الدكتور مصطفى الفوركي
أستاذ زائر بكليات الحقوق
محكم معتمد لدى محكمة الاستئناف بوجدة
مدير مجلة القانون والأعمال
المنازعة الجبائية هي الحالة القانونية الناشئة عن وجود خلاف بين الملزم والإدارة الضريبية بمناسبة قيام هذا الأخير بتحديد الوعاء الضريبة أو تصفيتها أو تحصيلها، ومن جهة أخرى تعني المسطرة الإدارية أو القضائية المقرر قانونا سلوكها لتسوية هذا الخلاف[1] كما يعرفها البعض الأخر أنها : وسيلة دفاع حقيقية بيد الملزم تمكنه من إقامة توازن نسبي بين ما عليه من واجبات وماله من حقوق في المادة الجبائية، وهي إضافة إلى ذلك تمكن من خلق حوار دائم وتفاهم مستمر بين فرقاء العلاقة الجبائية وتعطي المكلف فرصة المساهمة والمشاركة المباشرة في إعداد الدين الضريبي الواجب في حقه[2] فهي مرتبطة بمقومات الدولة المالية والاقتصادية وتخضع مباشرة للسلطات العامة للدولة، وتتميز بنظامها الخاص المتعلق بتطبيق امتيازات القانون العام كالتنفيذ والحجز والإكراه البدني ومساطر التظلم وغيرها من الضوابط التي لا يمكن إسنادها للمحكمين[3]. كما أثارت فكرة التحكيم الضريبي جدلا واسعا وانقساما كبيرا بين مختلف التشريعات وكذا الفقه والاجتهاد القضائي بين معارض لهذا الأمر بشدة وبين مرحب بهذه الفكرة على اعتبار أنها تطور حديث في القانون الضريبي المعاصر واستند كل من الاتجاهين إلى مجموعة من الحجج والبراهين القانونية والعملية لتدعيم وجهات نظرهم.
ونحن بدورنا سنحاول في هذا الفرع تسليط الضوء على هذين المتناقضين ومحاولة مناقشة أدلتهما وحججهما وصولا إلى الرأي الراجح بخصوص التحكيم الضريبي.
المبحث الأول:
الاتجاه المعارض لفكرة التحكيم الضريبي
لقيت فكرة التحكيم في النزاع الضريبي مجموعة من الانتقادات حيث تم اعتبارها من المسائل التي يستحيل قبولها أو حتى مناقشتها نظرا إلى أنها تؤثر على سيادة الدولة ومداخيل الضريبة كما أنها مدعاة للتحايل والمماطلة في تطبيق القانون الضريبي[4] كما استندوا على مجموعة من الحجج والأفكار وهي :
المطلب الأول: موقف التشريع الوطني والمقارن من حظر لجوء الدولة إلى التحكيم
لا يختلف المشرع المغربي على نظيره المقارن في كثير من المسائل , خصوصا المسائل المتعلقة بالنظام العام, والتي تعتبرها مختلف التشريعات أنها لا يجوز المساس بها ومن بين المسائل التي تدخل في النظام العام, مسألة الضريبة والمنازعة الضريبية إذن فما هو موقف المشرع المغربي والمقارن من لجوء الدولة إلى التحكيم الضريبي.
الفقرة الأولى: موقف المشرع الفرنسي من لجوء الدولة إلى التحكيم
اقرت هذا الحظر مجموعة من التشريعات المقارنة , وأهمها المشرع الفرنسي الذي نص صراحة في المادة 1004 من قانون المسطرة المدنية القديمة, على أنه لا يمكن طلب التحكيم في المسائل التي تبلغ وجوبا إلى النيابة العامة, ومن بين هذه المسائل حسب المادة 83 ” الدعاوى التي تهم الدولة والبلديات والهيئات العمومية “
وكذا من خلال المادة [5]2060 من القانون المدني الذي ينص, على انه لا يمكن تدخل اطراف خارجية عن القضاء, لأجل حل النزاع القائم مع السلطات العامة أو المؤسسات العامة
كما يعود السبب في هذا الحظر إلى مسألة، لا تتعلق بالنظام القضائي وإنما بالنظام السياسي أي انه يجب إخضاع المنازعة إلى قضاء الدولة والابتعاد عن كل منافس له، خصوصا إذا كانت الدولة أو أحد مؤسساتها طرفا في الدعوى، لذلك كان يعتبر حظر اللجوء إلى التحكيم في البداية من النظام العام على المستوى الداخلي[6].
وقد كرس هذا الحظر مجلس الدولة الفرنسي الذي يعارض لجوء أشخاص القانون العام للتحكيم, غير أن المشرع الفرنسي في 9 يوليوز 1975 أضاف فقرة إلى المادة 2060 من القانون المدني، مفادها أن بعض المؤسسات العامة ذات الطابع الصناعي والتجاري يمكنها أن تخضع للتحكيم بموجب مرسوم، ويمكن توضيح ذلك من خلال قرار محكمة النقض الفرنسية، في قضية سان كارلو[7] الصادر في 14 أبريل 1964 حيث تتلخص وقائع هذه النازلة، في إبرام عقد بين المؤسسة العامة للحبوب بفرنسا وبين قبطان السفينة الإيطالية سان كارلو لنقل كمية من الحبوب، من أثيوبيا إلى مارسيليا وتضمن سند الشحن شرط التحكيم، ونتيجة تعرض أجزاء كبيرة من الشحن للتلف ووصولها معيبة، قامت الشركة الفرنسية بدلا من اللجوء إلى التحكيم برفع دعوى قضائية أمام محكمة مرسيليا للمطالبة بالتعويض، دفع القبطان بعدم الاختصاص لوجود شرط التحكيم لكن المحكمة رفضت الطلب وقضت ببطلان شرط التحكيم لمخالفته قانون المسطرة المدنية الذي يحظر على الدولة ومؤسساتها اللجوء إلى التحكيم، استأنف القبطان هذا الحكم أمام محكمة الاستئناف بباريس التي ردت الحكم على اعتبار أن الحظر يتعلق فقط بالعلاقات الداخلية أما في هذه النازلة فان الأمر يتعلق بنزاع يختص بالتجارة الدولية لان القول بالعكس سيؤدي إلى استبعاد الأشخاص المعنوية العامة الفرنسية من أسواق التجارة الدولية، فطعنت الشركة الفرنسية بالنقض في القرار أمام محكمة النقض التي أيدت هي الأخرى القرار المستأنف حيث قررت أن الحظر المنصوص عليه في المادتين 1004 و83 يعتبر من النظام العام الداخلي وليس من النظام العام الدولي[8]
كما سار القضاء الفرنسي في اتجاه تجسيد صلاحية اتفاق التحكيم حينما يكون أحد أطرافه من أشخاص القانون العام، إذ اعتبر الحظر الموجود في القانون المدني وقانون المسطرة المدنية القديم يتعلق بالنظام العام الداخلي وليس الدولي.
وهكذا يتضح أن الفضل في إرساء هذه القاعدة يرجع إلى الدفع بالنظام العام، الذي تم استخدامه كوسيلة لإبطال الاتفاقات التي تبرمها الدولة ومؤسساتها حيث أقرت ظروف التجارة الدولية ومصالح الدولة هذه الاتفاقات.
الفقرة الثانية: تدرج المشرع التونسي من التجاهل إلى المنع
لم يكن تكريس مبدء حظر التحكيم في النزاعات الجبائية وليد الصدفة في القانون التونسي، بل مثل امتدادا لتدرج تاريخي انتهى بالمشرع التونسي إلى إقرار مبدأ إقصاء العدالة الخاصة من عدد من المجالات الحساسة، وخاصة منها ما له مساس بكيان الدولة وعماد بنيانها ولا يبتعد المشرع التونسي في ذلك كثيرا عن جل القوانين الأجنبية ولا عن القانون الاتفاقي المتكون من الاتفاقيات الدولية ومنها ماصادقت عليه تونس بنفسها [9]
فالتشريع التونسي من خلال مجلة المرافعات المدنية الصادرة في 24 دجنبر 1910 أهملت التحكيم وسكتت عنه[10] والراجح إلى أن هذا الإهمال يعزى إلى رفضه لهذه المؤسسة ورغبته في منع اللجوء إلى التحكيم أصلا. ثم جاءت مجلة المرافعات المدنية والتجارية فمنعت التحكيم في المسائل التي تهم النظام العام والنزاعات المتعلقة بالجنسية والنزاعات المتعلقة بالحالة الشخصية باستثناء الخلافات المالية الناشئة عنها والمسائل التي لا يجوز فيها الصلح والمسائل التي يجب فيها عرض ملف القضية على النيابة العامة عدى ما إستثناه القانون كما منعت التحكيم في المعاملات المدنية وقصرته على المعاملات التجارية[11]
ومن ناحية أخرى فان النزاعات الجبائية في القانون التونسي تصنف عامة كأحد أصناف النزاعات الإدارية إذ أنها تهم المنازعة في كيفية ممارسة الإدارة لصلاحياتها كسلطة عامة في وجه من أهم أوجه نشاطها السلطوي، وهو استخلاص الجباية ويترتب عن ذلك تطبيق المبدأ، القاضي بمنع التحكيم في النزاعات التي تهم الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية[12]
الفقرة الثالثة : موقف المشرع المغربي من لجوء الدولة الى التحكيم
ان المشرع المغربي ظل متمسكا بمبدأ حظر اللجوء الى التحكيم على مؤسسات الدولة، اذ لم يخول لها الحق في التحكيم لا في قانون المسطرة المدنية، تلتها بعض القوانين لاجل التخفيف من وطأة هذا التعنة، منها التقنين البترولي الصادر في سنة 1958 وقانون المالية لسنة 1982 وكذا المادة 17 من القانون 96-18 المتعلق بميثاق الاستثمار الى ان جاء الاصلاح الهام سنة 2007 للمقتضيات المتعلقة بالتحكيم في قانون المسطرة المدنية وأضاف اليها الوساطة الاتفاقية.
فقد ذهب المشرع المغربي الى ابعد من هذا حيث اقر في الفصل 308[13] من قانون المسطرة المدنية الى امكانية اللجوء الى التحكيم من طرف كل شخص طبيعي او معنوي ثم اتى بعدها في الفصل 310 من نفس القانون واعتبر ان النزاعات الاحادية للدولة ومؤسساتها فقط هي التي تقبل اللجوء الى التحكيم ما لم تكن هذه المنازعات ذات صبغة مالية، اذن فالقاعدة العامة هي جواز لجوء اشخاص القانون العام الى التحكيم والاستثناء هو الحظر
وبمعنى اخر نجد ان المشرع المغربي قد برر موقفه بشأن حظر اللجوء الى التحكيم بخصوص المنازعات الضريبية، لتحقيق الحماية للاموال العامة حتى لا يؤدي خضوعها للتصرفات المدنية المختلفة، الى اعاقة تخصيصه لتحقيق المنفعة العامة او لتعريضه لخطر الضياع او التسبب في خسائر مادية لخزينة الدولة[14]. لان القانون الضريبي، يعد من الركائز الاساسية للمداخيل التي بها وعن طريقها تسد حاجياتها الداخلية والخارجية. كما نجد من المبررات الاخرى ان اللجوء الى التحكيم قد يعني عدم الثقة في القضاء الاداري للدولة الذي أنشأ خصيصا للمنازعات الخاصة باشخاص القانون العام، وبالتالي اللجوء اليه قد يمس بامتيازات واعتبارات السلطة العامة، كما ان الدولة لاتملك الحقوق التي ترعاها وعليه فهي لاتملك ابرام عقود التحكيم، وان كانت تملك الحق في ابرام عقود الصلح لان كل طرف يعرف مسبقا تنازلاته، على خلاف التحكيم الذي لايعرف ما سيؤول اليه، فاللجوء الى الصلح لحل المنازعات الخاصىة باشخاص القانون العام يمثل مساسا بامتيازات السلطة العامة، ولها ان تلجأ الى الصلح بكامل ارادتها واستنادا الى قانون يجيز لها ذلك فضلا عن أن كل ما يشترط في الصلح هو ان يتعلق بحقوق متنازع عليها بين الادارة والطرف الاخر، وإلا تكون محسومة بصفة نهائية وليست محل للنزاع.
وبالرجوع إلى الفصل 310 السالف الذكر فاننا نجد بان النزاعات المالية التي تنتج عن تطبيق قانون جبائي حرمها المشرع من ان تكون محلا للتحكيم، لان الدولة او الجماعات المحلية تعتمد في تسييرها على الموارد الجبائية وتكون مصدرا رئيسيا من مصادر الايرادات. كما تلعب كذلك دورا مهما في تحقيق أغراض السياسة والمالية،[15] كما تعد السياسة الجبائية احدى الاليات الاساسية لتحقيق هذه الغايات، فالضريبة ليست فقط موردا اساسيا بالنسبة لميزانية الدولة، بل هي ايضا اداة لتوجيه الاستثمار وتوسيع مردويته وتحفيز الادخار.
كما تعتبر الضريبة فريضة إجبارية يلتزم الملزم بأدائها للدولة تبعا لمقدرته على الأداء بغض النظر عن الخدمات المقدمة من طرف الدولة، بتعبير أخر أنها وسيلة قانونية لتوزيع الأعباء العامة سنويا فيما بين الأفراد حسب طاقاتهم، فهي ذلك المبلغ الذي تحصله الدولة بمالها من حق السيادة من دخول الأفراد[16].
نرى بانه يجب الايكون التحكيم بعيدا عن المادة الضريبية حيث أن الدولة ليست كيانا مستقلا عن الأفراد وحريتهم في الاختيار والتقرير، لان التطور القانوني والتشريعي يفرض التعاون والتكامل بين قضاء الدولة والهيئات التحكيمية وليس التنافر، خلافا للاعتقاد الشائع[17] بأنه لا يوجد هناك تطابق مطلق بين التحكيم والمادة الضريبية، على الرغم من انه من دون شك جزء من جوهر النظام العام فاختصاص التحكيم لا يتوقف على طبيعة القواعد التي يطلب تطبيقها بل على موضوع النزاع الذي يراد تسويته، فاذا كان القانون الضريبي يمثل مظهرا من مظاهر السيادة فانه يجب ألا يتم إخراجه من نطاق التحكيم بشكل عام ومطلق.
المطلب الثاني : مبررات منع التحكيم في المنازعات الضريبية
لقد تبنت مختلف التوجهات القانونية والفكرية مجموعة من المبررات لأجل السعي وراء منع التحكيم في المنازعات الضريبية وتركها حبيسة للقضاء الوطني بشكل حصري ومن بين هذه المبررات نذكر على سبيل المثال :
الفقرة الأولى: سيادة الدولة في فرض الضرائب و طرق تسوية المنازعات
إن أي دولة في العالم وأثناء اعدادها للقوانين الضريبية فانها تقوم بتحديد الوعاء الضريبي و أساليب و ضمانات التحصيل سواء الرضائي او الجبري مرورا بتحديد وسائل فض المنازعات الضريبية انتهاءا إلى القضاء و تخصصه الواسع بالفصل في المنازعات , ويتأتى هذا عن طريق صلاحيات الدولة و مالها من سلطات واسعة مما يعطيها الحق الحصري في تقرير وسائل فض المنازعات الضريبية دون تدخل أي من الاغيار في هذا التنظيم المحكم لان أي تدخل سيؤدي إلى التأثير على السيادة الاقليمية للدولة[18] ومن ناحية أخرى لو ترك الأمر للتحكيم لادى ذلك إلى اختلاف التفسيرات الفقهية المعطات لكل نص ضريبي وفقا لكل حالة على حدة مما يؤدي إلى تعدد التفسيرات للنص الواحد ومنها ما سيكون متعارض مع مصلحة الدولة، فضلا عن ان الطبيعة الالزامية لحكم التحكيم تؤثر على سيادة الدولة واستقلاليتها لأنه قد يكون حكما خاطأ لا يمكن تدارك اثاره[19]
الفقرة الثانية: صعوبة تنفيذ الحكم التحكيمي الاجنبي
يذهب انصار هذا الرأي[20] إلى القول التحكيم لاطائل ولا جدوى من ورائه لأنه لا يمكن الزام الدولة بتنفيذ حكم اجنبي على اراضيها لان ذلك من شأنه الانقاص من سيادتها على إقليمها[21]، فضلا عن أن القضاء في الدول الأجنبية المقارنة وبعض الفقه تمنع القضاء الوطني من فحص قوانين الضرائب الأجنبية والتدخل في العلاقات التي تربط بين الملزم وبين الدول الأجنبية[22]
الفقرة الثالثة: تحكيم البيسبول
وفقا لانصار هذا التوجه يعتبرون ان التحكيم يترتب عنه خطر عظيم لان طرفيه حتما سيكون احدهما خاسر والاخر رابح، مما يعني ان نتيجة التحكيم قد تؤدي إلى عودة احد الأطراف بكل المبالغ الضريبية والطرف الأخر يخسر دعواه ولذا تم اطلاق مصطلح تحكيم البيسبول[23] على هذه الطريقة لانها كمبارات البيسبول التي لاتحتمل ألا نتيجة واحدة طرف فائز والاخر خاسر لذلك إن خسر الملزم دعواه امام التحكيم فلن يكون امامه اي طريق يسلكه للطعن على حكم التحكيم، ويصبح ملزما بقوة القانون باداء ما في ذمته من المبالغ التي تم الحكم بها في الحكم التحكيمي، كما لانستثني انه اذا خسرت ادارة الضرائب هي الاخرى دعواها، فانها تفقد حقها في تحصيل الضريبة الأمر الذي ينعكس سلبا على الايرادات الضريبية وعجز الموازنة العامة للدولة[24]. وهذا كله لايحدث اذا تم اللجوء للقضاء الوطني الذي يوجد به عدة درجات للتقاضي يمكن من خلالها تدارك اخطاء التقاضي في درجته الاولى ففي المغرب، يوجد عدة درجات للتقاضي سواء بالنسبة للقضاء العادي، ( المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف وكذلك محكمة النقض ) او القضاء الاداري ( المحكمة الابتدائية الادارية ومحكمة الاستئناف الادارية والطعن بالنقض امام الغرفة الادارية بمحكمة النقض) وهو ما يوفر ضمانة حقيقية للملزم ومصلحة الضرائب.
الفقرة الرابعة: عنصر الضريبة وأداء النفقات العامة
الضرائب هي المورد الاساسي للدولة، ولا يحق لاي شخص ان يمس هذا الحق المقدس للدولة او ان يتولى فرض الضريبة وتحصيلها من الافراد. لذلك وانطلاقا من هذا المبدأ لايمكن لاي أحد ان يفصل في المنازعة الضريبية سوى الدولة نفسها ممثلة في القضاء للفصل في النزاع القائم بينها وبين الملزم كما لا تقبل الدولة ان يأتي أحد الاغيار لكي يقوم بفض النزاع الضريبي دون القضاء الوطني.
وهذا مرده إلى الفكرة الاساسيىة أن الدولة أصبحت هي المسؤولة عن اشباع الحاجات العامة لمجموعة من المواطنين ولذا يلقى على عاتقها اعداد الموازنة العامة التي تتطلب تدبير موارد مالية لتمويل عمليات الانفاق العام. وكذا فض المنازعات القائمة في هذا المجال عن طريقها حصرا
الفقرة الخامسة: الضمانات المكفولة للادارة الضريبية في القوانين المحلية والقضاء الوطني
يعطي المشرع المغربي للادارة الضريبية العديد من الضمانات والصلاحيات التي تمكنها من تحصيل الضريبة ولو جبرا، حتى ولو طعن الملزم في قرار التحصيل، وهو الامر الذي يصعب تحقيقه في ظل وجود التحكيم، الذي لابد ان تنتظر الدولة حتى صدور حكم نهائي ملزم للاطراف ينهي المنازعة.
ففي ظل القضاء، تقوم ادارة الضرائب بتحصيل الضريبة التي قدرتها، والملزم ان اراد الطعن في هذا القرار فلن يؤثر طعنه على فكرة التحصيل، اذ ستقوم ادارة الضرائب بتحصيل الضريبة،الى ان يصدر الحكم النهائي من طرف القضاء سواء بتأييد قرار ادارة الضرائب او بتخفيض مبلغ الضريبة، او الغاء قرارات الادارة الضريبية، وفي كل الاحوال فالطعن في حد ذاته لا يوقف اجراءات التنفيذ والتحصيل في المنازعات الضريبية، وهذه الضمانة لن توجد لو تم اللجوء الى التحكيم[25]
الفقرة السادسة : الطبيعة المعقدة للقانون الضريبي
يعتبر القانون الضريبي من القوانين المعقدة والمتميزة في نصوصه القانونية بحيث تختلف طريقة تفسيره من شخص الى اخر، وان لهذا القانون طابعا مميزا يجعله يسعى الى تحقيق اهداف الدولة الاقتصادية والمالية والاجتماعية مما ينتج عنه عدم تماسك هذا القانون وفي اطار اختلاف التأويلات والتفسيرات فان الدولة تكون ملزمة باصدار القوانين التنظيمية التي تفسر هكذا نصوص، وهذا الامر يصعب حدوثه في ظل تبني فكرة التحكيم الضريبي لانه من الصعب على المحكم الاجنبي ان يفسر القانون الوطني دون ان يعي طبيعته وفلسفته وظروف اصدار هذا القانون حتى ولو كان هذا المحكم او الخبير وطني فقد تتعدد التفسيرات المتعلقة بالنصوص الضريبية ممايصعب معه صياغة صياغة احكام تحكيمية يمكن تطبيقها على الحالات المماثلة مستقبلا[26]
المبحث الثاني :
الاتجاه المؤيد للتحكيم الضريبي
بعيدا عن الاتجاهات الكلاسيكية المدافعة على تفنيد فكرة التحكيم الضريبي والتي تنادي بمنعه قطعا دونما الدخول في جدال حول جدوى هذا المنع في ظل التطور الاقتصادي والمالي والقانوني الذي يفرض تليين القواعد القانونية ومحاولة مواكبتها لمختلف هذه التحولات لاجل الارتقاء الى مصاف الدول الكبرى اقتصاديا وقانونيا وماليا وكما قلنا سلفا بان القانون الضريبي او الضريبة التي تعتبر من اهم موارد الدولة والتي تعتمد عليها اساسا لاجل سد حاجياتها الداخلية والخارجية وامام الدفع بعدم قبول فكرة التحكيم الضريبي، ظهرت مجموعة من التشريعات المقارنة التي تؤيد قيام نظام تحكيميمتكامل في النزاعات الضريبية لما قد يمتلكه المحكم من خبرات عملية وقانونية قد تكون احسن وارقى مما يملكه القاضي الاداري الذي ينحصر عمله في اطار قانوني ولا يتعداه الى ماهو واقعي لذلك نجد في مجموعة من الحالات ان القاضي يستعين بالخبير فيصبح هذا الاخير هو الذي يحكم مكان القاضي وهنا يثار اشكال قانوني من القاضي في النزاعات الضريبية هل الخبير ام القاضي ؟
للاجابة على هذا السؤال نجد ان القانون الضريبي له من الخصوصية ما يجعل القاضي يأخذ وجوبا برأي الخبير في احكامه عكس النزاعات الأخرى والتي يكون فيها رأي الخبير فقط على سبيل الاستئناس، فالذي يحكم إذن هو الخبير وليس القاضي ومن هنا يمكن لنا القول بان التحكيم يكون مفيدا وذي جدوى في النزاعات الضريبية خصوصا عندما يكون المحكم ذو دراية بالمسائل القانونية والواقعية في النزاع .
كما ظهرت مجموعة من الاتجاهات التي تؤيد فكرة التحكيم الضريبي مدعمة بمجموعة من الحجج المنطقية والقانونية التي تقوم في معظمها على الرد على حجج المعارضين لفكرة التحكيم في النزاع الضريبي.
المطلب الأول: معايير قابلية النزاع الضريبي للتحكيم في القوانين المقارنة والقانون المغربي
لكل دولة من دول العالم نظرتها إلى النزاعات التي تقبل التحكيم خصوصا حينما تكون هذه الاخيرة طرفا في النزاع، هذا النزاع وفي اطار انفتاح محتلف الدول على الوسائل البديلة لفض المنازعات في مختلف القطاعات وخصوصا عبر وسيلة التحكيم، يثار اشكال في هذه الوسيلة خصوصا على اعتبار ان الدولة هي التي تفرض الضريبية، وفق اعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية لتراعي مصالح الدولة، بحيث يتوجب على التشريع والقضاء في هذه الدول الحفاظ على خلق التوازن بين المصالح القومية المحلية والتي يقضي منها ابقاء منازعات معينة في نطاق اختصاص محاكم الدولة وحدها، وبين المصالح التي تستدعيها ضرورة الحفاظ على الرواج التجاري والاستثمار المحلي والدولي بتيسير حسم منازعاتها عن طريق التحكيم.[27]
الفقرة الاولى : موقف التشريعات المختلفة حول قابلية النزاع الضريبي للتحكيم
ان اغلب تشريعات العالم اتجهت الى ان المسائل التي تتعلق بالنظام العام تخرج من دائرة التحكيم لكن تحديد النظام العام امر يتسم بصعوبة بالغة مع اختلاف نطاقه في كل دولة كما ان هناك اختلاف بين نطاقه في كل من النظام العام الداخلي والنظام العام الدولي، حيث يضيق نطاق النظام العام الدولي مقارنة مع النظام العام الداخلي.[28]
فالنظام العام ليس هو المعيار الوحيد الذي تبنته التشريعات لتحديد قابلية محل النزاع للتحكيم وانما هناك معايير اخرى منها معيار الحق المالي، وهو الذي يمكن تقويمه بمبلغ من المال ومن ثم يمكن التعامل فيه والتنازل عنه كما يمكن انتقاله الى الخلف بالميراث.[29] ويكون هذا الحق بناءا على عقد او واقعة قانونية ( كالضريبة ) او على فعل ضار او نافع وبغض النظر عن محله عقارا كان او منقولا، حقا عينيا او شخصيا.[30]
ومن هذا المنطلق فان كل نزاع ذا طابع مالي يكون قابلا للتحكيم شرط ان يتم التأكد اولا من مالية الحق محل النزاع وذلك ان المنازعات المدنية غير المالية تخرج من نطاق قابلية النزاع للتحكيم الداخلي.[31]
وقد أكدت مجموعة من التشريعات المقارنة على ان الحق المالي هو المعيار المميز للمنازعات التي تقبل التسوية عن طريق التحكيم ومن ذلك ما نصت عليه المادة 177 من القانون الدولي الخاص السويسري[32] على أن 🙁 كل نزاع من طبيعة مالية يمكن ان يكون موضوعا للتحكيم).
وان كان ذلك في التحكيم التجاري الدولي وحده، أما التحكيم الداخلي فانه ينبني على معياري التصرف في الحقوق والاختصاص الحصري للمحاكم السويسرية.
وقد ذهب المشرع الالماني ابعد من ذلك عندما نص في المادة 103 من قانون المسطرة المدنية على أن كل نزاع ذي طبيعة مالية يمكن ان يكون موضوع اتفاق التحكيم. وان اتفاق التحكيم الذي يتناول النزاعات الغير المالية ينتج اثاره القانونية عندما يكون الاطراف احرارا في التصالح في موضوع النزاع.
فباستقراء هذه المادة يتبين ان المشرع الالماني تبنى معيار الحق المالي في كل من التحكيم الداخلي والدولي بصفة اساسية فيما جاء معيار التصرف في الحق بصفة ثانوية.[33]
أما بالنسبة للمشرع المصري فقد نص في المادة الثانية من قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية على أنه يكون التحكيم تجاريا في حكم هذا القانون اذا انشأ النزاع عن علاقة قانونية ذات طابع اقتصادي عقدية كانت او غير عقدية[34]كما تسمح بالتحكيم في الضريبة على القيمة المضافة كما هو الحال في ضريبة المبيعات المصري رقم 11/1999 في المادة (17) منه، كما قد يسمح بالتحكيم في إطار قانون ضريبة الدخل عندما يكون طرفا التحكيم إدارة عامة كما هو الحال في القانون رقم 97 لعام 1983 في مصر.
كما سمح المشرع السوري التحكيم في الضرائب الجمركية كما هو الحال في قانون الجمارك السوري رقم /38/ لعام 2006 في المادة (89) وما بعد منه بان سمح الى اللجوء الى التحكي لاجل فض المنازعات الجمركية القائمة بين المخالف وادارة الجمارك وعدم جعلها مقتصرة فقط على الاختصاص الحصري للقضاء.
وسارت على نفس النهج الاتفاقية الاوروبية للتحكيم التجاري الدولي المنعقدة في جنيف يوم 21 ابريل سنة 1961 في المادة الاولى حيث تشمل اتفاقيات التحكيم المنعقدة بهدف فض المنازعات الناشئة او التي ستنشأ نتيجة عمليات التجارة الدولية، فاذا كانت المنازعة المالية هي النطاق الذي يقبل التحكيم حسب هذا المعيار، فان الحق غير المالي الناتج عن علاقة قانونية غير مالية يدخل ايضا في هذا النطاق، فالحق المالي التابع الذي يتولد عن علاقة لاتقبل بطبيعتها تسوية النزاع الناشئ عنها عن طريق التحكيم يكون قابلا للتحكيم وفق هذا المعيار.[35]
كما سمح بالتحكيم الضريبي في إطار النزاعات الضريبية الدولية كما هو الحال في إطار حل النزاعات الضريبية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي إذ اتفقت الدول الأعضاء على حل تلك النزاعات عن طريق التحكيم في اتفاقية وقعت فيما بينها عام 1990 ودخلت حيز التنفيذ في عام 1995.
الفقرة الثانية: موقف التشريع المغربي
نرى بان المشرع المغربي في المادة الضريبة قد الزم الملزم باللجوء الى اللجان الضريبية قبل اللجوء الى القضاء المختص ( القضاء الاداري ) تحت طائلة عدم قبول الدعوى اي بعد استيفاء الطعن في الضريبة التكميلية. أمام لجنة التحكيم المحلية لتقدير الضريبة ثم امام لجنة التحكيم الوطنية للنظر في الطعون الضريبة كدرجة ثانية. عكس المنازعات في اصل الضريبة سواء تلك الناتجة عن المسطرة العادية لفرض الضريبة الاولية ام مسطرة الفرض التلقائي. حيث يتم تقديم الشكاية من طرف الملزم امام ادارة الضرائب كاجراء الزامي قبل اللجوء الى المحكمة الادارية. ومن ثم يتعين على الملزم ان يقدم شكايته امام ادارة الضرائب داخل اجل يبتدئ احتسابه من تاريخ الامر بالتحصيل.
ان القانون المغربي ولكي يغطي عن عجزه وعدم رغبته لتأسيس مبادئ التحكيم في القانون الضريبي أصبح يتشبث بلجان التحكيم الضريبية كلجان تقوم بمهمة التحكيم لكن تحكيم من نوع خاص، حيث ان المشرع المغربي ينص صراحة على ضرورة الاستفادة من المرحلة الادارية قبل بلوغ المرحلة القضائية والتي تكون اما امام الادارة الضريبية في حالة انعدام مصطرة التصحيح، واما امام اللجان الضريبية في حالة فحص جبائي ادى الى مراجعة ضريبية لما توفره هذه المراجعة من ضمانات، لذا وضع المشرع المغربي بين يدي الملزمين بالضريبة هذه الامكانية قصد عرض نزاعاتهم على الادارة الضريبية نتيجة لعدم المساواة بين الملزمين والادارة والتي تتمتع بمركز اقوى من مركز الافراد مما يجعلها تتعسف في مواجهتهم، فهي تقوم بفتح حوار ديموقراطي مع الادارة الضريبية، كما ان اللجوء الى لجان التحكيم الضريبية ليس مفتوحا في وجه جميع الملزمين، على اعتبار ان هذه المرحلة تأتي ضمن عملية مكتملة لا يستفيد منها الا من احترم الضوابط المسطرية من بداييتها الى نهايتها.
لايختلف اثنان على ان المسطرة الادارية في النزاعات الضريبية تتميز بطابع تواجهي، نتيجة تبادل المذكرات بين الملزم والادارة الضريبية التي تنتهي برسالة تبليغية ثانية صادرة عن مفتش الضرائب تتضمن الاسس الجديدة المعتمدة لفرض الضريبة، هذه الاسس التي يرفضها الملزم بالضريبة ويعتبرها مجحفة في حقه، وبهذا الرفض الصادر عن الملزم يستمر النزاع والخلاف بين الطرفين فالمشرع حاول حمايتهم بوضع لجان التحكيم الضريبية حتى لاتعمد الادارة الى فرض الضريبة بناءا على اسس جديدة غير متوافق عليها، فهي تؤدي دورا تحكيميا قبل اللجوء الى القضاء لذا نجد المشرع حظر التحكيم في هكذا نزاعات، ومنح للأطراف امكانية عرض نزاعاتهم على لجان ذات اختصاص وخبرة في الميدان القانوني والاداري والضريبي ومنحت رآستها لقاض غير ان مايعاب عليها هي ان قراراتها تبقى ذات طابع اداري يطعن فيها امام القضاء. [36]
كما اتى المشرع قي المادة 310 من قانون المسطرة المدنية بأنه لايجوز التحكيم في المادة الجبائية هكذا عبارة مطلقة وهذا غير صحيح، التحكيم جائز في النزاعات الجبائية ولكن مع التمييز بين المسائل المتعلقة بالاوعية الضريبية ومعايير الضريبية لايتدخل فيها التحكيم لكن الجانب المالي لادارة الضرائب التي يجوز لادارة الضرائب ان تتصالح بشأنها فانه يجوز فيها التحكيم وبذلك فان هناك مقولة قارة ومعروفة على انه كل ما يجوز فيه الصلح يجوز فيه التحكيم وقد نص المشرع المصري في قانون التحكيم على ذلك صراحة، لذلك ادارة الضرائب يمكن لها ان تتصالح في كثير من الامور المالية من بينها الغرامات هذا من جهة ومن جهة اخرى نجد بأن المشرع قد قطع الطريق امام التحكيم الضريبي لكنه قد نسي ميثاق الاستثمار 18.95 الذي كله يدور حول التحفيزات وحول الاعفاءات الضريبية فبالرجوع الى المادة 17 من قانون الاطار لقانون الاستثمارات، كان صريحا على انه كلما تعلق الامر بهذه النزاعات فيمكن الرجوع الى التحكيم بشأنها حسب الاتفاقيات التي ابرمها المشرع وصادق عليها.
وفي الاخير نقول بأن المادة 17 في قانون الاستثمار مرجع اساسي للتحكيم في المادة الجبائية لان اغلب المقتضيات المتعلقة بقانون الاستثمار كلها تتعلق بالتحفيزات التي تقدم للاجانب باعفائه من مجموعة من الضرائب و اعطائه مجموعة من الامتيازات ( الضريبة على القيمة المضافة، البتانتا ..) كلها تتحدث عن هذه الاعفاءات وبالتالي فانه يجوز فيها التحكيم وهذه المسألة المتعلقة بالمنازعات الجبائية لاتعرف هذا الاشكال في بعض الدول كتونس، المسألة محسومة عندهم اصبح القانون التونسي يجيز التحكيم في المنازعات الجبائية ولا يكترث لمبدأ النظام العام الذي طالما كان مظلة المطالبين باسقاط التحكيم في المنازعات الجبائية وجعل هكذا نزاعات محتكرة من طرف القضاء الاداري دونما قيمة مضافة.
أما بالنسبة للاجتهاد القضائي المغربي فنجد ان هناك قرار لمحكمة النقض المغربية صادر في سنة 1992 اجاز التحكيم في النزاعات الجبائية اذا ماتعلق بالجانب المادي للنزاع، نثمن على مثل هذه الاجتهادات التي تساهم حتما في ترسيخ مبادئ الحكامة الضريبية ومبادئ العدل الجبائي بين الادراة الضريبية والملزم وكذا لتلافي الحقد والضغينة التي قد تتولد بينهما نتيجة طول المسطرة وتعقدها وهذا مايزيله التحكيم الضريبي الذي يتميز بالسرعة والاتقان والكفاءة.
أما بالنسبة للفقه فهناك معادلة طالما سار عليها تقول ان المنازعات التي تخضع وتدخل في اختصاصات القضاء الشامل يجوز فيها التحكيم والمنازعات المتعلقة بقضايا الالغاء لايجوز فيها التحكيم مع بعض الاستثناءات لكن كاطار عام كلما تعلق الامر بالمنازعات التي تختص بالقضاء الشامل يجوز فيها التحكيم.[37]
المطلب الثاني : التوجهات المؤيدة لجواز التحكيم الضريبي
على غرار التوجهات السابقة التي تبرر منع التحكيم في النزاعات الضريبية هناك طائفة اخرى ترى ان احسن ملجأ للنزاع الضريبي يتجلى في فكرة التحكيم كوسيلة بديلة لفض المنازعة الضريبية لذلك تم الاقتصار على مجموعة من الافكار والتوجهات لاجل اجازة التحكيم الضريبي.
الفقرة الأولى : فكرة سيادة الدولة
يرى مؤيدوا هذا الاتجاه ان فرض الضريبة يعد عنصرا من عناصر السيادة الاقليمية والسياسية للدولة اذ لا يجوز المساس بذلك الحق ولا المنازعة فيه، لكن كلما يتعلق بأثر فرض الضريبة وكيفية تطبيقها وتحديد الاوعية وكيفية حل المنازعات الناشئة عنها لاعلاقة له بفكرة السيادة وبالتالي لامانع من اللجوء الى التحكيم الضريبي لتسوية المنازعات الضريبية خاصة اذا علمنا ان من خصوصية التحكيم الضريبي انه لايمكن اللجوء اليه الا اذا نص القانون على ذلك صراحة وهو ما تقرره الدولة بكامل حريتها.[38]
ومما لاشك فيه ايضا ان التذرع بفكرة السيادة يضمحل ولا يجد له سندا اذا ما تم النص عليه كوسيلة لتسوية المنازعات في اتفاقية ثنائية او متعددة الاطراف اذ في هذه الحالة تصادق عليه الدولة وتقرر السماح باللجوء الى التحكيم كوسيلة بديلة لفض المنازعات.[39]
ومن ذلك ما نصت عليه معاهدة تحسين الفصل في المنازعات الضريبية والتي اعدتها لجنة الشؤون المالية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ” OECD ” من جواز اللجوء الى التحكيم الضريبي لانهاء النزاع بين الدولتين طرفا المنازعىة الضريبية وذلك باعتبار التحكيم من أهم الوسائل واسرعها لحسم النزاع[40]
الفقر الثانية : صعوبة تنفيذ الحكم الاجنبي
ان اهم المبادئ التي يرتكز عليها التحكيم الدولي هي مبدأ المعاملة بالمثل والذي بمقتضاه أصبحت الدول تقبل تنفيذ الاحكام التحكيمية الاجنبية على اراضيها طالما ان الدول الاخرى تقوم بنفس الشيء فهذا المبدأ قد شجع مختلف الدول الى القبول بالاحكام التحكيمية الاجنبية والمتعلقة بالضريبة وتطبيقها على اراضيها لذلك انتشرت مجموعة من الاتفاقيات الدولية الضريبية سواء الثنائية أو الجماعية والتي تعنى بالتعاون في مجال مكافحة التهرب الضريبي وكذا الازدواج الضريبي وحل كافة المنازعات عن طريق التحكيم[41] لذلك لم تعد هناك مشاكل تتعلق بصعوبة تنفيذ الاحكام التحكيمية الأجنبية مادامت هناك اتفاقيات ثنائية او متعددة الأطراف تنظم طرق تنفيذ الاحكام على كل الدول المصادقة عليها
الفقرة الثالثة: اللجوء إلى التحكيم في المنازعى الضريبية يعتبر مغامرة
هذا القول ايضا يصدق على اللجوء الى القضاء العادي لان هناك العديد من القضايا التي تم خسارتها امام المحاكم الادارية الابتدائية ولا يجدي معها اللجوء الى اي طريق من طرق الطعن، ولذا يضاف هنا خسارة اخرى وهي خسارة الوقت والمجهود المتمثل في طول اجراءات التقاضي والطعن وما يترتب على ذلك من خسائر مالية ايضا[42]
الفقرة الرابعة: فكرة الاحتكار الضريبي
الواقع العملي يؤكد عكس هذه النظرية ويعتبر هذه الحجة غير كافية لاجل نفي التحكيم الضريبي كما يعتبرو معارضوا هذه الفكرة على ان المحكم قد يميل الى الحكم لفائدة الاشخاص المنتمين الى القطاع الخاص على حساب الدولة والادارة الضريبية، لكن الملاحظ على ان التحكيم الضريبي اصبح اللجوء اليه يزداد يوما بعد يوم نظرا لتفضيله من قبل المستثمرين واللجوء اليه فيما يتعلق بعقود التجارة او الاستثمار الاجنبي.[43]
الفقرة الخامسة:الضمانات المكفولة لادارة الضرائب
جائت هذه الفكرة للرد على انصار الفكر المحدود المعتقد بان التحكيم الضريبي قد يقصي مجموعة من الحقوق المكفولة لادارة الضرائب وتفضيل الملزم سواء كان شخصا طبيعيا او معنويا على حساب الشخص المعنوي العام المتمثل في الدولة والادارة الضريبية، فعن طريق التحكيم تضمن ادارة الضرائب سرعة انهاء النزاع وضمان حق الخزينة العامة واستقرار المراكز القانونية للملزمين فضلا عن توفير الوقت والجهد والتكاليف، بل ان التحكيم الضريبي يساعد على تحسين مناخ الاستثمار داخل الدولة حيث ان مايهم المستثمر الاجنبي هو فقط سرعة الفصل وانهاء كافة المنازعات داخل الدولة مما يبعده عن فكرة الروتين القضائي والاجراءات القضائية المعقدة وكثرة الجدل في ساحات القضاء وتعدد درجاته.[44]
الفقرة السادسة : تطور الفكر القانوني والمجتمعي حتم لزاما اللجوء الى التحكيم الضريبي
نتيجة لازدياد تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي وولوجها مجالات كانت محظورة عليها من قبل، ادى ذلك الى ازدياد احتياج الدولة لتمويل نفقاتها في هكذا مجالات مما ادى الى كثرة اعتمادها على الضرائب كمصدر هام جدا لتمويل الميزانية العامة. ولذا اصبحت ادارة الضرائب في كل دولة معنية بفحص انشطة الملزمين واقراراتهم وتتولى كذلك مهمة التحصيل الضريبي المستحق والحد من ظاهرة التهرب الضريبي، وهذا ادى الى كثرة وتعدد المنازعات الضريبية وتشعب اركانها، ولم تعد الطرق التقليدية صالحة للفصل فيها لما تتسم به من بطء وتعقيد وطول في اجراءات التقاضي فضلا عن صدور احكام متعارضة او متناقضة تؤدي الى ضياع حق الخزينه العامة وحق الملزم ولذا اصبح البحث عن وسيلة بديلة وأكثر فعالية ضرورة ملحة أملتها الظروف وتطور الاحداث[45]
خاتمة
خلاصة لما سبق نعتقد بان التحكيم في المنازعات الضريبية اصبح امرا ضروريا وحتميا لاجل فض النزاعات من طرف محكمين مختصين في القانون الضريبي ونظرا للطبيعة المعقدة للقانون الضريبي وما يدخل فيه كذلك من مسائل واقعية بالاضافة الى ماهو قانوني كان حري بمختلف التشريعات التي لاتزال ترفض الفكرة التمعن والتفكير العميق لان المحكم في المنازعة الضريبية مفترض فيه بالاضافة الى النزاهة والاستقامة، المعرفة القانونية الضريبية وكذا الخبرة في المسائل الواقعية، عندما تكتمل هذه الشروط نكون امام تحكيم ضريبي بصفة متقدمة تراعى فيه مصلحة الادارة الضريبية وكذا مصلحة الملزم، كما تكون أحكام اللجنة التحكيمية اجود واحسن من القضاء التقليدي نظرا لتتبعهم وخبرتهم العلمية والعملية في فض هكذا نزاعات.
وأمام منطقية وكثرة الحجج التي استدل بها الاتجاه المؤيد لاطروحة التحكيم الضريبي لايسعنا سوى ان نقبل بهذا الاتجاه في ظل تنامي ظاهرة التحكيم الضريبي وأنها اصبحت واقعا فعليا في العالم[46]، كما يؤيد اتجاهنا هذا مجموعة من الاتفاقيات والمنظمات والجمعيات الدولية نذكر منها ما يلي :
- قيام منظمة الامم المتحدة ( UN ) في نموذج اتفاقياتها الضريبيىة والمعدلة في سنة 2011 اللجوء الى التحكيم الضريبي بين الدول الراغبة في ذلك لاجل حل منازعاتها الضريبية
- قامت جمعية الضرائب الدولية ( IFA ) بتشجيع التحكيم الضريبي لاجل تجنب الازدواج الضريبي وكذا فض المنازعات عن طريق التحكيم
- أيدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ( OECD ) اللجوء الى التحكيم كوسيلة بديلة لحسم المنازعات الضريبية وتم النص عليه في معضم نماذج اتفاقيات التجنب الضريبي واتفاقيات ضرائب الدخل والرأس مال
- تبنت غرفة التجارة الدولية ( ICC ) مبادرة تشجيع التحكيم الضريبي سنة 1995 وأصدرت في سنة 2002 مشروع مادة تضاف الى اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي تتيح اللجوء الى التحكيم لحل المنازعات الضريبية[47]
[1]– نجيب جيري : المنازعات الضريبية، النظام القانوني و الاشكالات التطبيقية على ضوء القانون 90-41. مجلة الحقوق المغربية العدد الأول 2011
[2]– محمد لمروغي : القضاء الاداري ومجال تدخله في حماية الاستثمار. المجلة المغربية للادارة المحلية و التنمية. عدد مزدوج 51-52 يوليوز – اكتوبر 2003 ص 31
[3]– عبد الرحمان المصباحي : المادة التحميمية او قابلية النزاع للتحكيم. مجلة القضاء و القانون العدد 154 مطبعة الامنية. الرباط 2009 ص 64
[4]– Lotfy Chedly : administration et arbitrage ( une lecture de l’article 7-5 du code de l’arbitrage ) etude juridique 2006 n 13 p 178
[5] – l’article 2060 du Code civil français، « on ne peut compromettre sur les contestations intéressant les collectivités publiques et les établissements publics ».
[6]– PH. Fouchard ; E.gaillard ; B.goldman : traité de l’arbitrage commercial international، éd، Litec et delta paris 1996 p 333
[7]– اياد محمود بردان : التحكيم و النظام العام، الطبعة الاولى، منشورات الحلبي الحقوقية، 2004 ص 110
[8]– محمد العفس : التحكيم و النظام العام. رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص. كلية الحقوق مراكش. 2009-2010 ص 47
[9]– احمد الورفلي : التحكيم و الجباية، المجلة التونسية للتحكيم، 2007، ص 13
[10]– Farouk Mechri : les insuffisances du code de procédure civille et commerciale et les modifications qui s’imposent، colloque international sur : les entreprise tunisiennes et l’arbitrage commercial international، tunis 2. 3. 4 novembre 1981 p 365
[11]– قرار عن محكمة التعقيب التونسية رقم 28450 بتاريخ 17 مارس 1993 منشور بالمجلة اللبنانية للتحكيم العربي و الدولي العدد 7 ص 86
[12]– Lotfy Chedly : administration et arbitrage ( une lecture de l’article 7-5 du code de l’arbitrage ) etude juridique 2006 n 13 p 179
[13]– ينص الفصل 308 من قانون المسطرة المدنية على : ” يجوز لجميع الأشخاص من ذوي الأهلية الكاملة سواء كانوا طبيعيين أو معنويين أن يبرموا اتفاق تحكيم في الحقوق التي يملكون حرية التصرف فيها ضمن الحدود ووفق الإجراءات والمساطر المنصوص عليها في هذا الباب وذلك مع التقيد بمقتضيات الظهير الشريف الصادر في9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود، كما وقع تغييره وتتميمه ولا سيما الفصل 62 منه”
[14]– حياة بوسكري : مشروعية التحكيم في النزاعات الادارية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص. كلية الحقوق مراكش. 2012-2013 ص 46
[15]– عبد الفتاح بلخال : الضرائب في المغرب. مطبعة دار ابي رقراق. الطبعة الاولى 2009 ص 5
[16]– احمد حليبة : التهرب الضريبي و انعكاساته على التنمية بالمغرب. اطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام. جامعة محمد الخامس كلية الحقوق اكدال. 2007-2008 ص 7
[17]– Pascal ancel : Arbitrage et ordre public fiscal. rev. De. l’arb. 2001 N :2 p 269
[18]– A. Christians : Sovereignty taxation and social contrat. Legal studies research paper. no 1063 august 2008 p 8
[19]– Daniel Altman : Dispute resolution under tax treaties. IBFD amsterdam 2005 P 72
[20]– صلاح حامد : جدوى التحكيم في فض المنازعات الضريبية. م س. ص 26
[22]– Y.Hadari : Compulsory Arbitration in international transfer pricing and other double taxation Disputes. 2009 P 89
[23]– تعتبر الولايات المتحدة الامريكية من اشهر الدول التي تنص صراحة على الاخذ بطريقة البيسبول في اتفاقياتها الثنائية لمنع الازدواج الضريبي ومن أمثلة تلك الاتفاقيات :
– اتفاقية الولايات المتحدة الامريكية و المانيا سنة 1994 و المعدلة ببرتكول ديسمبر 2008 والتي نصت صراحة على التحكيم الالزامي في المادة 25
– اتفاقية الولايات المتحدة الامريكية وبلجيكا سنة 2008 في المادة 24 الفقرة 7 و 8
– اتفاقية الولايات المتحدة الامريكية و كندا والمعدلة ببرتكول 2008 في المادة 25
[24]– Richard Weise : Representing the corporation : Strategies for legal counsel. 1995. P 24
[25]-صلاح حامد : جدوى التحكيم في فض المنازعات الضريبية. م س. ص 28
[26]– Hans van edgom : international dispute resolution and avoidance of double taxation. ministerie van financien. netherlands P 13
[27]– محمد ابو العينين : قابلية المنازعات للتحكيم، سلسلة دفاتر المجلس الاعلى، العدد 6 سنة 2005 ص 86
[28]– محمد العفس : التحكيم والنظام العام، م س. ص 55
[29]– حسام الدين فتحي ناصف : قابلية النزاع للتحكيم في عقود التجارة الدولية، دار النهضة، سنة 1999 ص 42
[30]– مصطفى محمد الجمال و عكاشة محمد عبد العال : التحكيم في العلاقات الخاصة الدولية و الداخلية، ج 1، ط 1، منشورات الحلبي الحقوقية. مصر ص 175
[31]– اياد محمود بردان : التحكيم و النظام العام، م س، ص 175
[32]– القانون الدولي السويسري الخاصة المؤرخ 18 دجنبر عام 1987، والتي دخلت حيز التنفيذ في 1 يناير 1989.
[33]– اياد محمود بردان : التحكيم و النظام العام، م س، ص 176
[34]– القانون رقم 27 لسنة 1994 بإصدار قانون في شأن التحكيم في المواد المدنية والتجارية المنشور في الجريدة الرسمية العدد 16 ( تابع ) صادر فى 21/4/1994
[35]– حسام الدين فتحي ناصف : قابلية النزاع للتحكيم في عقود التجارة الدولية. م س. ص 43
[36]– حياة بوسكري : مشروعية التحكيم في النزاعات الادارية. م س. ص 49
[37]– عبد الله درميش قابلية النزاعات الادارية و الجبائية للتحكيم، ندوة التحكيم الدولية المنظمة في اكادير 2015
[38]– Pascal Ancel : Arvitrage et ordre public fiscal، Op cit. p 227-278
[39]– صلاح حامد : جدوى التحكيم في فض المنازعات الضريبية. م.س. ص 30
[40]– Paul Hopkins : international enforcement of foreign judgments international business law consortium. P 240
[41]– Ibrahim Fadlallah : Arbitrage international et litiges fiscaux. rev de larb. 2001 N2 P 299
[42]– Adrian Rodriguer : international arbitration claims against domestic tax measures deemed expropriatory or unfair and the inequitable، 2006 P 182
[43]– William Park : Arbitrability and tax. Kluwer lax international، 2009، P 182
[44]– Chloe Burnett : international tax arbitration : Australian tax review : Vol 35 n : 3، 2007 p 180
[45]– رمضان صديق : التجنب الضريبي بين الاباحة والحظر في التشريع المقارن و المصري .القاهرة، مصر 2011 ص 37
[46]– Chloe burnett : International tax arbitration. australian review، vol 36 no 3 2007 P 180
[47]– صلاح حامد : جدوى التحكيم في فض المنازعات الضريبية: م س. ص 35


