المسؤولية الجنائية والعقاب في الجرائم الانتخابية
محمد المنصور
طالب باحث في سلك الدكتوراه
جامعة محمد الأول بوجدة
انطلاقا من الإيمان بأهمية وحتمية التدخل التشريعي لمواجهة المخاطر المحدقة بممارسة الحقوق والحريات السياسية بصفة عامة، وحق الانتخاب وحق الترشح بصفة خاصة، فقد اقتضى المشرع المغربي من خلال مدونة الانتخابات تكريس مسؤولية جنائية لمواجهة ودرء كافة صور وأشكال الجرائم الانتخابية، النابعة من التهاون والتفريط من جانب أطراف العملية الانتخابية وهم: الناخب والمرشح ورجل الإدارة في تطبيق القوانين والقرارات المنظمة لها. كما أناط المشرع المغربي المسؤولية الجنائية عن الجرائم الانتخابية بعقوبات أصلية، وأخرى إضافية.
لهذا سنحاول من خلال هذا الموضوع التطرق للمطلبين التاليين:
المطلب الأول: المسؤولية الجنائية عن الجرائم الانتخابية.
المطلب الثاني: العقاب في الجرائم الانتخابية وإشكالية الردع.
- المطلب الأول: المسؤولية الجنائية عن الجرائم الانتخابية
بما أن أطراف العملية الانتخابية هم ثلاث، الناخب والمرشح ورجل الإدارة، فإن المسؤولية تبعا لذلك لن تخرج عن هؤلاء، بما أنهم هم المسؤولين على نجاح الاستحقاق الانتخابي، أو إفساده (الفقرة الأولي)، وهذه المسؤولية المناطة بهم تحتم معرفة القواعد الموضوعية التي تؤطرها، وهل هناك استثناءات ترد عليها(الفقرة الثانية).
2- الفقرة الأولي: أطراف المسؤولية الجنائية في الجرائم الانتخابية
للعملية الانتخابية أطراف ثلاثة، يسهمون في تسيير أعمالها وتحقيق أهدافها بسلوكها القانوني الايجابي، أو هم على النقيض من ذلك يشاركون في إعاقة سيرها، ومنع تحقيق أهدافها، بارتكاب المخالفات المقضية إلى فشلها، وعدم مشروعية نتائجها وآثارها([1]).
ويتمثل هؤلاء الأطراف من ناحية أولى في الناخب، صاحب الحق والمحرك الأساسي للعملية الانتخابية(أولا)، ومن ناحية ثانية في شخص المرشح المتطلع إلى شغل أحد المقاعد المتباري حولها(ثانيا)، ومن ناحية ثالثة في رجل الإدارة المهيمن على كافة الإجراءات الضابطة لسير العملية الانتخابية منذ لحظة قيد أسماء الناخبين في الجداول الانتخابية، وحتى تاريخ إعلان النتائج النهائية للانتخابات(ثالثا).
أولا: المسؤولية الجنائية للناخب
يقصد بالناخب المواطن الذي توافرت فيه الشروط المحددة قانونا، لقيد اسمه بأحد اللوائح الانتخابية. أما الناخب المغربي فقد عرفه الأستاذ يوسف وهابي بالمواطن المغربي المقيد في اللوائح الانتخابية العامة سواء كان ذكرا أو أنثى، والبالغ من العمر ثمان عشرة سنة شمسية كاملة على الأقل، والتمتع بحقوقه المدنية والسياسية وغير الفاقد للأهلية الانتخابية ([2]).
أما بخصوص المسؤولية الجنائية للناخب عما يرتكبه من جرائم انتخابية، فإنها تتعلق أساسا بعملية القيد في اللوائح الانتخابية، وكذا بعملية التصويت، سواء تقررت مسؤوليته الجنائية عنها بصفة فاعلا أصليا أو مشاركا فيها، وسواء اكتملت فيها أركان الجريمة أم اقتصر الأمر على الجريمة الناقصة أي الشروع المعاقب عليه.
ففي ما يخص جرائم القيد، يمكن القول أن أغلب الجرائم المرتكبة خلال هذه المرحلة ترتبط بالناخبين، وهي المنصوص عليها في المواد 81و82 من مدونة الانتخابات، والتي سبق وأن تطرقنا إليها سابقا والمتعلقة بالقيد بطريقة غير قانونية.
أما في ما يخص جرائم التصويت، فيمكن القول أن الشق المهم منها يرتبط كذلك بالناخب، والمتعلق بالتصويت بطريقة غير قانونية، وهي الحالات المنصوص عليها في المواد 85و86و87 من المدونة، إذا أضفنا كذلك جريمة قبول أو التماس هدايا أو تبرعات المنصوص عليها في المادة 100من مدونة الانتخابات، وكذا إهانة مكتب التصويت من طرف الناخبين.
ثانيا: المسؤولية الجنائية للمرشح
يعرف الأستاذ يوسف وهابي المرشح، بأنه المواطن المغربي ذكرا كان أو أنثى الحامل لصفة ناخب، والبالغ السن المتطلبة قانونا، والخالي من موانع الأهلية الانتخابية، والذي أودع لدى السلطة المختصة تصريحا بالترشيح بصفة فردية أو ضمن لائحة مرشحين، وتسلم وصلا نهائيا عن هذا الإيداع، أو الصادر لفائدته حكم انتهائي عن المحكمة المختصة يقضي بقبول ترشيحه ([3]) .
ومن هنا فإن المسؤولية الجنائية للمرشح بصدد ما يرتكبه من جرائم انتخابية، تعد من قبيل المسؤولية الواسعة، فمن ناحية يمكن أن تنعقد تلك المسؤولية بأركانها المختلفة في مواجهته بصفته ناخب في المقام الأول، ومن ناحية أخرى بصفته مرشحا في المقام الثاني.
وهذا يعضد القاعدة المقررة والثابتة، من أن كل مرشح هو بالضرورة وفي نفس الوقت ناخب، والعكس غير صحيح، فليس كل ناخب يكتسب صفة المرشح بالضرورة وفي نفس الوقت ([4]).
بالإضافة إلى مسؤوليته الجنائية كناخب، حدد المشرع المغربي في مدونة الانتخابات أفعالا لا يمكن أن يرتكبها إلا بصفته كمرشح، بحيث تنعقد مسؤوليته الجانبية على هذا الأساس، وهي الأفعال المنصوص عليها في المواد 83و100و102، والمتعلقة بالإخلال بالضوابط الخاصة باستعمال المساحات الخاصة بالإعلانات الانتخابية، وكذا في تقديم هدايا أو تبرعات أو وعود أو هبات إدارية، وتقوم المسؤولية الجنائية للمشرح عن هذه الأفعال بمجرد الشروع فيها.
ثالثا : المسؤولية الجنائية لرجل الإدارة
يعرف أحد الباحثين رجل الإدارة، بأنه كل من يشارك في الإعداد أو التسيير لإجراءات العملية الانتخابية، بموجب صفته الوظيفية، ابتداء من لحظة القيد بالجدول الانتخابية، وانتهاء بإعلان نتائجها النهائية… أي كل من يساهم من العاملين في الدولة بكل من سلطتيها التنفيذية والقضائية في الإعداد والتجهيز والتسيير للعملية الانتخابية، إلى حين تمام إعلان نتائجها النهائية ممثلين في كل من القضاة والعاملين بالدولة عامة ووزارة الداخلية خاصة ([5]).
وفي المغرب فإن الذي يشرف على الانتخابات هي وزارة الداخلية، عن طريق موظفين تابعين لها أو تقوم بتعيينهم للقيام بمهام معينة خلال العملية الانتحارية.
فبحث طلبات القيد مثلا تناط بلجنة إدارية، من بين أعضائها ممثلين لوزارة الداخلية وهو الخليفة الأول للعامل أو الباشا أو القائد أو من يمثلهم، كما يمكن إحداث لجان إدارية فرعية، تساعد الجنة الإدارية في بحث طلبات القيد، تتكون بدورها من أعضاء تابعين لوزراء الداخلية، وذلك حسب المادة 8 من مدونة الانتخابات.
كما تقوم هذه اللجنة بتنقيح اللوائح الانتخابية عن طريق إصلاح الأخطاء أو الشطب حسب الشروط المحددة قانونا، وفي مرحلة التصويت يعين العامل أعضاء مكتب التصويت من بين الموظفين العموميين، أو من طرف الناخبين اللذين يعرفون القراءة والكتابة، والذين يشرفون علي مكاتب التصويت إلي حين إعلان النتائج، وذلك حسب المادة 57 من مدونة الانتخابات.
ونتيجة لهذه المهام الواسعة والخطيرة لرجل الإدارة، فإن المسؤولية الجنائية علي هذا القدر من الأهمية كذلك، لأن مجال ارتكابه لجرائم انتخابية يكون متاحا أمامه بسبب مشاركته في كافة إجراءاتها وأعمال تسييرها، لهذا تعامل المشرع المغربي في مدونة الانتخابات والقانون التنظيمية لمجلس النواب مع رجل الإدارة، في حال اقترافه للجرائم الانتخابية، باعتماد ظرف التشديد، كما هو الحال في المادة80و المادة 98و103و106، والمتعلقة أساسا بالاستيلاء على صندوق الاقتراع قبل فرز الأصوات، أو التأثير على الناخبين باعتماد هبات أو تبرعات أو تخويف أو تهديد، أو خرق سرية التصويت، أو المس بنزاهته، أو الحيلولة دون إجراء الاقتراع.
والمسؤولية الجنائية طبعا لا تغني بتاتا عن المسؤولية التأديبية باعتباره موظف إداري
3- الفقرة الثانية: المبادئ المؤطرة للمسؤولية الجنائية عن الجرائم الانتخابية
قرر القانون الجنائي المغربي شخصية المسؤولية الجنائية كمبدأ عام، وذلك في المادة 132 منه. يعني هذا المبدأ، بأن الشخص لا يسأل إلا على أفعاله التي يرتكبها شخصيا أو يساهم أو يشارك في ارتكابها، دون أفعال غيره، باستثناء الحالات التي فيها نص خاص ([6]).
وسنحاول رصد توجه المشرع المغربي من خلال مدونة الانتخابات، لمعرفة هل اتجه في إطار المسؤولية الجنائية عن الجرائم الانتخابية إلى تقرير وتعزيز مبدأ الشخصية (أولا)، وإن كان الأمر كذلك، فهل طبق المبدأ على أم ترد عليه استثناءات (ثانيا)؟.
أولا: مبدأ شخصية المسؤولية الجنائية في الجرائم الانتخابية
أقر المشرع المغربي، من خلال مدونة الانتخابات والقوانين التنظيمية لمجلس النواب، مسؤولية جنائية لكل من الناخب والمرشح ورجل الإدارة عن الأفعال التي اقترفوها، أو يساهموا فيها فعلا أو إيجابا أو إيجابا أو سلبا، وذلك لما قرره المشرع أو نهى عنه.
ومن ثم فلا مجال في هذا الصدد للحديث عن المسؤولية المفترضة أو المسؤولية التضامنية في العقاب عن الجرائم الانتخابية كمبدأ عام ([7]).
وإضافة لمسؤولية الأطراف المباشرين في العملية الانتخابية، فإن المسؤولية الجنائية تناط كذلك بالأشخاص الغير منضودين تحت أي صنف منهم، إذا انطبقت عليهم صفة الفاعل أو الشريك في ارتكاب الجريمة الانتخابية، وذلك حفاظا على نفس المبدأ.
ويرى البعض أن تطبيق مبدأ الشخصية يستفيد منه بعض المرشحين في الانتخابات، حيث يتركون مسافات كبيرة بينهم وبين الجريمة الانتخابية لكي يظلوا في منأى عن الشبهات بينما يتكلف غيرهم بارتكاب الجريمة لمصلحتهم ([8]).
هذا ما دعا المشرع المغربي للخروج استثناء في بعض الجرائم الانتخابية عن مبدأ الشخصية.
ثانيا: الاستثناءات التي ترد على مبدأ الشخصية
إذا كان مبدأ شخصية المسؤولية الجنائية هو المبدأ الأساسي الذي يحكم الجرائم الانتخابية، فإن المشرع المغربي من خلال مدونة الانتخابات قد خرج عن هذا المبدأ في مادتين هما المادة 77 والمادة 100، إلى مبدأ المسؤولية الجنائية عن فعل الغير، حيث جاء في المادة77:” كل شخص قام بنفسه أو بواسطة غيره في يوم الاقتراع بتوزيع بطائق أو منشورات أو غير ذلك من الوثائق الانتخابية” وجاء في المادة 100″ يعاقب… كل من حصل أو حاول الحصول على صوت ناخب أو أصوات عدة ناخبين بفضل هدايا أو تبرعات… سواء كان ذلك بطريقة مباشرة أو بواسطة الغير…”.
لأجل ذلك فإن المسؤولية الجنائية انطلاقا من هاتين المادتين تتقرر بالإضافة إلى الفاعل الأصلي- الذي يقوم يوم الاقتراع بتوزيع البطائق والمنشورات، أو الذي يقوم بتقديم هدايا أو تبرعات بنفسه- إلى من له مصلحة في هذه الأفعال وهو المرشح، انطلاقا من واجب الرقابة والإشراف.
ونشير إلى أن تطبيق هذا المبدأ يثير العديد من الصعوبات في المجال الانتخابي، خاصة وأن الفعلين الذين أشار فيهما المشرع إلى إمكانية تطبيق المسؤولية الجنائية عن فعل الغير، يقعان في فترة الحملة الانتخابية، ونحن نعلم أن الحملات الانتخابية تعرف مشاركة العديد من الناس كمساعدين للمرشح سواء كانوا من المؤيدين له والمقتنعين به وببرنامجه ومتطوعين للعمل معه، أم كانوا بصورة مدفوعة الأجر، مما يجعل إمكانية المرشح وقدرته في السيطرة على أتباعه تشوبها صعوبات جمة.
وإذا أضفنا إلى ذلك، ما تعرفه الانتخابات في بلادنا من مكائد بين المرشحين، انطلاقا من جو المنافسة المحتدم، حيث قد يدفع ذلك بعض المرشحين إلى دس أنصاره بين أنصار المرشح المنافس، ولما لا اقتراف أفعال بغرض توريط هذا المرشح أو ذاك.
4- المطلب الثاني: العقاب في الجرائم الانتخابية وإشكالية الردع
خص المشرع المغربي الجرائم الانتخابية بمقتضيات عقابية، رام من خلالها خلق نوع من الردع يحمي العملية الانتخابية ويقيها من تلاعبات العابثين، من خلال عقوبات أصلية (الفقرة الأولى)، وأخرى إضافية (الفقرة الثانية).
5- الفقرة الأولى: العقوبات الأصلية في الجرائم الانتخابية
بما أن أغلب الجرائم الانتخابية، هي من صنف الجنح، لذلك فإن العقوبات الأصلية بالنسبة لها لا تخرج عن القواعد العامة المنصوص عليها في الفصل 17 من القانون الجنائي المغربي والتي جاء فيها:” العقوبات الجنحية الأصلية هي:1- الحبس 2- الغرامة. وأقل مدة الحبس شهر وأقصاها خمس سنوات، باستثناء حالة العود أو غيرها، والتي يحدد فيها القانون مدد أخرى”.
لهذا سنحاول رصد هذه العقوبات من خلال التطرق للعقوبات السالبة للحرية (أولا)، وكذا الغرامات المالية (ثانيا).
أولا: العقوبة الحبسية في الجرائم الانتخابية
يلاحظ من خلال الاطلاع على العقوبات الحبسية التي خص بها المشرع المغربي الجرائم الانتخابية، أنه اتبع في ذلك طريقتين:
الطريقة الأولى، أنه أعطى للقاضي الجنائي سلطة تقديرية في ما يخص اعتماد مبدأ الحدين في العقوبة، أي بين الحد الأدنى والحد الأقصى، وذلك على امتداد كافة الجرائم المعاقب عليها بالحبس، في المواد 81و82و84و85و86و88و90و91و92و93و95و96و97و100و101و106 من مدونة الانتخابات، وتمتد هذه السلطة التقديرية إلى العقوبة السجنية في ما يخص الجنايتين التي ينفرد بهما القانون الانتخابي والمنصوص عليهما في المادة 94و98.
وبذلك على خلاف توجه المشرع الفرنسي الذي تعامل بنوع من التشديد في هذا الأمر حيث لم يعط للقاضي الجنائي أي سلطة تقديرية في ما يخص مقدار العقوبة الحبسية، وذلك من خلال إقراره للحد الواحد في كافة الجرائم الانتخابية.
أما الطريقة الثانية التي اعتمدها المشرع المغربي في ما يخص العقوبات السالبة للحرية، أنه جعلها في بعض الأحيان إلزامية، وفي أحيان أخرى اختيارية، وذلك انطلاقا من سلطة القاضي التقديرية:
فبخصوص الحالة التي جعل فيها المشرع المغربي العقوبة الحبسية إلزامية، فهي المنصوص عليها في المواد 84و91و94و96و98و100و101و102، والمتعلقة على التوالي بتسخير أموال الدولة في الحملات الانتخابية، وتسخير أشخاص لتهديد الناخبين أو الإخلال بالنظام العام، وكذا فعل اقتحام قاعة التصويت لمنع الناخبين من الاختيار بناء علي خطة مدبرة، وكسر صندوق الاقتراع وفتح أوراق التصويت وتشتيتها بغية تغير النتيجة، وتقديم هدايا أو تبرعات أو محاولة تقديمها سواء من خلال الحملة أو أثناء التصويت، وتتراوح العقوبات السالبة للحرية عن هذه الأفعال، من شهر كأقل عقوبة إلي عشرين سنة كحد أقصي. أما في الحالات الأخرى، قد جعل المشرع الغربي العقوبة الحبسية اختيارية انطلاقا من سلطة القاضي الجنائي التقديرية، أي إما الحكم بها وحدها أو بالغرامة وحدها، وهي الحالات المنصوص عليها في المواد 81،82،85،86،88،90،92،93،59،97،106. وتتعلق علي التوالي بمخالفة القيد غير المشروع أو التصويت غير المشروع، وكذا المخالفات المرتكبة من طرف أعضاء مكتب التصويت الخاصة بالتلاعب بأوراق التصويت، واستعمال أخبار كاذبة لتحويل أصوات الناخبين، والقيام بمظاهرات أو تجمعات لخلق الاضطرابات في سير عملية التصويت…
ثانيا: الغرامة في الجرائم الانتخابية
ينطبق ما قلنا في العقوبة الحبسية على الغرامة الانتخابية، إذ هي كذلك يمكن الحكم بها اختياريا مع العقوبة الحبسية، وفي حالات أخرى، يمكن الحكم بها بشكل إجباري مع العقوبة الحبسية، وهي نفس الحالات التي أشرنا إليها سابقا.
إلا أن هناك حالات أخرى، نص فيها المشرع المغربي على الغرامة لوحدها دون أن تكون مقرونة بالعقوبة الحبسية، وهي المنصوص عليها في المواد 77و78و79و80 من مدونة الانتخابات، والتي تختص في مجملها بالدعاية الانتخابية، حيث تتراوح الغرامة من1000 إلى 5000 درهم، أما في الحالات أعلاه فإن الغرامة تتراوح ما بين 1000درهم و100000درهم وفي حالة عدم تنفيذ الغرامة فإنه يتم إقرار مسطرة الإكراه البدني، على خلاف ما اتجه إليه الأستاذ يوسف وهابي، الذي اعتبر أنه لا يمكن تطبيق هذه المسطرة بالنظر لطبيعة الجريمة السياسة([9]). إلا أن المشرع المغربي لم يعتبر الجريمة الانتخابية جريمة سياسية، بدليل أن جميع الأحكام الصادرة في الجرائم الانتخابية تكون مشفوعة بالعبارة المعرفة” مع الإجبار في الأدنى”.
6- الفقرة الثانية: العقوبات الإضافية في الجرائم الانتخابية
تطرق القانون الجنائي المغربي في المادة 36 منه للعقوبات الإضافية، وهي العقوبات التي لا يمكن الحكم بها بمفردها كجزء على الجرائم المرتكبة، إذ تترتب إما كأثر تبعي للحكم بعقوبة أصيلة، وينطبق الأمر هنا على الحجز القانوني، والتجريد من الحقوق الوطنية وذلك كلما تعلق الأمر بجناية، إذ يتعين تطبيقهما بحكم القانون دون حاجة إلي النطق بهما في الحكم. أما باقي العقوبات الإضافية الأخرى فأن تطبيقها وتنفيذها على المحكوم عليه، يتطلب ضرورة احتواء الحكم عليه.
وفي الجرائم الانتخابية نص المشرع المغربي على بعض العقوبات الإضافية، وهي الحرمان من الحقوق من الوطنية (أولا)، وكذا الحرمان من حق الترشح لمدتين انتدابيتين(ثانيا)، إذا أضفنا إلى ذلك التجريد من الحقوق الوطنية كعقوبة تبعية (ثالثا).
أولا: الحرمان من ممارسة الحقوق الوطنية
يترتب على الحرمان من الحقوق الوطنية، فقدان الإنسان العديد من الحقوق والامتيازات الأساسية والمنصوص عليها في المادة 26 من القانون الجنائي، وأهمها فقدانه الأهلية الانتخابية الذي يترتب عليها حرمانه من أن يكون ناخبا أو منتخبا.
وقد نص المشرع المغربي من خلال مدونة الانتخابات على حالتين يمكن فيها للقاضي الجنائي أن يحكم بهذه العقوبة الإضافية وهي المنصوص عليها في المادتين 82و106من مدونة الانتخابات، حيث تتعلق المادة الأولى باستعمال تصريحات مدلسه أو شهادات مزورة للحصول أو محاولة الحصول على قيد في لائحة انتخابية أو قيام بواسطة تلك الوسائل بقيد مواطن في لائحة انتخابية أو شطب اسمه منها بغير موجب قانوني، أو حاول ذلك أو شارك فيه، حيث رتب المشرع المغربي على الفاعل إضافة للعقوبة الأصلية إمكانية تطبيق عقوبة إضافية وهي الحرمان من ممارسة الحقوق الوطنية لمدة لا تزيد عن السنتين.
أما المادة الثانية فتتعلق بخرق سر التصويت أو المس أو محاولة المس بنزاهته أو الحيلولة دون إجراء عملية الاقتراع، حيث رتب المشرع المغربي إضافة للعقوبة الأصلية إمكانية الحكم على مرتكب هذه الأفعال بالحرمان من ممارسة حقوقه الوطنية لمدة لا تقل عن سنتين ولا تتعدى خمس سنوات.
ثانيا: التجريد من الحقوق الوطنية والحرمان من حق الترشح كعقوبتين تبعيتين
عرفنا بأن العقوبة التبعية هي أثر حتمي للحكم بالعقوبة الأصلية، حيث توقع تلك العقوبة بقوة القانون على الجاني المحكوم عليه بالعقوبات الأصلية، حيث تنعدم سلطة القاضي في تقديرها والإعفاء منها ([10]).
ففي ما يخص التجريد من الحقوق الوطنية، فإن المشرع المغربي في المادة 37 من القانون الجنائي اعتبرها عقوبة تبعية للعقوبة الجنائية، وبما أن مدونة الانتخابات تتضمن جنايتين انتخابيتين منصوص عليهما في المادة 94و98 المشار إليهما سابقا، فإن تطبيق عقوبة التجريد من الحقوق الوطنية تسري عليهما بقوة القانون.
أما في ما يتعلق بالعقوبة التبعية الثانية، فهي التي نصت عليها مدونة الانتخابات بشكل صريح في المادة 104، ويتعلق الأمر بالحرمان من حق الترشح للانتخابات لمدتين انتدابيتين متواليتين، والتي تتبع العقوبة الأصلية المنصوص عليها في المواد 100و101و102و الخاصة بتقديم هدايا أو تبرعات أو التوسط في تقديمها للتأثير على الناخب، وكذا حمل الناخبين على الإمساك عن التصويت باستعمال العنف والتهديد أو التخويف.
وفي ختام الحديث عن العقوبات التي خص بها المشرع المغربي الجرائم الانتخابية يبقى لابد لنا من إجراء تقييم عام لهذه العقوبات، انطلاقا من آراء بعض الباحثين، للخروج بموقف حول مدى كفايتها، وقدرتها في تحقيق الردع بشقيه الخاص والعام.
حيث يرى أحد الباحثين من خلال تقييمه للعقوبات التي حمى بها المشرع المغربي الانتخابات، أنها لم تحقق وظيفة الردع بشقيه الخاص و العام، حيث إن قصر مدد جل العقوبات السالبة لحرية، وضعف مقدار الغرامات المالية، لا يضمنان تحقيق الردع الخاص في مواجهة المحكوم عليهم، بمناسبة ارتكابهم لجرائم مرتبطة بالانتخابات، كما أنها لا يحققان الردع العام في مواجهة العموم، حيث يستهين بها المرشحون وأتباعهم، ممن دأبوا على إتيان سلوكيات خطيرة، يكون لها انعكاس مباشر على حسن سير العملية الانتخابية وعلى سلامتها ونزاهتها، لذلك يرى ضرورة إتباع سياسة عقابية فارقيه أكثر تقوم على الرفع من العقوبة الحبسية بالنسبة للجنح المرتبطة بالانتخابات ([11]).
في حين يرى أستاذنا محمد ملياني من خلال تقييمه هو الآخر للأثر الردعي للعقوبات في الجرائم الانتخابية، أن العقوبات والتدابير المتخذة كافية على وجه العموم ([12]).
وانطلاقا مما سبق يمكن القول، أنه ما دمنا نعيش اليوم على وقع الإصلاحات القانونية الكبرى، سواء تعلق الأمر بمشروع إصلاح القضاء أو بإصلاح المنظومة الجنائية ككل، خاصة منها القانون الجنائي والمسطرة الجنائية، فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نساير الرأي الذي يرمي إلى الرفع من العقوبة الحبسية، بل سأكون بالمقابل داعيا إلى إلغاء العقوبة الحبسية، والبحث عن البدائل خصوصا وأننا نتحدث عن الجرائم انتخابية لها خصوصيتها التي تميزها، بحيث يبقى جانب الردع غير متوقف على مقدار العقوبة الحبسية، ولكن يتوقف على كيفية جعل مجرمي الانتخابات عبرة لأمثالهم في خوض غمار الانتخابات. لذلك أعتقد أن حرمان المرشحين المقترفين لجرائم انتخابية من حق الترشح لمدة معينة يعد كافيا للردع، لأن المرشح يكون هدفه الأساس هو الفوز في الانتخابات لذلك يقترف كل هذه الجرائم، لهذا فإن حرمانه من هذا الإنجاز بالنسبة له، يعد ردعا قويا له ولكافة المرشحين الآخرين. مع ربط هذا المنع بغرامات مالية مرتفعة، ونشر الحكم القاضي بالمنع في الجرائد الوطنية على حسابه.
كل هذه العقوبات يمكن أن تعطي أكلها، وبالتالي حماية انتخاباتنا من المفسدين وأعوانهم.
[1] مصطفى محمود عفيفي، المسؤولية الجنائية عن الجرائم الانتخابية للناخبين والمرشحين ورجل الإدارة، بدون طبعة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2003، ص:15.
[2] يوسف وهابي، الجرائم الانتخابية في التشريع المغربي، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،2007،ص20.
[3] يوسف وهابي، مرجع سابق، ص: 22.
[4] مصطفى محمود عفيفي، مرجع سابق، ص: 23.
[5] مصطفى محمود عفيفي، مرجع سابق، ص:25.
[6] أحمد الخمليشي،،، شرح القانون الجنائي القسم العام، الطبعة الأولى، مكتبة المعارف، الرباط،1985 ص:249.
[7] مصطفى محمود عفيفي، مرجع سابق (64)، ص 296.
[8] يوسف وهابي،، مرجع سابق، ص: 43.
[9] يوسف وهابي،” النظام الانتخابي بين الزجر والوقاية”، أشغال ندوة: أي نظام انتخابي للجماعات المحلية في ظل العهد الجديد؟ يومي2-3 فبراير 2001، أنفو برنت ، فاس 2001 ،ص: 58.
[10] أحمد ضياء الدين محمد خليل، الجزاء الجنائي بين العقوبة والتدبير، الطبعة الأولى، صادر عن أكاديمية الشرطة، مصر، 1993،ص: 165.
[11] علوي جعفر،” بعض ملامح تطور السياسة الجنائية في مواجهة الجرائم المرتبطة بالانتخابات بالمغرب”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 51-52، يوليوز 2003، ص:355
[12] محمد ملياني، مرجع سابق ،ص :155.


