تطور واجب الموثق بالنصح من خلال مواقف القضاء الفرنسي

د/محمد الربيعي

أستاذ بكلية الحقوق

مراكش

مقدمة

إذا كان الموثق ملزما بتلقي اتفاقات الأطراف وتحريرها وإضفاء الصفة الرسمية عليها، فإن صعوبة المعاملات وتعدد القوانين فرضت عليه التزاما آخر وهو الالتزام بالنصح، من أجل حماية إرادة الزبون وجعل الاتفاق يحقق له أحسن النتائج.

وإذا كانت بعض الدول قد نصت قوانينها المتعلقة بالتوثيق على هذا الواجب كالمغرب مثلا[1]، فإن المشرع الفرنسي لم ينص عليه، ويرجع ذلك إلى رغبة المشرع في ترك الحرية للقضاء في تحديد مضمون هذا الواجب وحدوده، وهذا ما سنلاحظه من خلال العديد من الأحكام والقرارات التي صدرت عن المحاكم الفرنسية.

وبخلاف الحال في المغرب حيث يلاحظ غياب الاهتمام بهذا الواجب، فإن هذا الأخير عرف تطورا مهما في فرنسا سواء على صعيد مضمونه أو حدوده. كما أن موقف القضاء الفرنسي اتسم أحيانا بنوع من الصرامة تجاه كل موثق أخل بهذا الواجب، إلى حد أن الموثقين هناك ضاقوا ذرعا بهذا الالتزام، وقاموا بمحاولات للتخلص من باءت كلها بالفشل أما تصدي القضاء لها.

وحتى نقف على التطور الذي عرفه واجب الموثق ينصح الزبون في فرنسا، سنتطرق إليه من خلال الفقرات التالية:

الفقرة الأولى: تطور أساس واجب الموثق بالنص

الفقرة الثانية: تطور مضمون واجب الموثق بالنصح

الفقرة الثالثة: تطور حدود واجب الموثق بالنصح

الفقرة الأولى: تطور أساس واجب الموثق بالنصح

إن المتفحص لقانون 25 فانتوز السنة 11 الذي يعتبر بمثابة القانون الأساسي للتوثيق في فرنسا، يلاحظ أن المشرع لم ينص في  فصوله على واجب الموثق بنص الزبون، وهذا لا يعني أن الذين وضعوا هذا القانون لم يفكروا في هذا الدور المهم للموثق بل كان حاضرا في أذهانهم، ويتضح ذلك من خلال الديباجة التي وضعها المستشار ريال REAL والتي بين فيها أسباب ودوافع هذا القانون حيث أشار إلى أن مصلحة المجتمع تقتضي بالإضافة إلى تواجد…..، تواجد موظف محايد يقوم بتقديم النصح للأطراف ويبين لهم مدى التزاماتهم ويضفي الصفة الرسمية على اتفاقاتهم وهذا الموظف هو الموثق[2].

وقد اعتمدت محكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 3 غشت 1858 على روح قانون 25 فانتوز في إلزام الموثق بهذا الواجب حيث جاء فيه:

“إن دور الموثق لا يقتصر فقط على إضفاء الصفة الرسمية على الاتفاقات، بل إن روح قانون 25 فانتوز وأسباب ظهوره تلزمه أيضا بدو رآخر يتمثل في توجيه النصح للأطارف”[3]. وهذا ما قضيت به محكمة النقض الفرنسية في العديد من قراراتها[4].

وهذا ما سار عليه الفقه الفرنسي فالموثق أصبح له حاليا دور مزدوج فبالإضافة إلى إضفاء الصفة الرسمية على الاتفاق، فهو ملزم أيضا بإسداء النصح للأطراف[5]، وتزويدهم بالمعلومات الكافية حتى يكون العقد صحيحا ومنتجا لآثاره[6]، واطلاعهم عن المخاطر التي تهدد حقوقهم ومصالحهم.[7]

ونظرا لعدم وجود نص صريح يلزم الموثق الفرنسي بتقديم النصح للأطراف، اختلف الفقه في أساس هذه الالتزام فمنهم من جعله واجبا أ>بيا يجد أساسسه في طبيعة مهنة التوثيق نفسها. ومنهم من جعل أساس هذا الواجب هو وجود عقد ضمني بين الزبون والموثق، يلزم بمقتضاه هذا الأخير بتقديم النصائح الضرورية للزبون مقابل أتعاب معقولة. وذهب البعض إلى أن أساس هذا الالتزام هو كون الموثق مأمورا عموميا، وهذه الصفة تفرض عليها إسداء النصح إلى الزبون.[8]

وأخيرا ثمة نظرية حديثة عرفت انتشارا واسعا في الأوساط الفقهية في فرنسا وهي نظرية الالتزام بالأخبار “Obligation d’information” [9]والتي اعتمدها القضاء الفرنسي كأساس في الحكم بمسؤولية الموثق عند إخلاله بواجب النصح[10].

الفقرة الثانية: تطور مضمون واجب الموثق بالنصح

إن المقصود بواجب الموثق بالنصح هو أن يقوم أثناء عملية التعاقد بإطلاع الزبون على مضمون العقد وآثاره، وأن يبين له بوضوح التزاماته وحقوقه[11]. وهذا ما قضت به محكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 26 يناير 1988[12].

وإذا كان الموثق ملزما بمد الأطراف بالمعلومات الضرورية لصحة العقد، فهو ملزم أيضا بمدهم بالمعلومات الكافية التي تجعل هذا العقد يحقق لهم أحسن النتائج.

كما يتوجب عليه تنبيه الأطراف إلى الأخطار التي ستترتب على العملية المراد القيام بها قانونية كانت أم اقتصادية. وهذا الدور في الموثق العلم بالقوانين، ولا يحق له أن يدعي بعدم معرفة نص من النصوص القانونية. وقد أظهر القضاء الفرنسي موقفا متشددا بهذا الخصوص، حيث كان يحمل الموثق المسؤولية عن كل ضرر حصل للزبون نتيجة هذا التقصير. وهذا ما قضيت به محكمة باريس في قرارها الصادر بتاريخ 24 يونيو 1988[13].

وقد قضت محكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 16 أبريل 1935 بمسؤولية موثق أخطأ بشأن مسألة قانونية ثابتة.[14].

وجاه في قرار آخر لها بتاريخ 6 دجنبر 1978 بأن الموثق لا يجوز له أن يخطئ في المسائل القانونية، حتى ولو حكان الأمر يتعلق بقانون غير معروف بكثرة[15]. وهذا ما قضت به في قرار آخر بتاريخ 6 ماي 1980[16].

كما أن القضاء في فرنسا لم يكن يعف الموثق من واجب النصح ولو تعلق الأمر بمسألة قانونية محل خلاف، وهذا ما قضت به محكمة النقض في قرارها الصادر بتاريخ 2 يوليو 1970[17]. وقد بنت هذا المحكمة المطلوب من الموثق في مثل هذه الحالة، حيث قضت في قرارها الصدر في 17 فبراير 1971 بأن المطلوب من الموثوق هو ان يكون على علم بهذا الخلاف، وأن يخبر به الزبناء [18].

والموثق وهو يقوم بهذا الواجب، عليه ألا تكون نصائحه لمصلحة طرف ضد الطرف الآخر[19]. بل عليه أن يوجه نصائحه للطرفين، وأن يعمل على تقريب وجهات نظرهما [20]. فهذا الدور الذي يقوم به الموثق ينبغي أن يحقق في الأخير توازنا عادلا بين مصالح الطرفين، ويساعد على التقليل من المنازعات حول الاتفاقات والعقود. فعلى سبيل المثال يجب على الموثق وهو يقوم بتحرير رهن لفائدة الدائن، عليه أن يتأكد من فعالية الضمان، وعند الاقتضاء أن يثير انتباه الدائن إلى مخاطر عدم كفاية المرهون، وعند تقصيره في هذا الشأن يكون مسؤولا[21].

كما يتوجب على الموثق أن يخبر المشتري بوضعية الرهن الذي يثقل المبيع حتى ولو كان المشتري على علم به، وهذا ما قضت به محكمة النقض الفرنسية بتاريخ فاتح يونيو 1999. [22]

والموثق ملزم أيضا بتوجيه النصائح الكافية للأطراف في المجال الضريبي، بأن يقرأ عليهم المقتضيات القانونية المتعلقة بالكتمان أو إخفاء الأصول، وأن يبين لهم الجزاءات المطبقة عن كل تهرب من أداء الواجبات المفروضة عليهم[23].

الفقرة الثالثة: تطور حدود واجب الموثق بالنص

أما غياب نص في القانون الفرنسي يشير إلى واجب النصح وحدوده تدخل القضاء لسد هذا النقص. وقد دار الجدل بهذا الخصوص حول نقطتين أساسيتين الأولى تتعلق بأثر الخبرة على واجب النصح، والثانية تتعلق بالحالة التي يدعي فيها الموثق بأن دوره انحصر فقط في تحرير العقد وإضفاء الصفة الرسمية عليه، وأثر ذلك على واجب النصح.

أولاً: أثر خبرة الزبون على واجب النصح

عرف موقف القضاء الفرنسي تطورا بخصوص هذه الحالة، فقد كان في البداية يسير في اتجاه يتمثل في أن واجب النصح له علاقة بخبرة الزبون.

فالموثق يكون ملزما بتقديم النصح إليه عندما يكون قليل التكوين والخبرة وقد كان موقف محكمة النقض الفرنسية صارما بهذا الخصوص، حيث قضت في أكثر من نازلة بان الموثق الذي لم يقدم النصائح الكافية لشخص لا خبرة له، يكون قد ارتكب خطأ مهنيا وإخلالا جسيما بواجبه في النصح.[24]

والموثق لا يكون ملزما بتقديم النصح، عندما يكون للزبون خبرة وتعلق الأمر بأشياء يعلمها أو كان من المفروض عليه العلم بها. وهذا الموقف تبنته محكمة النقض الفرنسية في العديد من القضايا التي عرضت على أنظارها. ففي قضية تتعلق بأحد قدماء المحافظين الذي أقرض أحد الأشخاص مبلغا من المال مقابل رهن لم يقم بتقييده في مكتب الرهون، ولما ضاع الضمان المخول له، التجأ إلى المحكمة مدعيا أن الموثق لم ينحه بضرورة القيام بهذا الإجراء، إلا أنها ردت دفعه، ومن الحيثيات التي اعتمدتها هنا، أن الموثق ليس ملزما بنصح الزبون حول أشياء يعلمها أو كان من المفروض عليه العلم بها[25].

وفي قضية أخرى عرضت على أنظارها، وكان الزبون في هذه الحالة مهندسا رفع دعوى ضد موثق يدعي فيها أن هذا الأخير أخل بواجب النصح في المجال المتعلق بالتعمير، وقد قضت هذا المحكمة بأن المهندس لا يمكنه أن يطلب من الموثق معلومات أوليه حول قانون التعمير، وبالتالي فإن  الموثق ليس ملزما بأن يخبر الزبون بما يعلمه أو بما كان من المفروض عليه العلم به.[26]

وفي قضية أخرى سارت فيها محكمة النقض الفرنسية على نفس النهج، وتتلخص وقائعها في أن مسؤولا عن شركة متخصصة في المعاملات العقارية، اشترى عقارا وتم إبرام العقد أمام موثق، إلا أن هذا العقد لم يتضمن بيانا يرمي إلى تخفيض نسبة الواجبات المفروضة على الإشهار والتسجيل، والمتمثل في التزام المشتري باستعمال العقار للسكن لمدة ثلاث سنوات. وعندما رفع المشتري دعوى ضد الموثق يدعي فيها أنه لم يقدم له النصح في هذا المجال، قضت المحكمة المذكورة بأن الموثق لم  يرتكب أي خطأ، لأن الزبون هو مسؤول عن شركة متخصصة في المعاملات العقارية ويفترض فيه بحكم تخصصه العلم بهذا المقتضى القانوني[27].

إذن فحسب هذه القرارات التي اشرنا إليها فإنه يفترض في المحافظ على الرهون العلم بضرورة تقييد الراهن، وفي المهندس العلم بالمبادئ الأولية لقانون التعمير، وفي المسؤول عن شركة متخصصة في المعاملات العقارية العلمي بالمقتض القانوني الرامي إلى التخفيض من واجبات التقييد والتسجيل، ولهذا فلا يحق لهم بحكم اختصاصهم مقاضاة الموثق بدعوى إخلاله بواجب النصح في هذه المجالات المذكورة.

وحتى يعفى الموثق من واجب النصح، يجب أن يكون للزبون خبرة واختصاص في موضوع التعاقد كما في القضايا التي أشرنا إليها، وليس فقط أن تكون للزبون خبرة في مجال الأعمال وهذا ما قضت به محكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر في 17 نوفمبر 1976 [28].

وإذا كان الموثق يلزم بنصح الزبون الذي لا خبرة ولا اختصاص له في موضوع التعاقد، فإن القضاء أحيانا كان يعفي الموثق من هذا الواجب وذلك عندما يحضر الزبون إلى مكتب الموثق رفقة مستشاره الخاص. ونشير في هذا الشأن إلى قضيتين عرضتا على القضاء الفرنسي، الأولى تتعلق بشخص تعاقد أمام موثق ومعه مستشاره الخاص، ولما رفع الزبون دعوى ضد الموثق يحمله المسؤولية عن إخلاله بواجب النصح، قضت محكمة النقض بأن الذي يتحمل هنا بواجب النصح ليس الموثق، بل المستشار الخاص للزبون[29].

اما القضية الثانية فتتعلق بزبون حضر إلى مكتب الموثق بمعية مهندسه المستشار، وكان الأمر يتعلق بمعاملة عقارية من وجهة المقتضيات المتعلقة بالتعمير، ولما قاضى الزبون الموثق بإخلاله بواجب النصح، قضت كحكمة ستراسبوغ Strasbourg بإعفاء الموثق من هذا الواجب، لأن الزبون له بالإضافة إلى مهندسه العادي مهندسا أخر مستشارا، وقد جاء في إحدى حيثيات قرارها “إن المحكمة لا تدري ما هي المعلومات الإضافية التي يمكن للموثق وهو كقانوني وليس مختصا في مجال التعمير أن يقدمها لهذا الزبون”[30].

لكن من خلال تتبعنا للقرارات الصادرة لاحقا عن محكمة النقص الفرنسية بهذا الشأن، نلاحظ أن حدود واجب النصح قد عرفت اتساعا ليتسع بالتالي نطاق مسؤولية الموثق، ويتضح ذلك من خلال قرارين صادرين عن نفس المحكمة الأول صدر بتاريخ 28 نونبر 1995 قضت فيه بأن الموثق لا يستطيع التحلل من المسؤولية الناتجة عن إخلاله بواجب النصح اعتمادا على اختصاص زبونه الذي يجعله على علم بالمسائل القانونية[31], وهذا ما قضيت به أيضا في قرارها الصادر بتاريخ 25 نونبر 1997[32]. وقرارها الصادر بتاريخ 9 يونيو 1998[33]. بل نجد هذه المحكمة قد ذهبت أبعد من ذلك، حيث قضت في قرارين لها بأن الموثق لا يمكنه أن يتحلل من واجب النصح حتى ولو كان الزبون برفقة مستشاره الخاص[34]. وحتى ولو كان هذا المستشار موثقا وهذا ما قضت به في قرارين لها الأول صدر بتاريخ 13 نونبر 1997، والثاني بتاريخ 3 مارس 1998 [35].

نلاحظ من خلال هذه القرارات الأخيرة، أن القضاء في فرنسا وع من نطاق مسؤولية الموثق بخصوص واجب النصح حيث ألزمه بتقديم النصح والإرشادات إلى جميع الزبائن بغض النظر عن خبرتهم وحتى لو كانوا برفقة مستشاريهم.

وإذا كان الموثق ملزما بتقديم النصح للزبون، فإن هذا الأخير ليس ملزما بالأخذ به، ولهذا إذا تجاهل الزبون النصائح المقدمة له، يجب على الموثق في هذه الحالة أن يبقى لديه دليل يثبت بأنه قام بواجبه، لأن عبء الإثبات هنا يقع على كاهله، فهو الملزم بهذا الواجب، وعليه أن يثبت بأنه نفذه، وهذا ما قضت به محكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 3 فبراير 1998 [36].

ثانيا: ادعاء الموثق بأن دوره انحصر في إضفاء الرسمية على الاتفاق وأثره على واجب النصح

عرف موقف محكمة النقض الفرنسية تحولا آخر يهم حدود واجب النصح، ويتعلق الأمر بالحالة التي يدعي فيها الموثق بأن الاتفاق تم مباشرة بين الطرفين، وانحصر دوره على كتابه الاتفاق وإضفاء الرسمية عليه، فهل يعتد بهذا الإدعاء أم لا؟

كان موقف القضاء سابقا يضيق من مسؤولية الموثق بخصوص واجب النصح، وذلك من خلال القرار الذي صدر عن محكمة النقض الفرنسية جاء فيه بأنه إذا كان الموثق من الناحية المهنية ملزما بتقديم النصح للأطراف، فإن حدود ومضمون هذا الالتزام ينبغي أن يقدر حسبما إذا كان الموثق تدخل مباشرة في المفاوضات المتعلقة بشروط الاتفاق، أم انحصر دوره في إضفاء الصفة الرسمية على اتفاق سابق تم مباشرة بينهم دون تدخل منه [37].

الملاحظ من خلال هذا القرار، أن المحكمة المذكورة ميزت بين حالتين: الحالة الأولى وهي التي يتدخل فيها الموثق في المفاوضات التي تتم بين الطرفين، حيث يكون هنا ملزما بتقديم النصح لهما، والحالة التي لم يتدخل في المفاوضات وينحصر دوره في إضفاء الصفة الرسمية على اتفاق سابق حيث يكون معفيا من واجب النصح.

إن الاتجاه الذي سارت فيه محكمة النقض يضيق من نطاق مسؤولية الموثق وهو اتجاه غير مبرر. فالموثق ينبغي أن يقدم للنصح للأطراف طالما أن الاتفاق لم يتم تحريره وإضفاء الصفة الرسمية عليه. والقول بخلاف ذلك سيسهل على الموثق التحلل من واجبه، وهذا ما سيجعل القضاء الفرنسي يغير موقفه، وينجه نهجا آخر من شأنه أن يوسع من نطاق هذه المسؤولية، حيث لم يعد يعتد بإدعاءات الموثقين بكون دورهم أنحصر في إضفاء الصفة الرسمية على الاتفاق. ويتجلى ذلك من خلال العديد من القرارات نشير فقط إلى بعضها.

ففي 1966 قضت محكمة النقض الفرنسية بأن الموثق لا يستطيع التحلل من المسؤولية الناتجة عن إخلاله بواجب النصح، ولو أدعى أن دوره انحصر في إضفاء الصفة الرسمية على التصريحات التي تلقاها من الأطراف[38].

وفي قضية أخرى تتلخص وقائعها فيما يلي: اشترى أحد الأشخاص عقارا بواسطة محرر عرفي وعندما توجه إلى البنك للحصول على قرض طلب منه أن يكون المحرر رسميا. توجه المشتري إلى أحد المثقين الذي أضفى الصفة الرسمية على هذا البيع. ولما سلم المحرر الرسمي إلى البنك تبيين وجود رهن على هذا العقار.

رفع المشتري دعوى ضد الموثق مدعيا أنه أخل بواجب النصح، حيث لم يخبره بوجود هذا الرهن. وقد رد الموثق على ذلك بأن دوره انحصر في إضفاء الصفة الرسمية على اتفاق سابق، وحتى لو أخبره بذلك فلن يستطيع تحرير العقار من هذا الرهن، لأن الثمن سبق وسلم إلى البائع أثناء إبرام العقد العرفي. إلا أن المحكمة رفضت دفعت الموثق، وقضت بأن ما قام به يعد إخلالا بواجب النصح، ويتحمل تبعة الأضرار التي لحقت بالزبون.[39]

كما قضت محكمة النقض الفرنسية في قرار آخر بتاريخ 26 نونبر 1996 بأن الموثق لا يمكنه أن يتحلل من واجب النصح، بدعوى أنه تدخل فقط لإضفاء الصفة الرسمية على اتفاقات تمت المفاوضات بشأنها بين الطرفين خارج مكتبه [40]

وفي 1997 قضت نفس المحكمة بأن واجب النصح يبقى قائما رغام اقتصار الموثق على إضفاء الصفة الرسمية على اتفاقات تمت مباشرة بين الطرفين 41.[41]

إن هذا الاتجاه الذي سلكته محكمة النقض الفرنسية بخصوص حدود واجب النصح، أدى إلى توسيع نطاق مسؤولية الموثق حيث لم يعد بمقدوره التهرب من هذا الواجب عن طريق الادعاء بخبرة الزبون، أو أن دوره انحصر في إضفاء الصفة الرسمية على اتفاق تم مباشرة بين الطرفين.

خاتمة

لقد حاولنا من خلال هذه الدراسة التطرف إلى موقف القضاء الفرنسي بخصوص واجب الموثق بالنصح. وهذا الواجب الذي كما قلنا سابقا لم يشر إليه المشرع الفرنسي بنص صريح في القانون المنظم للتوثيق ولكن تواتر القضاء على اعتبار الموثق ملزما بالنصح معتمدا في البداية على ديباجة قانون 25 فانتوز السنة الحادية عشرة بتاريخ 16 مارس 1803 التي اعتبرت الموثق ناصحا للأطراف، ثم بعد ذلك ظهرت عدة نظريات بهذا الخصوص اعتمدها القضاء في تكريس هذا الواجب المهم.

ومنذ ذلك الحين إلى وقتنا الحاضر شهد هذا الواجب تطورا من حيث مضمونه وحدوده، عكس لنا بوضوح موقف القضاء الفرنسي الرامي إلى توسيع نطاق مسؤولية الموثق بهذا الشأن، نظرا لتعدد القوانين وصعوبة فهمها، وحاجة الأشخاص إلى من يوجههم التوجيه السليم، ويشرح لهم أبعاد الاتفاقات والعقود التي يريدون إبرامها. وهذا ما دفع القضاء غلى اعتبار الموثق ناصحا للأطراف وافترض فيه العلم بالقوانين فلا يقبل منه الخطأ بشأنها أو عدم العلم بها.

ورغم محاولة بعض الموثقين التحلل من هذا الواجب، عن طريق إدراج بند في العقود التي يحررونها، يشيرون فيه إلى أن الاتفاق تم مباشرة بين الطرفين دون تدخل منهم، وأن دورهم انحصر في إضفاء الصفة الرسمية على الاتفاق. إلا أن محاولاتهم تصدى لها القضاء الفرنسي بحزم، معتبرا هذا البند عديم الأثر ولا يعفي الموثق من واجب النصح، لأنه يتعارض مع المقتضيات الواردة في الفصل الثامن من قانون 25 فانتوز والمعدل بواسطة الفصل الأول من المرسوم عدد 71.941 الصادر بتاريخ 26 نونبر 1971، والتي تمنع الموثق الفرنسي من تضمين العقد مقتضيات لصالحه [42] مما جعل الموثقين في الأخير ينصاعون لموقف القضاء، ويتأكدون بأني أي إخلال أو تقصير منهم في أداء هذا الواجب سيعرضهم للمساءلة.


[1] : الفقرة الثالثة من الفصل الأول من ظهير 4 مايو 1925 جاء فيها

“Les notaries doivent donner leurs conseils aux parties, leur révéler ce qu’ils ont appris relativement á la redaction desquels ils concourent…”

[2] Notaire – Jean ne De Poupliquet – Jurisclasseur Droit francais- Art 1382 – 1386 – +Fasc 420 – 3 – p2.

[3] Cass-Civ-3 aout 1858 – S – 59 – 2 – 550.

[4] – Cass civ 29 novembre 1909 – s 1909 – 1 – 504

– Cass civ 2 janvier 1924 – 1 – 69

– Cass civ – 4a aout 1941 Répertoires Défrenois 42 art 2600.

[5] (Jean-Louis) Magnan – le notarial et le monde modern – I.GD.J 1979 – Paris – P 172.

[6] (Muriel Fabre) Magnan- De l’obligation d’information dans les contrats – Essai d’une théorie, L.G D J. Paris – 1992 – p 246.

[7] (Yve) Picod – Le devoir de loyauté dans l’exécution du contrat – LGDJ – 1989 – Paris Renvoi n 52-p 122.

[8] للوقوف على هذه الآراء يمكن الرجوع إلى:

  • (Henri) Senamaud – Devoir de conseil des notaries rédacturs d’actes et résponsabilité née de leur (Marcel) Brise – Essai sur le role fiscal du notaire – Thése – Paris – 1937 – p499.
  • (F. Dubas) la résponsabilité notariale – Thése – 1937 – Paris – p 154 et 155.

[9].(Muriel) Fabre – op.cit-p246.

[10] Cass civ . Ch 1 . 21 Juin 1990. J C P – 1990 – T2 – Art 21708

[11] (Philippe) Moraeu – L’authenticite notariale obiligatoire pour sécurité des transmissions immobiliéres – Thése – 1941 – Paris – P83.

[12] Civ Ch 1 – 26 Janvier 1988 – Bull civ – n ۫26 – P17.

[13] Paris – 2۫ Ch – 24 Juin 1988 – D 1988 – I R n۫ 205.

[14] Cass civ 16 – Avril 1935 – Gaz . Pal 1935 – 1 – 793.

[15] Cass civ – 1 – 6 – December 1978 – Bull civ 1 – n۫ 350.

[16] Cass civ – 1 – 6 Mai 1980 – Bull civ 1 – n۫138.

[17] Cass civ – 3 – 2 Juillet 1970 – Bull civ 3 – n۫46.

[18] Cass civ – 1 – 17 – février  1971 – Bull civ I – n۫.

[19] (Jean) Picard – Technique de la vente d’immeuble – Librairie technique de la cour de cassation – Paris – P26.

[20] (Philippe) Diron – Le notaire et les nouvelles attents du public – Le notaire votre partenaire aujourd’hui et demain – journées notariales – 1992 – P28.

[21] Cass civ. 1 – 5 octobre 1999 – Bull civ n۫258.

[22] Bull civ n۫ 184 – 1999 – Cib 1-1 Juin.

[23] (Philippe) Moreau – Op.cit – P85.

[24] Cass civ -1 – 7 – fevrier 1984 – Bull civ 1 – n۫ 51.

Cass civ 1 – 7 – fevrier 1990 – Bull civ 1 – n۫ 37.

[25] Defrénois – 1975 – Art 31181 – Civ 1۫ – 7 Octobre 1975 – Répertoire.

[26] Cass civ 1 ۫ -2 Mars 1964 – Bull civ – n۫ 122.

[27] Cass civ – 2 juillet 1991 – Répertoire Defrénois 1991 – Art 35142 P 1272.

[29]Cass civ 1۫ 17 novembre 1976 – Bull civ 1 – n۫ 353.

[30] Cass civ 1۫ – 4 Octobre 1972 – Bull civ 1 – n۫ 194.

[31] 20349 – Trib . gr ins Strasbourg – 3۫ ch. Civ – 22 Avril 1983 – JCP 85 éd G.2.

[32] Civ 1۫ – 28 novembre 1995 – Répertoire defrénois 1996 – 361 .

[33] Civ 1۫ – 25 nov 1997 – Bull civ 1 – n۫ 329.

[34] Civ 1۫ – 9 Juin 1998 – Bull civ 1 n۫ 205.

Civ 1۫ – 10 Juiller 19- Bull civ 1 n۫312.

Civ 1۫ 18-Uin 1996 – Bull civ 1 – n۫ 93.

[35] Civ 1۫ – 13 nov 1997 – Bull civ 1 – n۫ 308.

Civ 1۫ – 3 Mars 1998 – Bull civ 1 – 93.

[36] 1998 – Bull civ – 1 n۫ 44. – Civ – 1-3 Février.

[37] Civ 1۫ – 6 Avril 1965 – Dalloz 1965 – 448.

[38] Civ 1۫ – 4 Janvier 1966 – Dalloz 1966 – 227.

[39] Cass civ 1 – 15 f Civ 1۫ – 4 Janvier 1966 – Dalloz 1966 – 227.crier 1978 – Bull civ 1 n۫ 64.

[40] Civ 1۫ – 26 novembre 1996 – Bull civ 1- 1996.

[41] Civ l۫ – 13 novembre 1997 – Bi;; cov 1- n۫ 309

[42] Art 1 – 2۫ al “Les notaries associes d’une société titulaire d’un office notarial ou d’une société de notaries ne peuvent recevoir des actes dans lesquels I’un d’entre eux ou les parents ou allies de ce dernier au degree prohibé par l’alinéa precedent sont parties ou intéressés.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading