الأسس الثقافية للجهـوية الموسعة

 أحمد عصيد

يطرح موضوع الجهوية الموسعة تحديا كبيرا على النخب السياسية والمدنية المغربية، حيث يدعوهم جميعا إلى التفكير بشكل مختلف في مغرب ممكن خارج النموذج التقليدي للدولة الوطنية المركزية، وهو أمر من الصعوبة بمكان اذا علمنا بأن معظم هذه النخب قد تربت على مدى نصف قرن على ثوابت الدولة المركزية وبديهياتها السياسية والإيديولوجية، أي أن معظم الفاعلين الرئيسيين هم بشكل أو بآخر أبناء “الجاكوبينيزم”، وخاصة منهم المثقفون.
ومن المفارقات أن ضعف إلمام نخبنا بموضوع الجهوية الموسعة والمتقدمة، ومحدودية الطروحات التي بلورتها حتى الآن بهذا الصدد، والتي عكستها الأحزاب السياسية التي تقدمت بمقترحاتها إلى اللجنة الاستشارية المكلفة بالموضوع، لا يتلاءم مع واقع التردي العام الذي ترجع أسبابه العميقة في شتى القطاعات إلى التمركز المفرط للدولة، وهذا معناه أن الطبقة السياسية المغربية والنخب المدنية ظلت تحاول إيجاد الحلول للمشاكل المطروحة والأزمات المتلاحقة من داخل النسق السياسي نفسه الذي كان مسؤولا عنها.
ولعل المشكل لا ينحصر هاهنا في مدى قدرة النخب المغربية على استيعاب التحديات الجديدة والتفكير فيها، بل يخصن أيضا -وهذا أمر على قدر كبير من الأهمية – مدى قدرتها على تأطير الساكنة وتحسيسها بأهمية المشروع الجديد وأعدادها للانخراط فيه، هذا اذا افترضنا توفر إرادة فعلية لدى السلطة لإقرار جهوية موسعة حقيقية، وان لم يكن الأمر يتعلق فقط بتدبير سياسي ظرفي لملف الصحراء الذي اعتبر منطلقا لهذا النقاش بعد مبادرة الملك باقتراح الحكم الذاتي كحل سياسي لهذه القضية.
إن أولى المنطلقات في اعتقادي لإنجاح سياسة جهوية موسعة بالمغرب تبدأ من الجهات ذاتها، بإشراك أكبر قدر من المواطنين في هذا الورش الكبير والهام بالنسبة لمستقبل المغرب، فمعضلتنا اليوم في هذه المرحلة من تاريخنا تكاد تتلخص في أننا “”نخبة في حالة شرود”، حيث مضينا قدما في معالجة تفاصيل إشكاليات التحديث والدمقرطة تاركين المجتمع وراء ظهورنا تؤطره قوى التقليد في إطار نزعة نكوصية مناقضة لقيم الديمقراطية. وهذا ما يجعل أولى الأولويات العمل في عمق المجتمع من أجل تغيير العقليات، وجعل النسبة العظمى من المواطنين على بينة من الرهانات الحالية، ومنخرطة في الدينامية الجديدة المطلوبة لإنجاح الانتقال نحو الديمقراطية.
ثاني المنطلقات أن تكون ثمة قناعة مبدئية بإمكان الانتقال مع الجهوية الموسعة إلى نموذج للدولة مغاير لنموذج الدولة الوطنية المتمركز، ذلك أن عدم وجود استعداد مبدئي لهذا الانتقال، واستمرار التشبث ب “”ثوابت “” النموذج السابق سيؤدي حتما إلى الالتفاف على سياسة الجهوية وتحجيمها ثم خنقها دون أن تعطي الثمار المرجوة.
وثالث المنطلقات هو ملحاحية اعتماد العنصر الثقافي في مشروع الجهوية الموسعة كعنصر جوهري بجانب العناصر التي تحظى بالأولوية، حيث يلاحظ في النقاش الدائر حول الجهوية منذ شهور أن المتناظرين يميلون إلى التركيز في نقاشهم على أسباب التنمية المادية في الجوانب الاقتصادية، المالية والإدارية والتقطيع الجغرافي، إلخ…
وهو ما يظهر تبرم الناس من التهميش الاقتصادي الخطير لعدد كبير من الجهات التي ظلت مدة غير يسيرة خارج المشروع الوطني للتنمية، كما يظهر أيضا مقدار تهميش الثقافي وهامشيته في مشاريع الدولة.
ونرى بهذا الصدد أن من المعضلات الكبرى للدولة المغربية حاليا عدم القدرة على البث عبر نقاش متعدد المستويات في “”هويتها””، وهو ما يمكن أن يسائل الثقافة الرسمية عن مدى توفيرها للأسس العميقة للديمقراطية في النفوس والأذهان والقيم، ذلك أن الثقافة لا تطرح إلا عندما تتوفر الإرادة الواضحة لخدمة الإنسان باعتباره قيمة القيم، ولكونه غاية في ذاته أي كائنا ذا “”كرامة”.
في هذا الصدد سأحاول أن أركز في موضوع الجهوية على الأسس الثقافية التي عادة ما يتم إغفالها، والتي في حالة عدم توفرها سيظل مشروع الجهوية مجرد تقنيات إجرائية بدون “”روح”، مما قد يفرغ الجهوية من معناها العميق، ذلك لأن الجهة ليست مجرد امتداد مادي بل هي أيضا شخصية ثقافية وعبقرية تأسست في التاريخ.
1. الخصوصية المنفتحة كأساس للتقسيم الجهوي:

تتحدد الجهة ثقافيا من خلال مجموعة من الخصوصيات الثقافية واللغوية الغالبة في النسيج الاجتماعي للجهة، ونقول الغالبة لأنه لا توجد جهة في المغرب يمكن القول عنها إنها ذات ثقافة “”خالصة””، غير أن التخوف الذي يعبر عنه السياسيون هو في أن تتحول الجهة عبر تكريس الخصوصيات السوسيوثقافية إلى “”غيتو”” (Getto) مغلق يقوم على بعث النعرات القبلية المضادة للوحدة الوطنية الجامعة. والحقيقة أن الخصوصية نوعان اثنان: خصوصية منفتحة وخصوصية منغلقة، والفارق بينهما أن الأولى تفاعلية تعيش جدلا عميقا بين مكوناتها وباقي المكونات الأخرى عبر دينامية الأخذ والعطاء الذي يشكل مصدر اغتناء وإغناء، بينما تنزع الثانية نحو التقوقع والعزلة ونبذ الآخر والخوف من “الاختراق”، مما يؤذي إلى إضعافها بسبب وقوعها في الجمود والعزلة.
إن جدل الجهوي والوطني والكوني يتحقق عبر هذه الهوية المنفتحة التي تتداخل فيها عناصر إنسانية بين هذه المستويات الثلاثة، حيث يشعر المواطن بتراتبية الانتماء إلى الجهة والى الوطن وإلى الإنسانية عبر قيم تتبادل الأخذ والعطاء بشكل عميق، بسبب توفرها على نفس العناصر الإنسانية التي تتخذ تلوينات مختلفة لكنها لا تفقد طابعها الإنساني.
يتضح مما سبق أن الخصوصية الثقافية بمعناها المنفتح والتفاعلي عامل نهضة حقيقي بالنسبة للجهة، لأنها تمكن من تقوية اللحام الاجتماعي والانسجام المطلوب بين السكان في إطار الجهة، وهي الروابط التي تشكل دينامو الإنتاجية الاجتماعية المحققة للتنمية.
يجعل هذا من الخصوصية الثقافية أحد المنطلقات العقلانية للتقسيم الجهوي ألأمثل، خاصة إذا كان الهدف من الجهوية الموسعة هو إنجاح مشاريع التنمية بشكل أفضل، وهو ما سيسمح بتجاوز التقسيم الجهوي الحالي ( 16 جهة) المبني على
هواجس أمنية ضيقة، وإفساح المجال للجهات التاريخية التي قد لا يتعدى عددها ست جهات كبرى.
2. التاريخ الاجتماعي المحلي:

من البديهي أن إقرار جهوية موسعة، والذي من شأنه أن يتجاوز عوائق وحدود الدولة المركزية، سيتطلب قراءة جديدة لتاريخ المغرب خارج الرواية الرسمية للتاريخ، هذه الأخيرة التي كانت تمر من العاصمة نحو الجهات عبر القنوات التي تحتكرها السلطة (التعليم، الإعلام، الخطب الرسمية، الإدارة)، والتي كانت تهدف إلى تقوية شرعية السلطة عبر التركيز على معطيات ورموز وإخفاء أخرى وتغييبها. أن الحاجة إلى رواية معينة للتاريخ إنما تكون ملحة في غياب الآليات الديمقراطية أو في حالة هشاشتها، بينما يقتضي الانتقال إلى الجهوية الموسعة، التي هي أحد أشكال التدبير الديمقراطي المعقلن، التخلي عن الشرعية القائمة على انتقاء عناصر تاريخية أو صناعة رموز الهوية حسب حاجات الدولة المركزية، واعتماد التاريخ الاجتماعي المحلي الذي من شأنه أن يعرف بالجهات بشكل أكثر عمقا ووضوحا، ويسمح بإعادة كتابة تاريخ المغرب انطلاقا من الجهات، فإذا كانت لسياسة المركزية التأحيدية حاجاتها، فإن للديمقراطية التعددية حاجاتها أيضا، وأولها المعرفة.
ومعلوم أن من شأن التاريخ الاجتماعي المحلي أن يعيد الاعتبار لرموز الجهات وأبطالها وشخصياتها التاريخية وأعلامها وتوبونيمياها الأصلية، وهو عمل من شانه أن يعمق المعرفة بالجهة والاعتزاز بالانتماء إليها، وعبرها بالانتماء إلى المغرب، كما أن من شان هذه الدينامية أن تخلق مناخا ثقافيا حيويا عماده البحث والاكتشاف والتجديد.
لقد ظهرت هذه الرؤية في وقت مبكر لدى بعض أعضاء النخبة المغربية منذ فترة الحماية وفجر الاستقلال، وكان منشأها الغيرة ونعرة الانتماء إلى جهة أو مدينة، فألف المختار السوسي “”المعسول ” في تاريخ سوس، وكتب محمد داوود عن تاريخ تطوان، وعبد الرحمان بن زيدان عن تاريخ مكناس، والصديقي عن الصويرة، إلخ، غير أن الدولة المركزية التي تأسست على النمط اليعقوبي الفرنسي جعل هذا الاهتمام بالتاريخ المحلي يتوارى وراء هموم تقوية رموز الدولة المركزية، وأصبحت الجهات هوامش لمركز محظوظ، وأضحى الاهتمام بها مضيعة للوقت وعملا لا طائل من ورائه في سوق الممتلكات الرمزية الذي وضع الأشياء في تراتبية تخضع لأولوياته الخاصة.

وفي اطار التوجهات الجديدة نحو جهوية موسعة سيكون بعث هذه الروح الإيجابية التي تحسن الربط بين ما هو محلي وجهوي وما هو وطني جامع، أمرا ضروريا.
لقد آن الأوان أن نعيد للجهات شخصيتها الثقافية التي ترسخت على مدى قرون طويلة، وأصبحت تمثل بصيغة ما “عبقريتها””، والتي تميزت بتجارب فريدة في الديمقراطية المحلية في السياق التقليدي، وأن نمنحها إمكانية الإسهام التنموي في سياق جديد هو السياق العصري الديمقراطي الذي يتجاوز القبيلة إلى المفهوم الحديث للجهة، كما يتجاوز الروابط التقليدية إلى الرهانات التنموية الحالية.
ومن هنا نلح على أهمية إعادة تقسيم الجهات على أساس التكامل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، في اطار المنافسة الشريفة بين الخصوصيات المنفتحة على الإطار الوطني، وهو ما يحول دون تحويل الجهات إلى إطارات مغلقة، ويمكنها بالتالي من التبادل التضامني والتفاعل المطلوب فيما بينها.
3. جهوية النظام التربوي:
كانت الدولة المركزية قد أقامت منظومتها التعليمية منذ الاستقلال على قيم وطنية مركزية، وعلى رموز موحدة كان الهدف منها خلق الشعور بالولاء المشترك للدولة، مما أضعف حضور الجهات في المدرسة وغيب الخصوصيات المحلية وأغلق المدرسة على محيطها، وخلق الكثير من الجهل بالمغرب وتاريخه، وكانت من أكبر تبعات هذا الاختيار شيوع الهدر المدرسي وغربة المضامين الدراسية -التي تعتمد على الأجنبي بنسبة كبيرة – عن الوسط الاجتماعي والأسري للمتمدرس، وإرساء ثقافة التبعية والتقليد للآخر على حساب الإبداع الأصيل.
ولهذا من الضروري في اطار الجهوية الموسعة أن تحتل ثقافة الجهة مكانها الطبيعي ضمن المواد الدراسية بجانب المضامين الوطنية، وهو ما يساهم في إدماج الفرد في محيطه ويمكنه بالتالي من الإسهام في التنمية الوطنية عبر تنمية الجهة التي ينتمي إليها، والتي لن يسعى إلى مغادرتها بحثا عن مكان له في دولة العاصمة، فقد جعلت المركزية عامل الهجرة بالنسبة للمواطنين رهانا وحيدا لإثبات الذات في كل القطاعات، عبر الانتقال من المركز إلى الهامش، وكان التعليم أبرز المؤسسات التي برز فيها هذا الخيار منذ البداية.
لقد أبدع السوسيولوجيون مفهوم “الطمأنينة الاجتماعية ” للدلالة على حالة الفرد المندمج في محيطه بشكل طبيعي، والقابل للإنتاج مع الآخرين ولئم جهوده معهم، ولكنهم أكدوا على أن هذه “الطمأنينة ” تنشأ قبل كل شيء في المدرسة، التي عليها أن تحرص في مضامينها الدراسية على ربط التلميذ بمحيطه القريب وإشعاره بالأمن الثقافي والروحي والعاطفي، ولعل هذا يتحقق بنسبة كبيرة في مطابقة المضامين الدراسية مع متطلبات الجهة وحاجاتها.
4. جهوية الإعلام والاتصال:

انتهجت السلطة المركزية منذ الاستقلال سياسة إعلامية قائمة على هاجس خلق التجانس المطلق (l,homogénéisation) بين كافة المواطنين والجهات، وهو خيار جعل السلطات تخلق أعلاما جهويا على مقاس الإعلام المركزي ووفق توجهاته وأولوياته، فكانت القنوات الإذاعية الجهوية منابر لتسويق بضاعة المركز في الهوامش، ولم يكن يسمح للخصوصي الجهوي بالظهور إلا بمقدار ضئيل جدا وفي حدود نظرة المركز إلى الهامش، والتي شاءت أن تجعل من المحلي مجرد “”فولكلور”” لإمتاع نخبة المركز والسواح الأجانب، ويفسر هذا الأسباب التي جعلت الإذاعة الأمازيغية مثلا، وهي إذاعة وطنية تتواجد في المركز نفسه، لا تتعدى في نطاق بثها تغطية نسبة 13 في المائة من مجموع التراب الوطني خلافا للإذاعة المركزية الناطقة بالعربية والفرنسية، والتي تمت تقوية أجهزة الدفع لديها لتخاطب الجميع. طبعا يتعلق الأمر هنا بالخضوع لثوابت الدولة التي أقزت الازدواجية اللغوية العربية /الفرنسية كنهج مركزي، ما جعلها تنظر إلى الأمازيغية كعائق أو عنصر تهديد لقوة المركز وللانسجام الاجتماعي الداعم لخيارات العاصمة.
ورغم أن السلطة سمحت في الآونة الأخيرة بظهور قنوات إذاعية خاصة إلا أن ذلك تم في إطار ضوابط جعلت معظم تلك القنوات رغم تعدديتها تنتج خطابا متماهيا مع خطاب الإعلام المركزي، مع بعض التنويع على مستوى أساليب العمل ونسبة الحرية المتاحة. يفسر هذا الأسباب التي جعلت هذه الإذاعات (باستثناء اثنتين) لا تذيع أية برامج بالأمازيغية. كما يفسر عكسيا أسباب النجاح الباهر لإذاعة “”راديو بلوس ” التي تصدرت ترتيب القنوات الإذاعية الخاصة بعد أن قررت بث نسبة 70 في المائة من برامجها بالأمازيغية.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
ร—
error: Content is protected !!

ุงูƒุชุดุงู ุงู„ู…ุฒูŠุฏ ู…ู†

ุงุดุชุฑูƒ ุงู„ุขู† ู„ู„ุงุณุชู…ุฑุงุฑ ููŠ ุงู„ู‚ุฑุงุกุฉ ูˆุงู„ุญุตูˆู„ ุนู„ู‰ ุญู‚ ุงู„ูˆุตูˆู„ ุฅู„ู‰ ุงู„ุฃุฑุดูŠู ุงู„ูƒุงู…ู„.

Continue reading