الحماية الجنائية للمستهلك في إطار عقود التجارة الإلكترونية
يوسف بوهدون
باحث في العلوم الجنائية
كلية الحقوق بمراكش
أضحت التعاملات الإلكترونية حقيقة واقعية في ظل الانتشار المهول للتقنيات الحديثة، سواء في الميدان الاجتماعي أو القانونى أو الاقتصادي، هذا الأخير سار مرتعا خصبا لكل الوسائط الإلكـترونية من خلال تطور أساليب التجارة التي من اهم مميزاتها السرعة إضافة إلى مبدأ الثقة المتبادلة بين المتعاملين؛ فتداول السلع والخدمات عبر الوسائط الإلكترونية وإن كان من أهم إيجابياته سهولة الربط بين طرفى العقد التجاري فإنه يطرح إشكالا كبيرا كذلك من حيث حماية الطرف الضعيف في هذا العقد أي المستهلك، ما يتطلب قواعد قانونية خاصة تنظم التعاملات التجارية بواسطة الوسائط الإلكترونية وتكفل حماية خاصة للمستهلك خصوصا في جوانبها الجنائية. قبل الوقوف إذن عند أهم أوجه الحماية الجنائية للمستهلك في ظل انتشار العقود الإلكترونية لابد أن نحدد بادئا مفهوم التجارة الإلكترونية.
المطلب الأول: الجوانب القانونية للتجارة الإلكترونية والجرائم الناشئة عنها
ظهرت التجارة الإلكترونية عبر وسائل الاتصال الحديثة خاصة الانترنت واكتسحت مختلف جوانب الحياة الخاصة والعامة للأفراد، مما استتبعه ظهور جرائم حديثة أو اتخاذ الجرائم التقليدية طابعا حديثا بالنظر إلى الوسيلة المستعملة في ارتكابها أو محل ارتكابها وهو ما يستلزم حماية خاصة للطرف الضعيف في هذه التعاملات بداية سنحاول مقاربة مفهوم التجارة الإلكترونية ثم نتناول طبيعة الجرائم الناشئة عنها.
الفقرة الأولى: مفهوم التجارة الإلكترونية
الوقوف عند مفهوم التجارة الإلكترونية يستلزم منا أولا تحديد ماهيتها سواء من المنظور الفقهي أو القانوني ثم نتطرق بعد ذلك لأهم الشروط التي يستلزمها العقد الإلكتروني حماية للمستهلك.
أولا: ماهية التجارة الإلكترونية
تشمل التجارة الإلكترونية كمفهوم عام كل اشكال التعاملات التجارية التي يتفاعل فيها الأطراف إلكترونيا بدلا من المبادلات المادية او العقود المادية المباشرة وهى بذلك تتضمن الصفقات التجارية من شركة إلى شركة اخرى وكذلك المعاملات التجارية بين الشركة أو المنتج وبين المستهلك. ([1])
والوقوف عند مدلول التجارة الإلكترونية تجاذبته آراء فقهية إضافة إلى مواقف التشريعات المقارنة والوثائق المحلية والدولية.
- موقف الفقه من التجارة الإلكترونية:
عرف جانب من الفقه التجارة الإلكترونية بأنها:”تلك التجارة التى تشتمل على أنواع ثلاثة مختلفة من الصفقات، هي تقديم خدمات على الإنترنت والتسليم الإلكتروني للخدمات الاستهلاكية في شكل معلومات رقمية، وتوزيع الخدمات عبر الانترنت “.
ويرى جانب آخر “من الفقه القانوني أنها “جميع المعاملات التي تتم عبر الانترنت حتى ولو لم تتمتع بالصفة التجارية، وإن كان الغالب أنها تتمتع بهذه الصفة من جانب مقدم السلعة أو الخدمة على الأقل الذي غالبا ما يكون تاجرا”([2]).
ما يلاحظ على هذه التعاريف أنها حصرت وسيلة التجارة الإلكترونية في الانترنت وحدها مع أنها وإن كانت الوسيلة الغالبة فى التعاقد الإلكترونى إلا أنها ليست الوسيلة الوحيدة فهناك أجهزة الفاكس والتلكس وغيرها.
وعليه فيمكن تعريف التجارة الإلكترونية بأنها أسلوب لإنجاز المعاملات التجارية سواء بين المشروعات بعضها البعض أو في إطارها الضيق بين المنتج والمستهلك باستخدام التقنيات الحديثة لتداول المعلومات أو الاتصالات عن بعد.
2- موقف التشريعاث المقارنة والوثائق المحلية والدولية:
قبل التطرق لموقف التشريعات من التجارة الإلكترونية فإن هذه الأخيرة تجد مرجعيتها في بعض الوثائق الدولية وكذلك المحلية التي اهمها: قانون الأنيسترال الصادر عن لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي في 16 دجنبر 1996، الذي وإن لم يعرف التجارة الدولية فإنه قام في المادة 2 منه بتحديد المقصود من تبادل المعلومات الإلكترونية والتي تشمل المعطيات التجارية بأنه “النقل الإلكتروني بين جهازين أو أكثر للكمبيوتر للبيانات باستخدام نظام متفق عليه لإعداد المعلومات”([3]).
وترى لجنة القانون، التجاري الدولي أن تعريف التجارة -الإلكترونية ينصرف إلى كل استعمال للمعلومات الإلكترونية في التجارة.
وقد أشير إلى عقود التجارة الإلكترونية في العديد عن التوجيهات الصادرة عن البرلمان والمجلس الأوروبي خاصة التوجيهين رقم 97/28 بتاريخ 20 ماي 1997 ورقم 2000/31 بتاريخ 8 يونيو 2000 باسم العقود عن بعد التي تعرف بأنها “كل عقد يتعلق بالبضائع أو الخدمات أبرم بين مورد ومستهلك في نطاق نظام البيع أو تقديم خدمات عن بعد نظمه المورد الذي يستخدم لهذا العقد فقط تقنية أو أكثر للاتصال عن بعد لإبرام العقد وتنفيذه”([4]).
وحسب منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية فإن التجارة الإلكترونية هي مقياس للتقدم العالمي في ميدان المبادلات الرقمية، وتعد من الملفات التي لها الأولوية في الدراسة من قبل العديد من المنظمات العالمية خاصة مع تزايد عدد المشاكل الناتجة عن المؤثرات الرقمية التي تغل يد السياسة والقانون والاقتصاد ([5]).
وعلى المستوى التشريعي فإن العديد من التشريعات قد حينت قوانينها خاصة المتعلقة بحماية المستهلك لأجل ضمان حد أدنى من الحماية له في عقود التجارة الإلكترونية ومنها التشريع الفرنسي الذي لم يعرف التجارة الإلكترونية وإنما اكتفى بوضع عقد نموذجي للتجارة بين المستهلكين والتجار عبر الوسائط الإلكترونية وقد اعتمدته اللجنة القانونية للجمعية الفرنسية للتجارة والمبادلات الإلكترونية في 4 ماي 1998.
وعلى الصعيد العربي فإن التجارة الإلكترونية تنمو ببطء شديد ومعها التشريعات المرتبطة بهذا المجال حيث لا نجد على مستوى التشريعات العربية المنظمة للتجارة الإلكترونية سوى القانون التونسي رقم 83/2000 في شأن المبادلات التي تتم باستعمال الوثائق الإلكترونية الذي جاء في الفصل الثاني منه:” أن التجارة الإلكترونية هي أي عملية تجارية سواء أكان موضوعها سلعة أو خدمة أو أداء عمل يتم عن طريق المبادلات الإلكترونية “.
إضافة إلى قانون إمارة دبي رقم 2/2002 الذي عرف التجارة الإلكترونية بأنها “المعاملات التجارية التي تباشر بواسطة المراسلات الإلكترونية “([6]).
والمشرع المغربي على غرار نظيره الفرنسي لم يقم بتعريف التجارة الإلكترونية وإنما اكتفى في القانون رقم 05-53 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية بوضع الشروط الخاصة بالعقد الإلكتروني.
ثانيا: حماية المستهلك من خلال الشروط النموذجية للعقد الإلكتروني
ثار جدل فقهي كبير بخصوص الطبيعة القانونية لعقود التجارة الإلكترونية حول ما إذا كانت عقود رضائية تخضع للمبدأ العام، سلطان الإرادة أم هي عقود إذعان حيث ليس للمستهلك حق المفاوضة في شروط العقد فإما أن يبرم العقد كما هو أو يتخلى عن السلعة رغم احتياجه إليها.
والأرجح بين الفقه أن هذه العقود هي ذات طبيعة إذعانية رغم أن المورد للسلعة ليست له صفة المحتكر للخدمة أو السلعة المعروضة فبإمكان المستهلك البحث عن مورد آخر قد يكون له شروط تعاقدية أخرى يجد فيها ضالته ([7]).
ومحاولة للتلطيف من حدة الشروط الإذعانية للعقود الإلكترونية نصت مختلف التشريعات على عدة شروط من شأنها حماية المستهلك باعتباره الطرف الضعيف في التعاقد الإلكتروني أهمها ما نص عليه المشرع الفرنسي في مدونة الاستهلاك الصادرة بمقتضى القانون رقم 949/92 و في 26 يوليوز 1993 حيث تضمنت كل من المواد 111/1 و 113/3 و 121/18 حق المستهلك في الإعلام والتبصير بكل ما يتعلق بالمنتوج أو السلعة أو الخدمة محل العرض وذلك بأي وسيلة ملائمة تمكنه من معرفة مميزاتها الأساسية وثمنها ومختلف القيود المحتملة للمسؤولية التعاقدية للمستهلك ومختلف الرسوم والضرائب التي سيتحمل المستهلك أداءها. وقد حدا المشرع المغربي حدو المشرع الفرنسي، حيث نص في مشروع القانون رقم 08-31 المتعلق بتحديد تدابير لحماية المستهلك في كل من المادة 3 والمادة 26 على ضرورة التزام المورد بإعلام المستهلك وهذه النصوص تعد نسخة طبق الأصل عن القانون الفرنسي للاستهلاك.
ومن الشروط التي يجب كذلك تضمينها في العقد تحت طائلة قابلية العقد للابطال أو فرض جزاءات جنائية متمثلة في الغرامات القانونية على المورد في حالة عدم احترامها شرط حق المستهلك في الرجوع الذي يعد ضمانة للمستهلك من خلال منح نفسه مهلة قانونية للتفكير والتأمل في مقتضيات العقد.
وقد نصت القوانين الخاصة بالتبادل الإلكتروني للمعطيات على بعض الشروط الخاصة بإبرام العقود الإلكترونية والتي لا تخرج في طبيعتها على الإطار الحمائي للمستهلك مثل ما نصت عليه المادتان 65 و 5 -65 من القانون رقم 05-53 المغربي المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية.
الفقرة الثانية: الإطار العام للجرائم الناشئة عن التجارة الإلكترونية
مبدئيا يمكن القول بأن طبيعة الجرائم الناتجة عن التجارة الإلكترونية والتي تمس مصلحة المستهلك لا تختلف في أساسها عن بقية الجرائم العادية التي غالبا ما تكون نتيجة غش المورد أو المنتج في خصائص المواد المكونة للسلعة أو الخدمة ما يشكل جرائم غش في البضائع كما هو منصوص عليها في قوانين زجر الغش في البضائع خاصة ظهير 5 أكتوبر 1984، ولا تختلف عنها إلا من حيث الوسيلة الإلكترونية المسهلة لارتكاب هذا النوع من الجرائم، وقد تتمثل في شكل إخفاء عيوب السلعة أو الخدمة وعدم التزام المورد أو المنتج بالإعلام بها أو نهجه لأسلوب التصريحات الكاذبة أو الخادعة التي تدفع بالمستهلك إلى التعاقد والإضرار بمصالحه أو بث إعلانات أو إشهارات رقمية كاذبة مما يمكن تكييفه على أنه جريمة نصب يعاقب عليها وفق القواعد العامة للقانون الجنائي أو في حالة تواجد نصوص حمائية خاصة بالمستهلك تنص على تجريم هذه الأفعال فإن المتابعات تتم وفقا لها.
وخصوصية الوسائل المستعملة في التجارة الإلكترونية من شأنها أن تخلق جرائم أخرى جديدة تمس بمصلحة الطرف الضعيف في العقد ما يؤثر على الثقة المفروضة من قبل المستهلك في هذا النوع من التجارة، خاصة وأن هذا النوعية من الجرائم قد تستهدف الحياة الخاصة للمستهلك من خلال المس بالبيانات المدرجة في العقد الإلكتروني والتي غالبا ما تكون ذات طبيعة سرية.
المطلب الثاني: جريمة إساءة استعمال البيانات الإلكترونية للمستهلك- نموذجا-
تقتضي طبيعة المعاملات الإلكترونية تبادل البيانات الخاصة بكل من المورد والمستهلك إليكترونيا وعادة ما يتم استعمال أساليب خاصة لحماية هذه المعلومات تسمى بوسائل التشفير، إلا أن ذلك كله لم يمنع من الاعتداء على هذه البيانات إضرارا بأحد أطراف العقد أو كليهما وما يهمنا في هذه الدراسة هو بيان جوانب الحماية الجنائية للطرف الضعيف -المستهلك- في العقد الإلكتروني.
الفقرة الأولى: الأركان العامة للجريمة
يشكل فعل الاعتداء على الحياة الخاصة للأفراد أحد أهم وأكثر الجرائم انتشارا داخل الوسط الافتراضي الذي تقتضيه ضرورة استعمال التقنيات الحديثة، وللوقوف على الجوانب القانونية التي تشكل افعال الاعتداء هذه لابد من دراسة مختلف الأركان العامة لهذا الفعل.
أولا: الركن القانونى
يتخذ فعل الاعتداء على الحياة الخاصة للمستهلك الإلكتروني عدة صور، منها ما عاقبت عليه التشريعات في إطار القواعد العامة للقانون الجنائي، ومنها ما تضمنته القواعد الجنائية الخاصة بحماية التجارة الإلكترونية أو قوانين حماية نظم المعالجة الآلية للمعطيات.
ومن أبرز صور الاعتداء على الحياة الخاصة المعاقب عليها جنائيا وفق القواعد العامة وكذلك بواسطة القوانين الخاصة جريمة إفشاء الأسرار التي يمكن أن تمس المتعاقد الإلكتروني فقد عاقب عليها المشرع المغربي بحسب ما جاء في الفصلين 446 و 447 من القانون الجنائي، كما عاقب المشرع على ذات فعل الإفشاء في إطار العقود الإلكترونية بمقتضى المادة 30 من القانون 05-53 المتعلق بالتبادل الإلكتروفي للمعطيات، وهو نفس الاتجاه الذي كان المشرع الفرنسي سباقا إليه حيث عاقب على إفشاء المعلومات المنجزة إلكترونيا بمقتضى المادة 43 من قانون 6 يناير 1978، الخاص بالمعالجة الإلكترونية للبيانات الإسمية.
ولإضفاء حماية أكبر على المستهلك في إطار التعاقد عن بعد فقد نص المشرع الفرنسي صراحة على تجريم فعل الإفشاء للمعلومات الخاصة بالمستهلك حسب المادة 5-20-121من قانون الاستهلاك الفرنسي التي تحيل على المادة 5-43 من قانون البريد والمراسلات الإلكترونية التي تستوجب بدورها تطبيق مقتضيات القانون رقم 17-78 الصادر في 6 يناير 1978 المشار إليه آنفا ([8]).
ومن التشريعات العربية الرائدة في مجال التجارة الإلكترونية نجد المشرع التونسي الذي نص في المادة 52 من قانون التجارة والمبادلات الإلكترونية رقم 83/2000 على تجريم الاعتداء على السرية والخصوصية بإفشاء معلومات عهد بها إلى مورد الخدمات الإلكترونية وذلك في إطار نشاطه باستثناء تلك التي رخص له صاحب الشأن بنشرها بمقتضى شهادة كتابية أو إليكترونية ([9]).
ثانياً: الركن المادي
تتحقق سرية البيانات وخصوصيتها في نطاق أي نظام معلوماتي خاصة ميدان التجارة الإلكترونية عن طريق وسائل فنية عديدة أشهرها نظام التشفير الذي تعتمده جل التشريعات بما فيها القانون المغربي الذي عالج أحكامه بمقتضى المواد 12 إلى 14 من قانون 05-53.
ولم تعرف التشريعات عموما المعلومات السرية المراد حمايتها جنائيا من الاعتداء، لذلك فإن الشراح الفرنسيون (Pierre et Catala) يعرفونها بأنها عبارة عن “رسالة معبر عنها في شكل يجعلها غير قابلة للنقل أو الإبلاغ للغير”، والسرية تعني حصر المعلومة في إطار عدد محدود من الأشخاص، والمعلومة في إطار الجريمة التي نحن بصددها هي تلك البيانات المعالجة إليكترونيا والتي يتم التعامل فيها في نطاق التجارة الإلكترونية وتشكل خصوصية نظرا لارتباطها بالمتعاقدين المورد والمستهلك -([10]).
وهذه المعلومات قد تكون عبارة عن البيانات الشخصية للمستهلك المتعاقد كاسمه أو صوره أو بيان رغباته وميولاته التجارية أو عبارة عن الأرقام السرية لوسيلة أدائه البنكية أو بريده الإلكتروني، ولم يحدد المشرع الوسيلة التي يمكن أن يصدر بها إفشاء لهذه المعلومات مما يجعل الركن المادي لهذه الجريمة يتحقق بأية وسيلة، أي سواء عن طريق إعادة نشرها آليا أو باستغلالها في الإشهارات والإعلانات التجارية دون إذن صاحبها. أو بإرسالها إلى متعامل آخر قصد استغلالها في إغراء المستهلك على التعاقد على سلعة أو خدمة أخرى وتسهل بعض التقنيات أو البرامج على الحاسب الآلي هذه العملية كتقنية Spam-emailالتي تستهدف البريد الإلكتروفي للمتعاقدين من خلال استغلال بياناتهم حيث يتم إرسال العديد من السلع أو الخدمات لهم بناء على البيانات التي تمثل رغباتهم التجارية فهذه التقنية توفر إمكانية بعث ملايين الرسائل في اليوم “([11]).
ويثار التساؤل حول اشتراط ترتب او إلحاق الضرر بالمستهلك من جراء إفشاء أو إساءة استعمال بياناته الإلكترونية أو عدم اشتراط حدوثه لقيام الركن المادي لهذه الجريمة.
بإمعان النظر في النصوص المجرمة لهذه الأفعال في القانون المغربي سواء في قسمه العام أو بمقتضى النصوص الخاصة بالتعاقد الإلكتروني نجدها خالية من أي شرط حيث يتم تجريم فعل الإفشاء المجرد دون اقترانه بعنصر الضرر.
وذلك عكس ما ذهب إليه المشرع الفرنسي في قانون 6 يناير 1978 الخاص بالمعالجة الإلكترونية للبيانات الإسمية، حيث اشترط في المادة 43 أن يترتب على فعل الإفشاء للبيانات الخاصة بالمستهلك المتعاقد اعتداء عليه في شرفه أو اعتباره أو حرمة حياته الخاصة، فالمشرع الفرنسي ضيق من نطاق التجريم بإضافة شرط الإضرار إلى الأفعال المادية المكونة للفعل المجرم.
ثالثا: الركن المعنوي
يتمثل الركن المعنوي في هذه الجريمة بقيام عناصر القصد الجنائي العام أي تحقق العلم والإرادة .
فالعلم يقتضي أن يكون مرتكب فعل الإفشاء سواء أكان المتعاقد المورد أو أحد المستخدمين عالما بأن فعل إفشاء البيانات الخاصة بالمستهلك في إطار العقد الإلكتروني هي جريمة معاقب عليها قانونا والعلم هنا لا يقتضي العلم بالقانون فهذا الأخير مفترض حيث لا يعذر أحد بجهله للقانون بل العلم المقصود هو العلم بالعناصر التكوينية للفعل المجرم، والإرادة تستوجب أن تتجه إرادته إلى إفشاء السر الذي ائتمن عليه بحكم مركزه التعاقدي إلى شخص لا حق له في الحصول على هذه المعلومات، ولا يؤخذ بعين الاعتبار اتجاه نيته إلى تحقيق الربح المادي أو غيره أو الإضرار بمصلحة المتعاقد حسب التشريع المغربي – فلا يشترط تحقق القصد الخاص لقيام الجريمة.
الفقرة الثانية: عقوبة الجريمة
يعاقب على جريمة إفشاء الأسرار باعتبارها أحد أوجه إساءة استعمال البيانات الخاصة بالمستهلك سواء بمقتضى القواعد العامة أي النصوص التقليدية التي تجرم فعل الإفشاء بمفهومه العام أو بمقتضى النصوص الخاصة بتبادل المعطيات الإلكترونية.
فالقانون الفرنسي يعاقب على جريمة إفشاء الأسرار الخاصة بمقتضى المادة 22-226 من قانون العقوبات بالحبس لمدة سنة وغرامة 100 أورو في حين تحيل مقتضيات المادة 5-34 من قانون البريد والمراسلات الإلكترونية وكذلك قانون 6 يناير 1978 في عقابها على فعل إفشاء المعلومات الخاصة بالمستهلك على قواعد القانون التجاري خاصة المادة 450 في فقراتها (1 و 2 و 3 و 7) التي تعاقب مرتكب الفعل إضافة إلى الغرامة ببعض الإجراءات التجارية.
والقانون التونسي رقم 83/2000 بشأن التجارة والمبادلات الإلكترونية بدوره أحال في العقاب على جريمة إفشاء المعلومات الخاصة بالمستهلك في المادة 52 منه على مقتضيات الفصل 254 من المجلة الجنائية التونسية.
أما المشرع المغربي فيعاقب على فعل الإفشاء في إطار القواعد العامة بمقتضى الفصل 446 من القانون الجنائي بعقوبة حبسية تتراوح ما بين شهر وستة أشهر إضافة إلى غرامة من 1200 درهم إلى 20 ألف درهم.
وعاقب على ذات فعل الإفشاء في إطار القانون رقم 05/53 المتعلق بتبادل المعطيات الإلكترونية بمقتضى المادة 30 بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وبغرامة من 20 ألف إلى 50 ألف درهم وعاقب حتى من حرض على فعل الإفشاء أو ساهم فيه بنفس العقوبة.
فالعقوبة لا تختلف في القانون المغربي إلا من حيث قيمة الغرامة في كل من القواعد العامة أو القوانين الخاصة.
يظهر جليا أن تجريم هذا النوع من الأفعال الناشئة عن استخدام التقنيات الحديثة يتطلب تطويع النصوص الجنائية التقليدية، وجعل مبدأ الشرعية الجنائية أكثر مرونة حتى يستجيب لمتطلبات العصر، فالقوانين الخاصة غير كفيلة بضمان التجريم والعقاب بالنظر إلى خصوصية المقتضيات التي تنظمها فهي ليست بالشمول الكافي لاحتواء مختلف الجرائم المستحدثة.
لائحة المراجع
بالعربية:
- بدر (اسامة احمد)، حماية المستهلك في التعاقد الإلكتروني، دراسة مقارنة، دار الجامعة الجديدة للنشر 2005.
- بنساسي (إلياس)، التعاقد الالكتروني والمسائل القانونية المتعلقة به، مجلة الباحث، العدد الثاني سنة 2003.
- بيومي حجازي (عبد الفتاح)، التجارة الإلكترونية وحمايتها القانونية، المجلد الأول، دار الفكر الجامعي، 2004.
- بيومي حجازي (عبد الفتاح)، مقدمة في حقوق الملكية الفكرية وحماية المستهلك في عقود التجارة الالكترونية، دار الفكر الجامعي، 2005.
- بيومي حجازي (عبد الفتاح)، التجارة الإلكترونية وحمايتها القانونية، الكتاب الثاني، الحماية الجنائية لنظام التجارة الإلكترونية، دار الكتب القانونية، 2007.
بالفرنسية:
COLANTONIO (Frédéric), « la protection du secret des courries électroniques en Belgique, mémoire du DES en criminologie, Université de liège, Faculté de droit, année académique 2001-2002.
MOREAU (Nathalie), « la formation du contrat électronique : Dispositif de protection du cyberconsommateur et modes alternatifs de règlement des conflits ». mémoire de DEA droit des contrats université de Lille 2 Année universitaire 2002/2003.
Les synthèses de l’OCDE : commerce électronique a14h30
[1] اسامة أحمد بدر، حماية المستهلك فى التعاقد اثكنروني، دراسة مقارنة، دار الجامعة الجديدة للنشر. 2005، ص 42.
[2] انظر عبد الفتاح بيومي حجازى، التجارة الإلكترونية وحمايتها القانونية، المجلد الأول، دار الفكر الجامعي، 2004، ص 135 وما بعدها.
[3] انظر إلياس بن ساسي “التعاقد الإلكتروني والمسائل القانونية المتعلقة به”، مجلة الباحث العدد 2 سنة 2003 الصفحة 0 6 وما بعدها.
[4] انظر عبد الفتاح بيومي حجازى، مقدمة في حقوق الملكية الفكرية وحماية المستهلك فى عقود التجارة الإلكترونية، دار الفكر الجامعي 2005، ص 11
[5] Les syntheses de l’OCDE : commerce electronique http://www.oecd.org/publications/pol_breif/index_fr.htm
[6] عبد الفتاح بيومى حجازي، مقدمة في حقوق الملكية الفكرية وحماية المستهلك، م س، ص 15.
[7] انظر إلياس بن ساسي م.س، ص 61
[8] Voir: Nathalie Moreau, «la formation du contrat electronique: Dispositif de protection du cyberconsommateur et modes alternatifs de reglement des conflits ». memoire de DEA droit des contrats universite de Lille 2 Annee universitaire 2002/2003, page 36.
[9]عبد الفتاح بيومي حجازي، التجارة الإلكرتونية وحمايتها القانونية، الكتاب الثاني، الحماية الجنائية لنظام التجارة الإلكترونية، دار الكتب القانونية 2007 ص 286.
[10] عبد الفتاح بيومى حجازي، التجارة الإلكترونية وحمايتها القانونية، الكتاب الثانى، م س، ص 280 وما بعدها.
[11] Frederic colantonio, «la protection du secret des courries electroniques en Belgique, memoire du DES criminologie, universite de liege, Faculte de droit, annee academique 2001-2002, p 22.