عزيز الراشدي

باحث في سلك الدكتوراه

بجامعة محمد الخامس السويسي

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعيةسلا

تقديم

اقتضت الحياة الجماعية والعلاقة القائمة بين الإدارة والأفراد أن تكون بينهم نزاعات فطنوا منذ القدم أن حلها لا يمر إلا بتقديمها أمام القضاء باعتباره سلطة مستقلة عن جهاز الإدارة.

ولما كانت الحاجة لوجود قضاء متخصص للفصل في هذه النزاعات ظهر للوجود إلى جانب القضاء العادي قضاء إداري. والذي من خصائصه أنه قضاء إنشائي ومتطور يساير التطورات التي تعرفها الدولة.

ويمر النزاع الإداري كغيره بمراحل تبدأ بالمطالبة القضائية. مرورا بمرحلة الإثبات، ووصولا إلى الحكم في موضوع الدعوى.

ولاشك أن مرحلة الإثبات القضائي تعد أهم مراحل الدعوى بل هي محور الخصومة القضائية. حيث يتنافس كل خصم في تقديم الأدلة التي تبرهن على صدق دعواه والأحقية فيما يدعيه، وبالتالي فإن هذه المرحلة تستلزم نشاطا من الخصوم وممثليهم والقضاة وأعوانهم. فالادعاء الواقع هو عبء يقع على عاتق الخصوم، إذ يتعين عليهم تقديم الأدلة والبراهين على صدق دعواهم، فلا يكفي الادعاء بواقعة قانونية ليطبق عليها القاضي حكم القانون. بل لابد من إثبات هذه الوقائع المدعاة. وقوام عمل القاضي هو إنزال إرادة المشرع بتطبيق القواعد القانونية على وقائع النزاع المثار أمامه.

ويشكل الإثبات في كافة الدعاوى جانبا إجرائيا هاما. لكونه وسيلة التوصل للحقيقة التي يعتمد عليها الأفراد في صيانة حقوقهم المترتبة علي الوقائع، والأداة الضرورية التي يعول عليها القاضي في التحقق من الوقائع القانونية.

ويتسم الإثبات في المنازعات الإدارية بخاصية تميزه عن باقي المنازعات الأخرى، حيث يعتمد أساسا على طبيعة الدعوى الإدارية. هذه الدعوى التي تنشأ عن منازعة بين طرفين غير متكافئين. وهما الإدارة بوصفها سلطة عامة، ومتمتعة بامتيازات الصالح العام. والفرد صاحب المصلحة الخاصة الغير المزود بأدلة الإثبات، إذ يقف عادة موقف المدعى الصعب من حيث الإثبات في الدعوى.

وعلى هذا يقوم الحوار في المنازعة الإدارية بين طرفيين غير متعادلين ومصالح غير متساوية الأمر الذي اقتضى البحث عن حلول تحقق التوازن العادل بين الطرفيين.

وتأسيسا على ذلك، سنحاول من خلال هذا العرض أن نتناول كلا من دور القاضي الإداري في التعامل مع خصوصية الإثبات في المنازعات الإدارية كمبحث أول. هذا إضافة إلى تخصيص مبحث ثاني إلى العوامل المؤثرة في إثبات الدعوى الإدارية وآثارها على الأطراف.

المبحث الأول: القاضي الإداري والإثبات في المنازعات الإدارية

ارتبط مفهوم العدالة الإدارية بتطور القانون الإداري. فعندما نشأ القانون الإداري ظهر علي أنه قانون سلطة وقانون امتيازات وذلك بسبب قيامه لتحقيقه الصالح العام.

وفي ظل هذا الوضع كانت امتيازات الإدارة على أشدها، بحيث لم يكن يتيسر للقاضي أن يتدخل في اختصاصات الإدارة إلا في أضيق الحدود. كما أن ولايته في التعقيب على أعمالها كانت في غاية الضيق، إذ أن سلطة القاضي لم تكن تتجاوز حدود مراقبة الشكل الخارجي للقرار والبحث في مدى مخالفة القانون، دون أن تتعدى البحث في عناصره الداخلية أو تتجاوز حدود المشروعية لتتعداه إلى الملائمة. فقد كان التوسع في السلطة التقديرية من سمات هذه المرحلة، الشيء الذي كان يزيد من احتمالات التعسف في استعمال السلطة دون أن يتمكن القاضي الإداري من الحد من هذا التعسف. ومن ثم يبدو دوره عاجزا عن تحقيق التوازن بين طرفين غير متكافئين، طرف ضعيف في مواجهة طرف قوي يملك من الامتيازات ما يهدد حقوق الطرف الآخر.

غير أن هذا الوضع لم يدم طويلا، فقد تغير أساس القانون الإداري فأصبح هذا الأخير لا يهتم فقط بشؤون الإدارة بل ينظم حقوق الأفراد وحرياتهم إزاء امتيازات الإدارة وحقوقها، وقد كان لاستقلال القضاء الإداري في فرنسا وعلي رأسه مجلس الدولة عن الإدارة العامة أثره الواضح في إرساء أسس جديدة للقانون الإداري تقوم على الموازنة بين المصلحة العامة التي تمثلها الإدارة من جهة. وبين حقوق الأفراد وحرياتهم من جهة ثانية.

ولما كانت المنازعة الإدارية هي المناسبة التي يحقق فيها القاضي الإداري ذلك التوازن. إذ يشرف عليها ويحرص على سيرها وتحضيرها باعتبارها خصومة عينية تهدف إلى إنزال قاعدة الشرعية على أعمال سلطاته الإدارية الواسعة فهي ليست ملكا لأصحاب المصلحة فيها بقدر ما هي ملك للمحكمة. والقاضي جزء منها يجري في سبيل إنهائها على مقتضى سلطات واسعة.

والقول بأن المنازعة الإدارية أمانة في يد القاضي يشرف عليها وعلى حسن سيرها وتحضيرها، يستوجب منه القيام بدور إيجابي يكفل استيفاء ملف الدعوى وجعلها جاهزة للفصل فيها، وللدور الإيجابي للقاضي مظهران: مظهر أول يتعلق بتحديد نطاق التحضير من حيث الدور الإيجابي والموضوعي للقاضي (المطلب الأول) ومظهر ثان يتعلق باستعمال مختلف الوسائل العامة للإثبات وذلك من أجل تكوين عقيدته واقتناعه للفصل في الدعوى على أساس دراية كاملة بالواقع (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مظاهر الدور الإيجابي للقاضي الإداري في الإثبات

لما كانت أحكام القانون الإداري تتسم بالمرونة والتطور بصفة عامة، وهو ما يظهر بوضوح بشأن الإثبات بصفة خاصة حيث يكون للقاضي الإداري دور كبير في كفالة التوازن بين الطرفين. كما تكون له اليد الطولى في صياغة النظرية وبنائها باعتبار أن هذا الدور هو الذي يتفق مع سمة التطور والمرونة في حين أن دور المشرع يبقى مقتصرا على ما يصاغ من نصوص تكون محدودة في جملتها بالمقارنة بدور القاضي الإداري والذي يتجلى من خلال ناحيتين:

الأولى: تتمثل في ممارسته للدور الإيجابي الإجرائي من خلال سلطته التقديرية إزاء دليل الإثبات (الفرع الأول).

والثانية: تتجلى في الدور الموضوعي لكفالة التوازن العادل بين الطرفين في الدعوى الإدارية (الفرع الثاني) وذلك باستخلاص القرائن القضائية.

الفرع الأول: الدور الإجرائي للقاضي الإداري في الإثبات

يقوم القاضي الإداري بدور إجرائي يؤثر من خلاله بدرجة كبيرة في إثبات الدعوى الإدارية، إذ يستهدف تحضير الوسائل والأدلة اللازمة في إثبات الدعوى الإدارية، وقبل التطرق لهذا الدور كان لابد أن نخصص نقطة للإلقاء نظرة في البداية عن مفهوم الدور الإجرائي (الفقرة الأولي)، كما سنقف على خصائص الدور الإجرائي للقاضي الإداري وسماته العامة في فقرتين (الفقرة الثانية)، الأولى تتمثل في حرية القاضي في اختيار وسيلة الإثبات وتقديرها، والثانية تتمثل في حرية القاضي في الاقتناع والاستقصاء عن الحقيقة.

الفقرة الأولى: مفهوم الدور الإجرائي في الإثبات

يرتكز الدور الإجرائي للقاضي الإداري في تحضير المنازعة الإدارية، علي مجموعة من البيانات والمستندات العامة التي لها علاقة بتحضير الدعوى الإدارية.

والتحضير هو كل الإجراءات التي تستهدف توفير المستندات والأدلة اللازمة للحكم في النزاع([1]). ويعرفه البعض بأنه الإجراءات التي تتم ما بين إيداع المقال بقصد تهيئة الدعوى إلى حين الفصل فيها، وهذه الإجراءات أو الوسائل قد تتعلق بزمان التحضير مثل تحديد مواعيده. وقد تتعلق بموضوع التحضير كطلب البيانات والأمر بوسائل التحقيق الإداري([2]). ووسائل التحضير تختلف بصفة عامة عن طرق الإثبات، فوسائل التحضير يقصد بها السبل اللازمة لاستيفاء الدعوى والتي لا يمكن مباشرتها إلا بمعرفة القاضي وبأمر منه، وتتطلب إجراءات وأوضاع معينة، كطلب إيداع المستندات، في حين أن طرق الإثبات تعني جميع الطرق التي يعتمد عليها القاضي في الإثبات.

وتجدر الإشارة إلى أن التشريعات قد نظمت إجراءات الدعوى في فرع مستقل، إذ نجد أن المشرع المصري قد أوكلها لهيئة مفوضي الدولة للقسم القضائي بمجلس الدولة في مصر. وهي التي تختص بتحضير الدعوى الإدارية، حيث تتولى تهيئة الدعوى والفصل فيها وإيداع تقرير مكتوب بالرأي القانوني. وذلك حسب ما جاء بنص المادة 27 من القانون رقم 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة([3])، أما في فرنسا فقد نظم المشرع إجراءات التحضير بالقانون الصادر في 22/07/1977 بشأن المحاكم الإدارية، مع الملاحظة أن المفوض هناك، لا يتولى هذه المهمة، وإنما يتولاها القسم الفرعي للتحضير. ويقوم القسم القضائي بتحضير بعض الدعاوى الهامة التي تثير مسائل قانونية جديدة، وبالنسبة للمحاكم الإدارية الفرنسية فإن المحكمة بكامل هيئتها هي التي تتولى التحضير أصلا في غرفة المداولة. وقد تفوض أحد أعضائها لمباشرة بعض الإجراءات([4]).

وبالرجوع إلى المشرع المغربي، والذي لا زال يخطو نحو إكمال الهرم القضائي الإداري، فإنه أحال إجراءات التحقيق على مقتضيات قانون المسطرة المدنية، إذ نظمها من خلال الباب الثالث تحت عنوان إجراءات التحقيق والتي يتولى فيها القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية تحضير الدعوى.

ذلك أن مؤسسة المقرر في([5]) قانون المسطرة المدنية المغربي قد أخذت عن مسطرة المنازعات الإدارية بفرنسا، غير أنها خرجت عن النموذج الفرنسي بحيث أخذت أصالتها وتميزها بإعطاء المقرر سلطات تقنية أوسع. وأهمها على الإطلاق إمكانية إصدار المقرر أوامر بإجراءات التحقيق العادية كالخبرة والمعاينة والأبحاث، بينما في مسطرة المنازعات الإدارية الفرنسية لا يملك المقرر هذه الصلاحية، بحيث يكتفي باقتراحها علي هيئة الحكم الجماعية([6])، وترتيبا علي ما تقدم، فإنه يمكن القول بأن الدور الإجرائي للقاضي الإداري يمتاز بخصائص معينة تتفق مع وسائل الإثبات التي يباشرها، وتنعكس في نفس الوقت عليها. بحيث تصطبغ هذه الوسائل بها، ونعتبر هاته الخصائص من أصول التقاضي، وعلى ذلك فإنه يتعين الوقوف على السمات العامة للدور الإجرائي.

الفقرة الثانية: السمات العامة للدور الإجرائي

تتبلور خصائص الدور الإجرائي للقاضي أو سماته العامة في نقطتين:

الأول تتصل بحق القاضي الإداري في التقدير  . والثانية تتمثل في حرية القاضي الإداري في الاقتناع واستقصاء الحقيقة (ب).

أ حرية القاضي الإداري في تقدير وسيلة الإثبات

إعمالا لمذهب حرية الإثبات الذي يعتنقه القاضي الإداري فإنه يتمتع بسلطة تقديرية واسعة في اختيار ما يراه مناسبا من وسائل الإثبات. سواء كانت وسائل عامة أو خاصة للتحقيق. وبذلك فإنه غير مقيد بطلبات الخصوم([7]) ذلك أن القاضي يعتبر مسئولا عن عدالة الحكم في الدعوى وبالتالي يكون من المناسب عدم تقييد حريته في اختيار الوسيلة التي يعتقد بحسه القانوني أنها الأجدر في التوصل للحقيقة، وتأكيدا لهذا الأصل العام ذهبت المحكمة الإدارية العليا بمصر إلى أن “المنازعة الإدارية أمانة في يد القاضي يشرف عليها وعلى حسن سيرها وتحضيرها، حيث يقوم بدور إيجابي ولا يترك أمرها للخصم([8]). وعلى الرغم من ذلك فإن حرية القاضي في اختيار وسيلة الإثبات ليست مطلقة، حيث يحد منها اعتباران:

أولهما: التزام القاضي بالاستجابة لطلبات الطرفين في الأمر بوسيلة الإثبات اللازمة لفهم وبيان وقائع الدعوى.

وثانيهما: التزامه بعدم الأمر بالوسائل الغير المجدية للتحضير أو الإثبات وذلك باستبعاد الوسائل الغير المفيدة في ذلك والتي يؤدي إعمالها إلي إعاقة الفصل في الدعوى أو إطالة أمدها([9]).

ب حرية القاضي الإداري في الاقتناع واستقصاء الحقيقة

الأصل العام هو حرية القاضي الإداري وسلطته التقديرية بالنسبة للاستعانة بوسائل الإثبات، فالقاضي هو الأمين على الدعوى، يقدر بحرية كاملة ما إذا كانت البيانات موجودة بالملف كافية للفصل فيها دون انتظار أي إجراء آخر، وهذا ما ذهبت إليه مجموعة من المحاكم الإدارية، إذا قضت الغرفة الإدارية([10]) “وحيث أنه بعد الاطلاع على الوثائق المدرجة في الملف وعلى ظروف النازلة وملابساتها، ونظرا لكونها لا تكتسي صبغة استثنائية، ارتأى المجلس الأعلى عدم الاستجابة للطلب المرفوع إليه” وهذا أيضا ما ذهبت إليه المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في أحد أحكامها([11]) مؤكدة “… أن طلب إسقاط التنفيذ هو رخصة أو خيار يمكن للقاضي الإداري أن يلجأ إليه كما يمكن أن يستعمل هذه الرخصة إن لم تثبت له الصيغة الاستثنائية لطلب وقف تنفيذ القرار الإداري وله كامل السلطة التقديرية لتحديد هذه الصبغة الاستثنائية التي تتوقف على الاستجابة لطلب وقف تنفيذ قرار إداري”.

وبعد استقراء مجموعة من القرارات والأحكام يتبين أنه إذا ما رأى القاضي بعد الأمر بوسيلة الإثبات التي قدرها، وتبين له عدم كفاية البيانات والمعلومات المقدمة أو ظهور وقائع ومسائل تستدعي إيضاحات، فله أن يأمر من جديد بوسيلة إثبات أخرى تتناسب مع طبيعة البيانات المطلوبة، وإذا رأى القاضي ملاءمة إجراء وسيلة جديدة للإثبات فإنها تتم بذات الشروط المقررة، وقد يطلب القاضي من الخبير الذي باشر الخبرة تقديم تقرير تكميلي بشأن مسألة أو واقعة لم تتضح في التقرير الأصلي([12]).

وترتيبا على ذلك فالقاضي الإداري له الحرية التامة في تقرير النتيجة المترتبة على مباشرة وسيلة الإثبات التي أمر بها وله أن يطرحها، أو يعدل عن الوسيلة التي قررها أو يلجأ لأخرى يراها أكثر مناسبة حتى يصدر الحكم باطمئنان وعدالة تامة لجميع الأطراف([13]).

وقد أكدت على ذلك المادة التاسعة من قانون الإثبات بمصر بقولها أن “للمحكمة أن تعدل عما أمرت به من إجراءات الإثبات بشرط أن تبين أسباب العدول بالمحضر، ويجوز لها أن لا تأخذ بالنتيجة بشرط أن تبين أسباب ذلك في حكمها([14]).

وهذا ما سار عليه المشرع المغربي من خلال ما نص عليه في الفصل 64 من قانون المسطرة المدنية بقوله: “يمكن للقاضي إذا لم يجد في تقرير الخبرة الأجوبة على النقط التي طرحها على الخبير أن يأمر بإرجاع التقرير إليه قصد إتمام المهمة” هذا بالإضافة إلى ما جاء في الفقرة الثالثة في الفصل 66 من قانون المسطرة المدنية بقوله “لا يلزم القاضي بالأخذ برأي الخبير المعين ويبقى له الحق في تعيين أي خبير آخر من أجل استيضاح الجوانب التقنية في النزاع”.

ويستفاد من ذلك أن القاضي يلجأ إلى وسائل الإثبات بمقتضى تقديره في استيفاء الملف دون الالتزام بوسيلة معينة، ودون تقييد من جانبه بالنتيجة التي تنتهي إليها الوسيلة التي أمر بها، إذ تخضع لتقديره باعتباره الخبير الأعلى وما يطمئن إليه ضميره وتكوينه القانوني.

الفرع الثاني: الدور الموضوعي للقاضي الإداري في الإثبات

إلى جانب الدور الإجرائي للقاضي الإداري فإنه يقوم بدور موضوعي من أجل تحقيق التوازن بين الطرفين في مجال الدعوة الإدارية([15]) وذلك باستخلاص القرائن القضائية([16]) وتعتبر القرائن القضائية في مقدمة أدلة الإثبات المقبولة أمام القضاء الإداري وتعرف القرائن بوجه عام، أنها استنباط أمر مجهول من أمر معلوم([17]) والقرائن نوعان:

قرائن قضائية: وهي التي يستنبطها القاضي من ظروف الدعوة ووقائعها. وهي التي يسميها المشرع المغربي بالقرائن التي لم يقررها القانون.

والقرائن القانونية: هي التي يستخلصها المشرع من حالات يغلب وقوعها وينص عليها، وهي التي سماها المشرع المغربي بالقرائن المقررة بمقتضى القانون، وقد وردت أحكام القرائن في الفرع الرابع من القسم السادس من قانون الالتزامات والعقود وذلك في الفصول (449 إلى 459) وترتيبا على ما سبق فإننا نتساءل عن ماهية القرائن القضائية (أولا) ومدى حجيتها في الإثبات (ثانيا).

الفقرة الأولى: ماهية القرائن القضائية

لقد قال الفقهاء الإسلاميون بالقرائن أو ما يسمى بشاهد الحال أو الشاهد العرفي واعتمدوه في إظهار الحقوق وأوجبوا العمل به واستمدوا حجيته من دلائل كثيرة أبرزها قصة سيدنا يوسف عليه السلام وذلك عندما ألقاه إخوته في غيابات الجب وجاؤوا أباهم عشاء يبكون مخبرين إياه بأن يوسف أكله الذئب واستدلوا بقميصه الملطخ بالدم، إلا أن نبي الله يعقوب قارن هذه العلامة بما يعارضها، وهي سلامة القميص من التمزيق، إذ لا يمكن افتراس الذئب ليوسف ويسلم القميص من أنيابه فاستدل على كذبهم. ونفس الأمر في قصة سيدنا يوسف مع امرأة العزيز عندما راودته عن نفسه وقد قميصه من دبر فاستدلوا بذلك والشاهد من أهلها على كذبها.

وقد عرف المشرع المغربي القرائن في قانون الالتزامات والعقود المغربي من خلال الفصل 449 بأنها “دلائل يستخلص منها القانون أو القاضي وجود وقائع مادية…” وتبعا لذلك فهي أدلة غير مباشرة ولا تنصب على الواقعة ذاتها مصدر الحق بل على واقعة أخرى يمكن أن تستخلص منها الواقعة المراد إثباتها([18]).

أما بخصوص المشرع المصري فإنه لم يدرج تعريفا محددا للقرينة بصفة عامة سواء في القانون المدني أو قانون الإثبات لسنة 1968، لذلك اجتهد الفقه في وضع تعريفات لها وإن اختلفت في الصياغة إلا أن مضمونها واحد، حيث ترتكز في تعريفها للقرينة بأنها استنباط القاضي لأمر مجهول من أمر معلوم([19]) أو استنباط أمر غير ثابت من أمر ثابت بناء على الغالب من الأحوال.

ولما كانت القرائن تنقسم إلى قرائن قانونية وأخرى قضائية. فإننا سوف نقف عند القرائن القضائية باعتبارها أكثر إعمالا أمام القاضي الإداري وذلك لما تمثله من أهمية في الإثبات الإداري يستطيع بها القاضي على ضوء ما يتمتع به من حرية في الإثبات أن يدحض الرأي أو يثبته من خلال استعانته بواقعة معلومة في إثبات أخرى مجهولة([20]). والهدف من إقرار الاستعانة بالقرائن في مجال الإثبات الإداري هو الرغبة الدائمة في تخفيف عبء الإثبات الملقى على كاهل المدعي في الدعوى الإدارية باعتباره الطرف الضعيف، والأولى بالرعاية القضائية فيها، في إطار ما يتمتع به القاضي الإداري من دور إيجابي في الإثبات([21]).

وتحظى القرائن بأهمية بالغة أمام القضاء الإداري إذ يعتمدها في مقدمة طرق الإثبات، فعندما يخلو ملف الدعوي من أدلة الإثبات الكافية أو عندما يقتصر على الطرف المكلف بالإثبات تقديم المستندات المؤدية لطلبه، فإن القاضي الإداري يتجه إلى تأسيس حكمه علي القرائن المستقاة من الظروف المختلفة في موضوع الدعوى.

ومن ثم يستخلص أن للقرينة القضائية عنصران:

  •        واقعة ثابتة يختارها القاضي من بين وقائع الملف وتسمى بالإمارة أو العنصر المادي للقرينة.
  •        وعملية استنباط يقوم بها القاضي ليصل إلى الواقعة الثانية المراد إثباتها وهذا هو العنصر المعنوي، وتمثل لذلك بحكم صادر عن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى([22]) والذي جاء فيه “حيث أن الطلب يرمي إلى إلغاء انتخابات مكتب المجلس الجماعي لجماعة زعرورة، وحيث أن المحكمة بعد إحاطتها بظروف القضية وملابستها، وانطلاقا من القرائن المشار إليها أعلاه، اقتنعت بأن الأمر يتعلق فعلا برشوة لا بقرض، مما يجعل عملية الانتخاب قد شابتها مناورات([23]) تدليسية أثرت بشكل واضح ومباشر في السير العادي للعملية الانتخابية وفي نتيجتها، فالمحكمة هنا انطلقت من واقعة معلومة وهي اعتراف المجلس البلدي قبيل انتخابه بالدين لفائدة الأعضاء، لتستنبط أن الوثيقة ظاهرها قرض وباطنها رشوة، وهي الواقعة على المدعى عليها والتي كانت في أصلها مجهولة، وفي نفس هذا الاتجاه نص المشرع المغربي كذلك من خلال الفصل 455 من قانون الالتزامات والعقود “لا تقضي القرائن ولو كانت قوية وخالية من اللبس ومتوافقة، إلا إذا تأيدت باليمين ممن يتمسك بها متى رأى القاضي وجوب أدائها” وهذا ما أكده الاجتهاد القضائي من خلال قرار المجلس الأعلى، حيث ذهب إلى القول “وحيث بالرجوع إلى القرار المطعون فيه، تكون محكمة الموضوع قد طبقت الفصل 455 من قانون الالتزامات والعقود تطبيقا محكما عندما قضت على المدعى بأداء اليمين تزكية لما أدلى به من وثائق اعتبرتها المحكمة بما لها من سلطة تقديرية قرينة قوية([24]).

    وفي مصر نصت المادة 100 من قانون الإثبات على أن “يترك لتقدير القاضي استنباط كل قرينة لم يقررها القانون، ولا يجوز الإثبات بهذه القرائن إلا في الأحوال التي يجوز فيها الإثبات بشهادة الشهود”([25]).

وعليه فإن القرائن القضائية ما هي إلا الأدلة التي يستخلصها القاضي باجتهاده وذكائه وإعمال فكره في ما يراه من وقائع في موضوع الدعوى وظروفها المختلفة، والقانون هو الذي أعطاه هذا الحق.

وعملية الاستنباط هي عملية ذاتية تختلف من قاض إلى أخر فما يقنع هذا القاضي قد لا يقنع آخر، ومن تقنعه قرينة واحدة لا تقنعه قرائن متعددة وما يراه هذا القاضي من جانب الإثبات لا يرى فيه الآخر شيئا.

ومن القرائن القضائية التي اعتمد عليها قضاء مجلس الدولة بمصر أن دخول البضائع في البلاد مرورا بالدائرة الجمركية هو بمثابة قرينة قضائية على سداد الرسوم الجمركية عنها ما لم تثبت الإدارة عكس ذلك([26])، وجدير بالذكر أن المشرع هو الذي منح القاضي هذه السلطة، وهذا ما نص عليه المشرع الفرنسي بقوله “إن القرائن القضائية أنها تترك الذكاء وحذر القاضي الذي يتعين عليه ألا يأخذ بها إلا إذا توفرت لديه قرائن قوية ومحددة ومتطابقة”([27]).

الفقرة الثانية: حجية القرائن القضائية وسلطة القاضي الإداري في شأنها:

لما كانت القرائن القضائية هي تلك التي يقوم القاضي باستنباطها من الوقائع المعروضة عليه أثناء نظره في الدعوى، معتمدا في ذلك على ذكائه وفطنته وهي حجة من الإثبات جملة، سواء كان ذلك أمام القضاء العادي أو الإداري.

وفي هذا الخصوص يذكر الدكتور عبد الرزاق السنهوري أن “القوة المطلقة للقرائن القضائية في الإثبات إنما تكون في الحالات التي يكون فيها محل الإثبات واقعة مادية مجردة وواقعة مادية إدارية”، فمجموع هذه الوقائع يمكن إثباتها بالقرائن القضائية([28]) وإذا كانت القرائن القضائية تجد سندها في القانون المدني على الوجه السالف بيانه فإنها تعتبر في القانون الإداري في مقدمة أدلة الإثبات التي يعتمد عليها أمام القضاء الإداري، وحيث لم يحدد المشرع المغربي الأدلة المقبولة إذ يتم اللجوء إلى الأدلة المعمول بها في القانون المدني في ما لا يوجد بشأنه نص خاص في قانون 41-90 المحدث للمحاكم الإدارية وبالتالي فالقاعدة السائدة في الفقه والقضاء بالمغرب على غرار ما هو معمول به في كل من مصر وفرنسا، أن القاضي الإداري غير ملزم بطرق معينة للإثبات ومن ثم فإنه يتولى دون قيد تحديد طرق الإثبات المقبولة أمامه والتي تلائم ظروف الدعوى المطروحة عليه وأنه هو الذي يحدد قيمة وسيلة الإثبات واقتناعه بها([29]) إلا أن ذلك لا يعني أن القاضي الإداري يطرح جانبا طرق الإثبات المعروفة في القانون.

وترتيبا على ما سبق، تعتبر القرائن القضائية في مقدمة طرق الإثبات المقبولة أمام القضاء الإداري، إلى جانب المستندات وغيرها من الأوراق الإدارية، لذا كان من الطبيعي أن يقيم القاضي حكمه في كثير من الأحيان على القرائن القضائية وحدها دون اشتراط دليل آخر، ويرجع ذلك إلى الحالات الآتية([30]):

  • أن السلطة الممنوحة للقاضي الإداري أثناء النظر في الدعوى غير مقيدة بدليل معين.
  • أن معظم وقائع القضاء الإداري وقائع مادية.
  • أن الدعوى الإدارية تقوم بين طرفين غير متساويين.

ومن تم كان من الواجب على القاضي أن يقوم بعملية استنباط القرائن القضائية التي تحقق تخفيف عبء الإثبات الملقى على عاتق الفرد المدعي، وعليه يعتبر الإثبات بالقرائن القضائية في مجال القضاء الإداري أمرا مألوفا، وفي هذا يقول Pactet”([31]) ومن المألوف أمام القضاء الإداري سواء في دعاوى الإلغاء أو القضاء الشامل أن يتم الاعتماد في الإثبات على القرائن القضائية”.

وهذا بالطبع إذا كانت الواقعة محل إثبات واقعة مادية، أما إذا كانت تصرفا قانونيا فإنه يسرى عليها ما يسري على التصرفات القانونية في القانون المدني من قواعد.

وعلى هذا النحو تؤدي القرائن القضائية التي يستخلصها القضاء الإداري إلى تخفيف عبء الإثبات الواقع على عاتق الطرف المدعي، وتظهر أهميتها وفعاليتها على وجه الخصوص في الحالة التي يتعذر أو يصعب الحصول فيها سلفا على أدلة الإثبات أو ما من شأنه الوصول إلى منطق العدالة، حيث يتمتع القاضي الإداري بسلطة واسعة يستمدها من طبيعة وظروف النزاع المطروح أمامه وكذا من خارج دائرة هذا النزاع، كما أنه لا يتقيد في سلطته بالقاعدة التي تفرض عليه ألا يبني اقتناعه علي وقائع لم تثبت بالطريقة القانونية، ذلك وله أن يستنبط القرينة أيضا من إقرار غير قضائي صدر في دعوى أخرى، بل له أن يتخذ القرينة التي يعتمد عليها من أي تحقيق قضائي أو إداري، والقاضي الإداري في عمله هذا له كل الحرية في طريقة تحصيله للقرائن وفهمه لها، لا يقيده في هذا إلا أن يكون استنباطه سائغا.

المطلب الثاني: الوسائل العامة للإثبات أمام القضاء الإداري

إذا كان القاضي الإداري ملزما باستيفاء جميع عناصر الملف حتى يتم الفصل في الدعوى على أساس الدراية الكاملة بوقائعها، فإن القيام بهذه المهمة يتطلب تمتيع القاضي بقدر كبير من الحرية في مجال التعامل مع وسائل وأدلة الإثبات.

وإذا كان الطرفان في الدعوى الإدارية يحاولان كل من جانبه إقناع القاضي بالرأي أو التفسير الذي يقدمه، فإن القاضي يلجأ إلى مختلف وسائل التحضير الممكنة لتكوين عقيدته وتهيئة الدعوى للفصل فيها، وهي وسائل يلجأ إليها القاضي الإداري وتعتبر أدوات لممارسة دوره الإجرائي وذلك من خلال ما يباشره من وسائل التحضير الأولية والعامة والتي تأتي في مقدمتها الوسائل والإجراءات الروتينية لتقديم مقال الدعوى وتتمثل في تبادل المذكرات والاطلاع على أوراق الملف وإحضار أطراف الدعوى وإجراء بعض التحقيقات الإدارية (الفرع الأول)، هذا بالإضافة إلى مبدأ حرية القاضي الإداري في تكوين عقيدته واستخلاص أدلة الإثبات المقبولة أمامه (الفرع الثاني).

الفرع الأول: دور القاضي الإداري في التعامل مع الوسائل العامة للإثبات

يباشر القاضي الإداري دوره الإيجابي في إثبات الدعوى الإدارية عن طريق استعمال سلطته في التكليف بإيداع المستندات والأوراق والوثائق (الفقرة الأولى) حيث يتولى القاضي من تلقاء نفسه أو بناء على طلب أحد الأطراف تكليف الطرف الآخر، بتقديم المستندات والوثائق المنجزة التي تكون في حوزته، إضافة إلى الأمر ببعض التحقيقات التي يجريها القاضي (الفقرة الثانية) بنفسه أو التي يأمر بإجرائها تحت إشرافه([32]).

الفقرة الأولى: تكليف الطرفين بإيداع المستندات

بوسع القاضي في إطار ما يتمتع به من دور إيجابي في الإثبات أن يطلب من الإدارة تقديم المستندات (أولا) أو من الخصم كذلك إذا كان لديه ما يحوزه من مستندات تفيد في شيء (ثانيا).

أولا: تكليف الإدارة بتقديم المستندات

للقاضي الإداري من تلقاء نفسه أو بناء على طلب طرف الدعوى الإدارية الأخرى أن يطلب من الإدارة تقديم مستندات تحوزها ويراها منتجة للفصل في الدعوى([33]).

وبناء على السلطة التي يمارسها القاضي، تظهر أهمية وسيلة التكليف بتقديم المستندات كإحدى الوسائل الهامة والمناسبة في مجال الدعوى الإدارية التي تقوم على الطابع الكتابي للإجراءات والتي أصبحت ظاهرة مميزة للمنازعات الإدارية في أغلب الدول([34]).

ففي فرنسا استعمل مجلس الدولة والمحاكم الإدارية سلطة التكليف بالمستندات وقنن المشرع الفرنسي سلطة القاضي في هذا المجال بمنحه سلطة توجيه الإنذار القضائي وترتيب آثاره القانونية([35]).

وفي نفس الاتجاه سار المشرع المصري، وذلك حينما أشار مجلس الدولة صراحة إلى سلطة المفوض في تكليف ذوي الشأن بتقديم المذكرات والبيانات والمستندات التي يرى لزومها ضروريا لاستيفاء ملف الدعوى، ويسير مجلس الدولة المصري في تطبيقاته القضائية بإلزام الإدارة بتقديم سائر الأوراق والمستندات، فإن امتنعت عن ذلك وتسببت في فقدها، فإن ذلك يقيم قرينة لصالح المدعي ويلقى عبء الإثبات آنذاك علي عاتق الإدارة([36]).

لذلك فقد استقر قضاء مجلس الدولة على مواجهة الإدارة بعكس مقصدها، حين ذهب إلى نكول الإدارة عن تقديم ما طلب منها تقديمه من مستندات أو بيانات يقيم قرينة لصالح المدعي بصدق ما جاء بدعواه، الأمر الذي يودي إلى نقل عبء الإثبات عكس ذلك إلى جانب الإدارة([37])، كما ذهبت المحكمة الإدارية العليا في هذا الإطار إلى نحو أعمق حينما قضت إلى أن الامتناع عن تقديم ما بحوزتها من مستندات تنفيذا لأمر المحكمة أو هيئة المفوضين يعد بمثابة تسليم منها بما جاء في عريضة الدعوى([38]).

وفي المغرب يباشر المجلس الأعلى والمحاكم الإدارية سلطة التكليف بالمستندات على غرار مسلك مجلس الدولة الفرنسي، بحيث أن مقتضيات الفصل 334 من قانون المسطرة المدنية نجدها تنص على أن “يتخذ المستشار المقرر الإجراءات لجعل القضية جاهزة للحكم ويأمر بتقديم المستندات والتي يري أنها ضرورية للتحقيق في الدعوى”، ويتولى القاضي المقرر لدى المحاكم الإدارية ممارسة هذه السلطة وفقا للفصل المذكور، وبناء على الإحالة التي نصت عليها الفقرة الثانية من المادة الرابعة من القانون المنظم للمحكم الإدارية رقم 41-90 التي تقرر ضرورة تطبيق مقتضيات الفصول 329-333 إلى 336 من قانون المسطرة المدنية، وكذا الإجراءات التي يقوم بها القاضي المقرر لدى المحاكم الإدارية.

وبناء على ما سبق فإن سلطة التكليف بالمستندات تمثل وسيلة هامة تميز دور القاضي في تحقيق التوازن العادل في الدعوى الإدارية عن طريق إلزام الإدارة بتقديم ما تحت يدها من مستندات تحوزها بحكم وظيفتها الإدارية والتي يتعذر على الأطراف الأخرى حيازتها أو الاطلاع عليها، وهذا ما قضت به المحكمة الإدارية بوجدة بقولها “… وحيث إنه ما دام المجلس البلدي المطلوب في الطعن لم يدل بمحضر الضابطة القضائية، مما يؤدي إلي عدم ثبوت ما جاء فيه…” ([39])، وفي هذا الاتجاه قرر المجلس الأعلى بقوله “أن الإدارة هي التي يقع عليها عبء الإثبات فعليها أن تدلي بما يثبت تاريخ تبليغ المقرر المطلوب إلغاؤه([40]).

ثانياً: طلب إلزام الخصم بتقديم ما بحوزته

الأصل في الإثبات أنه لا يجوز لطرف الدعوى أن يقدم دليلا ضد نفسه يفيد خصمه([41]).

وإذا كانت سلطة التكليف بتقديم المستندات من وسائل الإثبات المميزة أمام القضاء الإداري، فإن طلب إلزام الخصم بتقديم مستند تحت يده يعتبر من الأحكام الإجرائية التي نصت عليها المواد المدنية من خلال قانون المسطرة المدنية والفصول السابقة الذكر، والتي يستعان بها أحيانا أمام القضاء الإداري – فيما يخص إلزام الخصم -، وهذا ما نص عليه المشرع المصري من خلال ما نصت عليه المادة 20 من قانون الإثبات على أنه “يجوز للخصم في الحالات الآتية أن يطلب إلزام خصمه بتقديم أي محرر منتج في الدعوى “تحت يده”.

  • إذا كان القانون يجيز مطالبته بتقديمه أو تسليمه.
  • إذا كان مشتركا بينه وبين خصمه.
  • إذا استند إليه خصمه في أية مرحلة من مراحل الدعوى.

ولما كان إلزام القاضي للخصم بتقديم مستند ضد نفسه لا يتنافى مع طبيعة الدعوى الإدارية ولا يتعارض مع خصوصية القانون العام فإن القضاء الإداري يستعين بتلك الوسيلة في إثبات تلك الدعوى وذلك على نحو ما جاء به قانون المسطرة المدنية والذي تمت الإحالة عليه من القانون 41-90 المحدث للمحاكم الإدارية.

ومع ذلك يعارض بعض الفقه اتخاذ القضاء الإداري لتلك الوسيلة في إثبات الدعوى الإدارية لوجود ما يغني عنها بالالتجاء لوسيلة التكليف لإيداع المستندات([42])، وفي هذا الأخير اتجاه آخر يقول بعدم سلامة هذا الرأي، حيث أن تحديد أهمية وسيلة الإثبات وكفايتها عن غيرها أمر متروك لتقدير القاضي في ضوء ظروف وملابسات كل حالة على حدة، الأمر الذي لا يجوز معه حرمانه من وسيلة بعينها بدعوى أن هناك وسيلة أخرى تغني عنها كما أن ما ساقه هذا الرأي من مبرر للاستغناء عن تلك الوسيلة في الإثبات بوسيلة التكليف بتقديم مستندات غير كاف لاستبعادها من وسائل الإثبات، حيث تتضافر الوسيلتان معا لتحقيق الغاية الواحدة للدعوى المعروضة.

الفقرة الثانية: الأمر بإجراء بعض التحقيقات الإدارية

قد يكون من المستحيل أو من المتعذر في بعض الحالات إيداع مستندات أو وثائق معينة تخص ملف الدعوى لذلك ينتقل القاضي الإداري بنفسه إلى المكان الموجود به الأوراق للتحقق منها والاطلاع على ما يهمه من بيانات بخصوص الدعوى المعروضة، ففي فرنسا يفوض القسم الفرعي للتحضير أو المقرر المختص للانتقال والاطلاع على المستند المطلوب للتحقق من بياناته([43])، والمثال البارز هذا هو انتقال المقرر إلى مقرر الجهة الإدارية المختصة للاطلاع على نصوص النسخة الأصلية للقوانين أو المراسيم أو التحقق من توقيعها.

ويلجأ القضاء الإداري في مصر إلى هذه الوسيلة في بعض الأحيان للتحقق من أصول المستندات والوثائق الإدارية، وفي العادة يتم نذب المفوض المختص بالمحكمة لمباشرة هذه الوسيلة وتقديم التقرير عنها، ويودع بالملف حيث يتمكن الطرفان من الاطلاع والتعقيب عليه، وترجع ندرة استعمال هذه الوسيلة إلى انتقادها ومخالفتها لمبدأ المواجهة([44]).

أما بخصوص القضاء الإداري المغربي، فإننا لا نعثر على أي مثال من أحكام القضاء الإداري تمت الاستعانة فيه بوسيلة الانتقال والاطلاع علي المستندات والوثائق أو لندرة هذه الوسيلة وقلتها في تطبيقات القضاء الإداري المغربي، رغم أن قانون 90-41 والذي أحال علي تطبيق مقتضيات وإجراءات قانون المسطرة المدنية، أعطى الحق للمحكمة أن تقوم بأي إجراء أو تحقيق يؤدي إلى الفصل في الدعوى وهذا ما نص عليه المشرع في الباب الثالث من قانون المسطرة المدنية في فصله 55 من القانون السالف الذكر.

وترتيبا على ما سبق فإن الوسائل العامة للإثبات تتميز بخصائص أساسية يمكن إجمالها فيما يلي:

  • تقديم تلك الوسائل يؤدي إلى التعاون الضروري بين الإدارة والقاضي في تحضير الدعوى الإدارية.
  • إن توجيهات وأوامر القاضي الإداري في إطار وسائل الإثبات العامة لا تدخل في نطاق الحضر الذي بموجبه لا يجوز فيه للقاضي توجيه أمر للإدارة إعمالا لمبدأ الفصل بين السلطات.

وقد ذهب بعض الفقه في وصفه لتوجيهات القضاء الإداري للإدارة في إطار الوسائل العامة للإثبات بأنها مجرد توجيهات إجرائية وليست أوامر إدارية تمس بوظيفة الإدارة واستقلالها([45]).

وتتلخص أهمية الوسائل العامة للإثبات في تحقيق التوازن بين طرفي المنازعة الإدارية، والتي تكون فيها الإدارة طرفا قويا من خلال ما تتمتع به من امتيازات عديدة. تؤدي إلى صعوبة دور الفرد في إثبات صحة ما يدعيه، الأمر الذي يستوجب وقوف القاضي بجانبه من خلال لجوئه للوسائل العامة للإثبات.

الفرع الثاني: سلطة القاضي الإداري بين الحرية والتقييد.

إن المنازعات الإدارية تختلف في مجال الإثبات عن القواعد المعمول بها أمام القضاء العادي وذلك في مجموعة من الخصائص والمميزات، إذ أن الإثبات القضائي بالمعنى العام يستمد طبيعته من مجموع الأنظمة المعمول بها أمام التشريعات المقارنة، إلا أن هذه الأنظمة “المذاهب العامة للإثبات” في الدعاوى الإدارية تعرف اختلافا ملحوظا عما عليه الأمر أمام القضاء العادي، إذ أن هذا الأخير يأخذ بمبدأ الإثبات المختلط، أما بالنسبة للقانون الإداري فإن الوضع علي خلاف ذلك إذ أن القاضي الإداري غير ملزم بطريقة معينة للإثبات، وبالتالي فهو الذي يحدد بكل حرية طرق الإثبات المقبولة أمامه والتي تلائم الدعوى المعروضة (الفقرة الأولى) إذ أن هذه الحرية ليست مطلقة وإنما ترد عليها بعض القيود التي تحد منها (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: حرية القاضي في تكوين عقيدته

يقول شارل ديباش([46]) “يحكم وسائل الإثبات نظام الاقتناع الذاتي فلا وجود لدرجات بين مختلف وسائل الإثبات بسكوت القانون عن ذلك والإجراءات الإدارية ترتبط بنظام الاقتناع الذاتي “إذ تترك للقاضي الإداري سلطات واسعة، فالقانون المغربي مثلا صمت عن وسائل الإثبات المقبولة مكتفيا بالإحالة على الإجراءات المطبقة على قانون المسطرة المدنية، كما أنه لم يحدد من جهة أخرى ترتيبا لمختلف الأدلة الممكن تقديمها أمام القضاء. ذلك أنه لا يمكن أن يفرض القاضي الإداري مذهبا للإثبات القانوني ولا يمكن فرض ترتيب الأدلة الثبوتية في العلاقات الرابطة بين القاضي والإدارة أثناء التحقيق في الدعوى فحرية القاضي الإداري تعد بمثابة فدية للتطبيق الحر لمبدأ “الإثبات يقع على المدعي” ذلك أن الإثبات أمام القضاء الإداري يهدف في جوهره إلى تحقيق التوازن ما بين حرية الأفراد ومصلحة الجماعة. ومن ثم فإن القانون الإداري يختلف عن القوانين الأخرى من ناحية الإثبات، فالقاضي الإداري له الحرية الكاملة في تكوين قناعته من أي دليل مقبول، إذ أن جميع الأدلة تتساوى في الإثبات في المجال الإداري.

وترتيبا على ما سبق يتمتع القاضي الإداري إزاء الدعوى الإدارية بسلطات كبيرة تساعده على تكوين اقتناعه والتثبت من تحقيق الادعاء ولا يحده بذلك إلا قدرته على إبداع الحلول المناسبة والعادلة التي توفق بين المصلحة العامة والمصلحة الفردية ورغم هذه الحرية التي يتمتع بها القاضي الإداري في التعامل مع وسائل الإثبات، فإن هذا المبدأ ترد عليه بعض القيود.

الفقرة الثانية: القيود التي ترد على مبدأ حرية القاضي الإداري

إذا كان للقاضي الإداري الحرية في تكوين عقيدته واستخلاص طرق الإثبات المقبولة أمامه، والتي تلائم الدعوى المعروضة، إلا أن هذه الحرية ليست مطلقة وإنما ترد عليها بعض القيود التي تحد منها بهدف تحقيق الثقة وضمان استقرار المعاملات والتي سوف نقف عليها اتباعا كالتالي:

أولا: أن القانون الإداري قد يفرض على القاضي الإداري الاعتماد على وقائع معينة بذاتها دون اللجوء إلى أخرى، من ذلك ما ذهبت إليه محكمة القضاء الإداري بمصر”([47]) حيث اعتبرت أن إثبات الجنسية لا يتم إلا بالشهادات الرسمية الصادرة من السلطات المختصة”، وهذا تقييد من طرف المشرع وكذلك اشتراط المستندات الرسمية لإثبات بعض الدعاوى دون المستندات العرفية.

ثانياً: يحد كذلك من المبدأ السالف، منع القاضي من الاعتماد علي بعض الوقائع في تكوين عقيدته من ذلك استبعاد اليمين الحاسمة([48])، من مجال الإثبات في القانون الإداري باتفاق الفقهاء لتعارضها مع طبيعة الدعوى الإدارية، وكذلك اليمين المتممة التي يواجهها القاضي من تلقاء نفسه إلي أحد الأطراف([49]).

ثالثاً: إن القاضي الإداري يسير في إطار توحيد الاجتهاد القضائي الإداري مما يلزمه اعتماد وإتباع الوقائع الثابتة في الأحكام القضائية السابقة والحائزة لقوة الشيء المقضي به، وخاصة عندما يكون الأمر يتعلق بنفس المحكمة التي سبق لها أن بنت في القضية.

رابعاً: يلتزم القاضي الإداري شأنه في ذلك شأن القاضي المدني والجنائي بمراعاة المبادئ العامة التي تتصل بأصول التقاضي وضمانات حقوق الدفاع، ولهذا يتعين على القاضي أن يؤسس اقتناعه ويستمده من أدلة تمكن أصحاب الشأن من مناقشتها وتقبلها وذلك تماشيا مع الصفة الحضورية والكتابية التي تتميز بها المنازعات الإدارية.

ونخلص مما سبق إلى أن مذهب الإثبات الذي يلائم القضاء الإداري ويسير عليه في العمل هو مذهب الإثبات الحر كما هو الحال في إثبات المسائل الجنائية، ولا يتعارض هذا المبدأ مع الإجراءات الإدارية القضائية، بحيث يقتضي ألا يكون الإثبات إلا حرا([50]).

المبحث الثاني: العوامل المؤثرة في إثبات الدعوى الإدارية وآثارها على الأطراف

إذا كان إثبات الدعوى المدنية يقوم على مبدأ التوازن بين أطراف الدعوى حيث يقف على قدم المساواة في مجال الإثبات فإن ذلك التوازن يعد مفقودا في مجال إثبات الدعوى الإدارية، في ظل ما تتمتع به الإدارة من امتيازات تكفل لها وضعا أفضل من الفرد المنازع لها، وتهدف تلك الامتيازات في مجملها إلى الحرص على المصلحة العامة والتي تسعى الإدارة إلى تحقيقها على حساب المصالح الخاصة.

ونعرض فيما يلي لأهم امتيازات الإدارة المؤثرة في الدعوى (المطلب الأول)، كما سنقف علي آثاره هذه الامتيازات (المطلب الثاني).

المطلب الأول: امتيازات الإدارة المؤثرة في الإثبات

تكمن امتيازات الإدارة المؤثرة في إثبات الدعوى الإدارية في حيازة الإدارة للمستندات والأوراق الإدارية (الفرع الأول)، إضافة لتمتع قراراتها بقرينة الصحة، إلى جانب ما تتمتع به الإدارة من امتياز التنفيذ المباشر والمبادرة (الفرع الثاني).

الفرع الأول: امتياز حيازة المستندات والأوراق

تعتبر الإدارة هي الأمينة على المصلحة العامة والقائمة على سير العمل الإداري فهي تملك وتحوز السجلات والأوراق والملفات وهذه الأخيرة هي الطريق الأساسي في إثبات الوقائع الإدارية وتصرفات العاملين في الإدارة([51]). والدليل الكتابي حسب الفصل 417 من قانون الالتزامات والعقود المغربي ينتج عن ورقة رسمية أو عرفية أو من غيرها، فالإدارة وهي شخص معنوي يحوز الأوراق الإدارية كطرف دائم في الدعوى جعل الإثبات بالكتابة الطريق الأساسي في الإثبات، حيث يعتمد القاضي الإداري أصلا على الأوراق الإدارية التي تتضمن الوقائع الإدارية وسير العمل الإداري([52]) وبالتالي عرف القاضي الإداري بأنه قاضي أوراق قبل كل شيء وهذا على خلاف القاضي العادي الذي يعتمد على أدلة الإثبات الغير الكتابية بصورة رئيسية بجانب الكتابة مثل الشهادة والإقرار واليمين.

ولقد اقتضت ظروف العمل الإداري ومقتضياته أن تكون الأوراق والمستندات الإدارية تحت يد الإدارة.

وتطبيقا لذلك قررت محكمة القضاء الإداري بمصر “إن الإدارة تحتفظ بالوثائق والملفات ذات الأثر الحاسم في مجال المنازعة الإدارية، وهو الأمر الذي تلتزم بتقديمه، فضلا عما هو ملاحظ من عدم قيام التوازن بين طرفي المنازعة الإدارية من حيث القدرة على الإثبات لاستحواذ الإدارة على الأدلة السابقة والمحجوزة وحرمان الفرد منها”([53]).

ونخلص مما سبق إلى أن الأوراق الإدارية ذات الأثر الحسم في الدعوى الإدارية تكون بيد الإدارة وأن الفرد قد لا يعلم عن مضمون هذه الأوراق شيئا، وبالتالي يتعذر عليه الوصول إليها، مثل محاضر بعض اللجان أو التقارير الإدارية، ومن تم يجهل الفرد خلوه من بعض الأوراق المنتجة في الدعوى.

وما تحوز الإدارة من أوراق لازمة للفصل في الدعوى منها ما يكون رسميا (الفقرة الأولى)، ومنها ما يكون عرفيا (الفقرة الثانية)، كما قد تكون أوراق أخرى.

الفقرة الأولى: دور حيازة الأوراق الرسمية في الإثبات

سبقت الإشارة إلى أن الأوراق المحررة التي تتضمن الدليل الكتابي نوعان، أوراق رسمية وأوراق عرفية.

فالأوراق الرسمية حسب الفصل 418 من قانون الالتزامات والعقود المغربي هي التي يقوم بتحريرها موظف عمومي من سلطة عمومية كالقرارات الإدارية والقوانين والمعاهدات، أو الأوراق القضائية التي تحرر بمناسبة الدعاوى المقدمة للقضاء.

وقد عرف الفقه المصري الورقة الرسمية([54]) “كل ورقة صادرة من موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة مختص بتحريرها من حيث نوعها ومن حيث مكان التحرير حسب القواعد المقررة قانونيا”.

وأما التقنين المدني الفرنسي نص في المادة 1317 على أن “الورقة الرسمية هي التي نتلقاها وفقا للأوضاع الشكلية المطلوبة من موظف عام له حق التوثيق في الجهة التي كتبت فيها الورقة” ويقارب نص هذه المادة في صياغته لنص الفصل 418 من قانون الالتزامات والعقود المغربي.

ومن هنا يتبين لنا أن الورقة الرسمية لكي تكون كذلك يجب أن تتوفر فيها ثلاث أركان:

  • أن تكون صادرة عن موظف عمومي أو شخص مكلف بخدمة عمومية، والموظف العمومي هنا شخص معين من طرف الدولة للقيام بعمل من أعمالها سواء أجرته على ذلك أم لا([55]).
  • والركن الثاني أن يكون تحرير هذه الورقة داخلا في وظيفة ذلك الشخص سواء من حيث الموضوع أو الزمان. وثالثا أن تكون الورقة مشتملة على جميع البيانات والأوضاع التي أوجب القانون توفرها، بمعنى أن يكون تحرير الورقة في الشكل الذي يحدده القانون.

وتحظى الأوراق الرسمية بأهمية بالغة في مجال الإثبات أمام القضاء الإداري إذ نص الفصل 419 من قانون الالتزامات والعقود على أن “الورقة الرسمية حجة قاطعة حتى على الغير في الوقائع والاتفاقات التي يشهدها الموظف العمومي الذي حررها بحصولها في محضره، وذلك إلى أن يطعن فيها بالزور”.

إلا أنه يجب التفرقة بين نوعين: أوراق رسمية إدارية وهي كل ما في حوزة الإدارة من محررات ومستندات منطوية علي وقائع إدارية تتصل بنشاط الإدارة أو بالعاملين بها مثل القرارات والعقود والأحكام الإدارية وكافة الأوراق الخاصة بالموظف والمودعة بملف خدمته أو محددة بمركزه الوظيفي، وإلى جانب الأوراق الرسمية الإدارية هناك أوراق رسمية غير إدارية، الأمر يتعلق ببعض الشواهد المزورة وإجراءات التحقيق التي يطلب إثباته بها، وذلك إذا رأت المحكمة أن التزوير منتج وجائز الأخذ به في التحقيق.

الفقرة الثانية: الإثبات بالأوراق العرفية

إذا كانت المحررات الرسمية هي التي يقوم بتحريرها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة في حدود اختصاصه ووفقا للشكل الذي تطلبه القانون فإن الأوراق العرفية هي التي يقوم بتحريرها من له مصلحة فيها بغير تدخل موظف عمومي والأوراق العرفية نوعان:

أوراق معدة للإثبات فهي أدلة مهيأة، إذ تكون موقعة ممن هي حجة عليه، وأوراق العرفية لم تعد مقدمة للإثبات، ولكن القانون يجعل لها حجية في الإثبات إلى مدى معين فهي أدلة عارضة، ولا يشترط لصحة تحرير الورقة العرفية إلا شرط واحد وهو توقيعها، وتأكيدا لذلك ذهبت المحكمة الإدارية العليا بمصر إلى أن الأصل في الورقة العرفية أن تكون حجة على الجميع ما عدا التاريخ المعطي لها، فلا تكون له حجية بالنسبة للغير ما لم تتوافر له الضمانات التي تكفل ثبوته علي وجه اليقين وترفع عنه كل مظنة أو شبهة في حجيته([56]).

وتنبغي الإشارة في هذا المجال إلى حجية أوراق الفاكس والحاسوب الآلي كورقة عرفية غير معدة للإثبات، ذلك أن المشرع المغربي سار على هدى التشريعات المقارنة إذ نظم وسائل الإثبات التي أفرزها التطور التكنولوجي الحديث من عقود وتوقيعات ومراسلات إلكترونية فالتقنيات الحديثة أثارت تغيرات علي العلاقات القانونية والتصرفات القانونية، وأوجدت فروعا وموضوعات قانونية استلزمت موجات متلاحقة من التشريعات على المستوى الدولي.

فما الذي أثاره وتثيره تقنيات المعلومات في القانون المغربي؟ وما هي آثارها على قواعد القانون وفروع التشريع بصفة عامة، وما مدى قابلية قواعد الإثبات التقليدية للتطبيق على المعاملات الإلكترونية التي تتم عبر وسائل الاتصال الحديثة؟ وبصيغة أخرى ما مدى اعتبار ما يتم تدوينه على الانترنت ونحوه من قبيل الكتابة المعتد بها في الإثبات، وما مدى حجية هذه الكتابة أمام القضاء الإداري حينما يرغب أحد أطراف العقد في التمسك بالمحرر الإلكتروني كدليل كتابي، خاصة مع العلم أن الإدارة أصبحت تعتمد على العقود والصفقات بشكل كبير في تسيير مرافقها والقيام بأشغال عامة في إطار المصلحة العامة؟ وهل التوقيع الإلكتروني يعتبر مساويا في هذا  الصدد؟ وما هو الارتباط بين التوقيع والوثيقة التي يتم استخراجها من الحاسوب الآلي؟ وهل إبرام العقد عبر الإنترنت تتوفر فيه سلامة وصحة التعبير عن الإدارة بذات القدر الذي يوفره التعاقد الشفوي أو الكتابي في مجلس العقد؟ وهل توقيع العقود والمراسلات الإلكترونية معادل للتوقيع ورقيا؟ ولذلك نعتقد أن هذه التحولات والتطورات السريعة في مجال المعلومات سوف يكون لها تأثير بالغ على قواعد الإثبات التقليدية إلا أن تنصيص المشرع من خلال القانون رقم 05-53 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية كان له دور في إزالة بعض الغموض على هذه المحررات وصحتها في الإثبات إلا أنه أغفل إعطاءه تعريفا أو تحديدا لمفهوم المحررات الإلكترونية([57]) بل اكتفي بوضع شروط إصدار هذه المحررات وإجراءاتها الشكلية لكن يمكننا تعريف المحرر الإلكتروني بأنه «رسالة البيانات التي يتبادلها طرفا العلاقة التعاقدية ويمكن أن تكون الدليل الوحيد في إثبات التصرف القانوني الذي تم إبرامه إلكترونيا».

وبالنظر إلي التشريعات المقارنة فيما يتعلق بحجية التوقيع الإلكتروني نجدها لا تختلف عن التشريع المغربي بهذا الخصوص، فمثلا نجد التشريع الفرنسي بدوره اشترط شروطا لابد من توفرها للقول بحجية التوقيع الإلكتروني، ذلك أن مجلس الدولة الفرنسي وبعض الفقهاء قاموا بجهود كبيرة للاعتراف بحجية المحررات الإلكترونية([58]) وهو نفس المنحى الذي سلكه المشرع المصري من خلال القانون رقم 10 لسنة 2004 المتعلق بتنظيم التوقيع الإلكتروني إلا أن المشرع المصري اختلف عن المشرع المغربي وذلك من خلال تحديد نطاق تطبيق التوقيع الإلكتروني في المواد 14-15 من قانون 2004 المتعلق بتنظيم التوقيع الإلكتروني حيث نص على أن «التوقيع الإلكتروني يكون له الحجية في الإثبات إذا ما تم استخدامه في المعاملات التجارية والمدنية والإدارية فقط»([59]).

ومما لا شك فيه أن القانون الجديد المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية سيساهم في حسم النزاعات المترتبة عن التعاملات أو التعاقدات الإلكترونية وبالتالي إمكانية اعتماد المحررات الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني بالحجية القانونية كوسيلة من وسائل الإثبات، وهو ما يفيد الاعتراف له بحجيتها ومن تم مضاهاتها لتلك المحررات الرسمية أو العرفية.

ولما كانت الكتابة تحتل المكانة الأولي في الإثبات أمام القضاء الإداري فكيف يستقيم الحال والتطورات أفرزت لنا طرقا جديدة في هذا الباب، لذا فتفعيل القانون المتعلق بالمحررات الإلكترونية ومنح هذه المحررات أو التوقيع الإلكتروني قوته الثبوتية واعتمادها كأداة للإثبات يبقى رهينا بمدى قناعة القاضي وسلطته التقديرية ومدى تكوينه المعلوماتي خاصة أن القاضي ذو تكوين قانوني محض، لذا فإنه يبقى صاحب القرار في مدى الاعتراف بهذه المحررات الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني ومدى صلاحيتها للإثبات في المنازعات التي يختص بها القاضي الإداري.

الفرع الثاني: امتياز مشروعية القرارات

الأصل في القرارات الإدارية هي أنها سليمة ومشروعة من حين صدورها إلى أن يثبت عكس ذلك، وذلك لما تتمتع به من امتيازات تستمدها من قرينة صحة وسلامة القرار الإداري (الفقرة الأولى)، بالإضافة إلى تمتعها بامتياز التنفيذ المباشر (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: امتياز صحة القرارات الإدارية

وفقا لقرينة صحة أو سلامة القرار الإداري فإن ذلك يفترض فيه افتراضا قابلا لإثبات العكس وأنه صدر مستوفيات لكافة أركانه ويمكن إثبات عكس ذلك بكافة طرق الإثبات المقبولة أمام القضاء الإداري([60]). ومؤدي تلك القرينة أن يظل القرار الإداري – رغم عدم مشروعيته – قائما ومنتجا آثاره القانونية من تاريخ صدوره إلى حين إلغائه أو سحبه([61]).

فكل من القرار المعلل وغير المعلل([62])، يفترض قيامه على سبب صحيح يبرره وفي حدود المصلحة العامة وهذه القرينة أصلها مستمد من فكرة عامة تفترض سلامة كل قرار إداري، وهي قرينة قانونية قابلة لإثبات العكس ومؤدي ذلك أن قيام دعوى على عدم صحة القرار لا يؤدي إلى نقض القرينة نهائيا وإنما يؤدي إلى أن ينتقل عبء الإثبات من على عاتق المدعي إلى عاتق جهة الإدارة التي تنزل عندئذ لإثبات مشروعية القرار، فإذا تقاعست عن ذلك أو تعذر عليها تقديم الإثبات الكافي تحملت عدم كفاية الإثبات في الدعوى طبقا للقاعد العامة في عبء الإثبات وزالت القرينة نهائيا على القرار، أما إذا نجحت الإدارة في إثبات المشروعية استقرت القرينة عالقة بالقرار([63])، في هذا يقول الأستاذ أحمد نشأت: «وليس من العدل في شيء أن نعفي خصما من الإثبات بناء على قرينة ويحرمه خصمه من إثبات ما ينقض هذه القرينة» وقرينة الصحة تلحق بالقرارات الإدارية على اختلاف أنواعها سواء أكانت قرارات إيجابية أو سلبية صريحة إذ يفترض قيامها علي سبب صحيح وإنها سليمة إلى أن يتم إثبات العكس.

ويتجه الرأي الغالب في الفقه إلى أن قرينة صحة القرارات الإدارية تعتبر في مقدمة الامتيازات التي تتمتع بها الإدارة، في حين على الفرد إثبات الحق الذي يدعيه ولهذه القرينة تطبيقات جمة أمام القضاء الإداري([64]).

الفقرة الثانية: امتياز التنفيذ المباشر

بالرجوع إلى الأحكام العامة للقانون الإداري، حيث تمارس الإدارة نشاطها الإداري في سبيل المصلحة العامة فإنها تعد مسؤولة عن حسن سير المرافق العامة وعند تنفيذ القوانين.

والتنفيذ المباشر للقرار الإداري هو لجوء الإدارة إلى إعمال آثاره في مواجهة الأفراد جبرا عندما يمتنعون عن الرضوخ له طوعا متى اقتضت ضرورة ذلك التنفيذ([65])، وذلك تحقيقا للمصلحة العامة التي يتعين تغلبها على المصلحة الفردية من جهة أولى، إلا أنه في الحقيقة استثناء من الأصل العام والذي بموجبه يكون القضاء حكما فيما ينشب بين الإدارة والأفراد من منازعات وحماية للمصلحة الفردية من جهة أخرى، والتي لا يجوز التضحية بها كلية، وذلك أن الطريق الاستثنائي غير جائز إلا في حالتين هما:

– وجود نص قانوني يخول للإدارة ذلك الحق.

– حالة الضرورة.

وهذا ما أكدته المحكمة الإدارية العليا([66]) إذ وضعت شروطا معينة لحالة الضرورة الموجبة للتنفيذ المباشر للقرار الإداري حتى لا تتخذ الإدارة من ادعاء توافرها مسوغا للتنفيذ المباشر دون مقتضى وهي:

– تهديد النظام العام والأمن العام بخطر جسيم مفاجئ.

– أن يكون عمل الضرورة الصادر عن الإدارة هو وسيلتها الوحيدة لدفع الخطر.

– أن يكون العمل ملازما لمواجهة الخطر.

وعليه يترتب على امتياز التنفيذ المباشر وضع الإدارة في مركز أسمي وأقوى من مركز الأفراد، حيث تتمكن من تنفيذ تصرفاتها واقتضاء حقوقها جبرا على الأفراد دون التزام من جانبها برفع الدعوى عليهم وبذلك يساعد هذا الامتياز على وقوع الإدارة المزودة بأدلة الإثبات في موقف أيسر وأفضل من الفرد في الدعوى الإدارية، حيث تقف في موقف المدعى عليه في حين يقف الفرد الضعيف في موقف المدعى الذي يتحمل عبء الإثبات كله.

المطلب الثاني: آثار امتيازات الإدارة على عملية الإثبات

للامتيازات التي تتمتع بها الإدارة في مجال الدعوى الإدارية التي سبق لنا تناولها أثر بالغ بالنسبة للإثبات في الدعوى الإدارية من حيث مركز الطرفين في تلك الدعوى (الفرع الأول) من جهة، وكذا طبيعة الإجراءات وخصوصية المنازعات الإدارية من جهة أخرى (الفرع الثاني).

الفرع الأول: مركز الطرفين في المنازعات الإدارية.

الأصل أن الفرد هو المدعي في الدعوى الإدارية (الفقرة الأولى) وإن كان يرد على هذا الأصل استثناء تكون الإدارة فيه مدعية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: استئثار الفرد بمركز المدعي.

المقصود بالفرد الذي يقف مدعيا في الدعوى الإدارية ليس الفرد العادي فقط وإن كان ذلك هو الوضع الغالب، وإنما يقصد به الأشخاص المعنوية الخاصة كما هو الحال بالنسبة للجمعيات والشركات الخاصة وما في حكمها.

وبعد استقراء التشريعات المقارنة نجدها لم تتطرق لهذا المعطي حيث لا يوجد أي نص صريح يجعل من الفرد مدعيا في الدعوى الإدارية كأصل عام.

ويمكن القول بأن الأصل العام السابق تتضافر في تحقيقه عدة مؤثرات تتمثل في مبدأ المشروعية ونصوص القوانين المنظمة لاختصاص القضاء الإداري هذا بالإضافة إلى امتيازات الإدارة المؤثرة في الإثبات.

ومنه تظهر الحاجة إلى قيام عناصر إيجابية فعالة لمعالجة حدة هذا التناقض، وعلي هذا فإن وقوف الفرد مدعيا أمام القاضي الإداري في مواجهة الإدارة المتمتعة بامتيازات السلطة العامة، يدعو إلى ضرورة العمل على تحقيق التوازن العادل بين الطرفين لضمان سيادة حكم القانون والتخفيف من العبء الملقى على عاتق الفرد المدعي.

الفقرة الثانية: الإدارة مدعية استثناء

استثناء من الأصل العام الذي يجعل الإدارة تقف في موقف المدعى عليه في بعض الحالات، فإنها تكون مدعية في حالات أخرى نوعية وقليلة بحيث لا تؤدى إلى الإخلال بالأصل العام في هذا الشأن([67])، ويتمثل ذلك في حالتين:

– الدعوى التأديبية.

– وحالة عدم تمتع الإدارة بامتياز التنفيذ المباشر.

أولا: الدعوى التأديبية

هي دعوى تقام ضد موظف أخل بواجبات وظيفته أو عملا من الأعمال المحرمة عليه، مما يستوجب معه تحريك المسطرة التأديبية ضده بداية بإجراءات التحقيق والبحث حول الأفعال والمخالفات المنسوبة إلى الموظف وانتهاء إلى وضع التقرير أمام المجلس التأديبي([68]) الذي يتولى إصدار العقوبة المقررة – هذا بالإضافة إلى التأديب الذي تمارسه السلطة الرئاسية – وفي هذه المرحلة والتي تكون فيها الإدارة مدعية والفرد مدعى عليه فإن لهذا الأخير مجموعة من الضمانات خولها له القانون([69])، ولعل أهم هذه الضمانات هو حق اللجوء إلى القضاء قصد إلغاء القرار الإداري الصادر في حق الموظف المؤدب، وذلك برفع دعوى الإلغاء أمام القضاء الإداري. وفي هذه الحالة تقف الإدارة موقف المدعية، حيث يقع عليها عبء إثبات ما تدعيه، والتي تصبح ملزمة بها. وذلك بذكر الأسباب الواقعية والقانونية التي بنت عليها قرارها الإداري، وأساس إلقاء عبء الإثبات في الدعوى الإدارية التأديبية على عاتق الإدارة راجع إلى أن أوراق التحقيق والقرار الصادر يكون في حوزتها ومن ثم تلتزم جهة الإدارة واقعيا وقانونيا بتقديم المستندات([70]).

ثانيا: حالة عدم تمتع الإدارة بامتياز التنفيذ المباشر

امتياز التنفيذ المباشر على ما سبق إيضاحه هو الذي يعطي للإدارة الحق في التنفيذ الجبري لقراراتها رغم منازعة أصحاب الشأن في مشروعية تلك القرارات، وحتى تتمتع الإدارة بذلك الامتياز فإن لذلك شرطين بحسب الاجتهاد القضائي ينبغي توفر أحدهما على الأقل:

– أولهما وجود نص قانوني صريح يمنح الإدارة ذلك الحق.

– وثانيهما قيام حالة الضرورة تتطلب منح الإدارة هذا الامتياز.

فإن لم يتوفر أي من الشرطين السابقين على الإدارة اللجوء للقضاء مدعية للحصول على حكم قضائي بالتنفيذ الجبري لقرارها حال امتناع الأفراد عن تنفيذه طوعا.

الفرع الثاني: آثار طبيعة إجراءات التقاضي في الإثبات

يطبق القضاء الإداري في هذا الشأن نوعان من إجراءات التحقيق:

النوع الأول القواعد الغير المكتوبة وهي تجد سندها في المبادئ العامة للإجراءات المستقر عليها دون نص تشريعي، وقد تكون مستقاة من السوابق القضائية التي قررها القضاء الإداري والتي ابتدعها طبقا للدور الإنشائي بما يتفق ومستلزمات الحياة الإدارية.

والنوع الثاني وهو القواعد المكتوبة التي تنص عليها القوانين سواء كانت خاصة أو عامة.

ولما كان الفرد في الدعوى الإدارية يقف كأصل عام موقفا أصعب من موقف الإدارة – المدعى عليها – فقد كان لابد من وجود دور إيجابي يلعبه القاضي الإداري بمساعدة الطرف الضعيف وذلك تخفيفا من آثار العبء الملقى على عاتقه ومن هنا يمكن القول بأن إجراءات الدعوى الإدارية تتسم بسمتين أساسيتين:

أولهما الصفة الإيجابية (الفقرة الأولى) وثانيهما الصفة الكتابية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الصفة الإيجابية للدعوة الإدارية.

وتعني أن تلك الإجراءات ذات طابع إيجابي، يتولاها ويسطر عليها القاضي الإداري([71])، حيث يمارس بشأنها دورا نشيطا ملحوظا فهو الذي يهيمن على تحضير وسير إجراءات التقاضي العادي، والذي يقف موقفا سلبيا بصفة عامة ينتظر الحكم في ما يقدمه الأطراف من مستندات وحجج([72])، وتستند هذه الخصوصية الإيجابية إلى طبيعة الدعوى الإدارية الموضوعية وطبيعة روابط القانون العام التي يسودها مبدأ المشروعية وتتصل بالصالح العام، مما يستدعي معه قيام القاضي الإداري بدور إيجابي دون الاكتفاء بتلقي مستندات الأطراف والفصل في الدعوى وذلك لتحقيق التوازن بين الطرفين، مما يكون له تأثير واضح بدرجات متفاوتة على نقل عبء الواقعة على عاتق المدعي في إقامة الإثبات وفقا لظروف الدعوى حيث يؤدي أحيانا في تنظيمه لعبء الإثبات إلى إعفاء المدعي تماما من هذا العبء ونقله إلى جهة الإدارة المدعى عليها.

الفقرة الثانية: الصفة الكتابية للدعوى الإدارية

تتميز إجراءات التقاضي الإداري بأنها كتابية، ومرد ذلك راجع بالأساس إلى طبيعة أطراف الدعوى الإدارية، إذ تقف الإدارة دوما طرفا فيها وهي شخص ليست له ذاكرة شخصية أو عقائد أو مشاعر إنسانية وبالتالي استلزم إثبات كل تصرفاتها وأفكارها في المستندات والأوراق وتقديمها إلى الجهات المختصة([73])، ولقد تأكدت الصفة الكتابية للإجراءات الإدارية بنص القانون إذ نجد المشرع المصري ينص من خلال المادة 25 من قانون مجلس الدولة بضرورة إقامة الدعوى بعريضة تعلن بمرافقها إن وجدت إلي الجهة المعنية وإلى ذوي الشأن، في موعد لا يتجاوز 7 أيام من تاريخ تقديمه([74]) وهذا ما صار عليه المشرع المغربي من خلال ما نص عليه في المادة 3 من قانون 90-41 المحدث للمحاكم الإدارية بقوله «ترفع القضايا إلى المحكمة الإدارية بمقال مكتوب يوقعه محام…»، هذا وقد استقر الفقه والقضاء على أن الملاحظات الشفهية والإيضاحات التي يقدمها الأطراف في الجلسة لا تتعدى مجرد إيضاح للوقائع المبينة للعريضة والمذكرات المرفقة بالملف، فهي مكملة وثانوية للإجراءات الكتابية([75]) وقد ترتب على الصفة الكتابية للإجراءات أن أصبحت الأوراق والمستندات الكتابية هي الوسيلة الرئيسية للإثبات أمام القضاء الإداري مما استوجب معه تحقيق التوازن العادل بين الطرفين وتخويل القاضي الإداري سلطة واسعة من أجل إلزام الإدارة بتقديم ما بحوزتها من مستندات، وبذلك تضفي الصفة الكتابية آثارا جوهرية على عبء ووسائل الإثبات.


[1]  د. أحمد كمال الدين موسى. نظرية الإثبات في القانون الإداري، دار النشر غير معروفة، طبعة 1977 ص 149.

[2]  عبد العزيز عبد المنعم خليفة، الإثبات في الدعاوى الإدارية، دار الفكر الجامعي، طبعة 2010 ص:103.

[3]  عبد العزيز عبد المنعم خليفة، مرجع سابق، ص:104

[4]  Andtr Deloubadere, jean Claude Venez et Yyes Goudement. “Traite de droit administrative”, tome edition, 1997, p.132

[5]  المقرر قاضي عضو من بين أعضاء هيئة الحكم الجماعية، فهو ليس بقاضي حكم فرد، يتمثل دوره أساسا داخل هيئة الحكم الجماعية في اتخاذ كافة إجراءات التحقيق في القضية المعين لها حيث سمح للمقرر بالأمر بإجراءات التحقيق لأول مرة بمقتضي ظهير 9/3/1954 المعدل للفصل 156 من ق م م وقد تم الاحتفاظ بهذه الصلاحية في المسطرة المدنية الحالية بمقتضي الفصل 334 منه.

[6]  محمد المجدوبي الإدريسي، إجراءات التحقيق في الدعوى في قانون المسطرة المدنية المغربي، مطبعة الكاتب العربي، الطبعة الأولى. 1995 ص:269.

[7]  محمد الوزاني، دور القاضي الإداري في تحقيق التوازن بين أطراف الدعوى الإدارية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، دراسات، سلسلة النصوص والوثائق. الطبعة الأولى 2001، ص63.

[8]  المحكمة العليا الإدارية جلسة 27/02/1975 السنة العاشرة ص 1758، مذكور عند عبد العزيز عبد المنعم خليفة، مرجع سابق، ص.127.

[9]  طه حسين القيسي، حرية القاضي في الاقتناع، سلسلة رسائل جامعية، الطبعة الأولى، 2001 ص51 و52 وما بعدها.

[10]  راجع حكم عدد 9/05/1991، السيدة العبدلاوي ليلى ضد رئيس المجلس البلدي لمدينة فاس، ملف إداري عدد 1064/90 . دراسات العدد 43 ص53 منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية.

[11]  حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء. عدد 3 بتاريخ 13 يوليوز 1994، الشركة العقارية لسيدي يحيى الغرب ضد رئيس المجلس البلدي لمدينة وجدة منشور بالمجلة المغربية العدد 9 أكتوبر، دجنير 1994، ص74.

[12]  راجع حكم المحكمة الإدارية بالرباط، حكم رقم 317، ملف رقم 1071/08، بتاريخ 10فبراير 2010، غير منشور.

[13]  طه خضير القيسي، مرجع سابق ص: 54.

[14]  رمزي سيف، الوسيط في شرح قانون المرافعات المدنية، دار النشر غير معروفة، طبعة 1970 ص:213.

[15]  محمد الوزاني، مرجع سابق ص:66.

[16]  راجع في الإثبات بالقرائن القضائية بصفة عامة:

  • عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، المجلد الثاني، الإثبات الآثار والالتزام، دار النهضة العربية، الطبعة 1968 ص: 332 وما بعدها.
  • أحمد كمال الدين موسى، نظرية الإثبات في القانون الإداري، مرجع سابق، ص:401 وما بعدها.
  • أحمد نشأت رسالة الإثبات في التعهدات، الجزء الثاني، طبعة 1995 ص: 186.

[17]  محمد الكشبور، المعاملات والإثبات في مجال الاتصالات الحديثة، سلسلة الدراسات القانونية المعاصرة، العدد 12،م الطبعة الأولى 2007 ص: 287.

[18]  المعطي الجبوبي، القواعد الموضوعية والشكلية للإثبات وأسباب الترجيح بين الحجج، دار النشر مكتبة الرشاد سطات، الطبعة 2000، ص105.

[19]  أنور العمروشي، أصول المرافعات الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية، دار النشر الراقية، الطبعة السابعة 2002، ص907.

[20]  عبد الكريم شهبون، الشافي في شرح قانون الالتزامات والعقود المغربي، الكتاب الأول طبعة 2000، بدون نشر، ص425.

[21]  عبد العزيز عبد المنعم خليفة، مرجع سابق، ص154.

[22]  حكم المحكمة الإدارية بالرباط ملف 170/19/96، منشور بمجلة الإشعاع عدد 14 سنة 8 يونيو 96 ص:161.

[23]  محكمة القضاء الإداري، جلسة 7/2/1967، مجموعة أحكام السنة 21 ص: 64 مذكور عند عبد العزيز عبد المنعم خليفة مرجع سابق ص:155 و156.

[24]  قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، قرار رقم 117/23، بتاريخ: 1990/04/24، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية للتنمية، دراسات عدد 12، سنة 2002.

[25]  وقد ورد بالمذكرة الإيضاحية للمشرع المدني بمصر بشأن هذه المادة أن الإثبات بالقرائن غير المقررة في القانون يقوم على تفسير القاضي لما هو معلوم من الإمارات والوقائع تفسيرا عقليا لتكوين اقتناعه، عن طريق استخلاص الواقعة المجهولة التي يراد إقامة الدليل عليها مقدمات هذا المعلوم، مذكور عند أحمد كمال الدين موسى، مرجع سابق، ص: 401.

[26]  مجلس الدولة طعن رقم 205 سنة 35 ق. جلسة 19/05/1990، مذكور عند عبد العزيز عبد المنعم مرجع سابق، ص: 185.

[27]  Planiol marcel, “droit civil”.12ed 1960.p:212.

[28]  عبد الرزاق السنهوري، المرجع السابق، ص: 451 وما بعدها.

[29]  محمد المنتصر الداودي، الإشكاليات القانونية والواقعية في اختصاص القضاء الإداري، الطبعة الأولى 2005، بدون دار النشر، ص: 205.

[30]  Andre Deloubadere, op, cit. p:163

[31]  PactetPierre, “droit du contentieux administrative”.ed1996.paris, P:153

[32]  مقال منشور بمجلة القانون والاقتصاد السنة 26 العدد 2 يونيو 1966 ص37 وما بعدها، حيث يذكر أن الإجراءات أمام القضاء الإداري كتابية دائما. ولكن مبدأ حرية الإثبات يبقى كاملا.

[33]  Débbasch (ch), op, cit. P:536. et suit (

[34]  فهد عبد الكريم أبو العلم “القضاء الإداري بين النظرية والتطبيق دار الثقافة للنشر والتوزيع طبعة 2005 ص:582.

[35]  محمد الوزاني، دور القاضي الإداري في تحقيق التوازن بين أطراف الدعوى الإدارية، مرجع سابق، ص:70.

[36]  المحكمة الإدارية العليا طعن رقم 2661 لسنة 35 ق. جلسة 28/05/1995 مذكور عند عبد العزيز عبد المنعم خليفة. مرجع سابق، ص: 83.

[37]  حكم مجلس الدولة في 24 يوليوز Fournier 1907 المجموعة ص707، مذكور عند محمد الوزاني، مرجع سابق، ص70.

[38]  يراجع في ذلك حكم المحكمة الإدارية العليا في طعن رقم 2661 لسنة 35 ق. جلسة 28/05/1995 مذكور عند عبد العزيز عبد المنعم خليفة، مرجع سابق، ص: 41.

[39]  المحكمة الإدارية العليا طعن رقم 2663 لسنة 35 ق مذكور عند أحمد نشأت، مرجع سابق، ص: 201.

[40]  المحكمة الإدارية حكم رقم 123/42، ملف 241/53 بتاريخ 25/08/2008 غير منشور.

[41]  المجلس الأعلى قرار رقم 23 بتاريخ 08 مايو 1970. بواري سعيد ميمون ضد وزير الداخلية، مذكور عند محمد الوزاني، مرجع سابق، ص: 70.

[42]  عبد الرزاق السنهوري المرجع السابق، ص: 36 وما بعدها.

[43]  حكم مجلس الدولة الفرنسي، رقم 225/2553، لسنة 1990، مذكور عند معوض عبد التواب، الدعوة الإدارية وصيغتها، دار الفكر العربي القاهرة، الطبعة 1991، ص: 193.

[44]  عبد العزيز عبد المنعم خليفة، المرافعات الإدارية والإثبات أمام القضاء الإداري، الطبعة الأولي، 2008 المركز القومي للإصدارات القانونية، ص: 294 وما بعدها.

[45]  مصطفى كمال وصفي، النظرية الحديثة للمشروعية في القانون الإداري، مرجع سابق، ص: 25 وما بعدها.

[46]  Débbasch (ch)/ “Institutions er droit administrative” édition 1968. p: 216

[47]  محمد منتصر الداودي، مرجع سابق، ص: 206.

[48]  حكم محكمة القضاء الإداري في: 18/02/1981 في القضية رقم 251 مجموعة السنة السادسة ص: 175 الفقرة 63، مذكور عند عبد المنعم خليفة، مرجع سابق ص: 212.

[49]  محمد منتصر الداودي، مرجع سابق، ص: 206 بقول في هذا الشأن:

– اليمين الحاسمة: من الواضح أن هذه الوسيلة تعتمد بالدرجة الأولى على المشاعر الشخصية والوازع الديني في حين يكون الاعتماد في ميدان المنازعات الإدارية قائما على الأوراق والمستندات.

[50]  مصطفى كمال وصفي، النظرية الحديثة في القانون الإداري، فبراير 1990، دار النشر غير معروفة، ص: 363.

[51]  إدريس الحلابي الكتاني إجراءات الدعوى الإدارية، مطبعة دار السلام الدار البيضاء، طبعة ثانية 2001 ص153.

[52]  راجع حكم المحكمة الإدارية بوجدة، رقم 46 ملف رقم 64/2004، بتاريخ 18/04/2005. غير منشور.

[53]  راجع حكم محكمة القضاء الإداري جلسة 16/06/1986 مجموعة السنة 24 ص: 349 مذكور عند عبد العزيز عبد المنعم خليفة، مرجع سابق، ص: 86.

[54]  الأستاذ محمد نشأت، رسالة الإثبات، الجزء الأول، دار النشر غير معروفة، طبعة 2002، ص: 182.

[55]  للمزيد راجع عبد الكريم شهبون، الشافي في شرح قانون الالتزامات والعقود المغربي، الكتاب الأول، الجزء الثالث ص06 وما بعدها.

[56]  المحكمة الإدارية العليا طعن، رقم 2418 لسنة 32 في جلسة 23/11/1994 مذكور عند عبد العزيز عبد المنعم خليفة طبعة 2010 مرجع سابق، ص90.

[57]  المشرع المغربي جعل الأمر من اختصاصات الفقه وعدم تضييق المفهوم من خلال إعطاء تعريف المحررات الإلكترونية

[58]  طارق البختي، مدى حجية المحررات والتوقيع الإلكتروني في الإثبات، المجلة المغربية لقانون الأعمال والمقاولات، مجلة نصف شهرية العدد 14-15 ماي – شتنير 2008 ص: 98.

[59]  عمرو عيسى الفقهي، وسائل الاتصال الحديثة وحجيتها في الإثبات، المكتب الجامعي الحديث، طبعة 2006، ص:119.

[60]  محمد العلمي، أجل الطعن بالإلغاء في القضاء الإداري المغربي، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 42 يناير فبراير 2002 ص: 50.

[61]  محمد العلمي، نفس المرجع، ص: 52.

[62]  محمد الأعرج. تعليل القرارات الإدارية، على ضوء القانون رقم 01/03، المتعلق بإلزام الإدارات الدولة والجماعات المحلية وهيئتها، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، العدد 43، 2003.

[63]  أحمد نشأت، مرجع سابق، ص: 187.

[64]  المحكمة الإدارية بمكناس، حكم رقم 25، ملف عدد 416/06 بتاريخ 2007/05/25، غير منشور.

[65]  محمد الأعرج، مرجع سابق، ص: 120.

[66]  المحكمة الإدارية العليا بمصر جلسة 26/04/1977، السنة 11، ص: 565، مذكور عند عبد العزيز عبد المنعم خليفة. مرجع سابق، ص: 98.

[67]  محمد منتصر الداودي، مرجع سابق، ص: 211.

[68]  أحمد محمد قاسمي، مسطرة تأديب الموظف وطرق إلغاء القرارات الإدارية، السلسلة الإدارية، بدون طبع وبدون نشر.

[69]  راجع الفصل 66/76/ من الظهير الشريف 58/08-1 المعتبر بمثابة النظام الأساسي للوظيفة العمومية، وكذا المنشور رقم 7 في 27 مارس 1970 بشأن المسطرة التأديبية.

[70]  راجع حكم المحكمة الإدارية بوجدة ملف رقم 65/2004، حكم رقم 80 بتاريخ 30/6/2005 غير منشور.

[71]  خميس السيد إسماعيل، قضاء مجلس الدولة وإجراءات صيغ الدعاوى الإدارية، دار النشر غير معروفة. الطبعة الثالثة 1995. ص: 221.

[72]  محمد المجدوبي الإدريسي ، مرجع سابق، ص: 246 وما بعده.

[73]  أحمد كمال الدين موسى، مرجع سابق، ص: 360.

[74]  عبد العزيز عبد المنعم خليفة، مرجع سابق، ص: 108.

[75]  ماهر أبو العينين، إجراءات المرافعات أمام القضاء الإداري، طبعة 1995، ص: 56 وما بعدها.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading