ثامر محمد كريم الخزرجي د. رضا محمدي
جامعة الأديان والمذاهب/ كلية القانون/ القانون العام
الملخص:
منذ عصر الثورة الفرنسية التي انطلقت عام 1789 نجد ان الرأي السائد هو اعتبار السلطات ثلاث : التشريعية والتنفيذية والقضائية، على اننا نجد ان الدستور الصيني الصادر سنة 1947 (قبل الثورة الشيوعية سنة 1949) يعتبر السلطات خمسة : إذ يضيف إلى تلك السلطات الثلاثة التقليدية سلطة رابعة يسميها سلطة البحث والفحص أو (سلطة الامتحان) وتختص بالإشراف على التعيين في الوظائف العامة، وسلطة خامسة يسميها(سلطة الرقابة) control مهمتها حماية القانون والصالح العام.
طبيب وفيلسوف انجليزي، ولد قبل ثورة كرمويل بثمانية أعوام، درس الطب إلى جانب اهتماماته بالفلسفة والسياسة، ومن أبرز المدافعين عن نظرية العقد الاجتماعي، إذ أن أول تطبيق عملي لمبدأ الفصل بين السلطات ظهر في القرن السابع عشر في إنجلترا في دستور كرمويل Cromwell الذي جاء على أساس هذا المبدأ، الا ان كرمويل لم يكن عند ذلك يفكر في تطبيق مبدأ نظري وانما أراد في الواقع القضاء على الاستبداد الذي ينشأ عن البرلمان الطويل Long Parliament فعمد إلى فصل السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية كما كان حريصاً على استقلال القضاء؛ وحافظ كرمويل في أنظمته المختلفة المتوالية على مراعاة ذلك على انه بانقضاء عهده وعودة الملكية تلاشت أعمال هذا الرجل ولم يبق لها أثر لا في انجلترا ولا في البلاد الأجنبية.
الكلمات المفتاحية: )توازن السلطات، النظم الدستورية، الفصل بين السلطات، الاستبداد، البرلمان(.
The Legal Basis In The Principle Of Balance Of Powers In Modern Constitutional Systems
| Dr. Redha Mohammadi | Thamer Muhammad Karim Al-Khazrajithamermohammed@yahoo.com |
University of Religions and Sects/Faculty of Law/Public Law
Abstract:
Since the era of the French Revolution, which began in 1789, we find that the prevailing opinion is to consider the powers to be three: legislative, executive, and judicial. However, we find that the Chinese Constitution issued in 1947 (before the Communist Revolution in 1949) considers the powers to be five: to those three traditional powers, it adds a fourth power. He calls it the search and examination authority or (the examination authority) and is concerned with supervising appointment to public positions, and a fifth authority he calls the control authority whose mission is to protect the law and the public interest.
An English physician and philosopher, born eight years before the Cromwell Revolution. He studied medicine alongside his interests in philosophy and politics, and was one of the most prominent defenders of the theory of the social contract, as the first practical application of the principle of separation of powers appeared in the seventeenth century in England in Cromwell’s Constitution, which came On the basis of this principle, however, Cromwell was not then thinking about applying a theoretical principle, but rather he wanted in reality to eliminate the tyranny that arises from the Long Parliament, so he proceeded to separate the legislative authority from the executive authority, and he was also keen on the independence of the judiciary. In his various successive regimes, Cromwell maintained this consideration, stating that with the end of his reign and the return of the monarchy, the works of this man faded away and no trace remained of them either in England or in foreign countries.
Keywords: )balance of powers, constitutional systems, separation of powers, tyranny, parliament(.
المقدمة:
يعد مبدأ الفصل بين السلطات من المبادئ الأساسية التي يستند إليها النظام الديمقراطي، وبموجب هذا المبدأ يتم توزيع الوظائف التشريعية والتنفيذية والقضائية في الدولة على ثلاث سلطات مستقلة، تتمتع كل منها بسلطة أصلية ولا تكون تابعة للسلطات، وتعد الغاية الأساسية من الفصل بين السلطات هو عدم تركيز السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) في يد شخص واحد هيئة واحدة، وإنما توزيعها بين هيئات متعددة، فيختص البرلمان بسن القوانين وإقرار الموازنة العامة والموافقة على المعاهدات المعروضة عليها من قبل السلطة التنفيذية بالإضافة إلى دورها الرقابي على أعمال السلطة التنفيذية، وتمارس السلطة التنفيذية مهمة أدارة شؤون الدولة وتنفيذ القوانين وإصدار اللوائح والأنظمة التي من شأنها وضع القوانين موضع التنفيذ، وتنفرد السلطة القضائية بصلاحية فض المنازعات بين الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين أو بينهم وبين الإدارة، هذا إضافة إلى الفصل في منازعات القوانين(اندريه، 1977، ص209 و 210).
مُشّكلة الدراسة:
أشرنا بأن هناك نظم سياسية مختلفة تستند الى مبدأ الفصل بين السلطات لممارسة السلطة في الدولة، وان الفصل بين السلطات يعني توزيع السلطة بين ثلاث هيئات وهي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية ، وهذا يعني ان لكل سلطة وظيفة معينة بحيث تستقل عن السلطات الأخرى وظيفياً وعضوياً، لذلك، جاءت إشكالية الدراسة لبيان الأساس القانوني لتطبيق نبدأ الفصل بين السلطات في الدساتير الحديثة والنظم الديمقراطية الحديثة، وعليه تتمثل مشكلة الدراسة في الإجابة عن السؤال الرئيس والذي تتمحور حوله وهو ” ما هو الأساسالقانوني في تطبيق مبدأ توازن السلطات في النظام الدستوري الأردني؟
أسئلة الدراسة:
تحاول الدراسة الحالية الإجابة عن التساؤلات الآتية:
– ما المقصود بمبدأ فصل السلطات؟ وكيفية نشأته وتطوره؟
– ما هي أنواع الفصل بين السلطات؟
– أيهما أصلح لتطبيق مبدأ الفصل بين السلطات نظرية سيادة الأمة أم نظرية سيادة الشعب؟
– ما هي القواعد القانونية الناظمة لتطبيق مبدأ الفصل بين السلطات في النظم الديمقراطية النيابية؟
– ما هي مظاهر استقلال السلطات العامة في النظام الدستوري الأردني ؟
– كيف يتم تحديد مظاهر التعاون بين السلطات العام في النظام الدستوري الأردني؟
– هل هناك مظاهر للرقابة بين السلطات العامة في النظام الدستوري الأردني؟
أهداف الدراسة:
تهدف هذه الدراسة إلى التعرف على ما يلي:
– توضيح المقصود بمبدأ فصل السلطات ونشأته وتطوره، وتحديد أنواعه.
– بيان أيهما أصلح لتطبيق مبدأ الفصل بين السلطات نظرية سيادة الأمة أم نظرية سيادة الشعب.
– تحديد القواعد القانونية الناظمة لتطبيق مبدأ الفصل بين السلطات في النظم الديمقراطية النيابية.
– تحديد مظاهر استقلال السلطات العامة في النظام الدستوري الأردني .
– تحديد مظاهر التعاون بين السلطات العام في النظام الدستوري الأردني .
– شرح مظاهر الرقابة بين السلطات العامة في النظام الدستوري الأردني .
تكمن أهمية الدراسة بتناولها مبدأ هاماً من مبادى الديمقراطية المعاصرة وهو مبدأ الفصل بين السلطات في الأنظمة المعاصرة كونه يؤدي الى ضمان مبدأ الشرعية ومنع الاستبداد، صيانة الحرية، المساهمة في تحقيق الدولة القانونية، حيث ان النظم الديمقراطية المعاصرة (الليبرالية) التي اخذت بمبدأ الفصل بين السلطات قد اثبت فعاليتها ونجاحها في حماية حقوق وحريات المواطنين وثبات الاستقرار السياسي في غالبية الدول التي اخذت بهذا المبدأ الرغم من اختلاف هذه النظم بالنسبة إلى الشكل سواءً أكان نظاماً برلمانياً أو رئاسياً أو مختلطاً، لذلك تتكمل أهمية هذه الدراسة في تحديد الأساس القانوني لمبدأ فصل السلطات في الدساتير المعاصرة ومنها الدستور الأردني ومقارنته مع الدساتير المقارنة.
كما تتمتع أهمية هذه الدراس بأهمية كبيرة على المستوى النظري والعملي، وذلك كما يلي:
الأهمية النظرية: تتمثل في:
· التقصي والبحث عما يمكن أن يتوصل له الباحث من معلومات ومفاهيم متعلقة بكل من متغيرات الدراسة، وإبرازها وتحليلها بصورة يمكن الاستفادة منها لدى الباحثين في هذا المجال.
الأهمية العملية:وتكمن في:
· بحث المرتكزات النظرية التي يمكن الاستناد إليها وفتح الباب أمام بحوث أو دراسات قد تكون مكملة لهذه الدراسة أو موسعة لبعض القضايا المعالجة لها. إضافة إلى أن تكون هذه الدراسة ونتائجها تضطلع بدور إيضاحي لكل ما يتعلق بمبدأ فصل السلطات والأساس القانوني له، مما ينعكس أثره على حقوق الأفراد ويجاد دولة قانونية، تحترم اختصاصات كل سلطة.
إن طبيعة الموضوع الذي تتناوله الدراسة تفرض على الباحث اتخاذ منهجاً معيناً، حيث سيقوم الباحث اعتماد منهجية متكاملة ومركبة لإيجاد إطار شامل للتحليل، ومن أبرز هذه المناهج.
1. المنهج الوصفي التحليلي: ويُعنى هذا المنهج بتعريف وتقويم الأجزاء التي يتكون منها الكل لأي قضية، وهو وسيلة للحصول على معرفة غنية وجديدة، ومن المعلوم أن المنهج التحليلي يتخذ التحليل صوراً ومستويات مختلفة تبعاً لطبيعة موضوع البحث، ويُعّد تعدد عمليات التحليل شرطاً لتوفير إدراك أعم وأشمل للقضية قيد الدراسة إذْ يعمل على تحليل الموضوع إلى عناصر بسيطة أو تقسيم الشيء إلى مكوناته ووحداته، وكذلك من خلال تحليل وشرح آراء الفقهاء والباحثين في موضوع الرسالة.
2. المنهج المقارن: وذلك من خلال استعراض نصوص الدساتير الأردنية ذات العلاقة بموضوع الدراسة وتحليل هذه النصوص ووصفها وصفاً دقيقاً ومقارنتها مع غيرها من الدساتير المعاصرة.
فيما يلي عرض لأهم الدراسات السابقة التي توصل إليها الباحث وذات العلاقة بموضوع الدراسة، وهي على النحو الآتي:
دراسة: غنى زغير عطية محمد (2016)، بعنوان فصل السلطات في الدساتير العراقية: دراسة تحليلية”(محمد، 2016 ، ص543-584).
يعد مبدأ الفصل بين السلطات، من المبادئ الدستورية التي تغنت بها الثورات العالمية وقدمت التضحيات في طريق ترسيخ هذا المبدأ كضمانة دستورية ضد استبداد الحكام وشخصنة السلطة وتركيزها بيد الحاكم. وقد شهد هذا المبدأ ، تطوراً على صعيد التنظيم الدستوري إذ اتخذ أنماطاً في تنظيمه العلاقة بين السلطات، وفقاً لاختلاف الدساتير في طرق توزيع السلطات بين الهيئات الثلاثة، اذ يتم تبني شكلا معيناً من الفصل بين السلطات بما يتناسب والايديولوجية الدستورية السائدة في كل نظام سياسي ، وإذا كان المبدأ المذكور قد تجلى في بدايته في صورة الفصل المطلق بين السلطات ، فإن الأشكال او الانماط التي ترجم بها هذا المبدأ في الدساتير الحديثة تقوم على فكرة التعاون بين السلطات على نحو يتناسب مع الفكرة الدستورية السائدة في كل دولة وبحسب ظروفها المختلفة ، وتشخص البحوث والدراسات التي تناولت هذا المبدأ ، أربع أشكال رئيسة ينتظم بها مبدأ الفصل بين السلطات ، في إطار تنظيم العلاقة بين سلطات الدولة وهي أنظمة نيابية قائمة على أساس الديمقراطية التمثيلية ( النظام البرلماني ، النظام الرئاسي ، النظام المجلسي ، النظام المختلط) ، ولكن هذا لا يعني عدم وجود انظمة أخرى لا يحتويها التصنيف المذكور.
وفي هذا الإطار ، تناولت الدراسة البحث في مبدأ الفصل بين السلطات في الدساتير العراقية وذلك ابتداءً من دستور العراق لسنة 1925 وهو القانون الأساسي العراقي وحتى دستور جمهورية العراق النافذ لسنة 2005 ، ويسلط الضوء على الصور او الاشكال التي ظهر بها هذا المبدأ في الوثائق الدستورية محل الدراسة ، للتعرف على موقفها من هذا المبدأ وتوضيح الصورة التي تشكل بها عن طريق دراسة العلاقة بين السلطات وكما حددتها وفصلتها الوثيقة الدستورية.
دراسة علي، محمد نوري(2017)، بعنوان “مبدا فصل السلطات بين النظرية والتطبيق: دراسة مقارنة بين النظام العراقي والجزائري”(علي، 2017 ، ص543-584).
تناولت الدراسة مبدأ مهما من مبادئ الديمقراطية وهو (مبدأ فصل السلطات بين النظرية والتطبيق “دراسة مقارنة بين النظام العراقي والجزائري”) حيث تناولت الدراسة في المبحث الاول مفهوم المبدأ, والجذور التاريخية والاهمية والانتقادات التي تعرض لها هذا المبدأ وفي المبحث الثاني تناولت مفهوم هذا المبدأ في النظام الدستوري الجزائري وفي المبحث الثالث بحثنا في تطبيق هذا المبدأ طبقا للدستور العراقي لعام 2005 , واخيرا في المبحث الاخير تم أجراء مقارنة ما بين النظام الدستوري الجزائري والنظام الدستوري العراقي في ما يتعلق بألية تطبيق هذا المبدأ عملياً ونظرياً.
وخلصت الدراسة إلى الدستور العراقي 2005 نص صراحة على مبدأ الفصل بين السلطات كأساس لتشكيل السلطات وتوزيع صلاحياتها، فقد نصت على هذا المبدأ صراحة في متن الوثيقة الدستورية وقامت بتنظيم سلطات الدولة على اساس هذا المبدأ، الا انها لم تطبق المبدأ تطبيقاً سليماً، اذا وضعت احدى السلطات بموضع متميز عن باقي السلطات، وهذا التميز او التفوق، لم نجد له ما يبرره.
المبحث الأول
إن مبدأ الفصل بين السلطات هو من أهم مبادئ الديمقراطية وركائزها، إذ أن من الثابت أن الأنظمة الديكتاتورية تنشأ عندما تتجمع السلطات الثلاث في يد جهة واحدة، حيث تصبح حرية المواطنين تحت رحمة سلطة تحكمية، وحكومة بهذه المواصفات تستطيع أن تتصرف على إرادتها المنفردة، وأن تسن من القوانين ما تشاء وبدون اعتبار لحقوق المواطنين، ودون وجود أي نوع من الرقابة على أعمالها.
والمتتبع لتاريخ ونشأة مبدأ الفصل بين السلطات، يجد أنها وليدة ما قبل الميلاد، فقد كان (أرسطو) يری بضرورة توزيع وظائف الدولة على هيئات متعددة مع إجراء توازن بينها، بحيث يمنع تعدي إحداها على الأخرى(عبد الوهاب، 2004 ، ص 184).
ومن هنا جاءت فكرة الفصل بين السلطات، والتي بموجبها يتم توزيع الوظائف التشريعية والتنفيذية والقضائية في الدولة على ثلاثة أجهزة مستقلة يتمتع كل منها بسلطة أصلية ولا تكون تابعة للسلطتين الأخريين(بركات، 1989 ، ص 196).
وتأسيسا على ما تقدم، وانطلاقا من أهمية وأهداف دراستنا هذه، سنعمد في هذا الفصل إلى البحث في توضيح مبدأ الفصل بين السلطات، وبيان نشأته التاريخية، وذلك من خلال هذين المطلبين الآتيين:
المطلب الأول: التطور التاريخي لمبدأ الفصل بين السلطات والمراحل التي مر بها
المطلب الثاني: تعريف مبدأ الفصل بين السلطات.
المطلب الأول
التطور التاريخي لمبدأ الفصل بين السلطات والمراحل التي مر بها
نشأ مبدأ الفصل بين السلطات في الفكر السياسي القديم وتطور في الفكر السياسي الحديث، والمعاصر وكانت فكرته الاساسية عند الفلاسفة، وعلماء السياسة، وفقهاء القانون تتلخص في ضرورة توزع وظائف الحكم الرئيسية : (التشريعية، التنفيذية، القضائية) على هيئات منفصلة ومتساوية تستقل كل منها عن الاخرى في مباشرة وظيفتها حتى لا تتركز السلطة في يد واحدة فتسئ استعمالها وتستبد المحكومين استبدادا ينتهي بالقضاء على حياة الافراد وحقوقهم(إدريس، 2003 ، ص198199).
ويعود مبدأ الفصل بين السلطات إلى أوروبا حيث شهدت في القرنين السابع عشر والثامن عشر، عصر الثورات الديمقراطية: الإنجليزية، والأمريكية، والفرنسية، ففي إنجلترا انتهى الصراع بين الملكية والشعب إلى ثورة دموية عام (1648م) أطاحت بالملكية المطلقة وحلت محلها الملكية المقيدة، وسرعان ما حاولت الملكية أن تعيد سابق عهدها، فقامت ثورة أخرى عام (1688) قضت على الملكية المطلقة نهائياً، وحلت محلها الملكية المقيدة، التي تعترف ببعض الحقوق والحريات، أما في فرنسا فقد أعلنت حقوق الإنسان والمواطن في أعقاب الثورة الفرنسية عام (1789)* هذه التطورات أدت إلى بروز مفكرين امتازوا بعدائهم المطلق للحكم الاستبدادي، أمثال جون لوك ومنتسكيو، وروسو، إذ يعد جون لوك ( John Lock ) ** أول من كتب عن مبدأ الفصل بين السلطات في ظل النظام النيابي، ووضح أراءه في كتاب الحكومة المدنية الصادر عام 1690، حيث قسم سلطات الدولة إلى أربع، وهي: السلطة التشريعية ووظيفتها سن القوانين، والسلطة التنفيذية وتقوم بتنفيذ القوانين والمحافظة على الأمن الداخلي، والسلطة الاتحادية ومهمتها إعلان الحرب وتقرير السلم، وعقد المعاهدات ومباشرة العلاقات الخارجية، وسلطة التاج؛ أي مجموعة الحقوق والامتيازات الملكية .
وكان “لوك” يجيز جمع السلطة التنفيذية مع السلطة الاتحادية، أما السلطة التشريعية فكان يعدها في مركزاً أسمى وأعلى بالنسبة للسلطات الأخرى، وذلك لقيامها بوضع القواعد المعبرة عن الصالح العام، ويرى لوك أن الإنسان بطبعه ميال للاستبداد واستغلال سلطاته إلى أبعد مدى حتى يجد حداً يوقفه، ولذا كان لزاماً لمنع هذا الاستبداد توزيع السلطة على أكثر من هيئة حتى تراقب إحداها الأخرى وتوقفها عند حدها وتلزمها نطاق اختصاصها.
ومما تجدر الإشارة إليه فإن “لوك” لم يعد السلطة القضائية سلطة مستقلة قائمة بذاتها ويرجع السبب في ذلك إلى تأثره في نظريته عن مبدأ الفصل بين السلطات، بالنظام الانجليزي القائم في عصره، حيث كان القضاة خاضعين قبل ثورة 1688 لسلطات التاج خضوعاً تاماً وكاملاً سواء من حيث التعيين أم العزل أم تلقي الأوامر، ثم أصبحوا بعد هذا التاريخ خاضعين للبرلمان ومتأثرين بالتالي باتجاهات وميول حزب الأغلبية(عبد الوهاب، 2004، ص 155).
يرجع الفضل في اظهار مبدأ الفصل بين السلطات في مفهومه الحديث الى المدرسة الانكليزية والتجربة الديمقراطية الانكليزية وكان اول تطبيق للمبدأ من الناحية العملية في دستور (كروميل) في القرن السابع عشر الذي نهض اساسا على مبدا فصل السلطات، عندما تحولت الملكية في انكلترا من الملكية المطلقة الى ملكية مقيدة تقوم على فصل السلطات على اثر ثورة الاساقفة سنة (١٦٨٨م ( فقد حاول كرومويل القضاء على الاستبداد الذي نشأ عن البرلمان فعمد الى فصل السلطة التشريعية التي جعلها للبرلمان المنتخب عن السلطة التنفيذية التي تبقى للملك ومعاونيه(عبد الوهاب، 2004، ص156 ).
كما كان حريصا على استقلال القضاءويعتبر دستور كروميل اول تطبيق للمبدأ من الناحية العملية ولكن اعمال كروميل اندثرت بانتهاء عهده حيث الغي الدستور وتم الابتعاد عن تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات بعودة الملكية والنظام الوراثي الذي يقوم اساسا على وحدة السلطة وتركيزها .
جاء مبدأ الفصل بين السلطات نتيجة لظهور المبادئ الديمقراطية الليبرالية، والرغبة في حماية حقوق الافراد وحرياتهم من تعسف سلطة الملك، والتي كانت غالبة ومسيطرة على الدولة حتى القرن السادس عشر اذ بدأت نظريات فصل السلطات تأخذ طريقها الى التطبيق. تذهب بعض الآراء عكس ذلك، حيث يرى الدكتور (رياض عزيز هادي) ان اول مكان بدأ فيه ظهور مبدأ الفصل بين السلطات هو ارض سومر في العراق في الالف الثالث قبل الميلاد، حيث عقدت في سومر جمعية تأسيسية تكونت من مجلسين هما مجلس الشيوخ ومجلس الشعب، وكان سبب انعقاد الجمعية هو تعرض ارض سومر الى عدوان خارجي ورغبة الملك في اخذ رأي الجمعية بهذا الامر، وعلى الرغم من ان ارسطو كان اول من كتب عن موضوع الفصل بين السلطات الا ان هذا المبدأ ارتبط باسم مونتسكيو الذي استعرض فكرته في كتابه ( روح القوانين) عندما تساءل عن شكل النظام الذي يؤمن الحرية بشكل افضل ؟ واجاب بأنه ذلك النظام الذي تكون سلطاته منفصلة وتستطيع كل منها ايقاف الاخرى في الحالات الاستثنائية، إذ اقترن هذا المبدأ بمونتيسكيو الذي استطاع أن يصوغ هذا المبدأ بطريقة جديدة، في كتابه روح القوانين، فقد أوضح أنه يوجد في كل دولة ثلاث أنواع من السلطة، وهي السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وأخذ مونتيسكيو بعد ذلك في تفصيل المهام التي تتولاها كل سلطة من هذه السلطات الثلاث، الأولى يستطيع الأمير أو الحاكم صياغة القوانين لمدة محددة أو بصفة دائمة و يعدل أو يلغي القوانين النافذة، وبواسطة السلطة الثانية يستطيع إقرار السلام وإعلان الحرب، ويرسل ويستقبل السفراء و يوطد الأمن(الدليمي و حمادي، 2001 ، ص 119 ) .
مما سبق يمكن القول بأن روسو يخالف مونتيسكيو لكونه يفضل الفصل بين السلطة التنفيذية والتشريعي بسبب اختلاف طبيعتها، و يعتبر السلطة القضائية جزء من السلطة التنفيذية.
ويسوغ مونتسكيو الاهداف التي دفعت الى الاخذ بمبدأ الفصل بين السلطات بالآتي(شكري، 1994 ، ص 174) :
1- الحد من استبداد السلطة : بإمكان هذا المبدأ حسب مونتسكيو منع الاستبداد السلطوي فرديا كان او ممارسا من هيئة، وحماية الحقوق والحريات الفردية، ان تركيز السلطة في يدي هيئة واحدة يؤدي الى الاستبداد، لكن توزيعها على هيئات متعددة يحول دون ذلك، فالسلطة توقف نظيرتها السلطة عن طريق وسائل الرقابة التي تملكه كل سلطة تجاه الاخرى .
2- تحقيق الشرعية : يؤدي هذا المبدأ الى تحقيق شرعية الدولة والنظام السياسي بوصفه الوسيلة الفعالة لكفالة احترام القوانين وحسن تطبيقها.
3- تقسيم العمل وزيادة فاعليته : تقسيم وظائف الدولة تبعا لهذا المبدأ الى سلطات ثلاث يؤدي الى تخصص كل سلطة منها بالمهام الموكولة اليها مما يؤدي الى اجادة كل سلطة لعملها واتقانه .
4- استقلال السلطات وتكاملها وتوازنها : وهو ما يعني وجود نوع من التعاون والرقابة المتبادلة فيما بينها، بحيث اذا ما اندفعت احدى هذه السلطات للاستبداد وتجاوز اختصاصاتها امكن لغيرها من هذه السلطات ان تحد من استبدادها.
يشكل مبدأ الفصل بين السلطات تسويغا ايديولوجيا لهدف سياسي واضح هو اضعاف جميع الحكام مع تقليص صلاحياتهم والحد منها، استنادا لذلك ينطوي هذا المبدأ على ظاهرتين متباينتين تقعان على مستويات مختلفة هي : فصل البرلمان عن الحكومة وهذا الامر يخص الحكام بالمعنى الواسع للكلمة، وفصل القضاء عن الحكام مما يسمح برقابة قضاة مستقلين لهؤلاء.
وعليه فإن فكرة الفصل بين السلطات لا تعني في حيثياتها الاستقلال الكامل لكل سلطة في ممارسة وظائفها بعيدا عن الأخرى وإنما تقوم العلاقة بينهما على التعاون ورقابة كل منهما للأخرى، وهذا يضمن هدفين هما : تحقيق التوازن بين هذه السلطات من جهة، وتوفير الحياد لكل منها في مجال اختصاصها من جهة أخرى .
وقد اخذت الكثير من الدساتير الحديثة بهذا المبدأ الذي شهد تحولا في التطبيق نتيجة لتغير مواقع القوى السياسية وفاعليتها في هذا النظام السياسي او ذاك ووفقا لكل حقبة تاريخية، ولذلك ظهر في النظم السياسية الحديثة نوع من توزيع السلطة بين هيئات متعددة مع تركيز الاختصاصات المهمة في حوزة هيئة على حساب الهيئات الاخرى، واصبحت العلاقة بين السلطات علاقة تدرج وليست علاقة توازن او مساواة، وصار المبدأ الغالب في الكثير من النظم السياسية المعاصرة هو مبدأ تدرج السلطات وليس مبدأ الفصل بين السلطات، وكان التطور في البداية لصالح البرلمان، حيث اصبح للسلطة التشريعية الاولوية بعد الحرب العالمية الاولى واساس ذلك يعود الى انها الاكثر تمثيلا لان اعضاءها يتم اختيارهم عن طريق الانتخاب ولذلك يجب ان يكون لها تأثير في كافة نشاطات الدولة ولا يقتصر دورها على سن القانون فقط .
المطلب الثاني
مفهوم مبدأ الفصل بين السلطات
لا يمكننا القول ابتداء في اختلافات حول مفهوم مبدأ الفصل بين السلطات، فهو يشير إلى مدلول واحد، إلا أنه يختلف باختلاف النظم السياسية المطبقة وفق الأنظمة الدستورية لمختلف الدول، حيث ينصب الاختلاف بشكل رئيس حول طبيعة الفصل ما بين السلطات، إذ نجد أن بعض الأنظمة السياسية يشير إلى فصل تام بين السلطات، وبعضها الأخر ينص على ضرورة الفصل المرن بين السلطات والذي يقوم على التعاون والتوازن بينها.
ومن جهة أخرى، وعلى الرغم من أن مبدأ الفصل بين السلطات له مميزاته وأهميته في ترسيخ دعائم ومبادئ الحكم الديمقراطي، إلا أن هنالك من يرى بوجود سلبيات لهذا المبدأ.
وقد أشرنا في المطلب الأول أن الفيلسوف (أرسطو) يعتبر أول من نادي بمبدأ توزيع السلطات وعدم تركيزها في يد واحدة، إلا أن الظهور الحقيقي لمبدأ الفصل بين السلطات يرجع بظهوره بشكل عام إلى الفلسفات السياسية التي ظهرت لدى الفيلسوف (مونتسكيو) في القرن الثامن عشر، والذي وجد فيه خير وسيلة للحد من سلطات الحكومة المطلقة والسلاح الأجدى نفعا بيد المحكومين في مواجهة الحكام المستبدين(متولي، 1993 ، ص176).
وبشكل عام، فقد بدأ تقنين مبدأ الفصل بين السلطات دستوريا بعد منتصف القرن الثامن عشر، حيث بدأت الولايات المتحدة بالنص عليها في دستور عام 1787م، وعلى غرارها وجد هذا المبدأ تأيدا كبيرا من قبل رجال الثورة الفرنسية، حتى جاء النص عليه في إعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789 ثم في دساتير فرنسا المتعاقبة(عبد الوهاب، 2004، ص 184).
إلا أن المتتبع لمختلف الدساتير ومنها الدستور الأردني، لا يجد إشارة صريحة إلى مفهوم الفصل بين السلطات، مكتفيين بالإشارة إلى دلائل الفصل بين السلطات، ومن هنا دأب الفقه الدستوري على توضيح مفهوم هذا المبدأ بغية الوصول إلى تطبيقه بصورة صحيحة ووفقا لما هو واجب التطبيق وبصورة تحقق غايته وأهدافه، فمنهم من ذهب للقول بأن الفصل بين السلطات هو: “استقلال كل هيئة أو سلطة عن السلطات الأخرى في ممارسة وظائفها، أي إعطاء سلطة الأمر والنهي لهيئة من الهيئات للقيام بمهام معينة”(الشديفات، 2004، ص4).
وكذلك يرى البعض أن معنى الفصل بين السلطات ينصرف إلى عدم تركيز السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) في يد شخص أو هيئة واحدة، وإنما توزيعها بين هيئات متعددة، فيختص البرلمان بسن القوانين وإقرار الموازنة العامة وإقرار المعاهدات المعروضة عليه من قبل السلطة التنفيذية، وتمارس السلطة التنفيذية مهمة تنفيذ القوانين وإصدار اللوائح والأنظمة التي من شأنها وضع القوانين موضع التنفيذ، وتنفرد السلطة القضائية بصلاحية فض المنازعات بين الأفراد أو بينهم وبين الإدارة، هذا إضافة إلى الفصل في منازعات القوانين(الشكري، 2004، ص 185).
وبتفصيل هذا المفهوم، فإن مبدأ الفصل بين السلطات انطلاقا من أن غايته تحقيق الحرية للأفراد ومنع الحكام من الاستبداد بالسلطة، فإنه يكفي هنا توزيع السلطة بين هيئات متعددة تستطيع كل منها أن تمنع الأخرى من الاستبداد بالسلطة، إلا أن هذه الغاية لا تتحقق في نظام يقوم على الفصل المطلق بين السلطات، حيث أن ذلك يجعل من كل هيئة سلطة منعزلة عن السلطات الأخرى وتمارس اختصاصاتها بطريقة استقلالية قد تمكنها من اساءة استعمالها، بحيث قد يصبح الفصل المطلق بين السلطات مساعدة على التحكم والاستبداد وليس ضمانة ضد التحكم والاستبداد(قدورة، 1999، ص62).
وفي حقيقة الأمر، إن هذا المفهوم هو الذي يستند عليه الفيلسوف (مونتسكيو)، حيث قصد بالفصل بين السلطات بأنه ليس سوى توزيع للوظائف الأساسية من تشريع وإدارة وقضاء بين هيئات تتمتع كل منها بكيانها الخاص، أي أن لا تتركز الوظائف في يد هيئة واحدة، لأن هذا التركيز لا بد من أن يؤدي بدوره إلى اساءة استعمال السلطة(شطناوي، 2004، ص197).
وبناء على ذلك فإن مضمون حقيقة الفصل بين السلطات يجب أن يكون نسبيا ومرنا، بحيث يسمح بوجود بعض التعاون والمشاركة في الاختصاصات بين الهيئات العامة المختلفة وبدرجة تتفاوت من نظام سياسي إلى نظام سياسي آخر، ودون أن نصل إلى حد الغاء الفواصل والحدود وتركيز السلطة في يد واحدة، أو تمكين إحدى الهيئات من السيطرة على باقي الهيئات واخضاعها لإرادتها(قدورة، 1999، ص 62-63).
ومما سبق، نلحظ أن الفصل بين السلطات المنظمة تنظيما قانونيا وما يمكن أن تقوم به هذه السلطات من التعاون فيما بينها والرقابة المتبادلة يعتبر من الضمانات القانونية لمبدأ المشروعية وحقوق الأفراد. حيث إن جمع السلطات في يد هيئة واحدة يتنافى مع مبدأ ضرورة المعارضة والرأي الأخر، مما قد يفضي إلى التحكم والاستبداد، وعلى ذلك كان لا بد من اختصاص كل سلطة باختصاص معلوم ومحدد من قبل صاحب السيادة.
علاوة على ذلك، فإن من يضع القوانين وهو يملك سلطة تنفيذها قد يضعها بشكل جائر، أي أن يتم إعطاء سلطة التشريع والتنفيذ لسلطة واحدة، وهو ما يتعارض مع صفة القاعدة القانونية التي تنظم المجتمع(الشديفات، 2004 ، ص18).
وعليه، يجب أن لا تكون هناك سلطة واحدة بل سلطات مستقلة حتى توقف كل منها سلطات الأخرى، وهو ما أوضحه مونتسكيو في خطورة جمع السلطات الثلاث في يد واحدة وأن ذلك مناف للحرية، وحيث إن مبدأ الفصل بين السلطات كمبدأ دستوري كان نتيجة ملحة بهدف صيانة حقوق وحريات الأفراد، فإنه يقوم على عدم تركيز السلطات بيد هيئة واحدة، وذلك تجنبا لإساءة استعمالها، حيث لا بد من وجود سلطة أخرى مستقلة توقف هذه السلطة إذا ما تجاوزت الحد في استغلالها(قدورة، 1999، ص 63)..
علاوة على ذلك، يجب على النظام أن يكون قائما على أساس السلطة تحد من السلطة، وعلى ذلك فإن مبدأ الفصل بين السلطات يؤدي إلى حسن استعمال السلطة، حيث إن كل هيئة تراقب الهيئة الأخرى وإيقاف الهيئة التي تعمل على تجاوز حدود سلطاتها(الشديفات، 2004 ، ص18).
بالإضافة إلى ما سبق، فإن الفصل بين السلطات يؤدي إلى تحقيق فوائد، كتقسيم العمل والتخصص فيه لكل سلطة تمارس اختصاصها بإتقان وعلى أكمل وجه، وممارسة كل سلطة لاختصاصها بشكل جدي وحسن سير العمل الحكومي بشكل عام(عبد الوهاب، 2004 ، ص 195).
وعلى الرغم من هذه الأهمية التي ينطلق منها تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات، إلا أنه تعرض إلى عدة انتقادات وسلبيات، ويمكن إجمال أهم الانتقادات على النحو التالي(غالي، 1989 ، ص 253):
1. إن الفصل بين السلطات يقضي على تماسك الدولة العضوي، ويضعف بنيتها، أي أنه لا ينسجم مع وحدة الدولة ووحدة سلطانها. حيث قيل أن مبدأ الفصل بين السلطات يؤدي إلى تعدد الهيئات التي تمارس السلطة مما يضعف كل سلطة في ممارستها لوظائفها، وبالتالي تقسيم المسؤولية.
2. إن مبدأ الفصل بين السلطات يجعل المسؤولية شائعة، وبالتالي تضعف الرقابة على أعمال الحكومة.
وباستقراء هذه الانتقادات، نلحظ أنها تعود إلى سوء تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات، والفهم الخطأ له لا إلى المبدأ نفسه، خاصة إذا طبق هذا المبدأ تطبيقا جامدا، أي كان الفصل بين السلطات فصلا جامدا وليس مرنا.
حيث رأينا أن مبدأ الفصل بين السلطات في مضمونه وحقيقته، يجب أن يكون نسبيا ومرنا، بحيث يسمح بوجود بعض التعاون والمشاركة في الاختصاصات بين الهيئات العامة المختلفة.
وفي معرض الحديث عن مضمون مبدأ الفصل بين السلطات فكان لا بد لنا من تعريف الفصل بين السلطات بالمعنيين القانوني والسياسي، فد أطلق تعبير مبدأ الفصل بين السلطات على معنيين متباينين، أحدهما سياسي والآخر قانوني.
أما المعنى السياسي فالمقصود هو عدم تركز سلطات الدولة في قبضة شخص أو هيئة واحدة، بمعنى أن الشخص الواحد لا يجوز أن يتولى أكثر من وظيفة واحدة من وظائف الدولة الثلاث، التشريع والتنفيذ والقضاء، لأن التركيز يؤدي بطبيعة الحال إلى إساءة استخدام السلطة، وإلى استبداد الشخص أو الهيئة القائمة على مباشرتها، وللحيلولة دون تحيد ذلك وكان المتعين عدم الجمع بين السلطات(قدورة، 1999، ص 64).
أما المعنى القانوني ” فيتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطات المختلفة في الدولة، فيختلف من دولة لأخرى تبعاً لاختلاف في تفسير هذا المبدأ، والذي ترتب عليه اختلاف تطبيق الدساتير له، وبالتالي في توزيعها لوظائف الدولة بين السلطات تبعاً لاختلاف واضعي هذه الدساتير في تفسيرهم لمبدأ الفصل بين السلطات.
وقد نشأ خلاف بين فقهاء القانون العام حول مفهوم أو مدلول مبدأ الفصل بين السلطات، فالبعض فهمه على أنه يعني الفصل المطلق بين السلطات، وأن هذا هو السبيل الوحيد للوصول الى غاية المبدأ الأساسية في منع التعسف والاستبداد بالسلطة، إلا أن الغالبية العظمى من الفقهاء فهمت المبدأ على نحو آخر، وهو أنه يعني الفصل المرن أو النسبي، أي فصلاً مع التوازن والتعاون ما بين السلطات، وهو التفسير الذي يأخذ به هذه الأيام معظم أساتذة في القانون العام، على الرغم من تمسك بعض الفقهاء بفكرة الفصل الجامد، الائم على فكرة ” الرابة المتبادلة” الائم في الولايات المتحدة الامريكية حتى هذه اللحظة، وسنقوم بعرض آراء الفريقين:
أولاً: الفصل الجامد ” المطلق” بين السلطات
سادت هذه الفكرة بعد إنتهاء الثورة الفرنسية بشكل مباشر، حيث فهم رجال تلك الثورة ومن عاصرهم من الفقهاء مبدأ الفصل بين السلطات على أنه فصل جامد ومطلق، أي أن كل سلطة من سلطات الدولة الثالث يجب أن تباشر اختصاصاتها بشكل مستقل، ولا تتدخل في اختصاصات السلطات الأخرى، وقد استندوا في تفسيرهم إلى أن الأمة صاحبة السيادة تملك ثلاث سلطات، وكل سلطة تمثل جزءاً منفصلاً ومستقلاً من أجزاء السيادة التي تملكها، وعندما تختار الأمة ممثليها فإنها تفوض كلاً من هذه السلطات إلى هيئة عامة مستقلة ومتخصصة، فتفوض إحدى هذه الهيئات الأمة في ممارسة السلطة التشريعية، والأخرى في ممارسة السلطة التنفيذية، والثالثة في ممارسة السلطة القضائية؛ وهذه الوظائف الثلاث ليست مجرد اختصاصات مختلفة تصدر عن سلطة واحدة، ولكنها سلطات مستقلة تعبر كل منها عن جانب من جوانب السيادة، وتمارس نشاطاً متميزاً ومستقلاً(قدورة، 1999 ، ص 65).
وعليه فإن الفصل المطلق بين السلطات الثلاث، وحصر كل سلطة منها في نوع معين في النشاط، ويقوم هذا النوع على قاعدتين تكمل إحداهما الأخرى، فهو يقوم أولاً على قاعدة التخصص الوظيفي، كما يقوم على قاعدة الإستقلال العضوي، إذ تعد كل هيئة مساوية لغيرها ومستقله عنها، ولا يجوز أن تتدخل إحداهما بعمل الأخرى.
ثانياً: الفصل المرن بين السلطات ” التفسير الحديث:
تقوم فكرة الفصل النسبي أو المرن بين السلطات العامة على أساس أن “سلطة الدولة تمثل وحدة لا تتجزأ”، غير أن للدولة وظائف ثلاث هي الوظيفية التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهذه الوظائف الثلاث يجب أن توزع على هيئات ثلاث، إذ يجب أن تكون هناك هيئة تختص بممارسة أمور التنفيذ، وهيئة تباشر الوظيفة القضائية، غير أن تلك الهيئات عندما تباشر تلك الوظائف لا تباشرها، بإعتبارها سلطات منفصلة يمثل كل منها جانباً من جوانب السيادة، بل باعتبارها مجموعة من الاختصاصات تصدر من سلطة موحدة هي سلطة الدولة، وهذه الاختصاصات لا يمكن الفصل بينها فصلاً مطلقاً لسببين(شطناوي، 2004، ص204).:
أولاً: أن هذه الاختصاصات جميعاً تمارس لأجل الصالح العام، لذا يجب أن تتعاون هذه السلطات فيما بينها وذلك لأجل تحقيق تلك الغاية.
ثانياً: أن هذه الاختصاصات يتداخل بعضها مع البعض الآخر لدرجة لا تسمح بالفصل بينها فصلاً بينها فصلاً مطلقاً، وبناء عليه يجب أن تكون هناك درجة معينة من المشاركة في ممارستها بين الهيئات العامة المختلفة، بشرط إلا لا تؤدي تلك المشاركة إلى إلغاء الفواصل القائمة بينها، أو تركيز السلطة في يد واحدة منها.
وقد ذهب معظم فقهاء القانون العام إلى أن المفهوم الصحيح لمبدأ الفص بين السلطات الذي يقصده مونتسكيو هو الفصل المتوازن بين السلطات العامة الثلاث في الدولة، مع قيام قدر من التعاون فيما بينها تنفيذ وظائفها في توافق وانسجام، ووجود رقابة متبادلة بينها لضمان وقوف كل سلطة عند حدودها دون أن تتجاوزها أو تعتدي على سلطة أخرى.
المبحث الثاني
ايجابيات وسلبيات مبدأ الفصل بين السلطات
لمبدأ الفصل بين السلطات مزايا وايجابيات عديدة كما انه لا يخلو من السلبيات يمكن أجمالها فيما يلي:
المطلب الأول
إيجابيات مبدأ الفصل بين السلطات
رغم الانتقادات الموجهة لمبدأ الفصل بين السلطات إلا أنه لا يخلو من الكثير من الإيجابيات نوجزها فيما يلي:
1. يشكل مبدأ الفصل بين السلطات العنصر الملازم لبنية الدولة الليبرالية، إذ لا يسلم بمجرد تقسيم تقني للعمل في إدارة الشؤون العامة فحسب بل يفرض على الأجهزة المستقلة عن بعضها تأمين مختلف وظائف الدولة فلا تحتكر السلطة من طرف سلطة واحدة، وبهذا ولدت فكرة الحرية السياسية ووجدت أفكار مونتسكيو صدا كبيرا في أوساط الطبقة البورجوازية عام 1788 التي تبحث عن طرق مواجهة السلطة المطلقة(ميشال، 1979، ص 102).
2. يعتبر مبدأ الفصل بين السلطات ركنا أساسيا من أركان الديمقراطية، وهو الذي يضمن إقامة الحياة البرلمانية على أساس سليم بفهم العلاقة المتبادلة بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، فهو الضمان الأكيد لحقوق الأفراد وحرياتهم، فلا ديمقراطية بدون مبدأ الفصل ين السلطات.
3. الكثير من الدارسين يعتبرون الانتقادات الموجهة لمبدأ الفصل بين السلطات لا تنتقد مضمونه، وإنما الانتقاد ينصب على سوء تطبيقه، فنظرية مونتسكيو لا تدعو إلى الفصل المطلق بين السلطات بل إلى الفصل المرن، فقراءة دقيقة لبعض نصوص مونتسكيو لا توحي لنا بمبدأ الفصل المطلق بين السلطات بل بتعاونها فيما بينها، ويأتي تطبيق المبدأ عمليا ليؤكد هذه الافتراضات، لأن الأنظمة الليبرالية لم تمارس فصلا مطلقا(ميشال، 1979، ص 103)، فكل دولة تمارس فصل السلطات بصورة خاصة، وهو ما يدل على أن قواعده الأساسية تمارس بليونة(سعيد، 2000، ص 9)، والدليل على ذلك النظام الأمريكي الذي يعد نموذجا للفصل الجامد بين السلطات لا يتفق مع هذا المبدأ الجاد ويرى انه لا مانع من التعاون بين السلطات، وهذا ما يضفي على المبدأ المعقولية والمنطقية.
ويحبذ السياسيون الفصل المرن بما يحققه من التناسق والتساوي في فروع الحكم المختلفة، وهو ما نبه إليه تشارلز ماكس (Tchrlez Max) سنة 1988م ” إننا نفقد أثر كلمة جمهورية للغاية في النظام الفيدرالي كله، وهي التنسيق بين فروع حكم منفصلة ومتساوية ومتناسقة، إن تلك الروح هي قلب الخطة الدستورية كلها “(ذبيح، 2004، ص 9).
من خلال هذا نستنتج بأن المبدأ ليس الأداة الفعالة للنظام السياسي فحسب بل هو أساس نظام الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية.
4. إن تطور مفهوم الدولة والسلطة وطبيعة العلاقة بين السلطات قد صاحبه تطور في مفهوم مبدأ الفصل بين السلطات نفسه، فهو مطلق وجامد في بداية ظهوره ليتطور إلى المرونة والتوازن، ثم إلى مفهوم التدرج بين السلطات. وهناك اتجاه يرى أن تطور الأنظمة السياسية قد قضى على مبدأ الفصل ين السلطات فصلا مطلقا كان أو نسبيا، فهو قد تخلى عن مكانه لصالح مبدأ تدرج السلطات، بحيث أصبحت العلاقة بين السلطات العامة علاقة متدرجة وليست قائمة على المساواة، ولم يتوقف التطور عند هذا الحد بل أخذ صفة أخرى في النظام السياسي الأمريكي فأصبح يدعي تقاسم القوى أي تقاسم السلطات بين الكونغرس والسلطة التنفيذية(ذبيح، 2004، ص 10).
5. يعتبر مبدأ الفصل ين السلطات أكثر ضمانة لحقوق الإنسان ومنع الاستبداد وتعسف السلطة، لأن وضع السلطة في يد واحدة يؤدي إلى انتهاكات لهذه الحقوق حتى ولو كانت السلطة منتخبة من قبل الشعب(ملكو خوشابة، 2/9/2007، www.iraqiadvocacy.org). فباعتبار السلطة السياسية شر لا بد منه وأن للأفراد حرياتهم وحقوقهم ومصالحهم الخاصة ينبغي حمايتها من تعديات السلطة لذا فالمبدأ يقوم بحماية حقوق الأفراد بالحد من نطاق السلطة عن طريق تنظيم عملي للوظيفة الحكومية، وحصر نطاق ممارسة هذه السلطة التي هي دائما في منتهى الاستبداد والقوة، لأنها تتجه من تلقاء نفسها إلى القوة والاتساع مما يؤثر على حرية المواطنين السياسية(لاپيار، 1985 ، ص 151)، فمبدأ الفصل بين السلطات الضمانة الوحيدة ضد تعسف السلطة وحماية حرية الأفراد و حقوقهم.
6. يعتبر مبدأ الفصل ين السلطات الضمانة الوحيدة لاستقلال السلطات حتى لا تخضع أي سلطة للسلطات الأخرى، فتصبح متساوية ومتناسقة ولا تستطيع أي سلطة ممارسة سلطة تنتمي لسلطة أخرى.
7. يعتبر مبدأ الفصل ين السلطات وسيلة لتحقيق الرقابة المتبادلة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.
8. يحقق مبدأ الفصل بين السلطات استقلالية السلطة القضائية، فلا يقحمها في ممارسة السياسة، لأن الرجوع إلى السلطة القضائية في الأمور السياسية بشكل متواصل للبث في شرح القانون يضعف السلطة التنفيذية والتشريعية، ويعطي الاعتبار لهيئة غير منتخبة مباشرة من قبل المواطنين، وهذا ما يؤدي إلى حكم القضاة وإضعاف الديمقراطية بشكل عام، لذا لا بد على النواب تحمل مسؤولياتهم في كتابة قوانين واضحة منسجمة مع بقية القوانين وغير قابلة لتأويلات متعددة.
9. يمنع مبدأ فصل السلطات انهيار السلطات كلها دفعة واحدة عند حصول أزمة عامة تطال الأمة والمجتمع، كما أن الفصل لا يعني القطيعة وعدم الانسجام بين السلطات لأن ذلك يؤدي لاستحالة ممارسة الحكم، فالقوانين التي يشرعها نواب الشعب يجب أن تطبقها السلطة التنفيذية وتعززها السلطة القضائية، واستقلال هذه الأخيرة يعتبر ضمانة لحرية الأولى.
هذه هي الإيجابيات التي يتمتع بها مبدأ الفصل بين السلطات، وكغيره من المبادئ لا يخلو من السلبيات والتي لا تؤثر فيه كمبدأ، وإنما تبرز من خلال سوء تطيقه وسنحاول التطرق إليها فيما يلي:
المطلب الثاني
الانتقادات الموجهة لمبدأ الفصل بين السلطات
رغم المزايا التي يتميز بها مبدأ الفصل بين السلطات إلا أنه لا يخلو من الانتقادات شأنه شأن أي مبدأ آخر، ويمكن حصر هذه الانتقادات في الآتي:
1. قبل أن تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات غير ممكن، فمباشرة خصائص السيادة بواسطة هيئات مستقلة عن بعضها أمر صعب، لأن هذه الخصائص متصلة اتصالا كبيرا ببعضها البعض، فالدولة بمثابة الآلة فبما أن سير الآلة يتطلب محركا واحدا واتصالا بين أجزاء الآلة، فكذلك وظائف الدولة المختلفة تحتاج إلى قيادة واحدة ومركزة ، فلا يمكن فصلها و إسنادها إلى هيئات مختلفة مستقلة حتى لا يقضي هذا الفصل على وحدة الدولة، وتعطيل أعمالها وتعريضها للخطر خاصة في أوقات الأزمات إذ تحتاج إلى تجميع القوى وتركيز السلطات حتى تتمكن من التغلب والتخلص من الأخطار، فالدولة بمثابة الجسد الواحد تؤدي وظائف متكاملة، ومن ثم لا يمكن الفصل بينها(الطماوي، 1973، ص 435).إن أنصار هذا القول اعتقدوا أن المبدأ يقيم سياجا وحاجزا منيعا بين السلطات العامة في الدولة، ويفصل بينها فصلا مطلقا ولا يمكن الاتصال والتعاون فيما بينها، لكن هذا الاعتقاد خاطئ ويتجاوز حدود نظرية مونتسكيو لأنه لم يخطر له أن يقيم فصلا تاما بين الهيئات الحاكمة، وإنما أقام نوع من الاعتدال والانسجام في الحركة، وقدر دائما وجود علاقة تعاون مستمرة ورقابة متبادلة فيما بينها لذلك فهذا الانتقاد يفقد كل قيمة له.
2. إن مبدأ الفصل بين السلطات يؤدي إلى تعدد الهيئات التي تمارس السلطات العامة مما يضعف سلطة كل منها في مباشرة وظيفتها، كما ينتج عن ذلك تجزئة المسؤولية وتقسيمها فيما بينها، على العكس في حالة تركيز السلطة حيث تكون الهيئة التي بيدها السلطة جميعها هي ذاتها التي يقع على عاتقها كل المسؤولية، لكن يمكن تفادي هذا الانتقاد أو التقليل منه إذا قامت الدساتير والتشريعات بتحديد اختصاصات ومسؤوليات كل سلطة من السلطات الثلاث تحديدا واضحا، وتشديد الرقابة على كل سلطة بما يسمح لها بتجاوز اختصاصاتها، وبما يكفل وقوفها عند حدودها لو حاولت تجاوز هذه الاختصاصات عندئذ يسهل تحديد المسؤولية وحصرها.
3. إن مبدأ الفصل بين السلطات أصبح الآن لا جدوى منه إذ كان الغرض منه في أول الأمر انتزاع السلطة التشريعية من أيدي الملوك والحد من سلطانهم المطلق أما وقد تحقق هذا الغرض فإن هذا المبدأ في الوقت الراهن لا أهمية له. إن هذا القول خاطئ لأن مبدأ الفصل بين السلطات ركنا أساسيا من أركان الديمقراطية وبزواله تزول الديمقراطية، فهو أفضل السبل لتحقيقها وإقامة الحياة البرلمانية على أساس سليم من خلال فهم العلاقة بين السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية. إن النظام الديمقراطي يتنافى مع تركيز السلطة في يد واحدة ومبدأ الفصل بين السلطات هو الأجدر لتحقيق الديمقراطية (الاتحاد البرلماني العربي ، 24/10/2007،www.arab.ipu.org/publication/cominiqs/multhia)، وهو خير ضمان لحقوق الأفراد وحرياتهم ويرى أغلب المفكرين والسياسيين أنه لا ديمقراطية بدون مبدأ الفصل ين السلطات.
4. إن مبدأ الفصل بين السلطات هو مبدأ وهمي يصعب تحقيقه إذ سرعان ما تعمل إحدى السلطات بالسيطرة على السلطات الأخرى، ويصبح مبدأ الفصل بين السلطات مبدأ نظريا بحتا لا مبدأ واقعيا، باعتبار أنه في جميع الدول الميزان إما يميل إلى جانب السلطة التنفيذية وإما إلى جانب السلطة التشريعية. إن طغيان إحدى السلطات وتفوقها على غيرها من السلطات الأخرى ليس عيبا يوجه إلى مبدأ الفصل بين السلطات ذاته، بل يوجه إلى التطبيق العملي له، وإلي القائمين على كل سلطة من السلطات الثلاث، ومن ناحية أخرى فإن رجحان إحدى السلطات لا يحول مبدأ الفصل بين السلطات إلى وهم، ذلك لأن إحدى السلطات قد تعلو في فترة ولظروف معينة، ثم لا يلبث الوضع أن يتغير بالنسبة إليها، فتعلو سلطة أخرى مؤقتا، أو يعود التوازن من جديد.
5. لقد أبعد مونتسكيو من تحليله السلطة القضائية وأبقى على العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية القائمة في الأساس على القدرة في التحكم والمنع ولكن هذا الأمر قد يؤدي الشلل سلطات الدولة، فالسلطتين التشريعية والتنفيذية مجبرتان على التعايش والاختلاف، ويتجنب فيه كل طرف أن يكون حكما على الطرف الآخر، لذا لا بد من إيجاد أرضية إنفاق بحيث إذا تجاوزت إحدى السلطات حدود اختصاصها أمكن لغيرها من السلطات وقفها وردها.
6. إن النمو المتزايد في حجم الجهاز التنفيذي وتدخله المستمر في حياة المجتمع من خلال الوظائف التي يؤديها أدى إلى نفوذ وتعاظم سلطته في مؤسسات الحكم بصورة لا مثيل لها، فعندما كانت المسؤوليات التنفيذية محدودة في الماضي كان يمكن في تلك الفترة الادعاء بإمكانية تحقيق مبدأ الفصل بين السلطات، أما الآن فإن دعوة الفصل لا يمكن أن تتحقق في الواقع، لأن الظروف قد تغيرت، يرد على ذلك أن هذا المبدأ تزداد أهميته أكثر كلما زاد توسع عمل كل سلطة لأنه يحدد حدودها.
7. إن الأحزاب السياسية هي الأخرى تقوم بالربط بين السلطات العامة خاصةبين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فحزب الأغلبية المسيطر على السلطة التشريعية يصبح بالتالي هو المسيطر على السلطة التنفيذية، وما يحدث في ميدان التشريع من ضغوطات و مناورات حزبية يكون له صداه في الهيئة التنفيذية، ومثل هذا الاعتبار لم يكن واردا في تصور أصحاب نظرية مبدأ الفصل بين السلطات(مهنا، 1999، ص 259).
نستخلص مما سبق بأن الانتقادات الموجهة لمبدأ الفصل بين السلطات إنما ترجع إلى سوء فهم المبدأ، فهي لا تنصب عليه بالذات، وإنما تنصب على الإسراف في تطبيقه، أما تطبيق المبدأ في حدوده المعقولة فيجعله يصمد أمام معظم الانتقادات الموجهة له، ويظل من أنجع الوسائل التي تكفل الحرية لأنه يهيئ جوا من الاعتدال في شؤون الحكم.
الخاتمة:
بعد العرض الذي قدمناه عن مفهوم مبدأ فصل السلطات (توازن السلطات) نجد أن مفهوم توزان السلطات يعد من المبادئ الأساسية التي يستند إليها النظام الديمقراطي، وبموجب هذا المبدأ يتم توزيع الوظائف التشريعية والتنفيذية والقضائية في الدولة على ثلاث سلطات مستقلة، تتمتع كل منها بسلطة أصلية ولا تكون تابعة للسلطات، وتعد الغاية الأساسية من الفصل بين السلطات هو عدم تركيز السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) في يد شخص واحد هيئة واحدة.
وبناء على ما سبق توصل الباحث إلى مجموعة من النتائج والتوصيات والتي يمكن إجمالها على النحو الآتي:
أولا: النتائج
1- لم يأخذ القانون الأساسي لسنة 1928م بنظام الحكم القائم على مبدأ الفصل بين السلطات، وكانت السمة الغالبة فيه الأخذ بنظام تركيز السلطة في يد واحدة، فاعتنق نظام اندماج السلطات بأن جعل السلطتين التنفيذية والتشريعية في يد واحدة أو في هيئة واحدة.
2- أخذ دستور عام 1946م بمبدأ الفصل بين السلطات إلا إن هذا الفصل لم يكن مرنة على أساس قيام علاقة تعاون بينهما وخاصة السلطة التشريعية والتنفيذية، وانما كانت السلطة مركزة بيد السلطة التنفيذية، ذلك أن هذه السلطة قد أنيط بها عدد من الاختصاصات تفوق معيار التوازن بين السلطات.
3- حرص الدستور الأردني لسنة 1952م على تحقيق درجة معينة من الفصل بين السلطات، فقد أقر في المادة الثانية منه على أن نظام الحكم نيابي ملكي وراثي وهذا يعني أن نظام الحكم هو النظام البرلماني القائم على المساواة والتوازن والتعاون ما بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وتظهر المساواة من خلال عدم ترجح كفة أحدهما على الأخرى، أما التوازن فيكون من خلال المهام والصلاحيات التي أقرها الدستور الأردني في الفصل الثاني والثالث.
4- تملك السلطة التنفيذية حق حل البرلمان وفي المقابل تملك السلطة التشريعية سحب الثقة بالوزارة بعد إجراء التحقيق والاستجواب معها، أما التعاون فيظهر من خلال اشتراك الوزارة في حضور جلسات البرلمان وتقديم مشروعات القوانين وإصدار القوانين.
5- جاء الدستور المعدل لسنة 2011م، الذي كان استجابة وطنية واعية لتنامي مطالب الشعب الأردني بمزيد من الديمقراطية والحقوق والحريات الأساسية في ضوء الوضع الإقليمي وتنامي ما سمي “بالربيع العربي”، وبموجبها أعادت التوازن في العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى حد ما؛ فأعادت التعديلات الاعتبار للسلطة التشريعية في علاقتها مع السلطة التنفيذية من خلال إنشاء الهيئة المستقلة للانتخابات.
6- عززت التعديلات الأخيرة للدستور الأردني استقلالية القضاء من خلال النص صراحة على أن السلطة القضائية مستقلة، وإنشاء المجلس القضائي بقانون ليتولى جميع الشؤون المتعلقة بالقضاء، وهو الأمر الذي من شأنه أن يحد من أي دور للسلطة التنفيذية ممثلة بوزير العدل على حياة القضاة وشؤونهم العملية، إضافة إلى أن يكون الطعن في نيابة أعضاء مجلس النواب أمام القضاء العادي. ثم إنشاء محكمة دستورية ومحاكمة الوزراء أمام القضاء العادي ومواد أخرى اعتبرت بمثابة العودة لدستور 1952 بنسبة كبيرة.
7- رغم التعديلات غير الكافية لإعادة التوازن بين السلطات تبقي مسؤولية الحكومات في الالتزام في مجال التطبيق، وهذا يتطلب من الجميع التمسك بالمبادئ الدستورية للتصدي لمحاولات السلطة التنفيذية التعدي على السلطة التشريعية، فمبدأ الفصل بين السلطات لا يعتمد فقط على النصوص وانما على الاجتماع السياسي أيضا.
ثانيا: التوصيات
إعادة الاعتبار إلى السلطة التشريعية وتفعيل دورها والعمل على تطوير الأجهزة الفنية والإدارية لديها للحد من سلطة الحكومات وأجهزتها التي أساءت للدستور وشوهته وأصدرت فتاوي دستورية وقانونية دون الخوف من الضمير أو الشعب أو العقاب السماوي. وهذا لا يتأتى إلا من خلال تطبيق النصوص الدستورية لتقليل التباين الواضح بين ما هو منصوص عليه من الناحية النظرية وما هو مطبق من الناحية العملية لضبط العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ثم العمل على تعديل قانون الانتخاب الذي أضعف دور الأحزاب داخل البرلمان؛ وبالتالي ظهور برلمانات ضعيفة تغيب فيها الكتل النيابية والحزبية وخالية من التنافس والبرامج المؤثرة على أعمال السلطة التنفيذية، ومن ثم سيطرة السلطة التنفيذية على مجرى العملية التشريعية ليبقى في المحصلة النظام البرلماني الأردني غير مكتمل.
المصادر:
1. الاتحاد البرلماني العربي ، مبدأ الفصل بين السلطات و أثره في ممارسة الديمقراطية في الوطن العربي، 24/10/2007، www.arab.ipu.org/publication/cominiqs/multhia
2. إدريس، بوكرا(2003) الوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية دار الكتاب الحديث الجزائر.
3. اندريه، هوريو (1977) القانون الدستوري والمؤسسات السياسية الجزء الأول ترجمة علي مقلد وشفيق حداد وعبد المحسن سعد الأهلية للنشر والتوزيع طبعة الثانية بيروت.
4. بركات، نظام وآخرون(1989)، مبادئ العلوم السياسية، ط3، دار الكرمل للنشر والتوزيع، الأردن.
5. جان وليام لاپيار(1985)، السلطة السياسية، ترجمة: الياس حنا، بيروت، منشورات عويدات.
6. الدليمي حافظ، و علوان حمادي (2001)، النظم السياسية في أوربا الغربية و الولايات المتحدة . الأردن : دار وائل للطباعة و النشر.
7. سعيد، جورج(2000)، دولة القانون-مفاهيم أساسية، بيروت، منشورات الحلبي الحقوقية.
8. الشديفات، حمادة عليان(2004)، الفصل بين السلطات والرقابة على أعمال السلطتين التشريعية والتنفيذية، رسالة ماجستير، جامعة آل البيت.
9. شطناوي، فيصل(2004) النظم السياسية والقانون الدستوري، الطبعة الثانية، المؤلف، عمان.
10. شكري، زهير(1994)، الوسيط في القانون الدستوري . ط 3، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع، د ب ن.
11. الشكري، علي يوسف(2004) مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية، ايتراك للنشر والتوزيع، القاهرة.
12. الطماوي، سليمان محمد(1973)، السلطات الثلاث في الدساتير العربية وفي الفكر السياسي الإسلامي، دراسة مقارنة، ط2، لبنان، دار الفكر العربي.
13. عبد الوهاب، محمد رفعت(2004)، الأنظمة السياسية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت.
14. عبد الوهاب، محمد(2004)الأنظمة السياسية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت.
15. غالي، بطرس(1989)، المدخل في علم السياسية، ط2، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
16. قدورة، زهير أحمد(1999) الوجيز في النظم السياسية والنظام الدستوري الأردني، الأردن.
17. متولي، عبد الحميد(1993)، القانون الدستوري والأنظمة السياسية، مطبعة المعارف، ط1، 1993.
18. ملكوخوشابة عودشيو دهوك، ضمانات حقوق الإنسان في الدستور العراقي، 2/9/2007، www.iraqiadvocacy.org 28/10/2007.
19. مهنا، محمد نصر، في نظرية الدولة والنظم السياسية، الإسكندرية، المكتب الجامعي الحديث، 1999.
20. ميشال مياي، دولة القانون -مقدمة في نقد القانون الدستوري، الجزائر، ديوان المطوعات الجامعية، 1979.
21. ميلود ذبيح (2004)، الفصل بين السلطات في التجربة الدستورية الجزائرية بين الاستقلال والتعاون والاندماج، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون الدستوري، جامعة الحاج لخضر باتنة.
References
1. Arab Parliamentary Union, the principle of separation of powers and its impact on the practice of democracy in the Arab world, 10/24/2007, http://www.arab.ipu.org/publication/cominiqs/multhia
2. Idris, Bokra (2003) Al-Wajeez fi Constitutional Law and Political Institutions, Dar Al-Kitab Al-Hadith, Algeria.
3. Andre, Horio (1977) Constitutional Law and Political Institutions, Part One, translated by Ali Muqallid, Shafiq Haddad, and Abdel Mohsen Saad, Al-Ahlya for Publishing and Distribution, Second Edition, Beirut.
4. Barakat, Nizam et al. (1989), Principles of Political Science, 3rd edition, Dar Al-Karmel for Publishing and Distribution, Jordan.
5. Jean-William Lapierre (1985), Political Authority, translated by: Elias Hanna, Beirut, Oweidat Publications.
6. Al-Dulaimi Hafez, and Alwan Hammadi (2001), Political Systems in Western Europe and the United States. Jordan: Dar Wael for Printing and Publishing.
7. Saeed, George (2000), The State of Law – Basic Concepts, Beirut, Al-Halabi Legal Publications.
8. Al-Shudaifat, Hamada Alyan (2004), Separation of Powers and Oversight of the Works of the Legislative and Executive Authorities, Master’s Thesis, Al al-Bayt University.
9. Shatnawi, Faisal (2004) Political Systems and Constitutional Law, second edition, author, Amman.
10. Shukri, Zuhair (1994), The Mediator in Constitutional Law. 3rd edition, University Foundation for Studies, Publishing and Distribution.
11. Al-Shukri, Ali Youssef (2004) Principles of Constitutional Law and Political Systems, Etrak Publishing and Distribution, Cairo.
12. Al-Tamawi, Suleiman Muhammad (1973), The Three Authorities in Arab Constitutions and in Islamic Political Thought, A Comparative Study, 2nd edition, Lebanon, Dar Al-Fikr Al-Arabi.
13. Abdel-Wahhab, Muhammad Rifaat (2004), Political Systems, Al-Halabi Legal Publications, Beirut.
14. Abdel-Wahhab, Muhammad (2004) Political Systems, Al-Halabi Legal Publications, Beirut.
15. Ghali, Boutros (1989), Introduction to Political Science, 2nd edition, Anglo-Egyptian Library, Cairo.
16. Qaddoura, Zuhair Ahmed (1999) Al-Wajeez on Political Systems and the Jordanian Constitutional System, Jordan.
17. Metwally, Abdel Hamid (1993), Constitutional Law and Political Systems, Al-Ma’arif Press, 1st edition, 1993.
18. Malkhoshaba Odishio Dohuk, Human Rights Guarantees in the Iraqi Constitution, 9/2/2007, http://www.iraqiadvocacy.org 10/28/2007.
19. Muhanna, Muhammad Nasr, on the theory of the state and political systems, Alexandria, Modern University Office, 1999.
20. Michel Mayai, The State of Law – An Introduction to Criticism of Constitutional Law, Algeria, University Volunteers, 1979.
21. Miloud Dhabih (2004), Separation of Powers in the Algerian Constitutional Experience between Independence, Cooperation and Integration, a thesis for obtaining a master’s degree in Constitutional Law, Hajj Lakhdar University, Batna.
* منذ عصر الثورة الفرنسية التي انطلقت عام 1789 نجد ان الرأي السائد هو اعتبار السلطات ثلاث : التشريعية والتنفيذية والقضائية، على اننا نجد ان الدستور الصيني الصادر سنة 1947 (قبل الثورة الشيوعية سنة 1949) يعتبر السلطات خمسة : إذ يضيف إلى تلك السلطات الثلاثة التقليدية سلطة رابعة يسميها سلطة البحث والفحص أو (سلطة الامتحان) وتختص بالإشراف على التعيين في الوظائف العامة، وسلطة خامسة يسميها(سلطة الرقابة) control مهمتها حماية القانون والصالح العام.
** طبيب وفيلسوف انجليزي، ولد قبل ثورة كرمويل بثمانية أعوام، درس الطب إلى جانب اهتماماته بالفلسفة والسياسة، ومن أبرز المدافعين عن نظرية العقد الاجتماعي، إذ أن أول تطبيق عملي لمبدأ الفصل بين السلطات ظهر في القرن السابع عشر في إنجلترا في دستور كرمويل Cromwell الذي جاء على أساس هذا المبدأ، الا ان كرمويل لم يكن عند ذلك يفكر في تطبيق مبدأ نظري وانما أراد في الواقع القضاء على الاستبداد الذي ينشأ عن البرلمان الطويل Long Parliament فعمد إلى فصل السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية كما كان حريصاً على استقلال القضاء؛ وحافظ كرمويل في أنظمته المختلفة المتوالية على مراعاة ذلك على انه بانقضاء عهده وعودة الملكية تلاشت أعمال هذا الرجل ولم يبق لها أثر لا في انجلترا ولا في البلاد الأجنبية.