أحمد البوز

ما الذي تعنيه الانتخابات في الحقل السياسي المغربي اليوم؟ بصيغة أخرى هل كان تنظيم الانتخابات في المغرب يتوخى البحث عن التمثيلية وإشراك المواطنين ومختلف القوى السياسية في صناعة القرار، أم كان يهدف بالأساس إلى دعم النظام وإضفاء نوع من الشرعية على اختياراته؟ إذا كان هذا الاستحقاق، كما جرى تعريفة منذ بداية العمل به في أعرق التجارب الديموقراطية، يعد “أداة للتعبير عن اختيار المواطن وآلية لممارسة سيادته حيال قضايا الشأن العام والمجتمع المنتمي إليه” (1)، فيكاد الباحثون والدارسون للحقل السياسي في المغرب يجمعون على أن وظيفة الانتخابات في هذا البلد “ليست هي إفراز أغلبية برلمانية مدعوة للحكم، في حين يقتصر دور الملك على تمثيل وحدة البلاد والسيادة دون تدخل مباشر في الاختيارات الاقتصادية والسياسية، بقدر ما هي إبراز نخبة سياسية تساهم إلى جانب الممثل الأسمى للأمة –الملك- وبتوجيه منه في ممارسة بعض المهام التنفيذية”(2).

لكن إذا كان هذا في مرحلة يؤكد دارسوها أن من أهم ما ميزها هو الصراع، العنيف في أغلب الأحيان، حول السلطة إلى الدرجة التي اتخذ فيها أحيانا شكل سعي معارضة تلك الفترة إلى تغيير النظام الملكي القائم، في مقابل محاولات هذا الأخير القضاء عليها أو على الأقل تقليص أدوارها إلى أبعد الحدود، فإن السؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بما إذا كان قد حصل تغيير في هذه الوضعية في ظل مرحلة أضحى يسود فيها كثير من “التطبيع السياسي” في علاقة المعارضة السابقة بنظام الحكم الجديد؟ بصيغة أخرى، هل كانت المشاركة في الحكومة بالنسبة للأحزاب السياسية التي ظلت تطعن في شرعية الانتخابات كما كانت تجري، وحصول تغيير على مستوى هرم السلطة (ملك جديد)، إضافة إلى تبدل بعض المشرفين على تنظيم العمليات الانتخابية، لصالح إعطاء الانتخابات بعد آخر ووظيفة أخرى؟

يمكن من الآن الجواب على هذا السؤال بالقول إن تحولات مهمة حصلت في الحقل الانتخابي بمناسبة أول انتخابات في ظل “العهد الجديد” التشريعية منها والجماعية. فقد حدثت تغييرات نوعية، سواء في الإطار القانوني الناظم للعملية الانتخابية أو في المظهر الذي ظهرت به وزارة الداخلية المشرفة على تنظيم هذه العملية في محاولة منها لــ”لطرد” تلك الصورة النمطية التي التصقت بها طيلة المراحل السابقة كوزارة لتزوير الانتخابات وتزييف إرادة الناخبين.

وتغيرت بالتالي تلك الثنائية الأبدية التي ظلت تحكم نظرة النظام والمعارضة معا إلى العملية الانتخابية منذ أول انتخابات عرفها المغرب: إشادة الأول بأجواء النزاهة التي تمر فيها وبالنتائج التي تسفر عنها، مع إقراره خلال المراحل الأخيرة بحصول بعض التجاوزات، في مقابل إصرار المعارضة على الطعن فيها واعتبارها لا تعكس حقيقة الخريطة الانتخابية، لكن مع الحرص على العمل من داخلها. وأصبحت معظم القوى السياسية المشاركة في هذا الاستحقاق تسلم بمصداقيته أو على الأقل تعتبره الأقل سواء في تاريخ المغرب.(3)

غير أن كل هذه التطورات لم تمنع من استمرار الإشكالية الانتخابية قائمة في المغرب. وإذا كانت المطالب الخاصة بالإصلاح الانتخابي التي تطرحها معظم الأحزاب السياسية فى الوقت الحاضر تمهيدا للانتخابات القادمة (2007) تعكس أحد تمظهرات ذلك، فإن هذه الاستمرارية تبرز أكثر في عدم الوصول إلى المرحلة التي تصبح فيها العملية الانتخابية ونتائجها “تغير من جوهر السلطة أو من طبيعة ممارستها” (4)، وتكون  هي المحدد في تشكيل الحكومات والأغلبيات الحكومية وفي تسطير برامجها واختياراتها، ويصبح بالتالي البرلمان مؤسسة حقيقية للتشريع وليس مجرد “برلمان خيالي”، على نحو ما سبق أن عبر عن ذلك أحد الباحثين الفرنسيين (5). وهذا يعني أن تجاوز هذه الأشكالية هو أبعد من مجرد تغيير بعض آليات الاقتراع، أو التحول من نمط اقتراع إلى آخر، وإنما يرتبط بإصلاح شمولي يهم إشكالية توزيع السلط، وتحديد اختصاصات كل منها، ويهم بالنتيجة إعادة النظر في الكيفية التي ينظر بها النظام والأحزاب السياسية على حد سواء، أو على الأصح جزء منها، إلى وظيفة الانتخابات في الحقل السياسي المغربي. ولذلك، فإن الإصلاح المطلوب يجب لا أن ينحصر فقط في الدفاع عن معركة النزاهة في الانتخابات بقدر ما يهدف إلى إعادة النظر في المعنى الذي يجب أن يكون لها والمضمون الذي يجب أن تحمله في مغرب اليوم.

أولا – ماذا تغير في النظام الانتخابي؟

يعود أول عهد للمغرب بالانتخابات إلى سنة 1960. ومنذ ذلك الوقت تم تنظيم سبعة انتخابات تشريعية ومثل هذا العدد من الانتخابات الجماعية (6)، صاحبتها تغيرات في عدد من الجوانب المرتبطة بالعملية الانتخابية، فقد أصبحت هذه الأخيرة أكثر دورية في تنظيمها، وانتقلنا من نمط اقتراع إلى آخر، وحلت الرموز محل الألوان في عملية التصويت، وأضحت بعض الفئات الاجتماعية ذات الوضع الخاص (النساء أساساً) تتمتع بتمييز إيجابي، وحصل تحول في المعايير المعتمدة في تمويل الحملات الانتخابية التي تقوم بها الأحزاب السياسية، واتسعت دائرة من يحق لهم الترشيح في الانتخابات. وكان آخر تطور حصل في هذا المجال هو الذي هم توسيع وعاء من يحق لهم حمل صفة ناخب، سواء من خلال القرار الخاص بتخفيض سن التصويت أو من خلال القرار الذي سمح من خلاله للجالية المغربية المقيمة في الخارج بالمشاركة في الانتخابات…

1-أتساع دائرة من يحق لهم التصويت

منذ أول دستور مغربي (دستور 1962)، تم التنصيص على أن “المغاربة متساوون أمام القانون” (الفصل 5)، وأن “الرجل والمرأة متساويان في التمتع بالحقوق السياسية” (الفصل 8)، مع التأكيد على “ضمان لكل المواطنين الحق في حرية الرأي والتعبير بجميع أشكالها” (الفصل 9). وتكرر ذلك في مختلف الدساتير التي عرفها المغرب وكان آخرها دستور 1996.

وقد عكست هذه الحقوق مختلف النصوص المشكلة للإطار القانوني المنظم للعملية الانتخابية. فقد حددت مدونة الانتخابات الناخبين في “المغاربة”، ذكورا وإناثا، البالغون من العمر 18 سنة شمسية كاملة (…)”. أما القانون التنظيمي لمجلس النواب فقد أعطى صفة الناخب في ما يتعلق بانتخاب مجلس النواب لــ”كل المغاربة، ذكورا وإناثا، المقيدين في اللوائح الانتخابية العامة” (المادة 3).

إلا أن هذا الحق ليس مطلقا، بل وضع المشرع استثناءات تحد من حرية ممارسته، منطلقاً في ذلك من اعتبارات تتعلق إما بالجنسية  المغربية، أو بطبيعة الوظيفة التي يقوم بها بعض الأشخاص، أو بالسن أو بمكان الإقامة، فعلى صعيد الجنسية، وكما هو جار به العمل في عدد من الدول، فقد ربط المشرع المغربي التمتع بحق الانتخاب بالتوفر على الجنسية المغربية، مانعا بذلك الأجانب المقيمين بأرضه من الاستفادة من هذا الحق إلا إذا حصلوا على الجنسية، بل إنه حتى في هذه الحالة الأخيرة لم يجعل من اكتساب الجنسية موجباً بصفة آلية وتلقائية لممارسة هذا الحق، بل قيد ذلك بمرور مدة معينة. حيث إذا كان التسجيل في اللوائح الانتخابية، الذي يعد إجبارياً بالنسبة لكل المواطنين، هو الذي يكسب صفة الناخب. فقد لجأت مدونة الانتخابات إلى منع هؤلاء من ممارسة هذا الإجراء خلال السنوات الخمس التالية لحصولهم على الجنسية، ما لم يرفع عنهم هذا القيد، وفقاً للكيفية التي يحددها القانون المتعلق بالجنسية، حين ينص على أنه “لا يجوز أن يكون ناخباً (المقصود الأجنبي الحامل للجنسية المغربية) إذا كانت الصفة المغربية شرطاً للتسجيل في اللوائح الانتخابية. على أن يجوز أن يعفى من هذه القيود كلها أو بعضها بمقتضى ظهير فيما إذا خولت الجنسية بمقتضى ظهير، أو بموجب مرسوم يتخذه المجلس الوزاري فيما إذا خولت له الجنسية بمرسوم” (الفصل 17).

أما على صعيد الوظائف، فقد جعل المشرع المغربي بعضها موجباً لحرمان أصحابها من الحق في التصويت. وينطبق هذا الأمر بصفة خاصة على أربع فئات من الموظفين تنص مدونة الانتخابات على حرمانهم بصفة دائمة من ممارسة هذا الحق، كما ينطبق على فئات أخرى يكون فيها هذا الحرمان مؤقتاً.

غير أن أكثر ما كان يثير النقاش، بخصوص موضوع اكتساب صفة الناخب، هي القيود المتعلقة بالسن والأخرى التي تتعلق بمكان الإقامة. فعلى مستوى النوع الأول من القيود، ظلت مدونة الانتخابات إلى حدود سنة 2003 تقصر الحق في التصويت على البالغين 20سنة في وقت كانت مختلف القوى السياسية، خاصة المعارضة منها، تطالب بتخفيض سن “الرشد السياسي” إلى 18 سنة حتى يتطابق مع ما هو معمول به في مختلف البلدان الديموقراطية. ولم يتسن البلوغ إلى هذا الهدف إلا خلال السنة المذكورة، حين أعلن الملك في إحدى خطبه عن قراره في هذا الشأن (7).

أما في ما يخص النوع الثاني من القيود (مكان الإقامة)، فقد كان القانون المغربي يمنع الجالية المغربية المقيمة بالخارج من المشاركة في العمليات الانتخابية، دون أن يعرف ما إذا كان ذلك مرتبطاً بأسباب سياسية، تتعلق ربما بإدراك الدولة أن تلك الجالية مهيمن عليها من لدن المعارضة بالخارج، أم بأسباب لوجستيكية وتقنية محضة. وإذا كان هذا المنع قد ارتفع خلال الانتخابات التشريعية لسنة 1984، حيث أصبحت هذه الإمكانية متاحة أمامها، فسرعان ما عادت السلطات المغربية، انطلاقاً من الانتخابات التشريعية الموالية (انتخابات 1993)، لتحرم من جديد هذه الفئه من المواطنين المغاربة من ممارسة هذا الحق. وقد استمر هذا الوضع إلى نهاية 2005، التي أعلن خلالها الملك عن قرار السماح لهذه الجالية بالمشاركة في الانتخابات المقرر تنظيمها في 2007.

وفي ظل غياب النص القانوني الذي يبين الكيفية التي ستتم بها هذه المشاركة ومن يحق لهم ذلك، يطرح التساؤل حول ما إذا كان هذا القرار سيقتصر فقط على المغاربة المقيمين بالخارج ولا يتوفرون على جنسية مزدوجة أم سيشمل الفئتين معاً؟ كما يطرح التساؤل حول ما إذا كان سيستفيد منه (القرار) حتى الأفراد المقيمون بالخارج ممن اكتسبوا الجنسية المغربية بفعل الأصول المغربية لأمهاتهم، التي أصبحت ممكنة مع القرار الذي أعلن عنه الملك في هذا الشأن؟

2- لائحة وطنية للنساء فقط

ظل موضوع تمتيع النساء بوضعية امتيازية في الانتخابات مطلباً للعديد من الحركات النسائية والأحزاب السياسية على حد سواء. وقد كان المطالبون بهذا الأمر ينطلقون في ذلك من اعتبارين اثنين. الأول يتعلق بتشجيع مشاركة النساء في العملية السياسية وفي صناعة القرار، سيما في مجتمع ظل فيه ترشيح النساء في المنافسات الانتخابية حتما يؤدي إلى خسارة ذلك المقعد. والثاني يهم محاكاة أنظمة انتخابية في دول أخرى قطعت أشواطاً مهمة في ضمان حضور المرأة في مؤسساتها التشريعية.

ولم يتسن الوصول إلى هذه الغاية إلا خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2002، حين جعل القانون التنظيمي لمجلس النواب هذا الأخير يتألف من 325 عضواً، 295 منهم ينتخبون على صعيد الدوائر الانتخابية، على أن يتم انتخاب 30 منهم على الصعيد الوطني (المادة الأولى).

والملاحظ أن هذا القانون لم يقل صراحة أن تلك اللائحة مخصصة للترشيحات النسائية خوفاً من أن يواجه هذا القانون باعتراض المجلس الدستوري، بالنظر إلى أن الدستور يجعل “النساء والرجال متساوين في التمتع بالحقوق السياسية”، دون أن يقيم أي تمييز بينهما. ولذلك، لم يمنع التنصيص على هذه اللائحة أحد الأشخاص من الذكور من إعلان نيته في التقدم للانتخابات ضمن اللائحة الوطنية (8)، قبل أن يتراجع عن ذلك فيما بعد. غير أن توافق الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات حول تخصيص هذه اللائحة للنساء فقط أدى إلى تجاوز هذا الإشكال الدستوري.

وقد مكنت هذه الصيغة من ضمان تمثيلية النساء في مجلس النواب بــ30 نائبة، تضاف إليهن نساء تمكن من الحصول على المقعد النيابي في دوائر انتخابية تصدرن فيها قوائم الأحزاب السياسية التي ينتمين إليها. وهي حصة غير مسبوقة في تاريخ برلمان المغرب، أخذاً بعين الاعتبار الحضور الباهت للمرأة في برلمانات ما قبل سنة 2002.(9)

3- من الاقتراع الأحادي إلى الاقتراع باللائحة

منذ أول انتخابات في المغرب، ساد العمل بنمط الاقتراع الأحادي الأسمى في دورة واحدة. وقد كان هذا النمط طيلة المراحل التي طبق فيها محط انتقاد من لدن المعارضة، التي كانت ترى فيه، من جهة، محاولة من النظام للحد من تسييس الانتخابات وجعلها مرتبطة أكثر بالعلاقات الشخصية والعائلية والزبونية، بدل أن تكون مرتبطة باختيارات وبرامج، ومن جهة ثانية، عملية مقصودة لتسهيل تزوير العمليات الانتخابية والتلاعب بنتائجها.

ولم يتم التخلي عن هذا النمط من الاقتراع إلا خلال الانتخابات التشريعية والجماعية الأخيرة، حين أصبحت الأولى تجري بالاقتراع باللائحة وفقاً للتمثيل النسبي وبأكبر بقية، بينما أصبحت الثانية تعتمد على نمط اقتراع مزدوج يمزج بين نمط الاقتراع القديم (الاقتراع الأحادي الاسمي في دورة واحدة) في الدوائر التي يقل عدد ناخبيها عن 25 ألف ناخب، والاقتراع الجديد (اللائحة بالتمثيل النسبي) في الدوائر التي يفوق عدد ناخبيها هذه النسبة.

وإذا كان هذا النمط من الاقتراع وقت تبنيه لم يلق معارضة تذكر من لدن الأحزاب السياسية المشاركة في العملية الانتخابية، فإنه يثير، في هذه الفترة، التي تسبق الانتخابات التشريعية القادمة، جدلاً واسعاً في صفوف الطبقة السياسية حول جدوى استمراره. فبينما تعلن بعض هذه الأحزاب السياسية صراحة فشل هذا النمط، مطالبة في الوقت ذاته بالعودة إلى  النمط الذي كان معمولاً به قبل انتخابات 2002، ترى أحزاب سياسية أخرى أن الإبقاء على هذا النمط يجب أن يكون مصحوباً بإدخال تعديلات عليه، تحددها في الرفع من عدد المقاعد المتباري حولها في الدوائر الانتخابية، وفي الرفع من نسبة العتبة المعمول بها من 3 في المائة إلى 5 في المائة، فضلاً عن إعادة النظر في طبيعة اللائحة الوطنية لكي تضم النساء والرجال معها مع الزيادة في عدد المقاعد المخصصة لها…

وإذا كان لا أحد من هذه الأحزاب السياسية، وكذلك الشأن بالنسبة للنظام، يكشف عن دواعي مطالبه في هذا المجال، فبدون شك فإن النقاش حول هذا الموضوع يرتبط، من جهة، بالتعثر الذي حصل في عملية فرز النتائج خلال اقتراع 2002، وما صاحب ذلك من شكوك حول مدى صدقية نتائجه، ومن جهة أخرى، بالنتائج التي حصدها حزب العدالة والتنمية الأصولي في ذلك الاقتراع، إذ لا تخفي بعض الأوساط السياسية المعارضة لهذا الحزب أن تلك النتائج التي تأتى له تحقيقها لعب فيها نمط الاقتراع دورا مهما.

4- معايير جديدة لتمويل الحملات الانتخابية

انطلاقاً من الانتخابات الجماعية لسنة 1992، أصبحت الدولة تخصص دعماً رسمياً لتمويل الحملات الانتخابية التي تقوم بها الأحزاب السياسية بمناسبة الانتخابات العامة الجماعية والتشريعية. أما قبل هذه الفترة، فقد كان هذا التمويل ممنوعاً من الناحية القانونية وسائداً بشكل سري في الممارسة، ويروم بالأساس دعم الأحزاب السياسية الموالية لاختيارات الدولة وطروحاتها.

وقد كان يتم توزيع هذا الدعم، حسب البند الرابع من مرسوم 2.92.721، على أربعة أشطر، حيث يتم توزيع الشطر الأول، المحدد في 20 في المائة، قبل انصرام أجل وضع الترشيحات، ويتم ذلك بطريقة جزافية بين الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات. وبعد انتهاء عملية إيداع الترشيحات، تحصل على شطر ثان يحدد في 30 في المائة من مجموع الدعم المرصد للحملات الانتخابية. ويتجسد معيار توزيع هذه النسبة بين الأحزاب السياسية في عدد المرشحين الذين تم تقديمهم من طرف هذا الحزب أو ذاك. وإذا كانت هذه الحصة من الدعم التي تحدد في 50 في المائة توزع قبل إجراء الاقتراع، فإن النصف الآخر منه (50 في المائة) يوزع بعد إجرائه، ويعتمد على معيارين في توزيعه، الأول يهم عدد المقاعد المحصل عليها من لدن كل حزب (25 في المائة)، والثاني يتعلق بعدد الأصوات المحصل عليها دون احتساب أصوات المرشحين الذين لم يتمكنوا من تجاوز سقف 5 في المائة من الأصوات.

لكن بحكم الاعتراضات التي واجهت هذه المسطرة، خاصة أن الدعم المخصص بناء على عدد المرشحين كان يجعل من الأحزاب السياسية سوقاً مفتوحة لبيع التزكيات من أجل الحصول على الأموال، فقد جرى تعديلها انطلاقاً من الانتخابات التشريعية الأخيرة، حيث أصبح توزيع الدعم يتم كلياً بعد إجراء الاقتراع، معتمداً في ذلك على معياري الأصوات (50 في المائة) والمقاعد (50 في المائة).

غير أن هذه الطريقة في توزيع الدعم الانتخابي إذا كانت قد وضعت حداً لبعض المشاكل التي كانت تفرزها الطريقة السابقة، فإنها أدت إلى خلق مشاكل جديدة. فأمام ضعف الإمكانات المالية لمعظم الأحزاب السياسية، والتزايد المطرد لتكاليف الحملات الانتخابية، لجأت الحكومة أثناء التحضير للانتخابات إلى تقديم تسبيقات مالية لبعض هذه الأحزاب السياسية، على أن يتم خصمها من المبالغ المالية التي ستحصل عليها تلك الأحزاب بناء على النتائج التي ستحصل عليها. لكن الذي وقع هو أن بعض هذه الأحزاب السياسية لم تحصل على المقاعد والأصوات التي تكفيها للاستفادة من الدعم الذي يوازى ما حصلت عليه من تسبيقات من خزينة الدولة، مما طرح معه الإشكال حول الكيفية التي يمكن للدولة من خلالها استعادة ديونها من تلك الأحزاب.

5- الرموز بدل الألوان

ظلت الألوان الآلية المعتمدة في التصويت خلال كل الانتخابات التي عرفها المغرب إلى حدود سنة 2002، إذ كانت وزارة الداخلية تخصص لكل حزب لوناً يميزه عن باقي الأحزاب الأخرى، يستثنى من ذلك اللون الأبيض والألوان التي ترمز للعلم الوطني (الأخضر والأحمر). وقد كانت هذه الطريقة في التصويت تجعل من ” اللون الانتخابي هو اللون المميز لكل حزب والمرشحين التابعين له. ويغطي بذلك كل الرموز والوسائل الإعلامية والإشهارية المستخدمة من طرف المرشحين والأحزاب، بحيث يغيب المرشح وحتى الحزب وراء اللون الذي اتخذه رمزاً له أثناء الحملة الانتخابية، إذ تحمل الصحف والملصقات والشارات وحتى التجمعات اللون الانتخابي. وبالتالي، تتحول الحملة الانتخابية إلى تظاهرة بالألوان مما يضفي عليها طابعاً احتفالياً”.(10)

وقد كانت هذه الطريقة في التصويت مصدر اعتراض من لدن جزء من القوى السياسية. فبعض هذه القوى كان يبنى اعتراضه على الكيفية التي تم بها توزيع تلك الألوان على الأحزاب السياسية، معتبراً أن ذلك يتم وفقاً لمعيار القرب من النظام أو معارضته (11)، حيث كان يقدر أن بعض الأحزاب تخصص لها ألوان معروفة لدى الناس وأكثر تداولاً بينهم، وبعضها الآخر كان ينطلق في اعتراضه من الصعوبة التي يثيرها التمييز بين الألوان لدى جزء هام من المواطنين، حيث تختلط عليهم الألوان، وهناك من كان يبني هذا الاعتراض على الإمكانية التي تتيحها الألوان في تسهيل التلاعب بالتصويت. ولذلك، كانت تلك القوى تطالب بالورقة الفريدة في التصويت وباستعمال الرموز.

وقد تأتى لها ذلك انطلاقاً من الانتخابات الأخيرة، حيث أصبح “يخصص رمز لكل لائحة ترشيح أو لكل مرشح” (المادة 48 من مدونة الانتخابات). وتحدد تلك الرموز بقرار لوزير الداخلية. لكن بحكم تفشي ظاهرة الأمية في صفوف نسبة هامة من الناخبين، فقد أثارت هذه الرموز هي كذلك بعض الصعوبات في التمييز بينها.

ثانيا – التغيير المطلوب

كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الجزء الأول من هذه الدراسة، فقد كانت الانتخابات الأخيرة مناسبة لإحداث تغيير مهم في عدد من الآليات المرتبطة بالعملية الانتخابية. إلا أن ذلك لم يمنع من استمرار آليات أخرى لم يحصل فيها أي تغيير أو أن التغيير الذي حصل فيها لم يمس جوهر الإشكالية التي ظلت تطرحها في السابق. ومن هذا المنطلق، فإن كل إصلاح انتخابي وكل محاولة لإعطاء مصداقية للعملية الانتخابية، ومحو تلك الصورة السلبية التي ارتبطت بها في ذهن المغاربة، لابد أن يأخذ هذا المعطى بعين الاعتبار.

لكن هذا الإصلاح سيبقى مع ذلك ناقصاً وغير قادر على حل الإشكالية الانتخابية في المغرب إذا لم تتم إعادة النظر في الإطار الدستوري الناظم للعملية الانتخابية، وبصفة خاصة إعطاء مضمون آخر للانتخابات بالشكل الذي يجعلها قادرة على إفراز أغلبية تحكم وتطبق برامجها واختياراتها.

1-الإصلاح الإجرائي

تشكل الجهة المكلفة بالإشراف على تنظيم الانتخابات، والتقطيع الانتخابي، واللوائح الانتخابية، وآليات التصويت… أهم الجوانب الإجرائية التي يجب أن ينصب عليها الإصلاح الانتخابي.

أ – الإشراف على الانتخابات

خلال كل الانتخابات التي عرفها المغرب ظلت وزارة الداخلية هي المشرفة على تنظيم هذه الاستحقاقات، بدءاً بالتحضير لها إلى غاية إعلان النتائج. وهو وضع لم يغير فيه وجود اللجنة الوطنية لتتبع الانتخابات، التي جرى العمل بها انطلاقاً من انتخابات 1992، قبل أن يتم إلغاؤها بعد انتخابات 1997، إذ إن “المسار الذي عرفته (…) سيبين أنها تفتقر إلى الضوابط القانونية و”تتمرد”، حتى على النصوص المحدثة لها في الاتجاه الذي يحد أكثر فأكثر من فاعليتها ويسلبها أكثر فأكثر حرية المبادرة” (12). ولطالما كانت أحزاب المعارضة السابقة تطالب في أدبياتها بضرورة وضع حد لإشراف هذه الوزارة على تلك المهمة وإناطتها بــ”لجنة وطنية مستقلة”، وكان مطلبها هذا ينطلق أساساً من الدور السلبي الذي كانت تقوم به الوزارة المذكورة في التأثير في المسار الانتخابي، سواء بتدخلها المباشر في رسم معظم النتائج، أو بـــ” حيادها السلبي” اتجاه بعض التجاوزات التي كان يقوم بها بعض المرشحين وبعض الأحزاب السياسية.

وإذا كانت أحزاب المعارضة قد هجرت هذا المطلب منذ اللحظة التي أصبحت فيها مشاركة في الحكومة، حيث “تحول تصالح أحزاب الحركة الوطنية مع وزارة الداخلية إلى إجماع حولها” (13)، فقد أصبحت بعض أحزاب المعارضة “الجديدة” ترفع لواء هذا المطلب. ويمكن أن نذكر هنا بصفة خاصة حزب العدالة والتنمية الذي اعتبر بمناسبة التحضير لانتخابات 2007 “استمرار احتفاظ القانون التنظيمي لمجلس النواب لهذه الوزارة وأجهزتها بهذه الوظيفة (…) عيباً لن يوظف إلا ضد القطع مع سلبيات الماضي”.(14)

ويجد هذا المطلب مشروعيته في أن عدد الدول التي تقوم فيها السلطة التنفيذية (وزارة الداخلية…) وحدها بالإشراف على العملية الانتخابية قد تقلص كثيراً ولم يعد يمثل سوى نسبة ضئيلة (15%)، في مقابل عدد الدول التي تقوم فيها بهذه المهمة “لجنة انتخابية مستقلة عن الحكومة” (55 في المائة)، أو تلك التي تقوم فيها الحكومات بإدارة العمليات الانتخابية تحت مراقبة هيئة مشرفة (30%) مثلما هو جار به العمل في فرنسا على سبيل المثال.(15)

ويمكن لهذه الطريقة الأخيرة أن تشكل إمكانية ناجعة لتجاوز الإشكال الذي ظل يطرحه موضوع الإشراف على الانتخابات. وهي تقوم على أن تتولى وزارة الداخلية أو الحكومة بصفة عامة الإشراف على كل ما هو تنظيمي ولوجستيكي خاص بالعملية الانتخابية، على أن تتكلف لجنة مستقلة مشكلة من القضاة بمراقبة مجريات هذه العملية وتتبعها. ويعني ذلك إعادة إحياء مطلب “اللجنة الوطنية المستقلة”، الذي كانت تطالب به أحزاب المعارضة السابقة.

ب- التقطيع الانتخابي:

يُشكل التقطيع الانتخابي بدون منازع واحداً من الآليات الرئيسية في العملية الانتخابية. وبحكم هذه الأهمية التي يمثلها، فقد ظل من أكثر العناصر التي تؤجج الصراع بين السلطة والمعارضة، ذلك أن هذه الأخيرة ظلت تعتبر أن السلطة، بحكم تحكمها في وضع هذا التقطيع، كانت تستعمله ضدها بغرض تقليص حجمها الانتخابي. وقد كان موقفها في هذا الموضوع ينطلق من مجموعة من الاعتبارات، منها عدم توازن الدوائر الانتخابية من حيث عدد الناخبين الذين تضمهم كل دائرة على حدة، والتداخل الموجود في عدد من الدوائر بين الناخبين القرويين والناخبين الحضريين، ومحاصرة بعض الدوائر في المجال الحضري بأحزمة البؤس، أو ما يمكن أن يصطلح عليه بــ”ترييف المجال الحضري”، فضلاً عن تفصيل الدوائر على ضوء مدى التأثير الذي يمارسه على هيئتها الناخبة بعض المرشحين من ذوي النفوذ والحظوة الخاصة لدى مراكز القرار، وعدم احترام التجانس السوسيو- ثقافي والجغرافي لبعض الدوائر…

وإذا كان تنظيم انتخابات شتنبر 2002 قد تم وفقاً لتقطيع انتخابي جديد، فقد حافظ على معظم الاختلالات التي كانت تجعله محط انتقاد، ولم تتجاوز مظاهر الجدة فيه حدود إعادة النظر في عدد الدوائر التي تم تقسيم المملكة إليها وعدد المقاعد الواجب انتخابها في كل دائرة ويظهر ذلك من خلال أكثر من عنصر، ذلك أن معاينة المعطيات التقنية التي يقدمها هذا التقطيع تبرز كيف أن أكبر دائرة (دائرة عين السبع) ضمن الدوائر الواحدة والتسعين، التي تم تقسيم المملكة إليها، يصل عدد سكانها إلى 320549 ناخباً، بينما لا يتعدى عدد الناخبين في أصغر دائرة (دائرة أو سرد) 5511 ناخباً، ليشكل الفارق بين الدائرتين 116 مرة.

وإذا كان هناك من قد يعترض على وجود هذا التمايز البشري بين الدائرتين المذكورتين إلى اللاتوازن القائم على مستوى الكثافة السكانية في كل منهما، فإن وجود أمثلة أخرى لتفاوتات بين دوائر بأقاليم لها نفس الكثافة السكانية، بل بين دوائر بنفس الإقليم، يجعل مثل هذا الاعتراض غير ذي جدوى. وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة، على سبيل المثال لا الحصر، إلى التفاوت الحاصل بين دائرة عين السبع الحي المحمدي التي سبق الحديث عنها أو دائرة عين الشق الحي الحسني (300464 ناخبا) ودائرة مولاي رشيد سيدي عثمان (93095 ناخبا) التي تنتمي هي الأخرى لمدينة الدار البيضاء.

وإذا كان التفاوت بين الدوائر من حيث عدد الناخبين بها من الطبيعي أن ينتح عنه تفاوت أيضا على مستوى عدد المقاعد الموجودة في كل دائرة، فإن ذلك لم يمس فقط الدوائر المتفاوتة سكانياً، وإنما طال كذلك دوائر تعد ساكنتها متقاربة مع بعضها البعض من حيث عدد سكانها، بل هناك حالات كان فيها عدد المقاعد بدائرة صغيرة، مثل دائرة أو سرد التي تحدثنا عنها، يساوي العدد الموجود في دائرة أكبر منها حجماً، مثل دائرة جرادة، التي يبلغ عدد ناخبيها 54231 ناخباً.

ولا يظهر اللاتوازن الذي يتضمنه التقطيع الانتخابي على هذا المستوى فقط، بل يبرز أيضاً من خلال التفاوت الحاصل بين الدوائر الانتخابية بالنسبة لكل مقعد واجب انتخابه. ذلك أنه إذا كان انتخاب كل مقعد من المقاعد النيابية الخمسة الموجودة بدائرة عين السبع الحي المحمدي والدار البيضاء أنفاً وبدائرة تطوان يتطلب الحصول على التوالي على 8.64109 صوتاً و8.60092 و6.59437 صوتاً، فإن الظفر بمقعد نيابي بدوائر مثل أسا الزاك لا يقابله سوى الحصول على أصوات 5.6294 ناخبا، بل إن هذا المعدل الانتخابي لا يتجاوز في دائرة أو سرد، باعتبارها أصغر دائرة في التقطيع الانتخابي، 2755.5 صوتاً، مما يعني أن الفوز بالمقعد بهذه الدائرة يحتاج إلى ناخبين أقل بأربعة وعشرين مرة مما يحتاجه الفوز بأكبر دائرة في الخريطة الانتخابية الحالية التي اعتمدت خلال آخر انتخابات.

قد يتم تبرير هذا اللاتوازن باعتبارات سياسية تتعلق بكون الدوائر التي اعتمدناها في هذه المقارنات تنتمي إلى منطقة الصحراء، لكن هذا التبرير بدوره يسقط عندما نعلم أن هناك أمثلة عديدة من هذا القبيل في دوائر أخرى لا تطرح مثل هذه الاعتبارات السياسية. ويكفي مثلاً ذكر أن المقعد النيابي بدائرة سلا المدينة التي يبلغ عدد ناخبيها 224299وعدد المقاعد المتباري حولها أربعة، إذا كان يحتاج إلى تعبئة   56057.25 صوتاً، ففي دائرة أخرى بنفس المدينة، كدائرة سلا الجديدة التي يبلغ عدد ناخبيها 108087 وعدد مقاعدها ثلاثة، لا يحتاج إلا إلى تعبئة 36029 صوتاً. ونفس هذا المعطى مطروح بمدينة الدار البيضاء، حيث يقابل الحصول على المقعد في دائرة عين السبع الحي المحمدي مثلاً أكثر من ضعف (64109.8) ما هو مطلوب للفوز بمقعد بدائرة مولاي رشيد سيدي عثمان (31031.66 صوتاً). 

وانطلاقاً من هذه المعطيات، يحتاج التقطيع الانتخابي القائم إلى إعادة النظر بالشكل الذي يجعله أكثر توازناً ويعكس إرادة جعل الخريطة الانتخابية أكثر تعبيراً عن حقيقة القوى الموجودة، لا أن يستمر أداة في يد الإدارة لضبط توازنات معينة. ولكي يكون كذلك يجب أولاً أن يتم تغيير الجهة المختصة بوضعه (وزارة الداخلية) لتناط هذه المهمة بمجلس النواب.

ج- اللوائح الانتخابية:

أصبح التسجيل في اللوائح الانتخابية العامة إجبارياً (المادة 2 من مدونة الانتخابات).

ويتم ذلك بصفة آلية. وقد ظل هذا الموضوع مصدراً لعدة انتقادات، إذ ترى فيه بعض القوى السياسية إحدى الوسائل التي يتم توظيفها في التلاعب بأصوات المواطنين، وبالتالي تزييف النتائج الانتخابية. فكثيراً ما عرفت عمليات الاقتراع المتعاقبة، بما فيها الانتخابات الأخيرة، وجود حالات أسماء مكررة، أو أسماء موتى، أو أسماء لأشخاص لا يتوفرون على وثائق التعريف الرسمية، أو حالات لأشخاص غير مسجلين…

وقد كانت بعض الأحزاب السياسية تعتبر أن وضع حد لهذه “الشوائب” يمر عبر الإلغاء الكلي للوائح الانتخابية القائمة وتعويضها بأخرى جديدة. لكن وزارة الداخلية ظلت تمانع في الاستجابة لهذا المطلب، مكتفية فقط بإجراء بعض المراجعات لتلك اللوائح في كل مناسبة انتخابية، قبل أن تجعل مدونة الانتخابات لسنة 1997 من مهام اللجنة الإدارية، التي تتولى البت في طلبات القيد في اللوائح الانتخابية، مراجعة اللوائح الانتخابية كل سنة دون أن يغير هذا الإجراء كثيراً من الاختلالات التي ظلت تتضمنها تلك اللوائح. ولذلك، يظل من أولويات الإصلاح في المجال الانتخابي وضع لوائح انتخابية جديدة. ويرتبط هذا الإجراء بإجراءات أخرى ستساعد كثيرا في تجاوز الاختلالات التي تعرفها هذه اللوائح. من ذلك، مثلاً، أن تعميم البطاقة الوطنية على كل المواطنين وتقديمها عند كل تقييد يعد مسألة ضرورة، وإعادة النظر في تشكيل اللجان الإدارية في مراقبة اللوائح، وإعطاء حق الفصل للقضاء بدلاً من لجان الفصل، وجعل الرقابة قضائية وليس إدارية، فضلاً عن الربط المعلوماتي بين جذاذات اللوائح الانتخابية العامة وجذاذات المديرية العامة للأمن الوطني والدرك الملكي والشرطة والقوات المساعدة وإدارة الدفاع الوطني وإدارة السجون، حتى يتسنى مراقبة تسجيل حالات الذين فقدوا الأهلية الانتخابية بموجب المادة 5 من المدونة الانتخابية لضمان عدم التسجيل في أكثر من دائرة، فضلاً عن تمكين الأحزاب من المشاركة على قدم المساواة من نسخ ورقية وإلكترونية للوائح الانتخابية. (16)

د- البطائق الانتخابية

شكلت البطائق الانتخابية هي الأخرى آلية من الآليات التي كانت تسهل عملية التلاعب بأصوات الناخبين. وبالرغم من بعض التدابير التي جرى إدخالها في مدونة 1997 أو في التعديلات التي خضعت لها سنة 2003، سواء من حيث تحديد الجهة التي تضعها أو من حيث كيفية توزيعها وكيفية التصويت في حالة نسيان البطائق أو ضياعها، فإن ذلك لم يحل دون استمرار بعض المشاكل. وانطلاقاً من هذا الواقع، تبقى الاستجابة للمطلب الذي طالما دافعت عنه بعض الأحزاب السياسية في الماضي، ولا تزال تدافع عنه أحزاب أخرى، وكان يلاقى معارضة من الإدارة، مخرجا جديراً بوضع حد لهذه المشاكل.

ويتمثل ذلك في اعتماد بطاقة التعريف الوطنية باعتبارها بطاقة الانتخابات الوحيدة المطلوب الإدلاء بها، لأن من شأن هذا الإجراء أن يجعل التلاعب بها أو تزويرها أمرا صعباً.

هـ – نمط الاقتراع

يكاد ينحصر النقاش القانوني حول انتخابات 2007 في الموضوع المتعلق بنمط الاقتراع الواجب اعتماده خلال تلك الانتخابات.

ويعني ذلك الأهمية التي تكتسيها هذه الآلية في تحديد المسار الذي ستتخذه النتائج الانتخابية.

وإذا كان الانتقال من نمط اقتراع (الأحادي الاسمي في دورة واحدة) إلى آخر (اللائحة)، الذي تم خلال الانتخابات الأخيرة، على الأقل قد أزاح نوعاً من “القداسة” الذي ظل النظام يضفيه على نمط الاقتراع المتبع منذ أول انتخابات عرفها المغرب، فإنه بالتأكيد لم يمثل انتقالاً إلى النمط النموذجي الواجب اعتماده. والمقصود هنا أساساً نمط الاقتراع الأحادي في دورتين. فهذا النمط المطبق في عدد من الدول، أبرزها فرنسا، من مزاياه أنه “يسيس” الانتخابات ويجعلها أكثر تنافسية، ويغيب العلاقات الشخصية والعائلية والزبونية في علاقة الناخب بالمنتخب، والأكثر من ذلك أنه يفتح الباب لإمكانية وجود حزب أغلبي خلال الانتخابات. وقد كان هذا النمط هو ما ظلت تطالب به أحزاب المعارضة السابقة، لكنها تخلت عنه فيما بعد حين دافع بعضها، وبصفة خاصة حزب الاتحاد الاشتراكي، أثناء التحضير لانتخابات 2002 التشريعية، على تبنى نظام اللائحة، الذي يواجه في الوقت الحاضر معارضة شديدة من لدن بعض الأحزاب التي لا يتردد بعضها في الدعوة إلى العودة إلى نمط الاقتراع السابق (الاقتراع الأحادي الاسمي في دورة واحدة).

2-الإصلاح العميق

على أهمية الإصلاح في الجوانب ذات الطابع الإجرائي، التي تم ذكرها، والدور الذي يمكن أن يكون له في تكريس نزاهة ومصداقية العمليات الانتخابية، فإنه يبقى ناقصاً إذا لم يدخل في إطار إصلاح شمولي يروم إعطاء بعد آخر للانتخابات في الحقل السياسي المغربي يقربها من المفهوم الذي تحمله في الديموقراطيات الغربية. وهذا الهدف لا يمكن أن يتحقق بدون إعادة النظر في الإطار الدستوري الناظم للعملية الانتخابية في الوقت الراهن وللمؤسسات التي تنبثق عنها. ويعنى ذلك بصفة خاصة إعادة النظر في جانبين أساسيين، الأول يتعلق بطبيعة الحكومة المنبثقة عن الانتخابات، والثاني يهم الدور المنوط بالمؤسسة التشريعية في البناء الدستوري المغربي.

أ – ربط تعيين الحكومة بنتائج الانتخابات

خلال مختلف التجارب الانتخابية التي عرفها المغرب، لم تكن نتائج الانتخابات محدداً رئيسياً في تعيين الحكومات وفى تحديد تركيباتها. ويرتبط ذلك بثلاثة عوامل، أولها يتجلى في عدم إفراز أي من تلك الانتخابات لحزب أغلبي أو تكتل حزبي أغلبي، إذ عادة ما كانت النتائج المعلنة عبارة عن شتات من الأحزاب السياسية. ويرتبط هذا العامل بالعامل الثاني الذي يتجسد في عدم استعداد الملكية نفسها لوجود مثل هذه الأغلبية، ربما لأن ذلك قد يجعلها (الملكية) في مواجهة مباشرة معها وينزع عنها بالتالي الطابع التحكيمي الذي كانت تحاول الظهور به، أما العامل الثالث فيتعلق بوجود نص دستوري لا يقيم أي ربط بين نتائج الانتخابات وتعيين الحكومة، ذلك أن الفصل 24 من الدستور، الذي ينص على أن “يعين الملك الوزير الأول”، كان واضحا في عدم تقييد الملك بمراعاة ما تفرزه الانتخابات من نتائج.

وإذا كانت انتخابات 1997، التي تلاها تعيين وزير أول من المعارضة وأساسا من الحزب المتصدر لنتائج الانتخابات التي تمخضت عنها، قد شكلت بداية لتكريس تقليد جديد في تعيين الوزير الأول بدون أن يكون هناك نص دستوري يلزم بذلك، فإن تعيين وزير أول من خارج الأحزاب السياسية بعد انتخابات 2002 أعاد النقاش حول هذه المسألة إلى درجة الصفر.

ويفرض تجاوز هذه الوضعية، التي يكون فيها تنظيم الانتخابات مثل عدمه، مراجعة هذا النص الدستوري في الاتجاه الذي يجعله واضحاً في التنصيص على أن الوزير الأول يعين من الحزب أو اتحاد الأحزاب الفائز بالأغلبية أو المتصدر لنتائج الانتخابات.

غير أن إعطاء الانتخابات المفهوم الذي تحلمه في الديموقراطيات الحقيقية سيكون مع ذلك ناقصاً إذا لم يتم إرفاقه بإجراءات أخرى تكمله. من ذلك مثلا التنصيص على أن تكون “الحكومة هي التي تتولى تحديد السياسة العامة للدولة” مثل ما هو منصوص عليه في دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية، وما تضمنته إحدى المذكرات الخاصة بالتعديلات الدستورية التي سبق لأحزاب “الكتلة الديمقراطية” أن قدمتها إلى الملك.

ب – تعزيز مكانة البرلمان

يكاد يجمع الدارسون والباحثون في المجال الدستوري على أن البرلمان في المغرب “ليس هو مكان السلطة”(17)، وأن هذه الظاهرة انعكست على وظيفته في التشريع وفي المراقبة. ويرتبط، ذلك أساساً بالنص الدستوري وما يعطيه لهذه المؤسسة من أدوار واختصاصات وسلط مقارنة بمؤسسات أخرى.

ففي المجال التشريعي، يجعل الدستور من دور هذه المؤسسة ثانوياً مقارنة بالدور المنوط بالسلطة التنفيذية بمكونيها، الملك والحكومة، ويظهر ذلك على أكثر من مستوى، لعل من أبرزها ما تنص عليه مقتضيات الفصل 46 من الدستور حين تجعل من اختصاصات البرلمان في هذا المجال محدودة على سبيل الحصر، في الوقت الذي يعطي فيه الفصل 47 من الدستور اختصاصاً واسعاً لمجال التنظيم.

ويعني ذلك أن القاعدة في التشريع تعود للحكومة، أما الاستثناء فيعود للبرلمان. ويمكن أن نضيف إلى ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، الأسبقية التي يخولها الدستور لمشاريع القوانين التي يكون مصدرها الحكومة على مقترحات القوانين التي يتقدم بها البرلمانيون.

أما في مجال المراقبة، فإن مهمة البرلمان على هذا المستوى تواجهها أيضاً بعض العراقيل، تتجلى بصفة أساسية في غياب التنصيص على بعض آليات المراقبة (مثل استجواب الوزير الأول والوزراء…)، وصعوبة تحقق النصاب القانوني المطلوب لتفعيل بعضها الآخر، كملتمس الرقابة مثلاً….

وانطلاقاً من هذا الواقع، فبدون إعطاء الدور الرئيسي والمكانة الأساسية لهذه المؤسسة في المجال التشريعي وتسهيل مهمتها في مجال مراقبة العمل الحكومي، ستظل وظيفة الانتخابات محدودة ولا تتجاوز حدود تشكيل برلمان يكون خاضعا لإرادة السلطة التنفيذية في مجال يفترض فيه أن يكون سيداً فيه.

خاتمة

تبرز هذه الدراسة كيف أن التركيز على الجوانب الإجرائية في إصلاح النظام الانتخابي إذا كان مهماً في تجاوز “منعطف النزاهة الانتخابية “، على حد تعبير الأستاذة رقية المصدق، فإنه لا يضع الأصبع على الإشكالية الانتخابية الرئيسية التي ظلت مطروحة منذ أول انتخابات تم تنظيمها في المغرب.

وهي (الدراسة) تنطلق من أنه حتى مع افتراض تحقق النزاهة في العلميات الانتخابية، فإن ذلك لن يؤدي بالضرورة إلى جعل الانتخابات في الحقل السياسي المغربي تقوم بنفس الوظيفة التي تقوم بها في البلدان الديموقراطية، إذا لم يتم اعتماد “إصلاح انتخابي عميق” يروم بصفة خاصة الربط بين النتائج الانتخابية والمؤسسات المفترض أن تنبثق عنها، سواء من حيث تشكيلها أو من حيث طبيعة المهام المنوطة بها، إذ سيبقى تنظيم الانتخابات مثل عدمه إذا لم يكن الوزير الأول امتداداً لأغلبية انتخابية حقيقية، وإذا لم يكن البرنامج الحكومي المطبق هو برنامج تلك الأغلبية. وبالمثل إذا لم يكن البرلمان، الذي أفرزته صناديق الاقتراع، يمارس صلاحياته كاملة في مجالي التشريع ومراقبة العمل الحكومي.

الهوامش

1- العربي بلا: “الانتخابات والإصلاح السياسي في دول المغرب العربي”، مجلة “الديموقراطية”، العدد 21 سنة 2006، ص 85.

2- Michel camu”: Les institutions Politiques des Etas maghribins post- coloniex” “cite in interodctional I’Afrique du nord contemporaine” E”. D. S”, Paris 1975.

3- لم يطعن في هذه الانتخابات سوى حزب واحد هو المؤتمر الوطني الاتحادي، أما حزب اليسار الاشتراكي الموحد فقد شكك فيها…

4- بول. شمبرجا: “ملاحظات حول النظام الانتخابي السابق بالمغرب”، المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، عدد 15 و16 مارس- أبريل 1993.

5- كان هذا عنوان مداخله شارك بها ألان كليس في أشغال ندوة “التجربة البرلمانية”، والممارسة التشريعية في المغرب” التي نظمتها في ماي 1984 شعبتا القانون العام والخاص بكلية الحقوق بالرباط، ونشرت في كتاب خاص صدر نفس السنة عن دار توبقال.

6- نظمت الانتخابات التشريعية خلال سنوات 1963، 1970، 1977، 1984، 1993، 1997، 2002، بينما نظمت الانتخابات الجماعية سنوات 1960، 1970، 1976، 1983، 1992، 1997، 2003.

7- من المفارقات أن تكون الأحزاب السياسية التي ظل هذا الموضوع جزءاً من مطالبها طيلة تواجدها في المعارضة هي التي عارضته عندما قدم كمقترح في البرلمان من طرف حزب العدالة والتنمية في سياق التحضير للانتخابات التشريعية لسنة 2002، لكنها حينما أعلن الملك أشهرا بعد الانتخابات المذكورة على قرار تخفيض السن الانتخابي صفقت له ولم تبد أية معارضة له.

8- يتعلق الأمر بمحمد أولواح.

9- قبل سنة 1993 لم يكن البرلمان يضم أية امرأة، وخلال الانتخابات التي جرت في هذه السنة دخلت إلى البرلمان امرأتان فقط، وخلال التجربة الموالية ظل مجلس النواب يضم نفس هذا العدد من النساء، في حين تمثلت النساء في الغرفة الثانية بنفس العدد.

10- محمد شقير: “خصائص الحملات الانتخابية بالمغرب”، المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، عدد 15- 16 مارس- يونيو 1984.

11- في هذا الإطار، يمكن استحضار النقاش الذي صاحب سحب اللون الأصفر من الاتحاد الاشتراكي، الذي كان قد خاض به انتخابات 1977، ليتم تحويله إلى الحركة الشعبية خلال الانتخابات التي تلت ذلك.

12- رقية المصدق: “منعطف النزاهة الانتخابية، معامل الانحصار في تدبير الانتخابات التشريعية المغربية”، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى 2006، ص: 67.

13- رقية المصدق: نفس المرجع، ص: 13.

14- مذكرة أعدها حزب العادلة والتنمية حول الانتخابات التشريعية لسنة 2007.

15- نفس المذكرة.

16- نظراً لأهمية هذه المقترحات التي حملتها مذكرة حزب العدالة والتنمية المشار إليها، فقد جرى تضمينها في هذه الدراسة.

17- كما جاء على لسان عبد اللطيف المانوني في مداخلته التي ألقاها في ندوة “التجربة البرلمانية، والممارسة التشريعية في المغرب” التي سبقت الإشارة إليها.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading