم التكوين الذي يمتد إلى غاية القيد السجل التجاري بحيث يستغرق المفهوم الثاني المفهوم الأول.
الأمر الذي جعلنا نتساءل عما إذا كان بالإمكان الاستعاضة عن مفهوم الشركة في طور التأسيس بمفهوم الشركة في طور التكوين، باعتبار أن هذا المفهوم الأخير أوسع وأشمل.
إن مفهوم الشركة في طور التكوين لا يخلو من فائدة وجدوى إذ يشمل جميع الأعمال التي تؤدي إلى خلق شركة مؤسسة بكيفية قانونية (المادة 17 من ق.ش.م) ومتمتعة بشخصيتها المعنوية اثر تقييدها في السجل التجاري (المادتين 7 و32 من القانون نفسه)؛ ويتطابق أيضا وتحديد مجال المسؤولية عن التصرفات المنجزة لحساب شركة لم تقيد بعد، والتي تكون محل تحمل لاحق من طرف الشركة (المادة 27 من ق.ش.م)، بحيث قسم المشرع هذا المجال إلى مرحلتين: مرحلة الشركة في طور التأسيس بالمعنى الدقيق للعبارة الذي يتحقق بإنجاز الإجراءات التي تضمنتها المادة 17 السالفة الذكر ومرحلة اكتساب الشخصية المعنوية التي تتم بتقييد الشركة في السجل التجاري. كما يسعف هذا الطرح في تفادي ما وقع فيه المشرع من صياغة تعابير طويلة ومركبة كما هو الأمر مثلا في الفقرة الأولى من المادة 27 من ق.ش.م « يسأل الأشخاص الذين قاموا بعمل باسم شركة في طور التأسيس وقبل اكتسابها الشخصية المعنوية، على وجه التضامن وبصفة مطلقة، عن الأعمال التي تمت باسمها إلا إذا تحملت الجمعية العامة الأولى العادية أو غير العادية للشركة الالتزامات الناشئة عن هذه الأعمال بعد تأسيسها وتقييدها بشكل قانوني ».
ويكفي في ذلك استعمال مفهوم ” الشركة في طور التكوين ” الذي يشمل كلا من المرحلتين، اللتين تضمان جميع التصرفات المادية والقانونية اللازمة لإنشاء التنظيم القانوني الذي وضعه المشرع رهن إشارة من يود الاستثمار في نشاط يتطلب رؤوس أموال مهمة.
وتجدر الإشارة إلى أن المشرع تبنى لاحقا رأي الفقه في هذا الموضوع بمناسبة تنظيمه للمجموعات ذات النفع الاقتصادي بواسطة القانون رقم 13.97 الصادر بتنفيذه الظهير رقم 1.99.12 بتاريخ 5 فبراير 1999، بحيث نص في الفقرة الثانية من المادة 4 منه المتضمنة لنفس مقتضيات المادة 27 من القانون المنظم لشركات المساهمة، المذكورة أعلاه، على ما يلي « يعتبر الأشخاص الذين تصرفوا باسم مجموعة ذات النفع الاقتصادي في طور التكوين قبل أن تكتسب الشخصية المعنوية…»، فيلاحظ أنه استغنى عن واو العطف الذي لم يعد لبقائه مبرر مع وجود مصطلح يشمل كلتا المرحلتين المتعاقبتين اللتين كان الواو يقرن بينهما.
وبالتالي فإن التعامل بوفاء مع المدلول الاصطلاحي الذي جاء به ق.ش.م من شأنه أن يقلص ويبتر مجال البحث الذي يرمي إلى الإحاطة الكلية بمسار إقامة الشركة، الذي يتمخض عنه خروج هذه الأخيرة قانونا وفعليا إلى الحياة الاقتصادية من خلال قيامها بنشاطها الذي أنشئت من أجله. لذلك، آثرنا في نهاية المطاف الإبقاء على صيغة الشركة في طور التأسيس تماشيا مع الاصطلاح الذي استعمله المشرع، مع توسيع مجاله، معتبرين تجاوزا أن لهذا المفهوم معنى قانونيا ضيقا، ينحصر في حدود القيام بإجراءات التأسيس المنصوص عليها في المادة 17 من ق.ش.م كما تم تعديله بموجب القانون 05-20 ومعنى آخر واسعا يمتد إلى لحظة اكتمال البناء القانوني للشركة، المتمثل في ميلاد شخصيتها المعنوية، وهو الذي يشكل موضوع الدراسة.
من هذا المنطلق صارت الشركة في طور التأسيس – الممتدة من توقيع النظام الأساسي إلى ميلاد الشخصية المعنوية – تعتبر كيانا مؤسساتيا بفعل تقييدها في السجل التجاري، حيث تشكل الشركة إطارا أو نظاما قانونيا للمقاولة التي هي تنظيم اقتصادي وبشري، إلا أن هذه الشركة تحتاج إلى إعداد وتهيئ لتدخل إلى عالم الأعمال. والمؤسسون على العموم يقبلون على مضض بقاء الشركة معطلة ومتوقفة عن العمل، لأن شغلهم الشاغل هو جمع في أقرب وقت ممكن العناصر اللازمة للشروع في استغلال النشاط التجاري الذي أنشئت من أجله الشركة والذي ينتظرون مباشرته بصفة تشاركية. وقد تدفعهم ضرورات عملية إلى التعاقد مع الأغيار لضمان تموقعهم في السوق، أو منع أحد المنافسين من توطيد نفوذه التجاري واستئثاره بالزبائن أو حتى إبرام صفقة مربحة للشركة التي لازالت في طور التأسيس، كما قد يكون من اللازم أن تملك الشركة بناية بشكل عاجل، اعتبارا لموقعها، قبل أن تصبح بيد آخرين. ولهذا طرحنا السؤال:هل من المقبول أن تعتبر الشركة طوال فترة تأسيسها وكأنها كيان قانوني ؟
بحيث اقتضى الجواب التطرق إلى التضارب الحاصل بشأن مسألة التأصيل أو التكييف القانوني للشركة في طور التأسيس، والذي مرده الغموض الذي يحيط بهذا المفهوم. إذ يحتوي هذا الأخير على عناصر قانونية وواقعية تتقاطع مع مثيلاتها في مؤسسات وتكييفات قانونية أخرى.
لأجل ذلك، عرضنا فرضيتين، تتعلق الأولى بمماثلة الشركة في طور التأسيس مع الشركة في طور التصفية وترتبط الفرضية الثانية بمماثلتها مع الشركة المنشأة بفعل الواقع، قبل أن نناقش نظرية – نقتصر على ذكرها نظرا لأهميتها – تقوم على فكرة الشخصية المعنوية الجنينية ( قياسا على شخصية الجنين الناقصة ) كأساس في تكييف الشركة في طور التأسيس، والتي توصلنا بشأنها إلى وجود اختلافات مهمة بين الأشخاص المعنوية والأشخاص الذاتية، سببها الطبيعة الخاصة التي تميز الأشخاص المعنوية واستحالة المماثلة بلا تحفظ بين شخص طبيعي ومجموعة تخول لها شخصية معنوية بموجب افتراض قانوني، أي أن هذه المجموعة تفتقد لمعيار بسيط مرتبط بالشخصية الطبيعية وهو وجود كائن إنساني. مما يجعل محاولة التوفيق بين معيار الشخصية المعنوية وخصائص الكائن البشري تتسم بالإفراط في التقريب بينهما. إذ لا يوجد تطابق بين تكون الأشخاص الذاتية وتأسيس الأشخاص المعنوية، فهذه الأخيرة إبداع مصدره الإرادة الإنسانية، كما أن المدة الزمنية لمرحلة تأسيسها لم تحدد البتة من طرف المشرع الذي اقتصر فقط على تحديد نهايتها في يوم التقييد في السجل التجاري فيما يخص الشركات التجارية، باستثناء شركة المحاصة التي لا تتمتع بالشخصية المعنوية كما هو معلوم؛ وإن كان من الضروري أن تمر فترة معينة بين لحظة تأسيس الشركة وتاريخ تقييدها الذي يسمح لها بأن تصبح موضوع حق والتزام في آن واحد وبصفة مطلقة.
وبالتالي، لا يسوغ إقحام هذه المفاهيم في الموضوع، لأن الشخصية المعنوية صارت نظرية قائمة الذات ولا يستغنى عنها، بحيث لم تعد بحاجة اليوم لتبريريها بواسطة تشبيهها أو مماثلتها مع الشخص الذاتي، مادام أنها تحمل تبريرها في كنهها.
فتبقى الشركة إذن، إلى حين تقييدها بالسجل التجاري مجردة بالمرة من الشخصية المعنوية ولا يمكن أن تتواجد ككيان قانوني كامل، إذ ليست لها أهلية التقاضي ولا أهلية التصرف المباشر، كما لا تتمتع بالحق في التسمية، وهو الحق الذي يعتبره كل من الفقه والقضاء من حقوق الملكية؛ أي أن الشركة لا تتواجد طوال فترة التأسيس كشخص معنوي بل تظل مجرد عقد، مادامت لم تقيد في السجل التجاري، وبالتالي فإن حياتها القانونية غير مكتملة لأنها لا تتمتع بأي حق ولا تتحمل أي التزام.
وقد كشف تحليل مفهوم الشركة في طور الـتأسيس عن وضعيتين قانونيتين مختلفتين. تتعلق الأولى بداية بشركة صحيحة من الناحية التعاقدية، تنشأ عن طريق إبرام عقد الشركة، بحيث يسفر القيام بالإجراءات المنصوص عليها في المادة 17 من القانون رقم 95-17 عن ميلادها كنظام أساسي تعاقدي، يقوم بالتزاماته المؤسسون والمساهمون ويُسألون عنه على وجه التضامن، وذلك بموجب المادتين 8 و27 من ق.ش.م، سواء كانت الشركة تدعو الجمهور إلى الاكتتاب أو لا تدعو إلى ذلك، وبالتالي تكون الشركة على هذا الأساس موجودة مادام أن القيد في السجل التجاري لا يعد إجراء من إجراءات التأسيس وإنما شرط وأداة لاكتساب الشخصية المعنوية.
ثم نأخذ بعين الاعتبار أن الشركة في طور التأسيس تعد مجموعة لم تقيد بعد ولكن أعضاؤها يترقبون تسجيلها بالسجل التجاري، الذي جعل منه المشرع المغربي – مثلما فعل المشرع الفرنسي – المعيار القانوني الوحيد والإجراء الحتمي من أجل تأريخ شهادة ميلاد الشخصية المعنوية للشركة؛ وهذا ما يشكل الوضعية القانونية الثانية التي يتحقق عند ختامها التأسيس النهائي للشركة.
وحري بالذكر أن سيطرة المفهوم الحديث للشركة – الذي يجعل هذه الأخيرة تنظيما قانونيا للمقاولة – قد أثرت على جل المقتضيات التشريعية المنظمة للشركات، سواء تعلق الأمر بتأسيسها أو بإدارتها. إذ أن إنشاء شركة لم يعد حاليا تصرفا إراديا محضا يخضع فقط لاتفاق الشركاء أو المساهمين، بل صار مسألة إجرائية تصطبغ بجلاء بصبغة شكلية بمجرد دخول فكرة الشركة حيز التنفيذ، وذلك من أجل التيقن من أن المقاولة موضوع الشركة قد ولدت ولادة فعلية وليس صورية.
كما تجدر الإشارة إلى أن الشركة في طور التأسيس في حاجة في هذه الفترة إلى الإعداد للنشاط المزمع قيامها به خلال حياتها. ولهذا فإن القانون نفسه يفرض إبرام عقد واحد على الأقل، قبل التقييد في السجل التجاري، ويتعلق الأمر بالتوقيع على عقد كراء مبنى أو على تفويت رسم ملكيته، لتوفير مقر للشركة الذي يعد تعيينه من البيانات الواجب تضمينها بالنظام الأساسي الواجب إيداعه بكتابة الضبط بالمحكمة التجارية التي يوجد بدائرتها هذا المقر، تحت طائلة عدم قبول طلب تقييد الشركة في السجل التجاري، وذلك بموجب المادة 31 من ق.ش.م. هذا بالإضافة إلى أن إنشاء شركة يقتضي بالضرورة القيام بعدة تصرفات قانونية لحسابها قبل تقييدها بالسجل التجاري. في حين أن الشركة لا تتمتع بعد بوجود قانوني و لا يمكنها التعامل أو التعاقد بصفة شخصية. ولهذا يتم اللجوء إلى التدخل غير المباشر للمساهمين المؤسسين، والذين لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارهم وكلاء عن الشركة.
وتختلف هذه التصرفات حسب طبيعة وغرض الشركة. فنجد تحرير مشروع الأنظمة الأساسية والمصادقة على هذه الأخيرة وإيداعها في كتابة الضبط لدى المحكمة المختصة وإتمام إجراءات الإشهار المنصوص عليها قانونا والدعوة للاكتتاب وتسلم الأموال المدفوعة وإيداعها لدى البنك وما يستلزم ذلك من فتح لحساب بنكي باسم الشركة في طور التأسيس؛ ومن غير هذه الإجراءات يجب إيجاد مصادر تمويل الشركة، كما يمكن للمؤسسين أن يبرموا عقودا مع محامين من أجل تحرير الأنظمة الأساسية، ويوقعوا عقود الشغل وأن يكتروا محلات لتستغل في نشاط الشركة التي هي في طور التأسيس وأن يقتنوا تجهيزات المكاتب وغيرها من الأدوات ويشتركوا في خدمات مد خطوط الهاتف والإنترنت…
وبخصوص التساؤل عما إذا كان بالإمكان للشركة أن تنطلق بكامل نشاطها منذ فترة التأسيس، دون انتظار تسجيلها بالسجل التجاري. يلاحظ ظاهريا أنه من الممكن القبول بذلك، نظرا لعدم وجود أي منع قانوني في هذا الجانب، إلا أن الشركة معرضة لتكييفها كشركة منشأة بفعل الواقع.
لهذا، ولتجنب التكييف المذكور، فإنه وماعدا التصرفات الضرورية لإنشاء الشركة، لا يمكن للمؤسسين أن يتصرفوا لحساب الشركة في طور التأسيس، لأنهم لا يتمتعون بحرية كاملة في هذا المجال، ولأن الشركة لا تتمتع بعد بوجود قانوني ولا يمكنها التعامل أو التعاقد بصفة شخصية.
وتطبيقا لذلك، فإن توقيع العشرات من عقود القرض التي تسمح للشركة في طور التأسيس بشراء سيارات تلزمها لتحقيق غرضها، يعد من قبيل الأعمال التحضيرية للقيام بنشاط الشركة ولا علاقة له بالشركة المنشأة بفعل الواقع، غير أن من يوقع على أمثال هذه العقود يمكن أن يظل مسؤولا عنها إن لم يتم تحملها من طرف الشركة بعد حيازة هذه الأخيرة الشخصية المعنوية.
وهكذا يبدو أن الشركة تبقى في طور التأسيس مادام أن التصرفات المجراة لحسابها عرضية وضرورية ومادام أن الغرض منها هو الإعداد للشروع في الاستغلال والحفاظ إن اقتضى الحال على قيمة الحصص العينية، لاسيما الأصول التجارية المقدمة كحصة في الشركة.
وعلى العموم، فنحن أمام حل انتقالي لا تتمتع فيه الشركة في طور التأسيس بحياة قانونية خاصة بها، فحتى إذا ما تم التأسيس وتأخر القيد في السجل التجاري، فإن الرغبة المشتركة والوحيدة للمساهمين المستقبلين تكون هي العمل على تمتيع الشركة بالشخصية المعنوية التي تمكن الشركة من تحقيق غرضها.
كما يسوغ القول بأن الكائن المعنوي يوجد في فترة ما قبل التأسيس استنادا إلى افتراض قانوني، وتظهر تحت هذا الكائن الشخصيات الفردية والقانونية للأعضاء المكونين له، وما أن يأتي القيد حتى يخفي هؤلاء ليضع الكائن الجديد في الحياة القانونية، بحيث ينفصل الشخص المعنوي عن شخصية المساهمين الذين تجمعوا من أجل إخراجه إلى حيز الوجود.
الأمر الذي يستشف منه أن النصوص القانونية أضفت على الشركة- التي تنتظر تقييدها في السجل التجاري – شكلا قانونيا يلف محيطه الغموض والإبهام، وإن كانت مرحلة ما قبل التأسيس تحوي من ناحية أخرى قوة قانونية حقيقية تستهدف حماية الأغيار، الذين ليس لأحد أن يواجههم بالشركة كشخص معنوي، ما دام أن هذه الأخيرة لم يتم إشهارها في السجل التجاري.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أنه لا يمكن للشركة في طور التأسيس أن تخضع لنظام صعوبة المقاولة.
هذا، وننبه إلى أن الضبابية والإشكالات التي تكتنف مفهوم الشركة في طور التأسيس لا تقف عند حد الفحوى والمغزى من هذا المفهوم، بل تنعكس أيضا على مسألة التحديد الزمني للشركة في طور التأسيس، فإذا كانت هذه الأخيرة تتميز بالعنصر المعنوي المتجلي في الشعور بالانتماء إلى شركة والرغبة في الدفع بهذه الأخيرة إلى آخر مرحلة من مراحل تكوينها وهي تقييدها بالسجل التجاري الذي يكسبها الشخصية المعنوية، فإن هذا العنصر يظل غير كاف للتعريف بهذه الشركة إذ من اللازم أن تكون فعلا في طور التأسيس، فهذه الفترة تشكل عنصرا جوهريا في مفهوم الشركة في طور التأسيس، ولهذا فمن أجل إقامة الدليل على وجود هذه الشركة، لامناص من إثبات العنصر النفسي السالف الذكر والعنصر المادي المتمثل في القيام بإجراءات التأسيس، بالإضافة إلى العنصر الزمني الذي يقتضي أن الشركاء يوجدون في مرحلة تأسيس الشركة، مما يعنى أنه لا يكفي أن تكون هذه الفترة قد بدأت بل أنها أيضا لم تنته بعد. وهذا ما فرض دراسة الجانب الزمني المتعلق بطور تأسيس الشركة، سواء ما ارتبط منه بنقطة البداية – التي تعد الأكثر غموضا – أو تاريخ النهاية وكذا المدة.
وبخصوص النظام العلائقي داخل الشركة في طور التأسيس، تناولنا نظام الأموال من خلال علاقة المكتتبين بالمؤسسين، حيث تتجسد هذه العلاقة في الأموال النقدية والأموال العينية التي يدفعها المكتتب للمؤسس من أجل تحويلها لفائدة الشركة في طور التأسيس، مقابل التزام هذا الأخير بالسهر على متابعة الإجراءات اللازمة لاستكمال تأسيس الشركة. فبعد التنقيب عن التأصيل القانوني لهذه العلاقة، عالجنا الاشكالات المرتبطة بدفع الأموال، نخص منها بالذكر الإشكال الكبير الحاصل في نقل الحصص العينية إلى شركة في طور التأسيس، المترتب عن عدم تمتع هذه الأخيرة بالشخصية المعنوية قبل تقييدها في السجل التجاري، والذي من شأنه أن يوقع في الحرج جهات عدة، بحسب نوع الحصة العينية، مثل المحافظة العقارية بالنسبة للعقارات المحفظة والسجل التجاري بالنسبة للأصل التجاري والمكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية فيما يخص علامات الصنع أو التجارة… والسجل الوطني للبراءات الممسوك من طرف نفس المكتب ومصلحة تسجيل السيارات. إذ لا يتصور ولا يقبل نقل ملكية معينة لفائدة شخص غير موجود وغير معترف به قانونا ورسميا.
وبالتالي نجد أنفسنا ندور في حلقة مفرغة، بحيث لا يمكن تحويل الحصة العينية للشركة حتى تكتسب هذه الأخيرة الشخصية المعنوية، ولا يكون اكتسابها إلا بالقيد في السجل التجاري، ولا يتم القيد إلا باكتمال أركان تأسيس الشركة بما فيها رأس المال، ولا يتحقق تكوين رأس المال حتى يدفع للشركة، ولا يتأتى ذلك حين يحتوي على أموال عينية حتى تحمل الشركة أهلية اكتساب الحقوق، ولا أهلية دون شخصية معنوية، ولا شخصية دون قيد…وهكذا دوران لا نهاية له؛ ناتج عن وجود فراغ قانوني فظيع بسبب عدم ضمان المشرع الانسجام والملاءمة اللذين تستلزمهما المقتضيات والأنظمة القانونية التي يأتي بها، وهو ما ترتب عنه في هذه الحالة اضطرابا وتنافرا، يرجعان لفرض وضع ملكية أموال بين يدي شركة ليس لها بعد وجود قانوني. بحيث إن الحرص على التطبيق الأمين لهذا المقتضى يحول دون تنفيذ باقي شروط التأسيس، وبالتالي دون ميلاد الشركة، مادام أن ما تم هو مجرد تكوين العقد.
كما بحثنا في نظام الأشخاص المتمثل في العلاقات التي تربط المساهمين فيما بينهم وكذا دراسة وضعيتهم القانونية في هذه المرحلة و الاطار القانوني الذي يخضعون له.
الباب الثاني: آليات تدعيم النظام القانوني للشركة في طور التأسيس
سخر المشرع آليات وتدابير حمائية، الغرض منها تدعيم نظام الشركة في طور التأسيس وتقويته، فصرنا نجد مجموعة من النظم تسير في فلك النظام المذكور؛ لاسيما وأنه أراد أن يعطي أهمية ومصداقية ومناعة لواقعة الميلاد القانوني للشركة من خلال إسناد هذه المهمة إلى مرفق رسمي للدولة أي مصلحة السجل التجاري.
وإذا كان وراء الإقران بين القيد في السجل التجاري كوسيلة شهر مهمة وبين الوجود القانوني للشركة الذي تنطلق منه شخصيتها المعنوية، حرص المشرع على حماية مصالح الأغيار، لكي يضمن لهؤلاء التعامل مع شركة مكونة بصفة قانونية، فإن الأمر يظل مجرد قرينة بسيطة على صحة التأسيس قابلة لإثبات العكس، بمعنى أنه ليس بالضروري أن تنشأ الشركة سليمة، بل قد تولد وهي مشوبة بعدة عيوب، على الرغم من أن التقييد قرينة قطعية على اكتساب الشركة الشخصية المعنوية، ومن أنه لا يفترض في الدولة أن تتدخل عبر جهاز رسمي الذي هو مصلحة السجل التجاري لتزكي وتشهر وضعا غير قانوني.
الأمر الذي فرض على المشرع التفكير والبحث عن تدابير موازية، تدعم نظام الشركة في طور التأسيس، ليفضي به الأمر إلى إيجاد آليات تعتمد مبدأ المراقبة لضمان تأسيس صحيح للشركة خال من الشوائب، وأخرى لتنحية هذه الأخيرة في حالة وقوعها في هاته الفترة، عن طريق تنظيم عملية إصلاح الاختلالات لاحقا بعد اكتساب الشركة للشخصية المعنوية، ليندرج ذلك في نفس المنحى أي حماية الغير، المرتبطة بشرعية تأسيس الشركة وخروج هذه الأخيرة للوجود كشخص معنوي سليم أعطيت لواقعة ميلاده هالة ورسمية استدعيتا تدخل الدولة بواسطة جهازها الإداري لإسناده الشخصية المعنوية بشكل سوي، ثم بواسطة سلطة القضاء ليتم تدارك وتسوية كل ما من شأنه أن يعصف بسلامة وصحة هذا الميلاد. بالإضافة إلى إيجاد – في نفس الاتجاه – بعض الأنظمة من أجل إنزال الجزاء عند الاقتضاء وتحميل المسؤولية عن الخروقات التي تصيب الشركة في طور التأسيس.
هذا فضلا عن إحداث نظام فرض ذاته بسبب الفراغ الكبير الذي تركه إرجاء اكتساب الشخصية المعنوية إلى أن يتم القيد. ويتعلق الأمر بنظام مزدوج للمسؤولية عن التصرفات التي تمت لصالح الشركة الجاري تأسيسها، حماية للشركاء أو المساهمين المرتقبين وللشركة نفسها وكذا للأشخاص الذين يتعاملون مع هذه الأخيرة في مرحلة التأسيس التي أصبحت أكبر امتدادا.
وقد سجلنا على مستوى الوسائل الحمائية المدعمة لنظام الشركة في طور التأسيس، ضعف وشكلية الرقابة التي يمارسها جهاز السجل التجاري – المتمثل في كاتب الضبط الذي يمسك هذا السجل تحت إشراف قاض – على مسطرة تقييد الشركات، إذ تنحصر في المراقبة الظاهرية للوثائق المقدمة من أجل التقييد، ولا تمتد إلى التأكد من مطابقتها للواقع، مما ينعكس سلبا على النتيجة المرجوة. فلكي يكون إجراء القيد في السجل التجاري فعالا، يتحتم أن يضمن له المشرع القوة القانونية والحجية التي تتناسب والغاية من إقراره. وحري به في هذا الشأن أن يتم الانفتاح على تجارب دول أخرى رائدة في مجال تنظيم السجل التجاري كألمانيا مثلا، التي تمارس رقابة قبلية قضائية حقيقية على تأسيس الشركات.
وتساءلنا عما إذا كان للشباك الوحيد دور في المراقبة، فوجدنا أنها شبه منعدمة. معتبرين أن المراكز الجهوية للاستثمار التي تضم هذه الشبابيك، بحاجة إلى إيلائها العناية الكاملة التي تستحقها نظرا لما يعقد عليها من آمال، وذلك عن طريق تقييم تجربتها والقيام بدراسات حولها والبحث فيما يتعلق بدورها ومدى مساهمتها في تفادي العوائق التي يعرفها تأسيس الشركات. وأن يعمل المشرع على تطويرها لكي تساهم بفعالية في القضاء على البطء والعراقيل المصطنعة؛ لاسيما وأن الرهان الحالي للمغرب هو استقطاب الاستثمار الأجنبي لإنشاء شركات تجارية في المغرب، من أجل الدفع بعجلة الاقتصاد والتنمية.
كما وقفنا على عدم جدوى التصريح الذي يوقعه المؤسسون، يشهدون فيه بمطابقة عملية التأسيس للمقتضيات القانونية والتنظيمية، بحيث يشكلون خصما وحكما في نفس الآن، الشيء الذي كان سببا في إلغائه بموجب القانون رقم 05-20 المغير والمتمم للقانون رقم 95-17 المتعلق بشركات المساهمة.
وبعد تطرقنا لهذه التدابير الرامية إلى وقاية قبلية للشركة في طور التأسيس من العيوب، عرجنا على نظام بمثابة علاج لاحق يستهدف تسوية الاختلالات التي تطال إجراءات تأسيس الشركة. هذا النظام الذي يبدأ سريانه عقب تقييد الشركة في السجل التجاري، يظل قاصرا عن تسوية و تصحيح جميع الاختلالات. فإذا طال الخلل شرطا من الشروط الموضوعية، فإن سهولة التسوية من حيث المبدأ، تخفي صعوبة على مستوى التنفيذ. إذ لو حصل – مثلا- أن كان عدد المساهمين في شركة مساهمة، أقل من الحد الأدنى المتطلب قانونا([4])، فإن المحكمة تصدر ببساطة أمرا باستكمال العدد المتبقي، بإدخال مساهمين جدد. لكن ليس لأحد أن يحتم على آخر بأن يكون مساهما في شركة ما. فماذا إذن لو فشلت عملية البحث هذه ؟ ويطرح نفس السؤال، عند وجود رأس مال يقل عن الحد الأدنى المفروض قانونا([5])، بحيث يكون على الشركاء أو المساهمين تعويض النقص الحاصل أو إيجاد من يقوم بذلك عبر دخوله للشركة. وكذا إن لم يقع تحرير الأسهم المصدرة، بربع قيمتها الاسمية على الأقل، في شركات المساهمة أو الشركات ذات المسؤولية المحدودة. ولهذا فالغرامة التهديدية – حسبما يبدو – لن يكون تأثيرها إلا ضعيفا، كما أنها لن تتغلب دائما على أصحاب النوايا السيئة، ممن تجب عليهم التسوية في إطار دعوى تبقى متواضعة الفعالية، فضلا عن أن مشقة هذه الأخيرة أكبر من تلك المتعلقة بالأخذ بالجمعية العامة التأسيسية – التي تم الاستغناء عنها في القانون رقم 95-17 – والتي من شأنها القضاء على المشاكل منذ البداية.
وإذا فكرنا بمطالبة المشرع بأن يعمم على هذه الدعوى ما أثبته في دعاوى التسوية الأخرى([6])، وذلك بتعيين وكيل يتكلف – مباشرة – بإنجاز الإجراء المتنازع فيه، فإن ذلك لن يكون مجديا، إلا فيما يتعلق بالاختلالات الشكلية من قبيل القيام بالشهر، على خلاف الجوهرية نظرا للصعوبات التي ذكرناها أعلاه.
وعلى العموم، فإن التمكن من القيام بالتسوية يقي من دعوى البطلان، حين يكون الإجراء المختل واقعا تحت طائلة هذه الأخيرة. كما يحتج بالتسوية تجاه الجميع، وبأثر رجعي، كأن شيء لم يقع، بحيث تحيى الشركة دون عيوب بعد هذه “العملية الجراحية” كباقي الشركات التي نشأت سليمة منذ البداية.
وهكذا، ورغم الثغرات التي أثرناها بخصوص نظام تسوية الاختلالات التي تصيب الشركة في طور التأسيس، فإن ذلك لا يمنع من الاعتراف بايجابية وأهمية فكرة التسوية، ذلك أن القيد في السجل التجاري بما يكتسيه من تأثير حاسم ومهم على إسناد الشخصية المعنوية للشركة، فإنه لا يطهر التأسيس ولا يعفي المؤسسين من العيوب الواقعة بمناسبة تأسيس الشركة، بمعنى أن الميلاد الصوري للشخصية المعنوية لا يصوب مخالفة المقتضيات القانونية الواقعة قبله، إنما تفعل ذلك دعوى التسوية، ضامنة لكل من له مصلحة تدارك الخلل.
كما عالجنا نظاما قانونيا آخر، يندرج أيضا في إطار دعم نظام الشركة في طور التأسيس، لكن هذه المرة من أجل ضمان حماية شاملة لجميع الأطراف المعنية بالمسؤولية عن التصرفات والأعمال المنجزة أثناء وجود الشركة في طور التأسيس التي تكون مجردة من الشخصية المعنوية.
إذ من الضروري أن تبرم الشركة في طور التأسيس عدة عقود من أجل أن تصبح مؤهلة ومستعدة لممارسة النشاط المنشأة من أجله، كما يفرض المشرع القيام بإجراءات قانونية مختلفة في هذه الفترة، غير أنه لا يمكنها التصرف بواسطة ممثليها في إطار علاقاتها مع الأغيار، لعدم تمتعها بعد بالشخصية المعنوية، وبالتالي فإن المؤسسين يضطلعون بمهمة التصرف لحساب الشركة في طور التأسيس أو يكلفون من يقوم بذلك، وقد يقدمون إلى المساهمين – عند تقييد الشركة في السجل التجاري – لائحة التصرفات التي أجروها، من أجل النظر في إمكانية المصادقة عليها، على أن تكون تلك التصرفات قد تمت فعلا في فترة التأسيس، وهو ما يفرض تحديد هذه الفترة زمنيا، ليترتب عن ذلك في حالة الإيجاب تحمل الالتزامات من طرف الشركة، وإلا فإن من قاموا بتلك الأعمال يسألون عنها بصفة شخصية وتضامنية.
فتسمح هذه الآلية بحفظ مصالح الأغيار، وإن كان ذلك بشكل متفاوت، فقد تكون ذمة المؤسسيين مثلا أقل من ذمة الشركة، فترتفع كفة مسؤولية المؤسسين التي تبقى السبيل الوحيد لضمان هذه المصالح عندما لا تتحمل الشركة الالتزامات المبرمة، وقد يكون العكس في حالة تأسيس شركة برأس مال صغير يقل عن ذمة وضمان المؤسسين، فتكون بالتالي كفة هؤلاء هي الراجحة والمفضلة لدى الأغيار الدائنين؛ والمهم أن الغير يجد في كلتا الحالتين من يسائله، سواء تحملت الشركة الالتزامات أم لم تتحملها.
كما أن مصلحة المساهمين والشركة تبقى مكفولة، مادام أن تحمل الشركة للالتزامات المجراة متوقف على موافقتها أو موافقتهم، وهذا ما يدفع المؤسسين إلى توخي الحيطة والحذر عند إبرامهم للتصرفات المتحدث عنها، والحرص على أن تكون في محلها وتتفق ومصلحة الشركة، وإلا استمرت مسؤوليتهم عن هذه التصرفات في حالة إذا لم تتحملها الشركة بعد اكتسابها الشخصية المعنوية. هذا التحمل الذي يشكل حماية أيضا للمؤسسين الذين يعفون من مسؤولية تنفيذ الالتزامات التي عقدوها بأنفسهم لفائدة الشركة في طور التأسيس، من أجل أن تكتمل بنيتها المادية والقانونية التي تؤهلها لممارسة نشاطها.
أما فيما يخص الوسائل الجزائية، فقد لاحظنا تحجيم المشرع لنظام البطلان بحيث سعى لمواجهة أثره بكامل الليونة والتحفظ، حيث حرص على تطويق حالاته ومحاولة التخفيف من حدتها، بخلق إمكانيات متنوعة لتدارك الموقف ومعالجته عند الإمكان بناء على المبادئ العامة أولا، ثم استنادا إلى ما جاء في ق.ش.م الذي يعتبر بمثابة الشريعة العامة لجميع أنواع الشركات التجارية. وذلك بقصد تدعيم استقرار المعاملات التجارية والمحافظة على حسن سير الشركة وتوازنها وتقويتها وتشجيع الاستثمار وتنمية الاقتصاد الوطني.
بحيث سن المشرع قاعدة لا بطلان إلا بنص وحصر أسبابه في عدم مشروعية غرض الشركة وانعدام أهلية جميع المؤسسين. كما وضع حواجز مسطرية لتفادي بطلان الشركة، فضلا عن فتحه المجال لتسوية موجبات هذا الجزاء.
غير أنه يستشف من خلال استعراض نظرية بطلان الشركات التجارية – وفق نظامها الجديد – ومن مختلف المواقف، أن هناك عدة أوضاع وحالات تجعل هذه النظرية صعبة التطبيق نظرا لاختلاط كل من الهواجس القانونية والاقتصادية والاجتماعية.
أما فيما يخص المسؤولية القانونية كوجه آخر من وجوه الجزاء الذي يستهدف تحصين الشركة في طور التأسيس من الاختلالات والمخالفات، فقد تناولنا المسؤولية المدنية عن هذه العيوب قبل أن نتطرق إلى المسؤولية الجنائية التي تم تخفيفها بعد كثرة الانتقاد الذي انصب على اتسام قانون شركات المساهمة – بشكل خاص – بتشديد الجانب الزجري إلى حد شبه معه بمدونة للقانون الجنائي.
وقد لاحظنا أن من بين ما ميز الفلسفة المعتمدة من قبل المشرع المغربي في ق.ش.م، هو خيار إضفاء الصبغة الجرمية على جملة من الأفعال المخالفة لمقتضيات هذا القانون ومن بينها تلك المتعلقة بالشركة في طور التأسيس، كنظام حمائي للشركة والمساهمين وكذا الأغيار الذين تهمهم كذلك صحة وسلامة عملية تأسيس الشركة التي تربطهم بها علاقات ومصالح معينة. الأمر الذي أثار التساؤل حول مدى مساهمة المساءلة الجنائية في تحقيق هاته الحماية والوصول إلى الأهداف الاقتصادية وتقوية روح المبادرة وانجاز المشاريع خاصة بالنسبة للمستثمرين الأجانب.
وتساءلنا، هل يمكن- من أجل تحقيق تنمية اقتصادية شاملة – الاستعاضة عن الجزاءات الجنائية بأخرى مدنية أو على الأقل تغليب التدابير المدنية على الحلول الزجرية ؟ أخذا بعين الاعتبار، الوضعية المالية والاقتصادية والتنموية بالمغرب، بالإضافة إلى واقع رجال الأعمال والمستثمرين الراغبين في إنشاء شركات. إذ أن ما يثير مخاوف هؤلاء – لاسيما بالنسبة لشركات المساهمة – هو تضمن القانون على عقوبات جنائية أكثر من الجزاءات المدنية، الأمر الذي قد يجعلهم في منأى عن اختيار هذا النوع من الشركات؛ إذ أنهم يفضلون إعطاء تعويضات – عند وقوع خلل ما – على التعرض لعقوبة سالبة للحرية، كما أن الطرف الآخر المتضرر من الإخلال يحبذ تسلم تعويضات مالية عن الضرر الذي لحقه، ما دام أنه لا يستفيد من الحكم بعقوبات حبسية على الطرف المخل بقاعدة قانونية معينة.
غير أنه، ومن زاوية نظر أخرى، فإن استبدال العقوبة الجنائية بالجزاء المدني من شأنه أن يشكل متنفسا بالنسبة للمؤسسين والمسيرين، ويسهم في ارتفاع عدد الخروقات المرتكبة من طرفهم. الشيء الذي يفرض تشديد الجزاءات المدنية إلى أقصى حد، لتكون أداة ناجعة للحد من هذه الخروقات. هذا، إن لم يكن الردع الجنائي هو الخيار الأمثل بالنسبة للشركة في طور التأسيس، التي تشكل مرحلة فاصلة وحاسمة في حياة الشركة، يتوقف على احترام الشرعية فيها خروج شخص معنوي إلى الوجود بصفة قانونية وسليمة، الأمر الذي يحتم إحاطته بحماية كاملة، لكي ينطلق وهو محصن من جميع العيوب. وهذا ما يدعو الفاعلين القانونيين والاقتصاديين والسياسيين إلى بذل المزيد من الجهد لدراسة المسألة وإيجاد الحلول التي تلائم كل حالة على حدة.
ومع ذلك، لم يفتنا في هذا الشأن، أن نثمن التعديل التشريعي الذي تم بموجب القانون رقم 05-20 والذي خفف من حدة الجانب الزجري في قانون شركات المساهمة، بما فيه الشق المتعلق بالشركة في طور التأسيس، مما يستجيب نسبيا لتوصيات الندوة العلمية المنظمة من طرف وزارة العدل في موضوع السياسة الجنائية بالمغرب([7])، والتي استهدفت إيجاد تشريع زجري يناسب واقع المغرب ويكفل حصول الردع دونما مغالاة في اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية، مع البحث عن بدائل لهذا الصنف من العقوبات تكون ملائمة للاقتصاد الوطني. وإن كانت هاته التعديلات لم تلامس كل الطموحات، خاصة ما يتعلق بالمطالبة بحذف الجرائم المادية أو الشكلية التي كانت محط انتقاد شديد كما سلف ذكره.
وعلى العموم يسوغ القول بأن هناك مجالا خصبا لتطور نظرية المسؤولية – المدنية منها والجنائية – في ظل ق.ش.م، والتي تهم أيضا المسؤولية عن الاختلالات والخروقات التي تطال نظام الشركة في طور التأسيس، لمواكبة مستلزمات التحديث والتنمية، لاسيما بالنظر للتقدم الملحوظ الذي عرفه ميدان الشركات وعالم المال والأعمال بشكل عام، مع الاحتفاظ ببعض الثوابت الأساسية واللازمة. فتضمن الحماية التي يصبو إليها المساهمون والمستثمرون والأغيار، ويتأتى التوازن المنشود بين مختلف الفئات والمصالح، حيث يتكرس تأثر مفهوم الشركة بنظام المقاولة ومنطقها الاقتصادي المتحرر، المتصف بالسرعة والمستلزم للفعالية والمرونة الاقتصادية.
فكانت هذه محاولة لتقصي أوجه التدخل التشريعي لتدعيم وتقوية النظام القانوني للشركة في طور التأسيس من أجل تحقيق ميلاد قانوني وسليم لهذه الأخيرة، وذلك من خلال مجموعة من التدابير والمؤسسات القانونية المستجدة. ذلك أن خصوصية نظام الشركة في طور التأسيس وأهميته في إطار ق.ش.م يتجسدان في ارتباطه بمجموع النسق القانوني المرصود له.
وفي ختام هذه الأطروحة، خلصنا إلى تأرجح آثار الإصلاح التشريعي المتعلق بنظام الشركة في طور التأسيس، بين ما هو إيجابي وما هو سلبي. ولعل هذا الوصف الأخير يرجع في مجمل القول إلى عدم انسجام المبادئ والقواعد المتخذة عبر مواد القانون، فهناك مقتضيات قانونية متناقضة تحتاج إلى تدخل تشريعي لتصبح متلائمة، لأن بقاءها على هذا الحال يحول دون قيام الشخص المعنوي بشكل سليم. بالإضافة إلى هشاشة وعدم مواءمة بعضها للواقع، فضلا عن ترك ثغرات تشريعية، من شأنها أن تأتي على الأمور الحسنة. الأمر الذي يتطلب ابتكار ترتيبات قمينة بحل هذه المشاكل. فيتدخل المشرع على وجه العجل ليتم الجوانب العملية لقوانين الشركات، ويبين طرق وإجراءات التنسيق([8])بين مختلف الجهات المعنية بتأسيس الشركات، خاصة في ظروف تهم أيضا مستثمرين أجانب شديدي الحساسية ضد كل تعقيد.
فالإشكال الحاصل مثلا في نقل الحصص العينية إلى شركة في طور التأسيس، يمكن رفعه باتخاذ حلول من هذه الشاكلة:
- التنصيص على تسجيل الحصة في السجل الخاص بها مباشرة بعد توقيع عقد تقديمها للشركة، بحيث يصير للعقد حجية أمام الغير؛ تحت شرط القيام بتقييد الشركة في السجل التجاري، ليتم بذلك ترتيب أثر رجعي يعود إلى تاريخ إبرام التصرف؛ وإلا فإن عدم تقييد الشركة سيحول دون التمسك بإجراء تحويل المال العيني إليها.
- تعديل نظام السجل التجاري، بإحلال تقييد مؤقت كحالة خاصة بالشركات.
كما لفتنا الانتباه، إلى أن تكوين شركة تجارية – رغم تعقده – يمكن بصفة عامة أن يستغرق مدة أقل. إذ يكفي أن يعرف المؤسسون ماذا يريدون بالضبط، وأن يبين لهم مستشارهم الوثائق التي يحتاجونها. كما يمكن أن يصنف الموثقون ومستشارو المقاولات بكيفية نظامية systématique عمليات التأسيس، مع وضع أسئلة على زبنائهم تمكن من معرفة شكل الشركة الذي يناسبهم. بل يمكن أيضا لهؤلاء المهنيين أن يستعينوا بنظام المعلوماتية، لمعالجة جميع الاختيارات المطروحة وتحديد لائحة الوثائق اللازمة بالإضافة إلى كلفة الإجراءات. وذلك لربح الوقت والجهد وتجنب وقوع إخلالات.
هذا مع ضرورة استغناء المشرع عن العقلية “البيروقراطية” التي تفرخ كثرة المكاتب والأوراق التي لا طائل منها، وتفضي إلى ضياع الوقت. وذلك بالاقتصار على ما ليس منه بد، وتبسيط وتسريع إجراءات تقييد الشركة في السجل التجاري، مع تفعيل مشروع الادارة الالكترونية باستعمال التقنيات المعلوماتية واستغلال الشبكة العنكبوتية؛ وهي بوادر لاحت من خلال القانون رقم 10-24 الصادر مؤخرا بتاريخ 2 يونيو 2011 المغير والمتمم لقانون باقي الشركات، والتي تحتاج إلى مزيد من الترسيخ وكذا التعميم على قانون شركات المساهمة أيضا.
ثم إنه مسلك حسن أن تتاح الفرصة لإصلاح العيوب، إلا أن أحسن منه يكون، لو فكر المشرع في العمل على تفادي وقوعها، وذلك بنهج سياسة تشريعية وقائية، تضع نصب عينها ميلاد كيان قانوني سليم من جميع الاختلالات، يليق بالأهمية التي صارت للشخصية المعنوية، والمستمدة من فتح – الإصلاح المتعلق بقوانين الشركات – المجال لتدخل الإدارة العمومية في إسناد هذه الشخصية عبر مصلحة السجل التجاري. بحيث أصبح ما كان يعد من شؤون الخواص، رمزا لسيادة الدولة؛ لا سيما مع ما رأينا سالفا من غياب المراقبة وعدم ضمان تسوية العيوب، فضلا عن الحد الكبير من أسباب البطلان.
وفي انتظار ذلك، يبقى نظام الشركة في طور التأسيس أمرا واقعا بقوة القانون، مع عدم وجود ما يمنع المشرع من تدارك الثغرات التي شابته عن طريق إيجاد حلول للإشكالات المطروحة وسد كل نقص حاصل، ليكون الإصلاح شاملا وناجعا.
[1] أطروحة تقدم بها الباحث لنيل الدكتوراه في القانون الخاص جامعة محمد الخامس- السويسي بتاريخ 03 مارس 2012، ونال بها لقب دكتور في الحقوق بميزة مشرف جدا مع التوصية بالنشر.
[2] وكذا المادة 4 من القانون رقم 97-13 المنظم للمجموعات ذات النفع الاقتصادي.
[3] بعدما نص عليه المشرع بشكل مشتت على مستوى كل من قوانين الشركات التجارية وتعديلاتها، ومدونة التجارة والمرسوم التطبيقي المتعلق بالسجل التجاري، والقانون المحدث للشباك الوحيد.
[4] خمسة مساهمين حسب الفقرة الثالثة من المادة 1 من ق.ش.م.
[5] ثلاثمائة ألف درهم في شركة المساهمة المغلقة، وثلاثة ملايين درهم إن كانت مفتوحة (المادة 6 من ق.ش.م).
[6] المادتين 15 و343 من ق.ش.م.
[7] للمزيد من التفصيل، انظر : توصيات هذه الندوة المنعقدة بمكناس أيام 9 و10 و11 دجنبر 2004، مجلة إدماج، العدد 10، 2005، ص 5 وما بعدها.
– Morad EL KHEZZARI, «Réforme de la S.A., plus d’amendes, moins de prison? », L’économiste, 28 Juillet 2005, n°2074, p.2.
[8] يعرف واقعنا غيابا مهولا للتواصل بين الإدارات العمومية، لدرجة أن أعضاء نفس المكتب أو المصلحة لا يعرفون اختصاص كل واحد منهم، فما بالك بالتنسيق بين الأقسام والمديريات والوزارات. كما يجدر التنبيه إلى أن عملية التقنين لا تهم فقط الهيئة التشريعية التي يجب أن تستند إلى أسس موضوعية ومعطيات واقعية وإحصاءات ودراسات ميدانية وأن تعمد إلى تحليل وتقييم المقتضيات القانونية قبل إخراجها إلى حيز الوجود، لتتيقن من تجانسها وتساوقها مع الواقع الاقتصادي؛ بل تمس تلك العملية المنظومة التشريعية عامة، التي يتعين أن تفرز آليات متكاملة مع جميع القطاعات المعنية بتنسيق تام فيما بينها، بحيث تعمل كبنية واحدة توظف تلك الوسائل من دراسات وغيرها في نفس النسق.


