بين واقع النص وإكراهات التطبيق
الأستاذ زكرياء العماري
المدير المسؤول لمجلة القضاء المدني
مدير المركز الوطني للدراسات والعلوم القانونية
إطار بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
مما لا شك فيه أن مؤسسة الوقف في الوقت المعاصر تنتصب كأحد أهم الوسائل التي يمكن المساهمة بها في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ويدل على ذلك تاريخ هذه المؤسسة، فقد ساهم الوقف عبر التاريخ في تأمين الحاجات الأساسية للمجتمعات الإسلامية، ولفئاتها المعوزة، حتي أصبح من المستحيل الاستغناء عنه بفعل ما أصبح يشكله من ركيزة أساسية لمجابهة الأزمات الاجتماعية، والحد منها ([1]).
ويتميز الوقف من بين كافة صور التبرعات التي تشكل منظومة الفعل الخيري في الإسلام بأنه يختل الإحسان المستدام والمتجدد الذي بإمكانه أن يستمر في تغطية حاجات المرافق والوظائف الاجتماعية التي يرصد لها، بحكم أن التبرع الوقفي هو تبرع بالمنافع دون الأعيان.
إلا أنه لما كان استمرار مؤسسة الوقف في القيام بالأدوار المنوطة بها رهينا بتوفر الموارد المالية اللازمة لتحقيق ذلك، فإن هذا يقتضي الحرص قدر الإمكان محلى تنمية المداخيل وتثميرها، وهو ما يقتضي العمل على الرفع من ريع الوقف.
ولا يجادل اثنان في الدور الذي يلعبه عقد الكراء في تنمية واستثمار الأموال الوقفية، إذ يشكل أهم الوسائل التي تستغل عن طريقها الأموال المحبسة بالمغرب، أمام قصور صور الاستثمار الأخرى، بحيث تشكل حصيلته ما يفوق ثلثي المداخيل التي تدرها الأصول الوقفية.
وأمام هذه الأهمية التي يكتسيها عقد الكراء في هذا الصدد، والدور الذي يؤديه ريع الوقف في تلبية الاحتياجات الأساسية للمجتمع، لا يسما على مستوى النفقات المرتبطة بالحقل الديني بحيث يصرف منه على بناء وصيانة دور العبادة، وأجور القيمين عليها، فإن إدارة الأوقاف ما فتئت تعمل جاهدة على الرفع من مدخول الكراء الحبسي، حيث وضعت مخططا يرمي إلى مراجعة السومة الكرائية لأغلبية المحلات الحبسية، والزيادة فيها، هذه السومة التي تتميز في جل الأحيان بكونها غابنة للحبس بلا خلاف.
إلا أن الملاحظ بهذا الخصوص أن مراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية أصبحت تطرح إشكالا كبيرا على مستوى التطبيق القضائي فيما يخص تحديد المقتضيات التي تحكم هذه المراجعة. ولإلقاء الضوء على هذا الإشكال سنتطرق للموضع في نقطتين نعالج في النقطة الأولى مراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية بين قواعد الفقه والتشريع الوضعي على أن نخصص النقطة الثانية لبيان واقع تطبيق هذه المقتضيات، وموقف القضاء من الموضوع برمته.
المبحث الأول: مراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية بين قواعد الفقه والتشريع الوضعي
يجب التذكير بداية بأن المشرع المغربي قد خص كراء الأملاك الحبسية مهما كان نوعها، سواء كانت محلات سكنية، أم تجارية، وسواء كانت أراضي خلاء أو أراضي فلاحية، بقواعد خاصة تم التنصيص عليها في ظهيرين شريفين صدرا على التوالي خلال فترة الحماية، ويتعلق الأمر بظهير 21 يوليوز 1913 المتعلق بنظام تحسين حالة الأحباس العمومية ([2])، ثم ظهير 22 ماي 1917، في ضبط كراء الأملاك الحبسية لمدة ثلاثة أو ستة أو تسعة أعوام ([3]).
ويترتب على ذلك، أن ينفلت كراء المحلات الحبسية من الخضوع للمقتضيات العامة المنصوص عليها في كل من القانون رقم 79.6 المتعلق بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للأماكن المعدة للسكني أو للاستعمال المهني([4])، وكذا ظهير 24 ماي 1955 المتعلق بعقود كراء الأملاك أو الأماكن المستعملة للتجارة أو الصناعة أو الحرف سواء السكني منه أو التجاري ([5]).
وتأسيسا على ما ذكر؛ فإن المراجعة الدورية للسومة الكرائية للمحلات الحبسية، سواء كانت مخصصة للاستعمال السكني، أو للاستعمال التجاري، وسواء كانت أراض فلاحية أم أراضي خلاء لا يمكن أن تتم – إن كان لها محل – إلا في إطار الضوابط التي يضعها الظهيرين السالفي الذكر، والشروط التي يفصلانها، ولا تخضع للقواعد العامة المتعلقة بالمراجعة الدورية للسومة الكرائية المنصوص عليها في القانون رقم 07-03 المتعلق بكيفية مراجعة أثمان كراء المحلات المعدة للسكني أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي (ثانيا).
غير أنه، ولما كانت مراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية ترتد إلى فكرة أساسها عدم جواز إجارة الوقف بأقل من كراء المثل، فإنه يغدو من الضروري تحديد مفهوم كراء المثل هذا ولو بشكل موجز ( أولا).
أولا: مفهوم كراء المثل أو تحديد السومة الكرائية في الفقه الإسلامي.
لا يوجد في الفقه الإسلامي الذي يعتبر بمثابة قانون بالنسبة للأحباس استنادا للفصل 75 من ظهير 02 يونيو 1915 المحدد للتشريع المطبق على العقارات المحفظة أي تحديد للمبلغ الذي ينبغي أن تؤجر به الممتلكات الوقفية، أو العناصر التي ينبغي مراعاتها فيما يخص هذا التحديد، ذلك أن ناظر الوقف يتمتع بسلطة تقديرية واسعة في تحديد المبلغ المستحق لقاء تأجير الوقف، ولا يقيد حريته في تحديد الوجيبة الكرائية سوى قيد هام يتمثل في كراء المثل.
فبالرجوع إلى قواعد الفقه الإسلامي، نجد أن إجارة الوقف بكراء المثل ([6]) تعتبر قيدا أساسيا يرد على سلطة الناظر، ذلك أن هناك اتفاق لدى جمهور الفقهاء على أن سلطة الناظر في تأجير الأعيان الموقوفة تتوقف على أجرة المثل ([7]).
وإذا كان الفقه الإسلامي متفق بشأن الكراء المنعقد بأقل من كراء المثل، في الحالة التي يكون فيها هذا النقصان يسرا أو زهيدا، حيث تكون الإجارة صحيحة، ولا شيء على الناظر في ذلك لأن النقصان اليسير مما يتغابن فيه الناس عادة، أي أن الناس يقبلونه ولا يعدونه غبنا، فإنهم اختلفوا فيما يخص الكراء المنعقد بأجرة تنقص نقصانا فاحشا عن كراء المثل، فقد ذهب الحنفية إلى أن الإيجار بأقل من أجر المثل الذي قد يصل إلى حد الغبن الفاحش يؤدي إلى فساد العقد، بل صرح في البحر بأنه ينبغي أن يكون ذلك خيانة من المتولي لو كان عالما بذلك ([8])، أما الحنابلة فقد رأوا صحة العقد إذا أجر الناظر بأقل من أجر المثل، ولكن قالوا : بضمان الناظر للنقص في الأجرة، كما يقع للوكيل إذا باع بأنقص من ثمن المثل ([9]). وقد علق ابن رجب في قواعده على قاعدة تعدي الوكيل بقوله : (ولهذا ألحقه القاضي في المجرد، وابن عقيل في الفصول ببيع الوكيل فصححاه وضمناه النقص، ومثله إجارة الناظر للوقف بدون أجرة المثل ([10]).
والمالكية ينهجون نهج الحنابلة إلا أنهم يقرقون بين كون الناظر مليا فيضمن تمام أجرة المثل، وبين كونه معسرا فيرجع على المستأجر لأنه مباشر ([11]).
وبالرغم من إجماع الفقه على عدم جوزا تأجير الوقف بأقل من كراء المثل، فإن الملاحظ بهذا الخصوص أنه لم يضع تعريف لمفهوم كراء المثل هذا، أو أي عناصر يسترشد بها في تحديد ما إذا كانت السومة الكرائية المكرى بها الوقف مطابقة لكراء المثل، أم لا.
وفي نظرنا فإن عدم وجود هذا التحديد لا يطرح أي إشكال بخصوص تحديد هذه العناصر ما دام أنها لن تخرج عن تلك التي كان يعتمدها القضاء المغربي قبل دخول مقتضيات القانون 07-03 المتعلق بمراجعة أثمان المحلات المعدة للسكني أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي آو الحرفي، حيز التنفيذ، والتي تتمثل في الأخذ بعين الاعتبار موقع العين المكتراة، ومساحتها، ومواصفاتها ومشتملاتها، وملحقاتها، ومبلغ رأس المال الموظف فيها، إلى غير ذلك من العناصر التي تسهم في تحديد القيمة الإيجارية للعقار.
ثانيا: مراجعة السومة الكرائية للمحلات الوقفية على ضوء الضوابط الحبسية
مما يلاحظ من خلال الاطلاع على مختلف المقتضيات المتعلقة بكراء الأملاك الوققية بأن المشرع المغربي لم يحدد أي مسطرة خاصة لمراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية، ولا النسب التي ينبغي أن يتم أخذها بعين الاعتبار في تحديد مبلغ الزيادة في الوجيبة الكرائية، سواء تعلق الأمر بظهير 21 يوليوز 1913 أو بظهير 22 ماي 1917.
غير أن عدم وضع ضوابط خاصة بمراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية، لا يعني أن المشرع المغربي لم يول اهتماما لمسألة وضع الضوابط التي من شأنها أن تحمي الأوقاف من الغبن الذي قد يلحق بها نتيجة عدم مسايرة الوجيبة الكرائية للتغيرات الاقتصادية، بل على العكس من ذلك، فإن تأمين كراء المحلات الحبسية بثمن المثل شكل هاجسا لهذا المشرع إبان وضعه للمقتضيات التشريعية المنصوص عليها بظهيري 21 يوليوز 1913 و 22 ماي 1917، وهو ما جعله يعمل من أجل تحقيق هذه الغاية على وضع مبدأين اثنين يشكلان خاصية مميزة للكراء الحبسي، يتعلق أولهما بتأقيت عقد الكراء، بحيث يبرم هذا العقد لمدة محددة تختلف باختلاف طبيعة الملك الحبسي موضوع الكراء، وتتراوح ما بين سنة واحدة وتسع سنوات، غير قابلة للتجديد، بينما يتعلق الثاني بإخضاع عملية الكراء هذه للسمسرة العمومية ضمانا لشفافية العملية.
وهكذا، فبالرجوع إلى الباب الأول من ظهير 21 يوليوز 1913، فإن المحلات الحبسية المعدة للاستعمال السكني أو التجاري (العقارات المبنية كالحوانيت والفنادق والأهرية والحمامات ) يتم كراؤها حسبما جاء في الشرط الأول لمدة عامين عن طريق السمسرة العمومية، كما تكرى أيضا للحراثة الأراضي الخالية البناء سواء كانت داخل المدار الحضري أم خارجه لمدة عام واحد بالمناداة العمومية أيضا، على أن ترسو السمسرة في الحالتين معا على آخر مزايد على الثمن الذي يتم تحديده من طرف الناظر وتفتتح به المزايدة . أما الأراضي الخالية من البناء والعقارات الخراب فيتم كراؤها عن طريق السمسرة العمومية لمدة عشر سنين، إما بمبادرة من الإدارة أو بطلب من الغير، وتقوم اللجنة بإرسائها على أكثر وأخر مزايد على القدر السنوي الذي يعرضه طالب السمسرة، كما ينص على ذلك الشرط الأول من الباب الثاني المتعلق بالأكرية لأجل بعيد من نفس الظهير.
وتطبيقا لمقتضيات ظهير 22 ماي 1917 المتعلق بكراء الأملاك الحبسية، فإن الأراضي الحبسية وكذا المحلات المعدة لممارسة التجارة، (أملاك الرباع التي موقعها معد للبيع أو الشراء كما جاء في نص الطهير)، يتم كراؤها عن طريق السمسرة العمومية لمدة من ثلاثة أو ستة أو تسعة أعوام . ويتم إرساء السمسرة على آخر مزايد على الثمن الافتتاحي الذي تحدده لجنة السمسرة إما بناء على خبرة، أو على الثمن المقترح في الطلبات التي يقدمها الأغيار مبدين فيها رغبتهم في كراء هذه الأملاك الحبسية.
ويترتب على انقضاء مدة الكراء في جميع الحالات، أن يكون المكتري ملزما بإفراغ المحل المكرى له على حالة حسنة، ودون أن تكون هناك أي إمكانية لتجديد العقد كما يستفاد ذلك مما نص عليه الشرطين الثامن والتاسع من الباب الأول والثاني على التوالي من ظهير 21 يوليوز 1913، والشرط الحادي عشر من ظهير 22 ماي 1917 المتعلق بكراء الأملاك الحبسية، ليتم عرضه من جديد على السمسرة وفق نفس الإجراءات التي تم بها كراؤه لأول مرة .
وتأسيسا على ما سبق، يلاحظ أن طابع التأقيت يهيمن جليا على عقود كراء الأملاك الحبسية، سواء تعلق الأمر بتلك المنصبة على المحلات التجارية أو السكنية، أو تلك الواردة على الأراضي الخالية من البناء سواء كانت معدة للفلاحة، أو للتجارة والصناعة . إذ تكتسي المدة فيها عنصرا جوهريا، .مما ينجم عنه أن يعتبر العقد منتهيا بمجرد انتهاء مدته، ويلزم المكتري بإفراغ المحل المكترى دون الحاجة إلى سلوك أي مسطرة للإفراغ، وذلك على خلاف ما هو منصوص
عليه في المقتضيات العامة للكراء. وهو ما يبرر عدم تنصيص الظهيرين المنظمين لعملية كراء الأملاك الحبسية بمختلف أنواعها على أي مقتضيات تخص المراجعة الدورية للسومة الكرائية، مادام أن القصد والغاية من وضع مسطرة المراجعة الدورية للسومة الكرائية كأصل عام هو جعل مبلغ الوجيبة الكرائية معادلا للسومة الوقتية، وأن إخضاع عملية كراء المحلات الحبسية للسمسرة العمومية كفيل بتحقيق هذه الغاية ما دام أن ما جرى به العمل في تحديد مبلغ انطلاق المسمسرة هو أن يتم تحديده من قبل خبير ينتدب لهذا الغرض من طرف الناظر مراعيا فيه جميع العناصر المتعلقة بالعين المكتراة، ومساحتها وموقعها ومرافقها، وخصائصها المميزة، ليحال بعد ذلك هذا التقويم على الوزارة قصد المصادقة، والإذن بإجراء السمسرة، أضف إلى ذلك أن عملية المزايدة على الثمن الافتتاحي الذي تنطلق به السمسرة من شأنه أن يسمح بتجاوز هامش الخطأ الذي قد يطبع تقويم الخبير لهذا الثمن.
المبحث الثاني: مراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية بين إكراهات الواقع وتوجهات القضاء
بالرغم من طابع التأقيت الذي يلازم إبرام عقد الكراء الحبسي، فإن ما أفرزته التجربة العملية أن إدارة الأوقاف لا تلقي بالا للمدة في عقود كراء المحلات الحبسية، بحيث تتغاضى عن عرض المحلات الحبسية التي انتهت مدة كرائها – سواء تلك الواقعة بالمدار الحضري، أم خارجه، وسواء تعلق الأمر بمحلات مخصصة للسكن، أم للاستغلال التجاري، على السمسرة العمومية، كما تنص على ذلك المقتضيات المنصوص عليها في كل من ظهير 21 يوليوز 1913 أو بظهير 22 ماي 1917 – ما عدا بعض الاستثناءات المتعلقة بالأراضي الفلاحية – مادام المكتري ملتزما بأداء وجيبة الكراء في وقتها، ومادام مبلغ الكراء يساير السومة الوقتية لمحلات بنفس المواصفات ([12]).
ويرجع السبب في ذلك إلى المعيقات التي تنتصب في وجه مسطرة عرض هذه المحلات على السمسرة العمومية بعد انتهاء مدة كرائها المنصوص عليها قانونا، والتي تتمثل في كثرة الأملاك الوقفية المستغلة عن طريق الكراء والتي تحصى بالآلاف، وقصر مدة الكراء هذه، مما يتطلب موارد بشرية كبيرة وإمكانات مالية هائلة، لا سبيل لإدارة الأوقاف إليها في الوقت الراهن.
هذا، وحفاظا لحقوق الوقف، وضمانا لأن تكون قيمة الوجيبة الكرائية التي يؤديها مستغلو الأملاك الوقفية مساوية لكراء المثل، ومسايرة للتغيرات الاقتصادية، فإن إدارة الأوقاف تلجأ إلى تضمين عقود الكراء المبرمة بينها وبين هؤلاء الأخيرين بندا في عقد الكراء يقضي بالتزامهم بالزيادة في مبلغ الكراء بعد مرور ثلاث سنوات، كما تعمد بالنسبة للأحباس المكتراة منذ مدة طويلة، والتي أصبحت سومتها الكرائية زهيدة إلى استدعاء أصحابها ومطالبتهم بمراجعة السومة الكرائية للمحلات التي يكترونها وديا.
والملاحظ على المستوى العملي، أن المكتري كثيرا ما يرفض الاستجابة لطلب الأوقاف الرامي إلى الزيادة في السومة الكرائية، أو يقترح في أحايين كثيرة زيادة بسيطة لا تتناسب البتة مع القيمة التي أصبح يكتسيها الملك المكرى سواء من حيث موقعه، أو قيمته، أو خصائصه ومشتملاته، مما لا تجد معه إدارة الأوقاف بدا من إلى طرق أبواب القضاء بغية إلزامه بالزيادة في وجيبة الكراء.
غير أنه، وأمام خلو الظهائر الحبسية من أي مقتضيات خاصة بمراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية، فإن ما يلاحظ بهذا الخصوص أن إدارة الأوقاف كاشا ترتكز في مطالباتها القضائية هذه إما على المقتضيات المنصوص عليها في النصوص القانونية الجاري بها العمل، والتي تخول للمكتري الحق في مراجعة السومة الكرائية بعد مرور مدة معينة على إبرام العقد، أو آخر مراجعة لهذه الأخيرة، وذلك بصرف النظر عما إذا تعلق الأمر بمحلات مخصصة للاستعمال السكني أو المهني أو بمحلات معدة للاستغلال التجاري أو الصناعي ([13])، وإما على أن السومة المكرى بها المحل لم تعد مناسبة، ولم يطرأ عليها أي تغيير منذ مدة طويلة، وأن تقلب الظروف الاقتصادية قد تسبب في الرفع من القيمة الكرائية للعقارات الشيء الذي نتج عنه عدم تناسب السومة الحالية مع الظروف الراهنة، وهي اعتبارات تتمحور كلها حول عدم تناسب السومة الكرائية للمحلات الحبسية موضوع دعوى المراجعة مع كراء المثل الذي يعتبر عنصرا أساسيا لصحة الأكرية الواردة على العقارات المحبسة ([14]).
ومما يمكن تسجيله من خلال تفحص عدد لا يستهان به من الأحكام الصادرة عن المحاكم المغربية بمختلف درجاتها والتي استطعنا الاطلاع عليها، أن موقف القضاء المغربي من الطلبات المقدمة من طرف الجهة الوصية على الأوقاف بالمغرب، يتسم بالاختلاف والتضارب، إن لم يكن يصل أحيانا حد التناقض على مستوى المحكمة الواحدة .
ويمكن تصنيف هذه الأحكام بحسب الموقف الذي تتخذه من الطلبات المذكورة إلى اتجاهين رئيسيين، يقوم الأول منهما على قبول طلبات المراجعة، مع إخضاعها لتلك المقتضيات العامة المتعلقة بمراجعة الوجيبة الكرائية (أولا)، بينما ينحو الاتجاه الثاني منح الرفض، .مما ينجم عنه عدم الاعتراف بأحقية كل من الجهة المشرفة على الوقف، وكذا المكترين المتعاقدين معها في سلوك مسطرة المراجعة هذه (ثانيا).
أولا: إخضاع المحلات الحبسية للمقتضيات العامة المتعلقة بالمراجعة الدورية للسومة الكرائية.
ينبني هذا الاتجاه الذي تعتنقه جملة من المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف، على تسوية المحلات الحبسية مهما كان الغرض المرصودة له، بالمحلات المملوكة للخواص، وإخضاعها تبعا لذلك للمقتضيات القانونية المتعلقة بمراجعة الوجيبة الكرائية التي تسري على هذه الأخيرة، مع التمييز بطيعة الحال في ذلك بين المحلات المعدة للاستعمال السكني والمهني، وبين تلك المخصصة لمزاولة نشاط تجاري أو صناعي أو حرفي بها.
وتطبيقا لذلك؛ نجد من هذه الأحكام ما يستند بكيفية صريحة إلى مقتضيات القانون رقم 6.79 المتعلق بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للأماكن المعدة للسكني أو للاستعمال المهني، كلما تعلق الأمر بمحل حبسي سكني، وعلى ظهير 5 يناير 1953 بشأن مراجعة القيمة الكرائية للمحلات المعدة لاستغلال تجاري أو صناعي أو حرفي، إذا تعلق الأمر بمحلات حبسية تستغل لممارسة نشاط تجاري، وذلك قبل أن تنحو نحو تطبيق مقتضيات القانون 07-03 المتعلق بمراجعة أثمان المحلات المعدة للسكني أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي آو الحرفي، الذي عوض الظهيران المذكوران.
وهكذا، ففيما يتعلق بالمحلات الحبسية السكنية يتم الاستناد إلى مقتضيات القانون رقم 6.79، لتبرير مراجعة الوجيبة الكرائية لمحل حبسي، فعلى مستوى محاكم الدرجة الأولى نجد المحكمة الابتدائية بفاس في حكمها الصادر بتاريخ 7/7/2005، والذي جاء فيه : ” بناء على القانون رقم 6.79 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف 1.80.315 بتاريخ 25 دجنبر 1980، وفي إطاره، (…) وحيث أنه بمقال افتتاحي … طلبت المدعية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في مواجهة المدعى عليه الحكم برفع القيمة الكرائية للمحل الكائن ب … والمعد للسكني من مبلغ 915 درهم إلى مبلغ 1500 درهم … وحيث أمرت المحكمة بتاريخ 7/4/2005 بانتداب الخبيرة السيدة … للمعاينة والتقويم، وحيث رفعت الخبيرة المنتدبة تقريرها المؤرخ في 30/5/2005، حددت فيه القيمة الكرائية الشهرية لمحل النزاع في مبلغ 1170، وحيث أن الخبرة جاءت مستوفية لجميع الشروط القانونية، الأمر الذي يتعين معه المصادقة عليها من سما المبدأ، إلا أن المحكمة بما لها من سلطة تقديرية وأخذا بعين الاعتبار لموقع المحل ومواصفاته ترى تحديد السومة الملائمة في مبلغ 1120 درهم … ” ([15]).
كما تبنت المحكمة الابتدائية بمكناس هذا النهج في حكمها الصادر بتاريخ 8/04/1992 إذ نص على ما يلي: ” حيث إن الطلب يهدف إلى رفع السومة الكرائية للمحل السكني الذي يشغله المدعى عليه على وجه الكراء من الأحباس بسومة قدرها 200 درهم، ….. وحيث أمرت المحكمة بانتداب الخبير (…) للوقوف على عين المحل وإعطاء قيمته الكرائية الوقتية …. وحيث أنجز الخبير المنتدب مهمته واضعا تقريرا مؤرخا في 25/2/1992 اقترح فيه رفع السومة الكرائية إلى مبلغ 250 درهم، … وحيث أعطى الخبير بتقريره مواصفات المحل وأجاب عن وضعيته السكنية من حيث الموقع والمساحة والبناء وعدد مرافق العين المكراة والمزايا التي يتوفر عليها، واستعان في التقويم بحالة الأسعار وما عرفته الظروف الاقتصادية من ارتفاع متزايد في الأثمان طيلة المدة التي بقيت خلالها السومة الكرائية مستقرة مما أصبحت معه المحكمة تتوفر على العناصر اللازمة لمعرفة الكراء المناسب والواجب دفعه من طرف المدعى عليه، وحيث ارتأت المحكمة اعتبارا لقدر الكراء السابق ومراعاة لمعطيات الخبرة وما حملته من عناصر وفي نطاق ما لها من صلاحية لتقدير الكراء المناسب رفع السومة الكرائية لمبلغ 250 درهم . وبناء على مقتضيات ظهير 25/12/1980……. ” ([16]).
وتبنت محكمة الاستئناف بفاس نفس النهج، بمقتضى قرارها المؤرخ في 28/5/2001، والذي قضت فيه بما نصه ” حيث إنه بالرجوع إلى الخبرة المعتمد عليها في إصدار الحكم المستأنف نجد أن الخبير المعين لها قد اعتمد كافة العناصر التقديرية بحيث وصف المحل وصفا شاملا على أنه عبارة عن شقة توجد بشارع رئيسي مهم بالمدينة الجديدة، وحدد مرافقها ومساحتها على أنه 121.57 متر مربع، وعلى ضوء هذه المواصفات حدد رأسمالها في مبلغ مناسب، كما حدد نسبة التطور الاقتصادي في 30 %، وهي نسبة تتلاءم مع الوضعية الاقتصادية الحالية للعقارات، إلا أن هذا العنصر لا يدخل ضمن عناصر التقدير طبق مقتضيات ظهير 1980، والمحكمة اعتبارا منها لمواصفات المحل الواردة بالتقرير ترى تحديد السومة الكرائية الجديدة للمحل في مبلغ 600 درهم ” ([17]).
وبدورها سارت محكمة الاستئناف بطنجة في نفس الركب بموجب قرارها الصادر في 28/04/2004 ([18])، والذي أيدت بمقتضاه الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بالقصر الكبير بتاريخ 05/02/2002، والذي حكم استنادا لمقتضيات ظهير 25/12/1980، بالرفع في السومة الكرائية للحمام الذي تكتريه المدعى عليها من إدارة الأوقاف” ([19]).
أما على مستوى المحلات التجارية، فقد كانت المحاكم تركن إلى ظهير 5 يناير 1953 بشأن مراجعة القيمة الكرائية للمحلات المعدة لاستغلال تجاري أو صناعي أو حرفي، حيث نجد في هذا الصدد الأمر الاستعجالي الصادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بفاس، والصادر بتاريخ 1/6/2005 ملف رقم 107/05، ومما جاء فيه : “بناء على الظهير الشريف الصادر في 18 ربيع الثاني 1372 الموافق 5 يناير 1953 بشان مراجعة القيمة الكرائية للمحلات المعدة لاستغلال تجاري أو صناعي أو حرفي، وفي إطاره، وبعد التأمل طبقا للقانون . (..) وحيث يتعلق الأمر بمراجعة السومة الكرائية للمحل الكائن بعنوان المدعى عليها المعد لاستغلال تجاري، وحيث وقد توفرت لدينا العناصر اللازمة للبت في الطلب والحال أن تقرير الخبرة جاء على الشكل القانوني ومراعيا لجميع المقتضيات التي تضمنها الحكم التمهيدي المشار إليه أعلاه، لكن حيث وأنه وتبعا لما نتوفر عليه من سلطة تقديرية وبعد الأخذ بعين الاعتبار موقع المحل ومساحته ومواصفاته نرى تحديد السومة الكرائية المناسبة له في مبلغ 650 درهما خلافا لما توصل إليه الخبير لإجحافه في تقديراته …” ([20]).
كما جاء في الأمر الاستعجالي المؤرخ في 8/04/1992، والصادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بمكناس “حيث إن الطلب يهدف إلى رفع السومة الكرائية للمحل الحبسى الذي يشغله المدعى عليه على وجه الكراء من الأحباس بسومة قدرها 200 درهم، (…) وحيث أمرت المحكمة بانتداب الخبير (…) للوقوف على عين المحل وإعطاء قيمته الكرائية الوقتية بعدما ثبت لها انصرام الأجل القانوني على السومة الكرائية، …. وحيث أنجز الخبير المنتدب مهمته واضعا تقريرا مؤرخا في 28/2/1992 اقترح فيه رفع السومة الكرائية لمبلغ 300 درهم،…
وحيث أعطى الخبير بتقريره مواصفات المحل وأجاب عن وضعيته من حيث الموقع والمساحة والبناء وعدد مرافق العين المكراة والمزايا التي يتوفر عليها، واستعان في التقويم بحالة الأسعار وما عرفته الظروف الاقتصادية من ارتفاع متزايد في الأثمان طيلة المدة التي بقيت خلالها السومة الكرائية مستقرة مما أصبحت معه المحكمة تتوفر على العناصر اللازمة لمعرفة الكراء المناسب والواجب دفعه من طرف المدعى عليه، وحيث ارتأت المحكمة اعتبارا لقدر الكراء السابق ومراعاة لمعطيات الخبرة وما حملته من عناصر وفي نطاق ما لها من صلاحية لتقدير الكراء المناسب رفع السومة الكرائية لمبلغ 250 درهم، وبناء على مقتضيات ظهير 05/01/1953، …” ([21]).
واعتمدت محكمة الاستئناف بفاس على نفس الطهير لتبرير الزيادة في السومة الكرائية لمحل تجاري حبسي، وذلك في قرارها المؤرخ في 29/4/2002، وقد عللت قرارها هذا بما يلي : “حيث أنه طلب مراجعة ثمن الكراء يتعلق بدكان حبسي رصد للاستعمال التجاري فإنه ثبت من الخبرة المجراة بمقتضى الأمر المطعون فيه من قبل (…) قد أفادت بأن التقلبات التي طرأت على الميدان الاقتصادي كانت بنسبة 30 0/0، وبذلك تكون قد أحدثت تغيرات في السومة الكرائية بما يفوق ربع قيمتها كما يتطلب ذلك الفصل الثاني من ظهير 5 يناير 1953. وحيث أنه طالما قد تحقق الشرط المنصوص عليه في الفصل المذكور كشرط لقبول دعوى المراجعة، وبناء على باقي عناصر التقويم الأخرى فإن المحكمة ترى أن القيمة الكرائية المقضى بها بمقتضى الأمر المطعون فيه تتسم ببعض المبالغة، وترى تخفيضها إلى القدر الحالي الذي لا ضرر فيه ولا ضرار على طرفي النزاع، مع جعل الصائر مناصفة بينهما” ([22]).
كما عثرنا في هذا الإطار على قرار للمجلس الأعلى نص فيه بشكل صريح على خضوع مراجعة أكرية المحلات الحبسية التي تزاول فيها التجارة لظهير 5 يناير 1953، حيث جاء فيه “إذا كانت الأملاك الحبسية لا تخضع لمقتضيات ظهير 24 ماي 1955، فإن ما قضى به الحكم المطعون فيه من مراجعة سومة كراء المحل التجاري المتنازع فيه يجد أساسه في ظهير 5 يناير 1953 الذي تسري مقتضياته على الأماكن المستعلمة للتجارة من غير استثناء…” ([23]).
والملاحظ في هذا الصدد أنه بعد صدور القانون رقم 07.03 المتعلق بمراجعة أثمان المحلات المعدة للسكني أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي، فقد أصبحت محاكم الدرجة الأولى، ومعها محاكم الاستئناف تعتمد على مقتضياته للفصل في طلبات مراجعة السومة الكرائية المقدمة إليها بخصوص محلات حبسية، سواء التجارية منها أو السكنية.
ففي هذا الإطار قضت المحكمة الابتدائية بفاس بتاريخ 7/10/2009، بما يلي “حيث يهدف الطلب إلى الحكم برفع السومة الكرائية للحانوت الحبسي … من مبلغ 520 إلى مبلغ 572 درهم في الشهر ابتداء من تاريخ الطلب،… وحيث أنه بالرجوع إلى الالتزام المدلى به يتضح بأن السومة الكرائية للمحل الحبسي حددت في مبلغ 520 درهم ابتداء من شهر مارس 2005، مما تكون معه مدة الثلاث سنوات المنصوص عليها في المادة الثالثة من القانون رقم 07.03 ثابتة في النازلة، وحيث أنه استنادا للمادة الرابعة من نفس القانون يتعين رفع السومة الكرائية إلى مبلغ 572 درهم في الشهر أي بزيادة 10% ([24]).
كما استندت المحكمة الابتدائية بالجديدة، (مركز أزمور) على مقتضيات المادة الرابعة من القانون رقم 07.03، وحكمت على المدعى عليه بزيادة نسبة 15 % من السومة الكرائية باعتبار المدعى فيه دكانا حبسي يستغل في التجارة([25]).
وفي نفس السياق دائما أيدت محكمة الاستئناف بفاس بمقتضى قرارها المؤرخ في 15/09/2010، الحكم عدد 4818 الصادر عن المحكمة الابتدائية بنفس المدينة بتاريخ 23/09/2009 في الملف عدد 2290/09، والقاضي بالزيادة في السومة الكرائية، حيث عللت المحكمة قرارها هذا ” حيث أن السومة الكرائية المطلوب مراجعتها محددة في 380 درهما، ولذلك فإن المحل السكني ( الحبسي ) يتعين أن تطبق عليه المادة الخامسة من الطهير الشريف رقم 134/07/1 الصادر في 30/11/2007، وليس المادة 4، كما أن المادة 5 نصت على أن التحديد يرجع إلى الصلطة التقديرية للمحكمة ([26])”.
وإذا كانت الأحكام المذكورة قد عملت بكيفية صريحة لا لبس فيها على إبراز النص القانوني الذي أخضعت له على وقائع القضية، فإن ما يسجل بهذا الصدد أن هناك عديدا من الأحكام التي استنكفت حتي عن بيان النص أو المقتضى القانوني الذي يحكم النازلة المعروضة عليها، ويبرر ما قضت به من زيادة، حتي يتمكن المجلس الأعلى من بسط رقابته على حسن تطبيق المحكمة الصادر عنها حكم من هذا القبيل للقانون التطبيق السليم.
صحيح أن عدم إبراز القانون المطبق لا يعيب الحكم ما دام قد جاء موافقا للقانون كما استقر على ذلك المجلس الأعلى في العديد من اجتهاداته، إلا أن هذا لا ينفي الفائدة النظرية البحتة على الأقل لعموم الباحثين في هذا المجال، لا سيما وأن المسألة خلافية كما سيتراءى لاحقا، ويتنازع تطبيقها نصين شديدي التباين.
ومن هذه الأحكام على سبيل المثال لا الحصر، نذكر الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بوجدة في 16 دجنبر 1992، حيث ورد في تعليل المحكمة ما يلي : “حيث إن طلب الجهة المدعية يرمي إلى الحكم بالرفع من السومة الكرائية للعمارة الواقعة ب (…)، وذلك من مبلغ 112932 درهم إلى مبلغ 27.3600.
واحتياطيا تعيين خبير لتقدير السومة الكرائية الحقيقة للمحل موضوع النزاع مع النفاذ المعجل والصائر والإجبار في الحد الأدق، (…) وحيث أن المحكمة قد أمرت تمهيديا بإجراء خبرة أسندتها للخبير (000) الذي اقترح في تقريره المنجز بتاريخ 23/12/1993 تحديد مجموع الكراء السنوي للعمارة بأكملها في مبلغ 178.000 درهم في السنة. وحيث أن المحكمة واستئناسا بما وصلت إليه الخبرة وبما لها من سلطة تقديرية ارتأت المصادقة على تقرير الخبرة، وحيث أن طلب مراجعة الكراء يكون من تاريخ تقديم الطلب، وحيث أن خاسر الدعوى يتحمل صائرها ([27])”.
وكذا حكم المحكمة الابتدائية بفاس الصادر تحت رقم 3312، والذي جاء فيه : “حيث يهدف الطلب إلى الحكم برفع السومة الكرائية إلى 1250 درهم، وحيث نازعت المدعى عليها في الزيادة، وحيث إن المحكمة وفي سبيل إيجاد العناصر اللازمة للبت أمرت بإجراء خبرة عهد بها إلى الخبير (…)، وحيث خلص الخبير المنتدب في تقريره المؤرخ في 2/11/2007 إلى أن السومة الكرائية هي 1057 درهم، وحيث إن الخبرة أتت مستوفية لجميع الشروط القانونية كما أن تقديراتها أتت موضوعية بالنظر لموقع المحل ومواصفاته مما ترى معه المحكمة المصادقة عليها وتحديد السومة الكرائية في مبلغ 1057 درهم” ([28]).
كما نجد أيضا حكم ابتدائية الدار البيضاء بتاريخ 09/02/1999، والذي جاء في تعليلاته بما نصه ” حيث إن موضوع الدعوى يرمي إلى مراجعة السومة للعقار الحبسي الكائن الذي تستغله شركة صوبريك على وجه الكراء مخصص للاستعمال كمكتب لها، وحيث انتدبت المحكمة الخبير (…) لمعاينة المحل واقتراح السومة الحقيقة والمناسبة لكرائه الشهري، وحيث اقترح الخبير السومة الشهرية المحددة في مبلغ 7000.00 درهم، وحيث إن المحكمة في إطار ما لها من سلطة تقديرية في هذا المجال وعلى ضوء ما جاء في تقرير الخبرة من مواصفات للمحل باعتباره يوجد في أحد أهم شوارع مدينة الدار البيضاء، واعتبارا لمساحته وأخذا بعين الاعتبار ما ورد في تقرير الخبرة المدلى بنسخة منه من طرف المدعى عليها، والذي يتعلق بمحل مجاور للمحل موضوع الدعوى، فإنها ترى أن السومة المناسبة للمحل هي 5700 درهم، بدخول النظافة ابتداء من تاريخ الطلب ” ([29]).
ثانيا: استبعاد الكراء الحبسي من الخضوع للمقتضيات العامة المتعلقة بالمراجعة الدور للسومة الكرائية.
على خلاف الاتجاه الأول الذي ذهب إلى إخضاع مراجعة الوجيبة الكرائية للمحلات الحبسية للمقتضيات العامة المتعلقة بمراجعة السومة الكرائية المنصوص عليها في كل من القانون رقم 6.79 المتعلق بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للأماكن المعدة للسكني أو للاستعمال المهني، كلما تعلق الأمر بمحل حبسي سكني، وفي ظهير 5 يناير 1953 بشأن مراجعة القيمة الكرائية للمحلات المعدة لاستغلال تجاري أو صناعي أو حرفي، إذا تعلق الأمر بمحلات حبسية تستغل لممارسة نشاط تجاري، بالإضافة إلى تلك الواردة في القانون 07-03 المتعلق بمراجعة أثمان المحلات المعدة للسكني أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي، فإن هناك اتجاها ثانيا ظل يرفض أي مراجعة للسومة الكرائية للمحلات الحبسية خارج إطار ظهيري 21 يوليوز 1913 و 22 ماي 1917، سواء تعلق الأمر بطلبات الزيادة المقدمة من طرف الأوقاف المتعلقة بمحل سكني أو تجاري، أو بتلك المكترين الرامية إلى التخفيض من الوجيبة الكرائية بدعوى كونها مغالى فيها.
ففي هذا الصدد قضت المحكمة الابتدائية بمراكش، في حكمها المؤرخ في 3/3/2008، برفض طلب الأحباس الرامي إلى رفع وجيبة الكراء لمحل سكني والذي قدم استنادا إلى بند في العقد يقضي بالزيادة في أجرة الكراء، ولمقتضيات القانون المنظم لكراء الأملاك السكنية رقم 79-06.
ومما عللت به المحكمة المذكورة حكمها هذا نجد ما يلي : ” حيث إن الطلب يرمي إلى رفع الوجيبة الكرائية من 1220 درهم شهريا إلى 2500 درهم ابتداء من تاريخ الطلب واحتياطيا إجراء خبرة لتحديد الوجيبة الكرائية الملائمة للمحل، و قد استند المدعي في طلبه إلى البند الثالث من عقد الكراء الذي ينص على الزيادة في الوجيبة الكرائية على رأس كل ثلاث سنوات، واستنادا للفصل 280 من قانون الالتزامات والعقود، والتغيرات الواقعة في الظروف الاقتصادية، وكذا قواعد الفقه التي تحث على ألا يبخس الحبس . لكن حيث إن المحل المدعى فيه هو عقار حبسي أبرم عقد كرائه لمدة سنتين بالمزايدة العلنية ووفق البنود العامة المنصوص عليها في ظهير 16 شعبان 1331 الموافق ل 21/7/1913 المنظم لكراء العقارات الحبسية ومن بينها المساكن، ولا يوجد بين بنود هذا الظهير أي نص يخول للأوقاف المطالبة بالزيادة في الوجيبة الكرائية، كما أن القاعدة المستمدة من هذا الظهير، والتي يجب بمقتضاها أن يقع كراء الأملاك الحبسية بطريقة المزاد العلني تمنع حتما المضاربة، وتوجب حتما إجراء مزاد علني جديد بعد انتهاء مدة العقد حتي لا يبخس الحبس، أما بالنسبة للشرط موضوع الفصل الثالث فلا يجد أساسا له في القانون المنظم لكراء الأملاك الحبسية والذي يتعين خضوع العقد لبنوده دون غيرها، كما أن قواعد قانون الالتزامات والعقود والقانون المنظم لكراء الأملاك السكنية رقم 79-06 المعدل بالقانون 99-63 لا يطبق على عقود الكراء المبرمة مع الأحباس، وإنما تطبق عليها القوانين الخاصة بها. وأمام خلو هذه القوانين من أي نص يعطي للمدعية الحق في مطالبة المدعى عليه كمكتري بالزيادة في الوجيبة الكرائية فإن الطلب يكون غير مرتكز على أساس قانوني، ووجب رفضه ” ([30]).
كما صدر عن ذات المحكمة حكم قضى بنفس ما قضى به الحكم الأول، جاء فيه : “حيث إن طلب المدعى يروم الحكم برفع السومة الكرائية للشقة التي يشغلها منه المدعى عليه على وجه الكراء، وذلك تنفيذا لمقتضيات الفصل الثالث من عقد الكراء الرابط بين الطرفين والذي ينص على الزيادة في سعر الكراء كل ثلاث سنوات، وحيث أدن كراء المحل المدعى فيه تنظمه مقتضيات قانون خاص هو الظهير المنظم لتحسين الأحباس العمومية المؤرخ في 16 شعبان 1331، الموافق 21/07/1913 الذي ينص على كيفية إجراء سمسرة كراء الملاك الحبسية لعام أو عامين، ولأمد بعيد وسمسرة المعاوضات وبيع الغلل وهو القانون الذي أبرم في إطاره عقد الكراء الرابط بين طرفي الدعوى وفق ما هو منصوص على ذلك صراحة بذات العقد. وحيث مادام الأمر على هذا النحو فإن مراجعة السومة الكرائية لهذا المحل يتعين أن تتم في نفس الإطار أي القانون أعلاه، مع ما ينص عليه من سمسرة عمومية، وبالتالي فإن القضاء يبقى غير مؤهل للبت في طلب مراجعة السومة الكرائية لمحل وضع قانون خاص ضوابط خاصة لتحقيق هاته المراجعة الأمر الذي لا يسع معه إلا التصريح بعدم الاختصاص للبت فيه ” ([31]) .
وبذلك تكون المحكمة قد كرست نفس الموقف الذي سبق لها أن تبنته في حكمها الصادر بتاريخ 30/09/1985، والقاضي برفض إخضاع مراجعة السومة الكرائية للمحلات الوقفية للمقتضيات العامة، حيث عللته بما يلي ” حيث أن عدم سلوك كراء مسطرة المزاد العلني المنصوص عليها في الظهير (ظهير 21 يوليوز 1913) لا يمكن إطلاقا أن يتخذ لتعطيل أحكام هذا الظهير خصوصا وأنه لم يرد ضمن فصوله أي طريقة لمراجعة الكراء، وأن كل من نص عليه بقاعدة آمرة هو أن العقد يبرم لمدة سنتين، وهذا دليل على أن المشرع قد حرم إجراء أي مراجعة كرائية فيما يخص كراء المحلات الحبسية، وحيث يبقى والحالة هذه أن الظهير الواجب التطبيق هو ظهير 21 يوليوز 1913 دون غيره من القوانين، بوصفه القانون الخاص الذي ينظم العلاقة الكرائية للأملاك الحبسية وأن أي طلب للمراجعة لا يكون مقبولا في ظل هذا القانون الذي أوصد الباب لمثل هذه الدعوى . ” ([32]).
كما يلاحظ في نفس السياق أن المحكمتين الابتدائيتين بكل من فاس ومكناس واللتين ما فتئتا تخضع طلبات مراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية لمقتضيات كل من ظهير 5/01/1953، والقانون رقم 06.79 والقانون 07.03، تعمد إلى الدفع بخضوع كراء المحلات الحبسية لتشريع خاص لرفض طلبات التخفيض من الوجيبة الكرائية للمحلات الحبسية، والتي يقدمها مكترو هذه الأخيرة، حيث نجد في تعليل حكم للأولى مؤرخ في 28/3/2007 ما نصه:
“حيث يهدف الطلب إلى الحكم بالتخفيض من السومة الكرائية، وحيث أن الثابت من وثائق الملف أن كراء الشقة الحبسية موضوع طلب المراجعة قد تم عن طريق السمسرة العمومية، وأن ثمن الكراء المحدد في مبلغ 1550 درهم في الشهر كان المدعي قد تقدم به بصفته مزايدا، وتم ابرام عقد الكراء على أساس السومة الكرائية المذكورة وبموافقة المدعي عليه التامة، هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن المدة الزمنية الفاصلة بين تاريخ العقد وتاريخ المطالبة بمراجعة السومة الكرائية هي فترة قصيرة جدا لا تسمح بالقول بوجود تغييرات في الضفة من شأنها أن تؤثر على انتفاعه بها، فضلا عن أن مقتضيات ظهير 25/12/1980 الذي استند عليها المدعى في طلبه لا تنطبق على المحلات الحبسية التي تخضع لتشريع خاص، مما يبقى معه الطلب استنادا لذلك غير مؤسس ويتعين التصريح بعدم قبوله ..” ([33]).
وفي حكم للثانية بتاريخ 13/06/1997، ورد ما يلي “حيث إن طلب المدعي يرمي إلى إجراء خبرة لتحديد السومة الكرائية الحقيقية ما دامت السومة الأولى جد مرتفعة، وحيث أنه بالرجوع إلى عقد الكراء الرابط بين المدعي والمدعى عليه نجده قد أبرم في إطار ظهير 21 يوليوز 1913، المتعلق بكراء العقارات الحبسية، وحيث أن الظهير المذكور لا يمنح للمكتري حق مراجعة السومة الكرائية خلال ثلاثة أشهر من إبرام العقد طبق ما هو عليه الحال في ظهير 25/12/1980، مما يبقى معه طلب المدعي غير مبرر ويتعين رده ([34]).
هذا، وبعد أن استعرضنا موقف القضاء المغربي بمختلف درجاته من مسألة مراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية، وسجلنا أن هذا القضاء منقسم على نفسه بين اتجاه يخضع هذه المراجعة للقواعد العامة المطبقة على سائر المحلات التجارية والسكنية دون اعتبار لخصوصية الكراء الحبسي من حيث كونه منظما بنص خاص، وبين اتجاه يرفض هذا الموقف باعتبار خصوصية القواعد المنظمة لكراء الأملاك الحبسية، فإن التساؤل يبقى مطروحا حول الاتجاه المصادف للصواب، والأجدر بالتأييد؟.
في نظرنا، فإن الاتجاه الرافض لإخضاع مراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية، يبقى هو الحري بالتأييد. صحيح أن الاتجاه الأول هو الغالب عدديا من حيث الأحكام الصادرة في التوجه الذي اختطه، وأنه مؤيد في جانب منه بقرار للمجلس الأعلى الذي يتربع على هرمية الجهاز القضائي بالمغرب، والموكول له تفسير وتأويل القواعد القانونية، والسهر على حسن تطبيق القانون، إلا أن ذلك لا ينهض سببا لترجيحه، وذلك لعدة أسباب، منها ما يرجع أولا إلى نصوص التشريع المغربي المنظمة للكراء، ومنها ما يرجع إلى المبادئ العامة، ومنها ما يعود ما تفرضه قواعد المنطق القانوني السليم، ومنها ما يرجع إلى حماية الأحباس مما قد يلحق بها من غبن نتيجة إخضاعها لقواعد المراجعة المطبقة على الأكرية العادية.
وهكذا، ففيما يخص السبب المستمد من التشريع المنظم للكراء، فإن استبعاد المحلات الحبسية من الخضوع للقواعد العامة المتعلقة بمراجعة السومة الكرائية أمر يستمد من النصوص المنظمة لقواعد المراجعة هذه، والتي ما فتئت المحاكم التي تعتنق مبدأ قبول طلبات الزيادة في السومة الكرائية للمحلات الوقفية ترتكز عليها لتبرير ما تقضي به من زيادة في هذه السومة، فمن جهة أولى فإن ظهير 25/12/1980، ينص في فصله الأول على أن تستبعد من نطاق تطبيقه أكرية الأماكن الخاضعة لتشريع خاص. ومن جهة ثانية فإن الشروط التي تتطلبها هذه النصوص للمراجعة لا تتوفر في أكرية المحلات الحبسية، ولاسيما الضرط المتعلق بمرور ثلاث سنوات من تاريخ ابرام عقد الكراء، أو من تاريخ آخر مراجعة
(الفصل الخامس من ظهير 25/12/1980، والمادة الثالثة من القانون رقم 07.03، والفصل السادس من ظهير 5 يناير 1953) وهو ما يفيد أن المراجعة تقع أثناء مدة سريان العقد، الشيء الذي يتعذر تطبيقه على المحلات الحبسية على اعتبار أن أكرية هذه الأخيرة تتميز بطابع التأقيت، ولا تتجاوز مدته في أقصى الأحوال ثلاث سنوات، بمرورها ينتهي العقد، ويعرض المحل على السمسرة من جديد ([35]).
ورب قائل قد يقول إن المقتضيات المتعلقة بالمراجعة الدورية للسومة الكرائية، والواردة في ظهير 25/12/1980، لم تعد قابلة للتطبيق، بعد أن نسخت بمقتضى المادة الأخيرة من القانون رقم 07.03 المتعلق بمراجعة أثمان المحلات المعدة للسكني أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي آو الحرفي، وأن هذا القانون لا يتضمن بين ثناياه ما يفيد استبعاد أكرية المحلات الخاضعة لتشريع خاص من نطاق تطبيقه، مما تبقى معه المقتضيات الواردة به بخصوص المراجعة الدورية للوجيبة الكرائية، وكيفية هذه المراجعة قابلة للتطبيق على المحلات الحبسية، باعتبارها مقتضيات عامة، إلا أننا نرد على ذلك بأنه وحتي على فرض عدم تنصيص القانون رقم 07.03 على استبعاد أكرية المحلات الخاضعة لنظام خاص من نطاق تطبيقه، فذلك لا يعني الركون إلى مقتضيات هذا الظهير وما سبقه من ظهائر منظمة لذات الموضوع باعتبارها الشريعة العامة في ميدان الكراء، بدعوى أنه يتعين الرجوع إلى النصوص العامة في حال سكوت النص الخاص. ذلك أن قاعدة أولوية النص الخاص في التطبيق تنتصب كعائق يمنع إخضاع السومة الكرائية للمحلات الحبسية لقواعد المراجعة الدورية المنصوص عليها في التشريعات السالف ذكرها.
فكما هو مجمع عليه فقها، وقضاء فإنه في حالة التعارض بين نص عام ونص خاص، فإن الأولوية في التطبيق تمنح للنص الخاص على العام، وبمقتضى ذلك يكون التشريع الحبسي بمثابة نص خاص يقدم في التطبيق على النص العام المتمثل في القانون رقم 07.03 المتعلق بمراجعة السومة الكرائية الذي يطبق على جميع المحلات سواء كانت تجارية أو سكنية.
ويتجلى التعارض بين النصين في كون المشرع الحبسي قد وضع قواعد لمراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية تختلف في جوهرها عن تلك المطبقة على المحلات العادية، إذ بينما ينص هذا التشريع ضمنا على أن المراجعة أو الزيادة تكون عن طريق عرض المحل الحبسي للسمسرة قصد كرائه وفق السومة الوقتية كما تشترط ذلك قواعد الفقه الإسلامي، فإن النصوص العامة تنص على زيادة نسبة مئوية لا تتعدى في أحسن الأحوال نسبة 10 % من آخر وجيبة كرائية أداها المكري، وذلك بصرف النظر عن عما إذا كانت هذه الوجيبة تساوي أجر المثل أم لا.
زد على ذلك، أن موقف المحاكم التي تتبني التوجه الأول ينطوي على تهافت لا لبس فيه، وانتقائية في تطبيق مقتضيات قانون واحد باعتماد بعضها ورفض بعضها الآخر، وهو انفصام لا تقبله مقتضيات هذا التشريع على اعتبار أن هذه نصوص القانون الواحد تشكل كلا لا يقبل التجزئة . فبينما تعمد إلى قبول طلبات المراجعة المقدمة من طرف إدارة الأوقاف، والرامية إلى الزيادة في مبلغ الوجيبة الكرائية بدعوى عدم مساواتها لكراء المثل، فإنها لا تتردد في المقابل في رفض الطلبات التي يقدمها مكترو المحلات الحبسية الذي رست عليهم سمسرتها، والرامية إلى التخفيض من الوجيبة الراسية بها، على أساس أنها مغالى فيها، وتفوق بكثير السومة المكرية بها محلات مشابهة من حيث العناصر والمواصفات المثيلة.
ومما يعضد موقفنا الرامي إلى رفض إخضاع أكرية المحلات الحبسية لمسطرة المراجعة الدورية للسومة الكرائية، ما تنطوي عليه هذه المسطرة من إهدار لمصلحة الحبس، وحقوقه، التي يتعين أن تراعى باعتبارها من النظام العام، وأيضا تحقيقا للقاعدة التي وضعها الفقه الإسلامي بشأن وجوب التحري فيما يخص التصرفات الواردة على الحبس ما هو أحض وأنفع له.
وتتجلى مظاهر الهدر الذي قد يلحق الحبس في حالة إخضاع مراجعة سومته الكرائية للقواعد المنصوص عليها في القانون رقم 07.03 المشار إليه آنفا، فيما تقرره النصوص الجاري بها العمل بالنسبة للمحلات العادية من زيادة في السومة الكرائية لا تتعدى نسبة 8 %، إذا تعلق الأمر بالمحلات السكنية، و 10% بالنسبة للمحلات التجارية والحرفية، والصناعية، مع وجود استثناء يتمثل في زيادة بنسبة 50 % للأكرية التي تقل سومتها عن 400 درهم . ذلك أن تطبيق هذه النسبة على كراء الأملاك الحبسية، سيساهم في تكريس الغبن اللاحق بالأوقاف، والذي يتمثل في أن أغلب المحلات الحبسية مكتراة بسومة زهيدة تظل بعيدة كل البعد عن طموح تحقيق كراء المثل الذي يعتبره الفقه المالكي شرطا ضروريا لصحة الإجارة الواردة على الوقف، وهو الهدر الذي جسدته بجلاء المحكمة الابتدائية بتازة في حكمها الصادر بتاريخ 28/7/2008، في الملف رقم 503/2007، حينما استبعدت طعن الأوقاف في تقرير الخبرة المأمور بإنجازها لتقدير السومة الكرائية المناسبة، على أساس أن الخبير لم يتقيد في تحديدها ما يستوجبه الحبس من كراء للمثل، بالعلة التالية : “إن المشرع في المادة 6 من القانون رقم 06.79 المنسوخة والمعوضة بمقتضى المادة الأولى من القانون رقم 63.99 لم يجعل كراء المثل من العناصر الواجب مراعاتها عند مراجعة السومة الكرائية، الأمر الذي يتعين معه بعد المصادقة على تقرير الخبرة، إعمال سلطتها التقديرية في تحديد السومة الكرائية الجديدة …”.
ويبدو أن هذا التضارب في موقف القضاء من مسألة مراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية، وهاجس التوفيق بين حماية الأوقاف مما قد يلحقها من غبن، وتجاوز الإكراهات المرتبطة بالموارد البشرية التي يتطلبها إعمال مبدأ الكراء الحبسي عن طريق السمسرة، هو الذي جعل واضعي مدونة الأوقاف يتدخلون بقواعد صريحة لحسم هذا الإشكال حيث نصت في هذا الإطار مقتضيات المادة 90 من مدونة الأوقاف عن عدم أحقية المكتري في طلب تخفيض السومة الكرائية المحددة عن طريق السمسرة العمومية أو طلب العروض، كما نصت على انتهاء المدة كسبب من أسباب انتهاء عقد الكراء الحبسي، كما نصت المادة 92 على انقضاء الكراء الحبسي بانتهاء المدة، ووضعت المادة 94 مبدأ تأقيت كراء الأملاك الوقفية غير الفلاحية لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات، وأجازت تجديد هذه المدة باللب من المكتري قبل انتهائها بثلاثة أشهر، شريطة موافقة إدارة الأوقاف والزيادة في السومة الكرائية بنسبة لا تقل عن عشرة في المائة من هذه السومة عند كل تجديد.
[1]عبد الرزاق اصبيحي: الحماية المدنية للأوقاف العامة بالمغرب، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط 2009، ص 15.
[2]منشور بالجريدة الرسمية عدد 20 بتاريخ 17 شوال 1331، موافق 19 شتنبر 1913، ص 147.
[3]وهذا الظهير لم يتم نشره بالجريدة الرسمية.
[4]والصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.80.315 بتاريخ 17 صفر 1401 ( 25 دجنبر 1980)، الجريدة الرسمية عدد 3560 بتاريخ 21 يناير 1981، ص 68.
– وقد نص الفصل الأول من هذا القانون على ما يلى :” تطبق مقتضيات هذا القانون على أكرية الأماكن المعدة للسكني أو للاستعمال المهني و إلى ليس لها طابع تجاري أو صناعي أو حرفي أينما كان موقعها وكيفما كان تاريخ بنائها إذا لم تكن خاضعة لتشريع خاص”.
[5]الجريدة الرسمية عدد 2224 بتاريخ 15 يونيو 1955، ص 1619.
– وهو ما أكده بكيفية صريحة الفصل الرابع من هذا الظهير الذي نص على ما يلي : “لا يطبق هذا الظهير على الأملاك والأماكن التابعة للأحباس والخالية من حقوق المنفعة كما لا يطبق في الحالة التي تكون فيها الأملاك والأماكن مشاعة وتكون الأحباس تملك فيها فوائد تبلغ على الأكثر ثلاثة أرباع منها. بيد أن الأملاك إلي تنجز إلى الأحباس بعد نشر هذا الظهير تبقى مقيدة بعقود الكراء التجارية إلى يكون معمولا بها أو التي يقع تجديدها تطيقا لهذا الظهير”.
[6]ويلاحظ هذا الخصوص أن فكرة كراء المثل تشكل عنصرا أساسيا في طلبات الأوقاف الرامية إلى مراجعة السومة الكرائية للمحلات الحبسية.
[7]انظر : ابن عابدين، حاشية ابن عابدين مع الدر المختار شرح تنوير الأبصار، الجزء 4، ص 402، والطرابلسي، الإسعاف، وابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص 194، والخرشى، شرح الخرشي على خليل الجزء 7، ص 99، والمرداوي، الأنصاف، الجزء 7، ص 73، والشربيني، مغني المحتاج، الجزء 2، ص 395.
[8]ابن عابدين، حاشية ابن عابدين، ج 4، ص 407.
[9]المرداوي، الأنصاف، الجزء 7، ص 73 .
[10]ابن رجب الحنبلى، القواعد، ص 63.
[11]انظر: العدوي، حاشية العدوي على شرح الخرشي، الجزء 7، ص 99.
[12]علما بأنه ليس في الفقه الإسلامي ما يمنع من تكريس هذا النهج ما دامت أجرة الكراء تساوي كراء المثل، صحيح أن منهج فقهاء المالكية يقوم على عدم إطالة مدة كراء العقار الوقفي، بحيث حددوا لكراء الأراضي أمد أربع سنوات، و لكراء الحوانيت والدور أمد سنة واحدة، إلا أنهم مع ذلك لما لاحظوا رغبة الناس عن كراء بعض العقارات الوقفية لمدد قصيرة لا تمكنهم من استرداد ما أنفقوه فيها، ومن تحقيق عائد مالي مهم نظير ما وظفوه من أموال في هذه العقارات، فقد أفتوا بجواز كراؤها لمدد أطول لما يؤمل في ذلك من تحفيزهم على كراء الوقف، وبناء على هذا، قال الفقهاء بجواز تمكين مستغل الوقف من البقاء فيه ما دام يؤدي ثمن الكراء المساوي لثمن المثل، ودعي هذا الحق حق الحكرة والحكر أو التحكير. وهو عقد يراد به إبقاء الأرض الموقوفة بيد المستأجر ما دام يدفع أجرة المثل، فامتلاك الحكر يمنح المستأجر حق الاحتفاظ بالأرض لمدة طويلة من غير أن ينافسه على كرائها شخص آخر في مقابل كل الإصلاحات والإضافات التي أحدثها المستأجر للأرض المحتكرة . وللمزيد من التوسع بهذا الخصوص أنظر:
– مصطفى بن حمزة : توظيف الوقف، الأسس الفقهية والإمكانات التنموية، منشور على صفحات الموقع التالي http://www.benhamza.net/article.php.
[13]ويتعلق الأمر على وجه التحديد بكل من الظهير الشريف الصادر في 18 ربيع الثاني 1372 الموافق 5 يناير 1953 بشأن مراجعة القيمة الكرائية للمحلات المعدة لاستغلال تجاري أو صناعي أو حرفي، وفي إطاره، و القانون رقم 6.79 بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للأماكن المعدة للسكني أو للاستعمال المهني والصادر بتاريخ 25 دجنبر 1980، وذلك علاوة على مقتضيات القانون 07-03 المتعلق بمراجعة أثمان المحلات المعدة للسكني أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي.
– أنظر في هذا الصدد على سبيل المثال المقال الافتتاحي للدعوى الصادر فيها الحكم رقم 5090 بتاريخ 7/10/2009، في الملف رقم 2256/1304/09، الصادر عن المحكمة الابتدائية بفاس.
[14]مثلا المقال الافتتاحي للدعوى المدلى به في الحكم الصادر بتاريخ 7/7/2005 في الملف 942/05 عن المحكمة الابتدائية بفاس. وهو الحكم الذي تم تأييده بمقتضى قرار محكمة الاستئناف بفاس المؤرخ في 4/1/2006، تحت عدد 40/2006، في الملف رقم 1563/05/4، غير منشور.
[15]الحكم الصادر بتاريخ 7/7/2005 في الملف 942/05 عن المحكمة الابتدائية بفاس . وهو الحكم الذي تم تأييده بمقتضى قرار محكمة الاستئناف بفاس المؤرخ في 4/1/2006، تحت عدد 40/2006، في الملف رقم 1563/05/04، غير منشور.
[16]المحكمة الابتدائية بمكناس حكم رقم 131/92 بتاريخ 8/04/1992 في الملف رقم 460/91، غير منشور.
– وأنظر في نفس الاتجاه : المحكمة الابتدائية بتطوان، حكم رقم 663/96 ، صادر بتاريخ 15/05/1996، في الملف رقم 366/95/17، غير منشور
[17]محكمة الاستئناف بفاس، قرار رقم 1289/2001، صادر بتاريخ 28/5/2001، ملف مدني رقم 696/00/4، غير منشور .
[18]محكمة الاستئناف بطنجة، قرار رقم 580/04، صادر بتاريخ 28/04/2004، ملف مدني رقم 1143/03/4، غير منشور.
[19]المحكمة الابتدائية بالقصر الكبير، حكم رقم 52، صادر بتاريخ 5/02/2002، ملف رقم 516/00، غير منشور.
هذا، وعلى فرض صحة هذا التوجه، فإن كلا المحكمتين أخطأتا في تحديد النص الواجب التطبيق، إذ أن النازلة تخضع كما دفع بذلك المستأنف في أسباب استئنافه تحت نطاق ظهير 05 يناير 1953، وليس القانون رقم 6.79، ما دام المدعى فيه يتعلق بحمام الذي يعتبر محلا مخصصا لمزاولة نشاط تجاري .
[20]أمر استعجالي رقم 388 صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بفاس بتاريخ 1/6/2005، ملف رقم 107/05. غ. م . وانظر في نفس التوجه:
– أمر استعجالي رقم 471، صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بفاس بتاريخ 29/9/92، الملف رقم 308/92، غ .م .
– أمر استعجالي رقم 304 صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بفاس، بتاريخ 26/02/1993، الملف رقم 985/92، غ. م .
– أمر استعجالي رقم 148 صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بفاس، بتاريخ 22/03/2006 في الملف رقم 734/05،غ .م .
– أمر استعجالي رقم 147 صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بفاس، بتاريخ 22/03/2006 في الملف رقم 696/05، غ . م .
– أمر استعجالي رقم 508 صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بفاس بتاريخ 27/07/2005، ملف رقم 106/05، ع . م .
– أمر استعجالي رقم 323 صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بفاس، بتاريخ 18/05/2005 في الملف رقم 102/05، ع . م .
– أمر استعجالي صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بفاس تحت رقم 2000/771، بتاريخ 4/07/2000 في الملف رقم 1255/99، غير منشور . (أيد استئنافيا بمقتضى قرار عدد 907/2002، صادر بتاريخ 29/4/2002، ملف مدني عدد 2113/01/4، غير منشور.
[21]المحكمة الابتدائية بمكناس أمر استعجالي رقم 135/92 بتاريخ 8/04/1992 في الملف رقم 470/91، غير منشور.
– وانظر في نفس الاتجاه : المحكمة الابتدائية بتطوان، حكم عدد 1345/92، بتاريخ 27/07/1992، ملف رقم 263/92/17، غير منشور.
[22]محكمة الاستئناف بفاس، قرار عدد 907/2002، صادر بتاريخ 29/4/2002، ملف مدني عدد 2113/02/04، غير منشور.
[23]قرار المجلس الأعلى عدد، 199، صادر بتاريخ 16/04/1975، ملف مدني رقم 49482، أورده عبد الرزاق اصبيحى: الحماية المدنية للأوقاف العامة بالمغرب، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط 2009، ص 287.
[24]حكم رقم 5090 بتاريخ 7/10/2009، في الملف رقم 2256/1304/09، الصادر عن المحكمة الابتدائية بفاس، غير منشور.
– وأنظر في نفس السياق : المحكمة الابتدائية بفاس : حكم تحت عدد 6264 بتاريخ 30/12/2009، ملف رقم 2283/1304/09، غير منشور. / المحكمة الابتدائية بفاس : حكم تحت عدد 4818 بتاريخ 23/09/2009، ملف رقم 2290/1304/09، غير منشور./ المحكمة الابتدائية بفاس : حكم صادر بتاريخ 10/02/2010، ملف رقم 2257/1304/09، غير منشور.
[25]المحكمة الابتدائية بالجديدة، مركز أزمور، حكم عدد 142، بتاريخ 15/12/2009، ملف رقم 104 /2009، غير منشور.
[26]قرار محكمة الاستئناف بفاس عدد 1092/2010 صادر بتاريخ 15/09/2010، في الملف المدني رقم 681/2010، غير منشور.
[27]المحكمة الابتدائية بوجدة حكم رقم 951712 بتاريخ 16/12/1992 ملف رقم 3911/90، غير منشور.
[28]المحكمة الابتدائية بفاس : حكم تحت رقم 3312 بتاريخ 27/03/2008، ملف رقم 694/07، غير منشور.
[29]المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء: حكم رقم 1034 بتاريخ 09/02/1999، ملف رقم 5222/93، غير منشور.
– وأنظر أيضا في نفس المسلك:
– حكم المحكمة الابتدائية بالجديدة رقم 979 بتاريخ 1/7/1996، ملف رقم 541/45، غير منشور، والذي جاء فيه : “حيث إن الطلب يرمي إلى الحكم برفع السومة الكرائية للدكان الحبسى الكائن بساحة علال الفاسي رقم 21،… وحيث أمرت المحكمة بمقتضى حكمها التمهيدي الصادر بتاريخ 19/6/95 بإجراء خبرة على المحل موضوع النزاع من أجل تحديد السومة الحقيقية له عين للقيام بها الخبير (000) الذي وضع تقريره بتاريخ 18/12/95، وحيث إن السومة الكرائية للمحل تقدر في مبلغ 214.5، وحيث إن السومة الكرائية التي اقترحها الخبير تبلغ 570 درهم، وحيث إن السومة المذكورة مغالى فيها إذا ما أخذنا بعين الاعتبار موقع المحل موضوع الدعوى وكذا الامتيازات التي يتوفر عليها، وحيث إن المحكمة بما لها من سلطة تقديرية في هذا الباب قررت جعل السومة الجديدة للمحل المكرى في مبلغ 300.00 درهم “.
– حكم المحكمة الابتدائية بآسفى رقم 100 بتاريخ 03/02/1997، ملف رقم 636/96، غير منشور، جاء فيه “حيث إن العلاقة الكرائية والسومة الكرائية ثابتة بمقتضى عقد التنازل عن الكراء المصادق على صحة إمضائه في 9/2/1990، وحيث ثبت أن هذه السومة لم تتغير أكثر من ثلاث سنوات … وحيث إن الدعوى قدمت مستوفية لجميع الشروط الشكلية المتطلبة قانونا وعلى الصفة فهي مقبولة، وحيث إن موضوع الدعوى يهدف إلى الحكم على المدعى عليه برفع السرمة الكرائية للعقار الحبسي الكائن بالعنوان أعلاه من 220 درهم إلى 500 درهم، وحيث عن موضوع الدعوى يخضع للقواعد العامة وقدمت في أثناء سريان العقد، وحيث أنه نظرا لتقرير الخبير وقيمة الأرض والبناء ودرجة الرفاهية والصيانة ومزايا المحل موقعا وبيئة ونظرا للظروف الاقتصادية العامة فقد ارتأت المحكمة تحديد السومة الجديدة في مبلغ 400 درهم “،
– المحكمة الابتدائية بتطوان، حكم رقم 542 بتاريخ 3/3/1993، ملف رقم 707/02/17، غير منشور بخصوص الزيادة في كراء محل تجاري حبسي.
– المحكمة الابتدائية بتطوان : حكم رقم 650/93 بتاريخ 22/3/1993، ملف رقم 00/02/93، غير منشور، بخصوص الزيادة في كراء محل تجاري حبسي.
– قرار محكمة الاستئناف بتطوان رقم 149/1994، صادر بتاريخ 2/02/1996 ملف مدني رقم 838/1993، غير منشور.
[30] المحكمة الابتدائية بمراكش حكم صادر بتاريخ 3/3/2008، ملف رقم 928/3/07، غير منشور.
[31]حكم بتاريخ 31/02/2008، ملف رقم 906/3/07، غير منشور.
[32]المحكمة الابتدائية بمراكش، حكم صادر بتاريخ 30/09/1985، في الملف 845/85 منشور بمجلة العدد 8 ص 75، وما بعدها.
[33]حكم المحكمة الابتدائية بفاس، الصادر بتاريخ 28/3/2007، في الملف رقم 3899/06، غير منشور.
[34]المحكمة الابتدائية بمكناس حكم رقم 681 بتاريخ 13/06/1997، ملف رقم 726/1/96، غير منشور.
[35]وما يعنينا في هذا المقام هو ما تصرح به النصوص، أما الانحراف الذي يشوب تطيق تلك المقتضيات المشار إليها أعلاه، فلا يقوم حجة على النص.


