المسؤولية التأديبية للموظف العمومي

 

هشام خيتري

طالب باحث بصف الدكتوراه،

قانون عام، كلية الحقوق، وجدة

مقدمة عامة

يعتبر موضوع التأديب من الموضوعات الأساسية التي حظيت باهتمام الباحثين، باعتباره أحد المؤثرات الأساسية في الفعالية الإدارية، الأمر الذي جعل الاهتمام بدراسته تفرضه الرغبة في عدم إخلال الموظفين بواجباتهم والخروج عن مقتضياتها، قصد رفع كفاءتهم ومردوديتهم، بما يكفل تحقيق الانضباط والفعالية داخل المؤسسة أو الجماعة التي ينتمون إليها. وعلى هذا الأساس، فان النظام التأديبي يشكل مجموعة من القواعد القانونية التي تهدف إلى تحقيق توازن عملي بين متطلبات الصالح العام، المتمثلة في حرص الإدارة على تنظيم سير المرافق العمومية، وبين حق الموظف في توفير الضمانات والإجراءات لبتي تؤكد له الاستقرار وتدفعه إلى التفاني في العمل بكل عدل وإخلاص.

وعليه فان الاهتمام بموضوع التأديب والعمل على تطويره أمر ضروري للغاية ،باعتباره يرتبط بإقرار النظام داخل جماعة بشرية، وذلك من خلال فرض عقوبات محددة تجبر أفراد هذه الجماعة على احترامها، والعمل بها وفق المصلحة المشتركة بينهما إلا أن الملاحظة يمكن تسجيلها في المجال هي أن قواعد التأديب تختلف من جماعة لأخرى، والسر في ذلك يمكن رده إلى رغبة المشرع ومتطلبات السياسة العامة للدولة واحترام المصالح داخل المجتمع، لأن المشرع قد يخص طائفة معينة من الأشخاص بقواعد خاصة تحكم أفعالهم وتصرفاتهم غير المشروعة، وهذا التخصيص جاء نتيجة اعتبارات موضوعية تتعلق بأسلوب المشرع في حمايته لمصلحة معينة من مصالح المجتمع . إلا أنه رغ اختلاف التأديب من جماعة إلى أخرى، فإنه يقوم في كل الجماعات على تحقيق المصلحة العامة وتماسك هذه الجماعة وإعادة الاستقرار إليها من أجل حمايتها وذلك بغية تحقيق ما تصبو إليه من مصالح.

ومهما كان المجال الذي يمارس فيه، فهو نظام وطبيعة مزدوجة فهو من جهة يقوم من أجل حماية أغراض معينة، بالإضافة إلى دوره الأساسي المتمثل في ضبط سلوك الموظفين تقويم تصرفاتهم، وتهذيب أفعالهم وهي نقطة يلتقي فها مع جميع نظم التأديب. وتجدر الإشارة إلى أن المغرب، وبناءا على عدة معطيات تاريخية واقتصادية وسياسية كان من بين الدول التي أخذت بنظام تأديبي عمومي يشمل جميع الموظفين في القطاع العمومي، يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، وبجانبه أنظمة خاصة تسهر بدورها على تحقيق الهدف ذاته . ويهدف نظام التأديب أو نظام السلطة التأديبية إلى الردع والإصلاح والتقويم للخطأ الذي يقع فيه الموظف في القطاع العمومي وسنركز من خلال هذه الدراسة على لوظيفة العمومية أحد الفروع الرئيسية للقطاع العمومي بوجه عام، إذن قطاع الوظيفة العمومية خاصة والمجال الإداري بصفة عامة كل عمل تقوم به الادارة يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، والذي يخضع للقانون الإداري ) على خلاف المجال الذي يخضع إلى النظام الأساسي للوظيفة العمومية .([1])

وتبرز أهمية الموضوع من خلال الدور الأساسي الذي يقوم به التأديب “لسلطة التأديبية” الذي يعتبر سلاح فعال في يد الإدارة، تسخره لتحقيق اعتبارات المصلحة العامة ويتأتي ذلك عبر وظيفته المتمثلة في فرض الانضباط الذي يحافظ على تماسك مجتمع الوظيفة العمومية، وبهذه المثابة فهو ينطوي على ميكنيزمات تسمح للإدارة بأداء الرسالة التي وجدت من أجلها. هذا التنظيم الذي يفترض بداهة حدا أدني من الانضباط والتحلي بروح المسؤولية، وبانتفاء ذلك تعم الفوضى والتسيب بشكل يتعذر معه الحديث عن أيعمل إداري، وتكتسي هذه الأهمية دلالات عميقة، خاصة بعد صدور تقرير البنك الدولي عن الادارة المغربية الذي كشف النقاب عن مجموعة من الأمراض التي تعاني منها الادارة المغربية.([2]) وهي أمراض لم تكن طائفة منها لو كان التأديب يؤدي دوره في ضبط التصرفات والسلوكات داخل الادارة.

ويطرح موضوع السلطة التأديبية مجموعة من الاشكاليات تتصل أساسا بماهية السلطة التأديبية، ثم منح المشرع للإدارة سلطة تقديرية في إثارة مسؤولية التأديب وهنا تطرح إمكانية إساءة استعمال هذه السلطة ومن تم تثار المسؤولية التأديبية لأسباب تافهة، وفي هذه الحالة يخرج التأديب عن مراميه وينقلب إلى سيف على رقاب الموظفين ([3]).أما التدخل لتحريكها، وهذا ما يقوى في نفوس الموظفين الشعور باللامبالاة والاستخفاف بالواجب ويعد هذا العامل من الأسباب المؤدية إلى تراجع أهمية المسؤولية التأديبية.

هذا ويرتبط مفهوم الخطأ التأديبي أي الذي يرتب المسؤولية التأديبية على الموظف ارتباطا واضحا بإشكالية الموضوع، حيث يحدد طبيعة العقوبة المستحقة للموظف، وهو ما يحيلنا على جانب أخر من الاشكالية ألا وهي الحدود العامة للعقوبة التي يستحقها الموظف عند ثبوت الخطأ التأديبي عليه، ودرجات هذه العقوبة . ثم حول السلطة المختصة بإنزال مثل هذه لعقوبات .

ويثار في الاخير ما مدى التأثير الاقتصادي والاجتماعي لهذه العقوبة على وضع هذه الاشكالات وغيرها سنحاول معالجتها في موضوعنا هذا السلطة التأديبية للموظف من خلال النقاط لتالية:

  • .إن المسؤولية التأديبية تمتاز وتختلف عن المسؤولية الجنائية والمدنية نظرا لكون العقوبات تصدر عن الرئيس الإداري وفقا لما يتضمنه نظام التأديب وليس عن أحكام قضائية تخص المواطنين ومنهم الموظفين.
  • .المسؤولية التأديبية عبارة عن قواعد تأديبية تشكل أحكاما ذات طابع موضوعي يلجا إليها الرئيس الإداري بصفته معبرا عن إداري الدولة وليس له حق إساءة استعمالها وهو ما يدفعنا إلى تحليل الطعون الناتجة عن تطبيقات العقوبات اللاشرعية بعد أن نحدد مضمون المسؤولية التأديبية.

المبحث الأول: الإطار النظري للمسؤولية التأديبية للموظف

يقصد بالمسؤولية التأديبية للموظف هي مخالفة الموظف للواجبات التي تنص عليها القوانين والقواعد التنظيمية العامة التي تحكم نشاطه . فكل موظف يعيد عن مل يلزمه من واجبات في أعمال وظيفته أو يظهر بمظهر من شانه أن يخل بكرامة الوظيفة يسأل تأديبيا ويتخذ في حقه قرار إداري يعرف بقرار العقوبة . ومن المعلوم أن المسؤولية التأديبية تتصف بعدة مميزات ز كأن تقرر هذه المسؤولية من طرف السلطة الرئاسية للموظفين يني الرئيس الإداري الذي له حق تعيينهم، ذلك أنه هو المسؤول عن تبيعات أنجاز المهام المنوطة بمرؤوسيه ومراقبتها لضبط الاخطاء التي يرتكبونها خلال مزاولة نشاطهم ([4]) ثم ترمي هذه المسؤولية إلى جزاء المخالفات المرتكبة في حق الواجبات المهنية بحيث يمكن أن تؤدي به إلى حرمانه بعض الفرص في مساره الإداري كترقيته بالاختيار أو شغله لمنصب رئاسي . هذا ولا يمكن أن تترتب المسؤولية التأديبية إلا بارتكاب خطا له طابع إداري لأي خطا تأديبي يسال عنه الموظف في نطاق مسطرة تأديبية مخالفة في مضمونها عن المسطرة الجنائية وتؤدي إلى إقرار عقوبة إدارية لها طاب مهني.

المطلب الأول: أساس المسؤولية التأديبية

تقوم المسؤولية التأديبية على أساس خطا تأديبي الذي يقوم على إخلال الموظف بوجباته الوظيفية (الفرع الاول)، وهو ما من شانه إثارة المسؤولية التأديبي للموظف والتي تخضع لمسطرة من نوع خاص (الفرع الثاني ).

الفرع الأول: أساس المسؤولية التأديبية

يصعب تحديد مفهوم الخطأ التأديبي مادام القانون الأساسي للوظيفة العمومية لم يوضح بدقة مدلوله، لكن يمكن القول بانه مختلف اختلافا بينا عن الخطأ الجنائي الذي حدد مفهومه القانون في المدونة الجنائية والذي يهم كثيرا ن الجرائم منها الاختلاس والتزوير والسرقة التي يمكن أن يقترفها الموظف أثناء تأدية عمله أو خارج نطاقه، إذن تبقى للسلطة التأديبية الصلاحية لتحديد هذا المفهوم، وذلك تحت مراقبة القضاء انطلاقا من الخطأ التأديبي ما هو في الحقيقة إلا إخلالا بواجبات الموظف المهنية، غير أنه في الامكان أن تلجأ إلى بعض القواعد التي ستساعد على تحديد مفهوم الخطأ التأديبي رغم أن مضمونها يعتبر نسبيا.

وهذه القواعد هي:

  • . أن تكون المخالفات المقترفة لها طابع خطأ يعني أنها تشكل إخلال واضحا بالواجبات الوظيفية بالمعنى الدقيق كالتصرفات السيئة التي تخل بكرامة الوظيفة أو ترك هذه الاخيرة بدون مبررات قانونية . وفي هذه السياق لا يمكن أن تشكل عدم القدرة الجسمانية لأداء الوظيفة أو عدم الكفاءة المهنية لممارستها إخلالا للواجبات الوظيفية.
  • .أن يكون اقتراف الخطأ أثناء مزاولة الموظف لمهامه، وهذا ما يدل على أن الموظف الذي أحيل على التقاعد أو توفي لا يمكن أن يكون عرضة لعقوبات تأديبية ما دامت الصلة بينه وبين الإدارة انتهى أمرها.

لكن القضاء اعتبر أن الخطأ الذي يقترف قبل الولوج إلى الإدارة يمكن أن يشكل عقوبة تأديبية أثناء تولي صاحبه الوظيفة شريطة أن تكون الموظفة ليس لها علم بذلك أثناء التوظيف وأن الخطأ الذي ارتكب لا يناسب ممارسة الوظيفة التي أنيطت به.

أما عن الخطأ المقترف من طرف الموظف والخارج عن ممارسة وظيفته يعني المتعلق بحياته الشخصية فيمكن أن يأخذ شكل خطا تأديبي يسال عنه في حالة إذا كان له تأثير على تأدية الوظيفة كالإخلال بواجب كتمان السر أو واجب التحفظ.

  • . أن يكون الخطأ المقترف ناتج عن ظروف قاهرة أوعن اكراه بحيث أن الموظف ارتكبه بمحض إرادته.

.يجب أن يكون الخطأ حقيقيا وليس مفترضا حتى يمكن أن يسال عليه الموظف.

هذه القواعد التي يمكن الاعتماد عليها لتحديد مفهوم الخطأ التأديبي. غير أنه من حيث المبدأ، فان الخطأ التأديبي يعد منفصلا عن الخطأ الجنائي، وبالتالي فإن المحاكمة التأديبية بدورها مستقلة عن المحاكمة الجنائية ،فالأولى تقتصر على الموظفين وتقام على أساس الدفاع عن مصلحة الإدارة بينما الثانية لها صبغة عامة تشمل الموظفين وغيرهم وتقام على أساس الدفاع عن المجتمع ([5]).

وتبعا لهذا يمكن الفعل الضار المقترف من طرف الموظف يشكل خطا جنائيا واحد، فيحاكم آنذاك بإحدأهما دون الأخرى تطبيقا للقاعدة المعروفة “لا عقوبتين لفعل واحد”([6]). أو بعض الحالات يحاكم الموظف جنائيا وتأديبيا من غير مراعاة القاعدة التي أشرنا إليها سالف، فإذا ارتكب الموظف سرقة مثلا، فيسال عن هذا الفعل جنائيا من طرف القاضي ثم في الامكان أن يسال عنه من طرف الإدارة في حالة ما إذا كانت الجنحة تشكل خطا تأديبيا يمس بواجبات الوظيفة ومقتضياتها أو كرامتها ([7]).

كما يمكن أن يكون هناك استقلال تام بين الخطأ ين : فترك الوظيفة من غير مبررات قانونية يعد خطا تأديبي صرف وارتكاب يعض المخالفات الطفيفة كإلحاق جروح بالغير من طرف الموظف دون قصد يعتبر كذلك تأديبيا صرف. وترتيبا على ما سبق فإن هذا الاستقلال جلى ذلك أن لك مسؤولية شروطها ومبادئها وموضوعها. لذلك فإن السلطة الإدارية من حيث المبدأ غير مقيدة بالوصف الذي يجدده القاضي أثناء المحاكمة للموظف جنائيا، فلها تقديرها الخاص للفعل الضار المرتكب من طرف الاعوان الخاضعين لها، غير أن هذا لا يمنع من وجود ترابط بين الخطأ التأديبي والخطأ الجنائي وذلك من الحالتين التاليتين:

  • .إذا أجريت على متابعة جنائية، فان الإدارة مطالبة بتوقيف مسطرة التأديب إلى أن يصدر نهائيا الحكم وذلك وفقا لما جاءت به الفقرة الخامسة من الفصل 73من القانون الأساسي للوظيفة العمومية، وهذا ما يدل على أن السلطة الإدارية تكون في هذه الحالة مقيدة، غير أنها في إمكانها أن تقرر توقيف موظفها إذا كان الفعل الجنائي يتسم بالخطورة وذلك انتظارا للمحاكمة الجنائية.
  • .إذا أصدر القاضي الجنائي حكما بإدانة الموظف أو عدم إدانته، فإن هذه الحكم يأخذ قوة الشيء المقضي به بالنسبة للسلطة التأديبية. إلا أن الأمر ليس كذلك في حالة تبرئة الموظف من طرف المحكمة الجنائية يناء على أسباب قوامها الشك أو عدم وقائع مادية للجنحة . فالمسؤولية لا ترفع عنه في المجال الإداري إذا كان الخطأ التأديبي قائما وثابتا ([8]).

الفرع الثاني: المسطرة التأديبية

تأخذ المسطرة التأديبية مقوماتها من المسطرة القضائية بحيث تهدف إلى معاقبة الاخطاء المرتكبة من طرف الموظف وفي نفس الوقت من كل إساءة في استعمال السلطة لهذا فهي تخضع إلى بعض الاحكام القانونية وهي ([9]):

، حقوق الدفاع : من المسلم به أنه لا يوقع على الموظف عقوبة تأديبية إلا إذا أحيط تأديبه بضمان حقوقه في الدفاع . ويتجلى هذا في تمكينه من الاطلاع على الاتهامات المنسوبة إليه وذلك قصد التعرف عليها والادلاء بملاحظاته فيها، لذا فان الإدارة يجب أن تحترم مجموعة من الالتزامات في هذا الباب استجابة لمبدأ الشرعية وهي:

  • يتعين عليها أن تحيط علما موظفها بالإجراءات التأديبية المنصوص عليها قانونيا نتيجة للخطأ الذي ارتكبه.
  • أن لا تتغافل عن ذكر الأسباب التي دفعتها إلى إقرار العقوبات .
  • أن لا تتسرع في إصدار قرار التأديب إلا بعد أن تتعرف على الملاحظات التي أدلى بها الموظف المخطئ.

وبدون شك فإن هذه الالتزامات القانونية من شانها أن تضمن له حق الدفاع الذي يعد مبدءا من المبادئ العامة للقانون التي تكتسي صبغة دستورية، لأن الضمانات التأديبية نص عليها الدستور المغربي ووضعها في مجال القانون ([10])، بحيث لا مجال للشك فيها، فعلى الإدارة مراعاتها و ذلك بتمكين الموظف من الاطلاع على ملفه للإسماع إلى أقواله أمام المجلس التأديبي ([11]) الذي لابد من استشارته قبل توقيع أي عقوبة تأديبية في حقه. غير أن هناك حالات يحرم فيها الموظف من التمتع بالضمانات التأديبية و ذلك عند قيامه بإضراب غير شرعي أو عند تركه للوظيفة بدون مبررات قانونية ([12]).

الاطلاع على الملف : يستجيب الاطلاع على الملف من طرف الموظف لاعتبارات أساسية منها أنه من العدالة والانصاف أن يكون هذا الاخير على علم بالمخالفات التي اتهم بفعلها، ومنها كذلك الاطلاع على الملف من شانه أن يسمح بإمكانية الحوار من لأجل الدفاع عن حقوقه لذا فإن السلطة الإدارية مطالبة بتبليغ الملف إلي المعني به، وهذا الأمر هو بمثابة إنذار مسبق قبل إصدار العقوبة على المتهم أما إذا امتنعت هذه السلطة عن ذلك فاَن كل عقوبة تأديبية تصبح غير شرعية بحيث يمكن إلغاؤها من طرف القضاء.

ويلاحظ في هذا الباب أن تبليغ الملف إلى الموظف المتهم بطريقة سرية أي لا يمكن أن يخرج عن نطاق صاحبه الذي له الحق في اللجوء إلى استنساخ نسخة طبق الاصل بالنسبة للوثائق التي يتضمنها الملف.

المثول أمام المجلس التأديبي: إن هذا الشرط أساسي لإضفاء الشرعية على قرار العقوبات وضمانة أساسية نص عليها الفصل 66 من قانون الوظيفة العمومية.

غير أن هذا المثول لا يكتسي صبغة شمولية ذلك أن تدخل هذه الهيئة الإدارية محدود في العقوبات التأديبية الخطيرة، إذن لا حاجة إله اللجوء إليها عندما يتعلق الأمر بعقوبة إنذار أو توبيخ الموظف ما دامت أنها لا تؤدي إلى تأثيرات قانونية على الحياة الإدارية للموظف.

ويشترط في المحاكمة التأديبية أن يكون تشكيل المجلس التأديبي شرعيا بحيث منع قبول أي عضو داخلة تقل درجته عن درجة العون المتهم، وأن يجتمع في الوقت المناسب للنظر في التقرير الكتابي الذي تقدمه الادارة المعنية بالأمر بصفة رسمية والذي يحتوي على جميع الافعال المنسوبة للموظف ([13])، و يمكن لهذا المجلس أن يحضر بعض الشهود أو أن يطلب إجراء بحث إن لم يكتف بالمعلومات المعطاة له عن الافعال المؤاخذ عليها الموظف، وذلك من أجل الادلاء برأيه وجوبا، هذا الرأي الذي يوجه إلى السلطة التي لها حق التأديب في أجل شهر واحد ابتداءا من يوم رفع النازلة إليه أوفي أجل لا يتعد 3 أشهر إذا كانت استشارة المجلس تتطلب القيام ببحث إداري لتكملة التصور ثم لأن حضور الموظف المتهم لفتح المسطرة التأديبية غير ضروري، لكن يستحسن أن يستعين بموظف أو محام يختاره من أجل تقديم ملاحظاته و ضمان دفاعه ([14]) . و مجمل القول فإن رأي المجلس التأديبي وإن كان وجوبا طلبه، فإن السلطة التأديبية ليست ملزمة بالعمل به، وهكذا فإن اعتبرت أن الموظف المتهم يستحق عقوبة أشد من تلك التي اقترحها المجلس، فلا بد أن تطلب المصادقة عليها من طرف الوزير الأول ([15])

توقيف الموظف المتهم : لقد نص قانون الوظيفة العمومية في فصله73 على أن المسطرة التأديبية تضم من بين إجراءاتها إجراء توقيف الموظف المتهم كتدبير تحفظي لكن دون أن يكتسي صفة العقوبة . و يرمي هذا التدبير الى إبعاد المتهم بصفة مؤقتة انتظارا لمحاكمته . ومن المسلم به أن التوقيف يصدر عن السلطة التي لها حق تعيين الموظف . وفي هذا المجال فإن العامل له كذلك الصلاحية بالنسبة للموظفين العاملين بالمصالح الخارجية، غير أنه من اللازم أن يوضح قرار التوقيف ما إذا كان الموظف سيظل متمتعا بالاستفادة من راتبه أو سيتم اقتطاع جزء منه. فمن حيث المبدأ فإن توقيف الموظف لا يمكن أن ينتج عنه التوقيف الكلى للراتب بصفة ألية أو المس بتعويضاته العائلية ([16]).

ومهما كان المر فإن هذه الاقتطاعات ما هي إلا تدابير تحفيظية ذلك أن الموظف الذي لا يخضع لمتابعة جنائية أو تأديبية من حقه أن يسترجع المبلغ الذي تم اقتطاعه ومن حقه أن يشتغل في القطاع الخاص أثناء المدة التي توقف فيها بحيث لا يخضع لأحكام الجمع بين الوظيفتين.

المطلب الثاني: العقوبات التأديبية

إذا كانت معظم التشريعات الوظيفية، لا تأخذ بالشق الاول من مبدأ الشرعية فإنها حاولت أن تأخذ بالشق الثاني و المتمثل في لا عقوبة بدون نص ([17])، بحيث وضعت قائمة من الجزاءات التأديبية أنواع العقوبات التي يجوز توقيعها على الموظفين، هذه العقوبات تتخذ شكلا معنويا أو ماديا له طابع مهني يطبق على الموظف في حالة الاخلال بواجباته الوظيفية.

و قد حدد الفصل 66 من القانون الأساس للوظيفة العمومية العقوبات التأديبية التي تطبق على الموظف في حال ارتكابه لخطا تأديبي على سبيل الحصر وهي:

  • الانذار
  • التوبيخ
  • الحذف من لائحة الترقي
  • تخفيض الدرجة
  • القهقرة من الرتبة
  • العزل من غير توقيف حق التقاعد
  • العزل المصحوب بتوقيف حق التقاعد

وهو ما سنعمل على مناقشته من خلال (الفرع الاول ). وقد أضاف المشرع عقوبات تكتسيان صبغة خاصة وهما:

  • الحرمان المؤقت من كل أجرة .
  • الاحالة الحتمية على التقاعد.

الفرع الأول: العقوبات التأديبية العامة

-المادة 66 من ق. و.ع-

لقد أوردت المادة 66 من ق.و.ع. سبعة عقوبات تأديبية على سبيل الحصر تختلف من حيث الدرجة و الاثر. وفيما يلي توضيح لهذه العقوبات .

.عقوبة الانذار: تعتبر عقوبة الانذار وسيلة أمام الإدارة، ترمي إلى تحذير الموظف ذي التصرف المعيب لتقويم سلوكه، والامتناع عن تكراره حتى لا تترتب على ذلك عقوبات أخرى، و هي تتخذ ضد المخالفات الوظيفية البسيطة التي يرتكبها الموظف.

لذا فإن هذه العقوبة كانت شفوية أو كتابية تعد إجراءا تحذيريا ووقائيا من سلوك معيب، و تجنبا لجزاءات أقوى تطبق على الموظفين الرسميين و المتدربين دون استشارة المجلس التأديبي ([18]). و مما يلاحظ أن عقوبة الانذار ليس لها أثر حاسم على ترقية الموظف أو على راتبه، و إنما يمكن أن تأخذ بالاعتبار في مجال التنقيط عند تقييم كفاءة الموظف من طرف الرئيس.

  • .عقوبة التوبيخ : يقصد بالتوبيخ استنكار سلوك الموظف ولومه على المخالفات التي يقترفها أثناء مزاولة نشاطه داخل الإدارة، و هو يفوق الانذار من حيث درجة جسامته، فهو إجراء مهين يضم نوعا من التحقير والتشهير للموظف لأهماله لواجباته الوظيفية . وعليه فإن التوبيخ بعد عقوبة تأديبية توقعها السلطة الرئاسية للموظف شريطة تسببها وذلك بهدف ردع بعض المخالفات، كما أنها تشكل تنبها موجبا له يحسسه بإمكانية تطبيق عقوبات أشد في حالة العودة لارتكاب الخطأ مستقبلا ([19]).
  • . الحذف من جدول الترقي : أي تأخير الموظف من الارتقاء إلى درجة أعلى من تلك التي يوجد فيها لمدة سنة بحيث يشطب على اسمه في لائحة الترقي السنوي . ومما لا شك فيه أن هذا الحذف يحرم الموظف من مزايا مالية و بالتالي يؤدي حرمانه من الترقية بالاختيار لمدة (سنة)، كما يتسبب له في ضرر معنوي يتمثل في تقديم زملائه عليه في الترقية بعد أن كان …… أو أدني للحصول عليها.
  • وتتخذ هذه العقوبة بعد استشارة المجلس التأديبي، الذي تحال عليه القضية من فبل السلطات التي لها حق التأديب، بتقرير كتابي، يتضمن الافعال التي سيعاقب عليها الموظف والظروف التي ارتكبت فيها.
  • ولقد عبر القضاء المغربي عن موقفه اتجاه هذه العقوبة مؤكدا أنه ليس من حق الإدارة أن تلجا إلى حرمان الموظف من الترقية وذلك بحذف اسمه من لائحتها إلا إذا وجد ما يبرر ذلك ([20]).
  • .الانحدار من الطبقة : يترتب على هذه العقوبة تخفيض رتبة الموظف إلى الدرجة الأدنى منها مباشرة، مما يعرضه إلى فقدان الترقية التي لها في السابق، و تخفيض مرتبته بنسبة هذه الرتبة . مع العلم احتفاظه بحقه في الاستفادة من الاقدمية التي كانت له في الرتبة الاعلى قبل تطبيق هذه العقوبة، وإمكانية ترقيته خلال السنة الجارية غلا أن هذا لا يحصل مادامت هذه العقوبة تؤثر على التنقيط ([21])
  • .القهقرة من الدرجة : يقصد بها نقل الموظف من نطاق الدرجة التي كان يشغلها إلي درجة أدني بنفس الاطار و نفس الاقدمية، و يترتب عليها تنزيل الموظف الذي اتخذت ضده في نطاق درجته الاصلية إلى الدرجة الأدنى منها مباشرة مع احتفاظه بجميع الاقدمية التي حققها في درجته الاصلية و دون أن يترتب على ذلك خروجه من إطاره إلى اَطار أخر، لكن رغم أهمية العقوبة فإن الواقع العملي قد أتبث عدم تطبيق هذه العقوبة نظرا لما يكتنفها من غموض وما يترتب عليها من أخطار ([22]).
  • العزل من غير توقيف حق التقاعد ([23]): تعتبر هذه العقوبة من أشد العقوبات التأديبية التي تلحق الموظف ذلك أن هدفها يرمي إلى قطع الصلة بينه و بين الإدارة التي يعمل لديها. وقد تلجا الإدارة إليها بإرادتها المنفردة و بحكم سلطتها التقديرية علما أنها ملزمة بتعديل قرارها ومطالبة بأخذ رأي المجلس التأديبي وذلك لما آها من تأثيرات جسيمة نفسية ومالية على الحياة الإدارية للموظف.

فالموظف المعزول ترفع عنه ولايته الوظيفية و ذلك في شكل حرمان نهائي من الاستمرار مباشرة في الوظيفة أو العودة إليها مدى الحياة باستثناء حقه في المعاش و ذلك لعدم النص على الحرمان منه في هذه العقوبة التأديبية ومن تم فإنه من المسلم به أن عزل الموظف الدي ترك عمله بدون مبررات قانونية لا يمكنه من التمتع بالضمانات التأديبية.

  • العزل المصحوب بإيقاف حق التقاعد: تعتبر هذه العقوبة أقسي درجات الجزاء التأديبي بحيث جعلها المشرع في نهاية اللائحة التصاعدية للعقوبات التأديبية التي يمكن توقيعها على الموظف المخطئ، نظرا للآثار الخطيرة التي تترتب على تطبيقها ماديا أو معنويا لا بالنسبة للموظف المعني فحسب بل تمتد تبيعاتها كذلك لأسرته نظرا لكونها تقصيه عن المجال الوظيفي حالا و تحرمه من الحق في المعاش مألا. ولذا فإن اللجوء إلى هذه العقوبة القاسية من طرف الإدارة لا يتم في أحوال نادرة كارتكاب خطا جسيم جدا كما هو الحال بالنسبة للمس بالمقدسات مثلا ([24]).

وعلى كل حال فإن عقوبة العزل ([25]) تعد عقوبة قاسية تمس الموظف في مركزه الوظيفي والاجتماعي والمالي. لذلك فإن القضاء حرص كل الحرص على أن يكون قرار العزل معللا بحجج قانونية.

الفرع الثاني : العقوبات التأديبية الخصوصية

أضاف المشرع المغربي لإلى قائمة العقوبات السابقة الذكر نوعين من العقوبات الخاصة وهما:

  • .الحرمان المؤقت من كل الاجرة : باستثناء التعويضات العائلية، وذبك لمدة لا تتجاوز ستة أشهر، و تعتبر هذه العقوبة من العقوبات المالية المباشرة، وهي تنصب مباشرة على المرتب الذي يحرم منه لمدة مؤقتة .و نظرا لخطورة هذه العقوبة، فقد قيدت السلطة التأديبية بعدة شروط أثناء توقيعها، حيث وضع المشرع حدا أقصى لمدة الحرمان لا تتجاوز 6 أشهر، ولقد استثنى المشرع من هذا الحرمان التعويضات العائلية ([26]).
  • .الاحالة الحتمية على التقاعد: تعد هذه العقوبة أشد العقوبات التأديبية لكونها تنهي الرابطة الوظيفية و هي تختلف عن الإجراءات التي تتخذها السلطة الإدارية، عند بلوغ الموظف سن التقاعد أو عند تقدمه بطلب ذلك، إلا أن تطبيق هذه العقوبة، لا يتم إلا بالنسبة للموظفين الذين استوفوا الخدمة اللازم توفرها وفقا لنصوص قانون التقاعد.

وفي الأخير ينبغي الإشارة إلى أن الفقه يقسم العقوبات التأديبية التي نص عليها المشرع في الفصل 66 من قانون الوظيفة العمومية إلى:

  • جزاءات معنوية ([27]): كالإنذار و التوبيخ.
  • جزاءات مادية ([28]): كالحذف من لائحة الترقي والانحدار من الطبقة و القهقرة من الرتبة.
  • الجزاءات المؤدية إلى إنهاء التوظيف ([29])

المبحث الثاني:

الطعون المطبقة لمواجهة قرارات التأديب

ليس من الغريب أن تتعسف الإدارة في استعمال سلطتها التأديبية و تتخطى المشروعية في اتخاذ قرارات العقوبات ضد موظفيها. لذا فإن الرقابة على إجرائها أصبحت اليوم تشكل وسيلة لحماية أعوان الدولة كيف ما كانت و وضعيتهم الإدارية . و قد حدد المشرع المغربي في مجال التأديب ثلاثة أنواع من الرقابة : تتخذ الاولى طبيعة إدارية والثانية متمثلة في رقابة المجلس العلى للوظيفة العمومية (المطلب الاول )، أما النوع الثالث من الرقابة فقد اتخذ صبغة قضائية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الرقابة الإدارية

تقوم الرقابة الإدارية على نوعين من الرقابة الاولى داخلية و هي تلك التي تقوم بها الادارة بشكل ذاتي لمراجعة قراراتها اللاشرعية (الفرع الاول )، و الثانية خارجية و هي تلك التي يقوم بها المجلس العلى للوظيفة العمومية (الفرع الثاني ).

الفرع الأول: الرقابة الإدارية الداخلية

تبدو الرقابة الإدارية الداخلية على إجراءات التأديب وسيلة ذاتية بحيث تقوم الإدارة بنفسها لمراجعة أعمالها اللاشرعية وذلك قبل أن تتدخل العدالة في شؤونها. وفي هذا السياق يقوم الموظف بطعن إداري سواء أمام موقع قرار العقوبة ويسمى هذا تظلما استعطافيا أو أمام السلطة الرئاسية التي لها الصلاحية في مراقبة أمال المرؤوس، ويسمى هذا تظلما رئاسيا. و مهما كان التظلم الإداري فإنه يتطلب من الموظف أن يلتمس من الإدارة مراجعة قرارها أو سحبه و ذلك في مدة لا تتعدى ستين يوما ابتداءا من تاريخ التوصل به، فإذا اقتنعت هذه الاخيرة بصحة التظلم المقدم فإن النزاع ينتهي بدون أن يطرح أمام القضاء.

و نشير أن هذا الموقف المؤلف لا يرمي إلى التعمق في موضوع التظلم الإداري الذي تناوله كثيرا من الادبيات القانونية بالدراسة و التحليل، و بقدر ما يسعى إلى الالمام به بصفة موجزة ذلك أن استعماله أصبح اليوم اختياريا بعد أن كان إجباريا، بحيث يعد وسيلة قانونية توفر الوقت و المال للطاعن و تفض النزاع بطريقة إنسانية و بالتالي تبعد عنه طريقة التقاضي أمام العدالة.

إن تطوير مفهوم اختصاصات الرقابة الإدارية و تفعيل دورها و جعلها لا تقتصر على مراقبة احترام القوانين و التنظيمات و العمليات المنجزة، والاهتمام بالجانب الزجري والبحث عن الاخطاء و الانحرافات، بل يجب أن يهتم كذلك بالجانب الوقائي بالمسأهمة في توضيح البرامج وإعداد القواعد الاجرائية و تبسيطها، واعتبار الرقابة الإدارية عملا عاديا و مستمرا يشمل كل المستويات بصفة منتظمة، وليس عملا استثنائيا لا ينطلق إلا عندما تكون الشبهات والتبليغ بالمخالفات، و لتحقيق هذا المبتغى، فإن الأمر يقتضي وجود قيادة رشيدة وسليمة، تسهر على وجيه العنصر البشري توجيها سليما و متناسقا نحو تحقيق الاهداف المنشودة من الرقابة.

الفرع الثاني : رقابه المجلس الأعلى للوظيفة العمومية

تتخذ رقابة المجلس الاعلى للوظيفة العمومية شكل طعن يقدم لهذا المجلس، وبعد هذا الطعن أمام هذه الهيئة وسيلة إدارية أخرى رهن إشارة الموظف مكنه منها المشرع للدفاع عن حقوقه ([30]).

وكما هو معلوم فإن المجلس الاعلى للوظيفة العمومية له صلاحيات عامة تتعلق بجميع المسائل التي لها صلة بهذا القطاع، لكن ما ينبغي الإشارة إليه هو ضرورة العمل على تحريك الاختصاصات التي يتمتع بها المجلس و توسيعها في المجال التأديبي، و جعله أداة أساسية تنظر في تظلمات الموظفين كمرحلة استثنائية في حالة حدوث خلاف بين المجلس التأديبي و الادارة بشان الجزاء المقترح كما هو الشأن بالنسبة للنظام الفرنسي ([31]).

إضافة إلى أنه يختص بالنظر في نطاق التأديب و بالتالي إعطائه أراء في مجال العقوبات . و من تم فهو بمثابة هيئة يلجا إليها أيضا إذا زاغ رأي السلطة التأديبية عن رأي المجلس التأديبي وقرارات عقوبة جسيمة من غير أن تعبر السلطة التأديبية عن رأي المجلس التأديبي. وقررت عقوبة جسيمة من غير أن تعير اهتماما بمشروعيتها أو بملاءمتها ([32]).

ويرفع هذا الطعن خلال أجل ثلاثين يوما ينطلق احتسابها ابتداءا من يوم تبليغ قرار العقوبة للموظف المعني من طرف الإدارة و ذلك على أساس أن لا يكون موضوع الطعن يتعلق بإنذار أو توبيخ أو حذف من لائحة الترقي وإنما العقوبات التي تعتبر قاسية وصارمة.

وعلى المجلس أن يقوم ببحث في النزاع ليحدد رأيه الاستشاري فيما إذا كانت العقوبة غير مناسبة يجب تعديلها أو إلغاؤها بحيث أنه مطالب بإرسال تقرير إلى الوزير المعني بالموظف الذي له القول في ذلك. ولذا فإن العقوبة لا يمكن أن تكون سارية المفعول بعد معرفة موقف الوزير من طرف الطاعن . و يؤسف أن هذه الطريقة على الرغم من كون المجلس قد شرع في مباشرة مهامه مع متم سنة 2002 لا زالت نظرية، وهذا راجع لحداثة عمل هذه المؤسسة.

المطلب الثاني : الرقابة القضائية في مجال التأديب

من المسلم به أن الطعن القضائي في مجال التأديب يحتل مكانة مهمة في المنازعات الإدارية بحيث يأخذ نصيب الاسد في مجموعة الاحكام التي تصدر عن المحاكم الإدارية و ذلك لما له من ضمانة وحماية حقوق الموظفين . فالقضاء الإداري المغربي مثله مثل القضاء الفرنسي يبيح للموظف المعاقب تأديبيا أن يلجا إليه لمحو العقوبة والحصول على التعويضات المترتبة عن الاضرار التي لحقته من جراء تعسف الادارة و تجاوز سلطاتها.

فهو بذلك يشكل وسيلة فعالة لضمان حقوق الموظفين.

وقد نظم المشرع المغربي الرقابة القضائية في صورتين (الفرع الاول )، لكن هذا النوع من الرقابة لم يخل من حدود ومعيقات تعيق العمل (الفرع الثاني ).

الفرع الأول: صور الرقابة القضائية

تحت الرقابة القضائية في مجال التأديب صورتين لا مجال للتفصيل فيهما، لكن سنقتصر على فعالية كل واحدة منها فقط وهما:

.دعوى الالغاء: لقد قامت الغرفة الإدارية للمجلس العلى أحدث بمقتضى ظهير27/09/1957 أي في أوائل الاستقلال بالنظر في العديد من القضايا التي لها ارتباط بمجال التأديب بحيث بعد عملها ثروة قانونية في هذا المجال ترصع رفوف الخزانة القانونية للمغرب، و مفخرة يمكن للمغرب أن يتباهى بها أمام الرأي العام كوسيلة لدعم دولة الحق و القانون . ولقد تم تتويج الرقابة القضائية باستثناء المحاكم الإدارية سنة 1990جعلت المغرب يلج في نظام الازدواجية الذي من أهدافه تقريب الموظفين من العدالة، وهذا العمل تطمئن له النفوس و تنشرح له الصدور

و تتسم دعوى الالغاء بانها دعوى القانون العام تهدف إلى إبطال القرارات الإدارية و منها قرارات التأديب إذا كانت عديمة الشرعية بحيث يمكن القول أن القضاء الإداري المغربي أصبحت بابه مفتوحة في وجه أي قرار إداري صادر عن سلطة إدارية و ذلك دونما حاجة إلى نص صريح في القانون بذلك.

لذا فإن كل موظف ترض لعقوبة تأديبية له الحق في القيام بطعن قضائي قصد إلغائها إذا كانت تتسم بعدم الشرعية وللقاضي الإداري في هذا المجال سلطة واسعة ذلك أن القانون يبيح له إمكانية التحقيق في ما إذا كانت القواعد المتعلقة بالاختصاص أو الشكل قد احترمت وخاصة هل الملف قد وضع تحت تصرف الموظف المعاقب بجميع وثائقه قصد الاطلاع عليه، وهل هناك انحراف في استعمال السلطة بحيث في الامكان أن تعتبر الإدارة مثال أن قرار انتقال الموظف من مكان إلى مكان في استعمال السلطة في الامكان أن تعتبر الإدارة مثلا أن قرار انتقال الموظف من مكان إلى مكان لبس بعقوبة تأديبية كما يظن الموظف و إنما إجراء إداري عادي فقط إلى غير ذلك من العيوب التي تخل بمبدأ الشرعية.

كما أن دور القاضي الإداري يرمي إلى التأكد من الوجود المادي للاتهامات كما جرى العمل بذلك في عدة أحكام و منها حكم بن شقرون بتاريخ 1958/12/14 أو التحقق في مدى تكيف الافعال المنسوبة إلى الموظف المعاقب.

وفي بعض الاحيان يمكن أن يفرض القاضي رقابة على الملاءمة في قرارات التأديب كلما تحقق من وجود اختلال في التناسب بين الإجراءات المتخذة والظروف الواقعية و ذلك في الحالة التي تتجاوز فيها الغدارة الحد المعقول في إصدار قراراتها.

على كل حال، إذا أثبتت المحكمة الإدارية أن قرار التأديب يشوبه عيب من عيوب الشرعية يتعين عليها أن تقرر إلغاءه . و ينتج عن ذا الالغاء إرجاع الموظف إلى وضعيته الاصلية واستفادته من التعويضات اللازمة، وفي حالة رفض الإدارة أداء التعويضات تقاضي أمام المحاكم الإدارية.

  • .دعوى التعويض أو دعوى المسؤولية : ترمي هذه الدعوى في مجال التأديب إلى الحصول على التعويضات اللازمة من طرف الموظف الذي له أضرار نتيجة لعقوبة تأديبية غير شرعية ألغاها القضاء وخاصة العقوبة الجسمية كالطرد. فمن العدل والانصاف أن يعوض الموظف على الافعال الضارة الناجمة على قرار العقوبة الملغى تعويضا ماديا ومعنويا بحيث أن جميع حقوقه ترجع إليه.

وفي هذا السياق، فإن الادارة مطالبة بالتعويض كذلك في حالة سحبها لقرار تأديبي ذلك أن هذا الاخير أصبح كانه لم يوجد أصلا.

ومجمل القول أن العقوبات التأديبية التي توقع على الموظف يجب أن تكون عقوبات قائمة على أسس و قواعد قانونية وإدارية وليست عقوبات قمعية وزجرية أن يستهدف منها الموظف من أجل تعويده على احترام الضوابط المتعلقة بمزاولة مهامه والتفاني في أدائها نطاق السلوك الحسن والاخلاص الدائم لذا يجب إجراء التأديب بسياج من الضمانات القانونية

الفرع الثاني : محدودية الرقابة القضائية

بالنظر إلى الاجتهادات القضائية في المجال التأديبي، نلاحظ أن الرقابة القضائية تعرف العديد من النواقص التي من أمية الضمانات التي تهدف إلى إقرارها بل أحيانا تفرغها من مدلولها، وهذه العيوب تشكل جملة من الثغرات، والتي يمكن إجمالها في النصوص المنظمة للرقابة القضائية، وكذا طبيعة المسطرة القضائية المعقدة، بالإضافة إلى تعنت الادارة اتجاه عدم تنفيذ الاحكام القضائية، الأمر الذي يستدعي تدخل المشرع لوضع نصوص قانونية لمعالجتها، ومن جهة أخرى تقتضي من القاضي التحلى بالحزم ومراجعة مواقفه، حتى يتسنى لهذه الرقابة أن تؤدي وظيفتها في تدعيم عنصر الضمان في قضاء التأديب و عليه، فإن تجاوز النواقص المشار إليها، يقتضي تجنب لبعض السلبيات ولإقرار بعض الامور الايجابية.

إن الرقابة القضائية تكتفي بالمراقبة المادية للواقع و تكييفها القانوني دون أن تتعدى ذلك إلى النظر في جوانب الملائمة فيما يخص تقرير العقوبة المناسبة، وهو ما يضفي صبغة هيمنة سلطة الغدارة على اتخاذ القرارات التي تراها مناسبة دون تعقيب وبهذا يكون القاضي قد أخل بمهمته القائمة على أساس التحكيم بين مستلزمات العمل الإداري، وصيانة حقوق الموظفين، والبحث عن إيجاد صبغة للتوازن بما يكفل حسن تسيير الإدارة و ضمان حقوق الموظفين، وهذا السلوك من شانه أن يقف أمام التطور القضائي في القطاع العمومي، و هو ما صار يشكل أهم انشغالات الغدارة السنين الأخيرة، بحيث يعتبر إنشاء المحاكم الإدارية في مختلف الجهات المغربية دليلا على الأزمة التي تتخبط فيها الغرفة الإدارية أثناء نظرها في القضايا المعروضة عليها، ومنها القضايا التأديبية، و بالرجوع إلى حصيلة هذه الغرفة، نلاحظ أن ما يقرب 70 % من تدخلاتهم قضايا الموظفين، وهو الشيء الذي يفسر مدى الدور الكبير الذي تلعبه هاته الغرفة في مجال التأديب.

إن مصداقية الاحكام القضائية، و تحقيق فاعليتها يرتبط بعملية التنفيذ، التي تعتبر أهم مرحلة باعتبارها السبيل المؤدي إلى جني ثمار الحق الذي يسعى الموظف إلى اكتسابه.

خاتمة

إن إدخال مبادئ علم الادارة المجال التأديبي، باعتباره أداة رئيسية لمعرفة وكشف الأسباب الحقيقية التي تؤدي إلى اقتراف الاخطاء التأديبية من طرف الموظف العمومي وذلك للتحقق من الوسائل الناجعة التي تقلص من حجم الاخطاء التأديبية لأنه مهما كان المر لا يتصور القضاء عليها وهذا يقتضي من الادارة المغربية أن تتجاوز التراكم المعرفي لتصل إلى مرحلة التنظير والانتقال من المقترب القانوني إلى المقترب العلمي الشمولي.

إن الاهتمام بالعنصر البشري باعتباره أساسيا من عناصر تقدم الإدارة وحسن اضطلاعها بأعبائها التقليدية ومهامها المتنوعة بحيث إن الوقوف على أفضل قواعد الادارة واستخدام أحسن المعدات والادوات لا يمكن أن يؤدي إلى حسن سير الإدارة وانتظام أعمالها لم يكن العاملون فيها على جانب لائق من الكفاءة والدراية و ذلك بتكوينهم تكوينا سليما يستطيعون من خلاله أن يواكبوا التطورات التي تلاحق الإدارة الحديثة.


[1]ظهير شريف رقم 1.58.008 المعتبر بمثابة القانون الأساسي للوظيفة العمومية ، منشور بالجريدة الرسمية عدد 2372 بتاريخ 11 أبيرل 1958 ص 914 و ما بعدها

[2]الاستاذ حميد قهوي: عوائق الاصلاح السياسي والاداري في اقتصاد الوظيفة العمومية المغربية ، المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية عدد 18 سنة 1997 صفحة 30.

للتوضيح أنظر تقرير البنك الدولي حول الإدارة المغربية لسنة 1995

[3]د.سليمان الطهاوي : القضاء الاداري الاول ، قضاء الالغاء، دار الفكر العربي القاهرة 1987 ، ص 153.

[4]الفقرة الأولى من الفصل65من القانون الأساسي للوظيفة العمومية “تختص بحق التأديب ، التأديب السلطة التي لها حق التسمية…”

[5]سليمان الطماوي ، قضاء التأديب، الكتاب التلث، دراسة مقارنة 1979،دار الفكر العربي القاهرة ، صفحة 217.

[6]حكم الاسماعيلى المهدي العلوي بتاريخ 8/12 / 1965 ، مجموعة الاحكام الإدارية للمجلس الاعلى ، صفحة 218

[7]عزيزة شريف ، النظام التأديبي علاقته بالأنظمة الجزائية الأخرى، دار النهضة القاهرة ، طبعة 1988 ، صفحة 316.

[8]محمد حركات ، مظاهر الفساد الداري و تداعياته ، المجلة المغربية للتدقيق ولتنمية ، عدد 11. سنة 2001. صفحة 114

[9]محمد عصفور، جريمة الموظف العام و آثارها على الموظف التأديبي، دار الجيل القاهرة 1989، صفحة 40

[10]الفصل 46 من الدستور المراجع لسنة 1996

[11] ينص الفصل 67 من القانون الأساسي للوظيفة العمومية علي أن ” الموظف المتهم له الحق أن يضطلع علي ملفه الشخصي بتمامه وعلي جميع الوثائق الملحقة….”

[12]حكم الغرفة الإدارية للمجلس الأعلى بتاريخ 9/7/1960 قضية السيد إدريس بن العباس الصقلي، مجموعة الأحكام الإدارية، صفحة 138.

[13]رضوان بوجمعة ، الوظيفة العمومية المغربية على درب التحديث ، مطبعة النجاح الجديدة /البيضاء، صفحة 98.

[14]منشور وزاره الوظيفة العمومية رقم 7 بتاريخ 27/ 03/ 1967

[15]رضوان بوجمعة ، مرجع سابق ، صفحة 269.

[16]حكم السيد جعفر محمد بتاريخ 1965/12/22- مجموعة الأحكام الإدارية (سنة 1970-1966)

[17]عبد الواحد العلمي ، المبادئ العامة للقانون الجنائي المغربي، مطبعة دار النجاح الجديدة الدار البيضاء، طبعة 1998. الصفحة 78

[18]عبد الحق عقلة ، مدخل لدراسة القانون وعلم الإدارة، -الجزء الثاني- نشاط الادارة ووسائلها، مطبعة دار السلام الرباط ، طبعة 1995. صفحة 153 .

[19]مليكة الصروخ ، سلطة التأديب في الوظيفة بين الإدارة و القضاء، دراسة مقارنة ، مطبعة الجبالوي القاهرة ، الطبعة الاولى 1984، صفحة 54.

[20]قرار المجلس الأعلى، عدد 41 بتاريخ 17/03/1972-نباتي محمد المهدي ضد الوزير الاول و من معه مجموعة الاحكام الإدارية 1972، صفحة 20.

[21]إسماعيل صفاحي، التأديب في المجالين الاداري و العسكري ، أطرحة لنيل الدكتوراه في القانون العام ، جامعة محمد
الخامس ،الرباط/أكدال. السنة الجامعية 2000-2001، صفحة 97

[22]لا يمكن تطبيق عقوبة القهقرة من الجدرجة دون إخراج المظف المعن إطاره الأصلي، و في حالة أخراجه من هدا الاطار فإن ذلك سيشل خرقا للنصوص القانونية لتي تنض على الواجب من أجل ولوج سلكين في التسلسل الإداري.

[23]للعزل تسميات مختلفة من أهمها: الطرد من الوظيفة ، الشطب من الكادر الوظيفي، الاقصاء من الخدمة ، الحرمان من شغل الوظائف العمومية.

[24]رضوان بوجمعة ، مرجع سابق ، صفحة 273

[25]ينص الفصل 76من القانون الاساسي للوظيفة العمومية على أن العزل “الانقطاع النهائي عن العمل والذي يؤدي إلى حذف الموظف من أسلاك الادارة وفقده صفة الموظف ” ، وهو من جهة أخرى إجراء إداري يتخذ في معظم الحالات طابعا تأديبيا، وإن كان في بعض الحالات يكون لأسباب صحية

[26]إسماعيل صفاحي ، مرجع سابق ، صفحة 99.

[27]هي عبارة عن تحذير وقائي تمارسه الإدارة في مواجهة موظفيها إذا ارتكب أحدهم خطا بسيط أو ظهرت عليه بوادره

[28]و هي العقوبات المالية التي تستهدف حرمان الموظف بطريفة غير مباشرة من المزايا الوظيفية كالترقية ……

[29]وهي العقوبات التي تسعى لإبعاد الموظف عن وظيفته ، فتؤدي إلى إنهاء رابطة التوظيف بينه وبين الإدارة.

[30]رضوان بوجمعة ، مرجع سابق ، صفحة 276

[31]إسماعيل صفاحي ، مرجع سابق ، صفحة 363.

[32]رضوان بوجمعة ، النظام التأديبي و موقف المجلس الاعلى : منشورات بالمجلة المغربية للقانون والاقتصاد و التنمية ، العدد 17، السنة 1987.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading