( معناها – خصائصها – أنواعها)
إعداد
أ. شاكر بن علي بن عبد الرحمن الشهري [*]
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله –صلي الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن مسألة تحديد مفهوم للدعوى الإدارية بصفة خاصة أصبح بأشد الحاجة إلى البحث والتدقيق والتحديد والثبات، لأنه غير معالج بصورة جدية ظاهرة كاملة، وإنما يتم التطرق له غالباً في عجالة وبصورة عرضية وسطحية.
ولذا يلاحظ وجود خلط وكثرة وتعدد في المصطلحات والمترادفات التي تدور وتتمحور كلها حول مضمون الدعوى الإدارية، ويعود ذلك إلى جملة من الأسباب أهمها:
- أن الدعوى الإدارية في الحقيقة هي دعوى حديثة الظهور مقارنة بغيرها من الدعاوي، فلم تظهر بوصفها قضائياً مستقلة عن الدعوى العادية إلا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين([1])، وذلك حين زادت أعمال الدولة وكثرت معاملاتها وتعقدت إجراءاتها وتنوعت خدماتها.
- أن الدعوى الإدارية لا تزال غير مكتملة المبادئ والقواعد بشكل مستقل عن أحكام ومبادئ الدعوى القضائية عموماً، ولم تصل لمرحلة النضج حتى الآن، لأنه ليس لها تقنين قانوني متكامل وموحد وأصيل بها، مستقل عن قانون المرافعات المدنية أو التجارية ([2]).
- تأخر وقلة البحوث والدراسات في مجال الدعوى الإدارية نتيجة لحداثتها. وهذا –بلا شك- فأقم من صعوبة تحديد لمفهوم الدعوى الإدارية بصورة كاملة وشاملة ومحيطة بكافة عناصرها.
ورغم هذه الصعوبة سأحاول تشكيل مفهوم للدعوى الإدارية، وذلك بتحديد تعريفها والتمييز بينها وبين المصطلحات الشبيهة بها، وكذلك معيار التمييز بين الدعوى الإدارية وغيرها من الدعوى وتحديد خصائصها وطبيعة إجراءاتها وذكر أنواعها، وذلك في المطالب التالية:
المطلب الأول
تعريف مصطلح الدعوى الإدارية
نظراً لسكوت الجهات التنظيمية والتشريعية عن وضع تعريف معين للدعوى بشكل عام، والدعوى الإدارية، بشكل خاص، فقد وقع على عاتق المتخصصين في الأنظمة من فقهاء وقضاة وضع تعريف للدعوى الإدارية يميزها عما قد يختلط بها من موضوعات متشابهة.
وبسبب اختلاف الفقهاء في تحديد المعيار والصياغة والأسلوب الذي يستندون إليه في التعريف، ظهرت هناك تعريفات عديدة وكثيرة للدعوى الإدارية، كل منها يمثل وجهة نظر مختلفة.
فمن الفقهاء من اعتمد على المعيار الشكلي في تعريفه، فربط الدعوى الإدارية بالجهة التي تنظرها وهي القضاء الإداري، ومنهم من اعتمد على معيار طبيعة أطراف الدعوى حين يكون أحد الأطراف هو جهة الإدارة، ومنهم من اعتمد معيار طبيعة الموضوع المتنازع عليه، ومنهم من يميل إلى الجمع بين هذه المعايير الثلاثة دون الاقتصار على معيار واحد.
ولذا سنستعرض هنا بعض التعريفات للدعوى الإدارية، ونبين المآخذ عليها، ثم ننتهي إلى التعريف المختار:
التعريف الأول:
أن الدعوى الإدارية: هي “الدعوى التي يكون أحد طرفيها على الدوام- مدعياً كان أو مدعي عليه- جهة إدارية متمتعة بامتيازات السلطة العامة وذات هيمنة على الطرف الآخر، سواءاً كان فرداً أم شخصاً من أشخاص القانون الخاص” ([3]).
ويتبين من هذا التعريف أن المعيار الذي يشترط للدعوى الإدارية أن يكون أحد أطرافها جهة إدارية ([4])، وأن تكون هذه الجهة الإدارية قامت بأعمالها وفق امتيازات السلطة العامة، وفي موقف الهيمنة والسيطرة على الطرف الآخر.
المآخذ على التعريف:
يؤخذ على هذا التعريف أنه لمي حدد الجهة القضائية المختصة في النظر لهذه الدعاوي، كما إنه لم يوضح طبيعة إجراءات هذه الدعوى، وهل هي متميزة عن غيرها من الإجراءات في الدعاوي الأخرى، أم أنها تحمل ذات الطابع.
التعريف الثاني:
هي “حق الشخص سواء أكان طبيعياً أم معنوياً في أن يلجأ إلى القضاء يطالبه في خصومة بينه وبين الإدارة، وذلك بقصد كفالة حماية ما يدعيه من حق اعتدى عليه أو لإعادة الحال إلى ما كانت عليه أو التعويض عنه” ([5]).
ويظهر من هذا التعريف اعتباره أن الدعوى الإدارية حق شخصي، باللجوء للقضاء في حالة وقوع خصومة أو نزاع بين الإدارة وبين الشخص الطبيعي أو المعنوي، والهدف من هذه الدعوى هو حماية حق اعتدي عليه من قبل الإدارة، وذلك بإعادته للحال التي كان عليها قبل الاعتداء، أو دفع تعويض مقابل الضرر الذي أصيب به الشخص من جراء اعتداء الإدارة عليه.
فيحسب لهذا التعريف إيراده لبعض أنواع الدعوى الإدارية، وهي دعوى الإلغاء والمعبر عنها بإعادة الحال لما كانت عليه قبل الاعتداء ودعوى التعويض.
المآخذ على التعريف:
يلحظ على هذا التعريف إشارته إلى أن الدعوى الإدارية حق شخصي في الالتجاء إلى القضاء، والقضاء هنا جاء بصيغة عامة لم تحدد فيه الجهة القضائية المختصة للنظر في الدعوى الإدارية هل يكون القضاء العادي أم الإداري، وكذلك حصره للدعوى الإدارية، في كونها لحماية حق اعتدي عليه بإعادته لما كان، أو التعويض عنه، ولم يتطرق إلى الاعتراف به أو للجوانب الإجرائية والشكلية الواجب توافرها في الدعوى الإدارية.
التعريف الثالث:
هي “الوسيلة أو المكنة التي يخولها القانون للشخص في اللجوء إلى القضاء الإداري للمطالبة بحقوق مستها تصرفاتها وأعمال الإدارة وأضرت بها” ([6]).
ويحسب لهذا التعريف تحديده لجهة القضاء المختصة في الدعوى الإدارية، وهي القضاء الإداري، كما أوضح أن الدعوى الإدارية ما هي إلا وسيلة تمكن الشخص من المطالبة بحقوقه التي أضرت بها الإدارة.
المآخذ على التعريف:
لم يتطرق التعريف إلى توضيح أن تكون الإجراءات وخصائص الدعوى الإدارية هي نفسها الموجودة في غيرها من الدعاوي، أو أن الدعوى الإدارية لها إجراءات وخصائص مختلفة ومتميزة عن غيرها.
التعريف الرابع:
هي “الإجراءات القضائية التي تتخذ أمام القضاء الإداري للمطالبة بأثر من الآثار المترتبة على علاقة إدارية” ([7]).
ويظهر من هذا التعريف أن الجهة القضائية المختصة بالدعوى الإدارية هي القضاء الإداري، وأن الدعوى الإدارية تحتوي على إجراءات قضائية أم القضاء الإداري بهدف المطالبة بأثر من الآثار التي وقعت، نتيجة للارتباط مع الإدارة بعلاقة ما.
المآخذ على التعريف:
يمكن التقرير أن هذا التعريف لا يفرق بين الإجراءات القضائية وبين الدعوى رغم أن كلاً يختلف عن الآخر ([8]).
كما إنه لم يبين الخصائص المميزة للدعوى الإدارية والإجراءات التي تتضمنها.
التعريف الخامس:
هي “حق الشخص والوسيلة القانونية في تحريك واستعمال سلطة القضاء المختص، وفي نطاق مجموعة القواعد القانونية الشكلية والإجرائية والموضوعية المقررة للمطالبة بالاعتراف بحق أو المطالبة بحماية حق او مصلحة جوهرية نتيجة الاعتداء على هذا الحق أو هذه المصلحة بفعل الأعمال الإدارية غير المشروعة والضارة والمطالبة بإزالتها وإصلاح الأضرار الناجمة عنها” ([9]).
ويجمع هذا التعريف العديد من العناصر الرئيسية لتوضيح مصطلح الدعوى الإدارية، فهي أولاً حق شخصي ووسيلة قانونية، وهذا يمثل الطبيعة القانونية للدعوى الإدارية، كما إنها ثانياً لها سلطة قضاء مختصة محددة وخاصة بها، وثالثاً لها قواعد قانونية وخصائص شكلية وإجرائية وموضوعية متميزة وتنفرد بها عن غيرها من الدعاوي، وهي رابعاً تتعدد أنواعها، إما مطالبة بالاعتراف بحق، أو حمايته نتيجة الاعتداء عليه بطريقة غير مشروعة من قبل الإدارة بإزالة التعدي أو التعويض عنه.
ويحسب لهذا التعريف أنه مبني على استغراق واستنباط أغلب العناصر التي تتكون منها الدعوى الإدارية.
المآخذ على التعريف:
لا يؤخذ على التعريف سوى كونه لم ينص صراحة على اختصاص القضاء الإداري بسلطة النظر في الدعوى الإدارية.
التعريف المختار:
أمام هذا الاختلاف في تعريفات الدعوى الإدارية وتعدد وجهات النظر فيها من قبل الفقهاء يمكن الخروج بتعريف مختار يجمع بين العناصر الرئيسية للدعوى الإدارية، وهو أن الدعوى الإدارية: “حق الشخص الطبيعي أو المعنوي، ووسيلته النظامية في أن يلجأ للقضاء الإداري في المنازعة التي تكون جهة الإدارة طرفاً فيها، للمطالبة بالاعتراف بحق أو حمايته نتيجة الإضرار به من قبل الإدارة لإزالة الضرر أو التعويض عنه، في نطاق إجراءات نظامية خاصة لا تخضع لقواعد المرافعات المدنية إلا فيما لم يرد فيه نص نظامي ولا يتعارض مع طبيعتها”.
ولعل هذا التعريف يجمع بين أطراف الدعوى الإدارية والسلطة القضائية المختصة بها ومضمون هذه الدعوى وإجراءاتها، ويتبين ذلك بتحليل العناصر الرئيسية للتعريف وهي:
“حق الشخص الطبيعي أو المعنوي ووسيلته النظامية”: وهنا يتبين أحد أطراف الدعوى وهو الشخص، سواء الفرد الطبيعي أو المعنوي، وتعتبر الدعوى الإدارية كغيرها من الدعاوي حقاً شخصياً له ووسيلة من الوسائل التي يعترف بها القانون للالتجاء لحماية القضاء، وله حق الاحتفاظ بها وعدم إثارتها إذا رأي عدم الحاجة للالتجاء للقضاء.
“في أن يلجأ للقضاء الإداري”: وهنا تظهر الجهة القضائية المختصة بالنظر في الدعاوي الإدارية وهي القضاء الإداري، فلا يصح أن تثار الدعوى الإدارية أمام جهة أخرى غير القضاء الإداري، والمتمثل في المملكة العربية السعودية بديوان المظالم.
“في المنازعة التي تكون جهة الإدارة طرفاً فيها”: وهذا هو الطرف الآخر في الدعوى الإدارية وهي الجهة الإدارية وهي طرف دائم وثابت، إذ يشترط في الدعوى الإدارية أن يكون أحد أطرافها هو جهة الإدارة.
“للمطالبة بالاعتراف بحق أو حمايته نتيجة الإضرار به من قبل الإدارة لإزالة الضرر أو التعويض عنه”: ويبرز هنا مضمون وأنواع الدعوى الإدارية، إذ إنها منصبة على الاعتراف بحق أمام الجهة الإدارية، أو حمايته من الاعتداء الذي وقع عليه من قبل الإدارة، وذلك بإزالة هذا الضرر وإلغائه أو بالتعويض عنه.
“في نطاق إجراءات نظامية خاصة لا تخضع لقواعد المرافعات المدنية إلا فيما لم يرد فيه نص نظامي ولا يتعارض مع طبيعتها”: وهذا قيد آخر تتميز به الدعوى الإدارية عن غيرها، بأن لها إجراءات نظامية خاصة مختلفة عن نظام المرافعات المدني والخاص، فالأصل أن لها نظام مرافعات خاصاً بها يحمل في طياته العديد من الخصائص التي أخذت فيها بعين الاعتبار الطبيعة المختلفة للدعوى الإدارية، فلا يطبق عليها قواعد المرافعات المدنية إلا في حالة خاصة، وهي عدم وجود نص في نظام مرافعات الدعوى الإدارية، مع مراعاة أنه حتى في هذه الحالة الخاصة إذا لوحظ أن قواعد المرافعات المدنية تخالف طبيعة الدعوى الإدارية فلا يؤخذ بها، ويجتهد القاضي من نفسه في إيجاد حل أو قاعدة صالحة للتطبيق.
المطلب الثاني
تمييز مصطلح الدعوى الإدارية عما يشابهه من مصطلحات
بعد أن تبين معني ومدلول مصطلح الدعوى الإدارية لابد أن نمايز بينه وبين بعض المصطلحات القانونية التي تقترب وتشابه في بعض الأحيان معني مصطلح الدعوى الإدارية كل ذلك أدى للخلط والالتباس بينهما، على الرغم من أنها قد تختلف عنها اختلافاً جذرياً وجوهرياً، فمن ذلك:
أولاً: مصطلح الخصومة الإدارية:
والتي تعني “مجموعة الإجراءات التي تبدأ بإقامة الدعوى أمام المحكمة بناء على مسلك إيجابي يتخذ من جانب المدعي، وتنتهي بحكم فاصل في النزاع أو بتنازل أو صلح أو بسبب عيب أو خطأ في الإجراءات أو بأمر عارض إنما هي حالة قانونية تنشأ عن مباشرة الدعوى” ([10]).
فالخصومة الإدارية حالة قانونية تنشأ عن مباشرة الدعوى أمام الجهات القضائية المختصة واتخاذ مجموعة من الإجراءات القضائية النظامية والتي تبدأ بإثارة المدعي لدعواه أمام القضاء، متضمناً طلباته بما يدعيه وما يرمي إليه ويسعي لتحقيقه من وراء تقديمه، وتنتهي بصدور الحكم البات فيها أو بانقضائها بغير حكم.
ومن هنا تتميز الدعوى الإدارية عن الخصومة الإدارية، وذلك لأن الدعوى الإدارية حق شخصي لصاحبها، باستطاعته أن يثيرها ويستعملها أمام القضاء أو أن يحتفظ بها ويتركها دون إثارة، فالدعوى موجودة، سواء استعملها صاحبها أم لم يستعملها، فإذا أراد أن يستعملها فإن ذلك يتم عن طريق إجراءات الخصومة الإدارية فالدعوى مرحلة سابقة على مرحلة الخصومة.
ثانياً: دعوى تجاوز السلطة:
وهي “الدعوى التي يرفعها صاحب المصلحة إلى القضاء المختص مختصماً فيها قراراً إدارياً طالباً إلغاءه” ([11])، وتعرف كذلك بدعوى الإلغاء.
وتعتبر دعوى تجاوز السلطة دعوى إدارية، وذلك لأن فيها طلباً لحماية حق تم الإضرار به عن طريق قرار إداري، فيطلب المدعي إلغاء هذا القرار وإعدامه، فكانت بذلك نوعاً من أنواع الدعوى الإدارية لأن أحد أطرافها جهة إدارية، ومضمون المنازعة هو حماية حق أضر به، إلا أن الدعوى الإدارية أعم وأشمل منها لأنها تشمل أنواعاً أخرى من الدعوى، كدعوى الاعتراف بالحق، أو التعويض عنه.
ثالثاً: المطالبة القضائية:
وتعني “مباشرة صاحب الحق لدعواه متبعاً الإجراءات الشكلية التي نص عليها في القانون” ([12]) وهذ بهذا المعني واقعة الالتجاء الفعلي إلى المحكمة، فإذا كنا قد ذكرنا أن الدعوى الإدارية هي حق شخصي ووسيلة قانونية للمطالبة بالحق، فإن المطالبة القضائية ليست سوى التصرف الذي يجريه صاحب الدعوى، استعمالاً لهذا الحق، فالمطالبة القضائية مظهر حق الدعوى وصورته الحركية ([13]).
وعلى هذا فإن الدعوى شيء، والمطالبة القضائية شيء آخر، على أساس الفصل بين سلطة إتيان عمر معين وهي الدعوى، وبين الأعمال التي اتخذت استعمالاً لهذه السلطة وهي المطالبة، فالأولى ليست سوى التمتع بقدرة أو رخصة قانونية معينة تمكن صاحبها من إتيان عمل معين أو من الامتناع عنه، وهي بهذا لا تختلط بالثانية التي ليست سوى إفراغ هذه الرخصة فعلاً في عمل حال وواقع ([14]).
رابعاً: المنازعة الإدارية:
إن مصطلح المنازعة الإدارية من أكثر المصطلحات اقتراناً وترادفاً مع الدعوى الإدارية، فهي تستعمل في كثير من الأحيان ولدي كثير من الباحثين مرادفاً للدعوى الإدارية، وتحمل ذات المعني والمدلول، هذا في استعمال المعني الضيق والمحدود للمنازعة الإدارية.
إلا أنها في الحقيقة لها معني واسع وعام وشامل أكثر اتساعاً من معني ومضمون الدعوى الإدارية، وذلك لأن المنازعة الإدارية تنشأ من لحظة حدوث اختلاف في وجهات النظر أو تعارض وتنازع في المصالح يقع بين الأفراد بينهم وبين إحدى السلطات العامة في الدولة، فهي في الأساس حالة مادية واقعية قد تؤول إلى حالة قانونية إذا تم عرضها على القضاء إذا باشر صاحب الشأن حقه في التقاضي، وقد لا تثور وتنتهي قبل عرضها على القضاء بالصلح والتراضي أو بالاقتناع.
فالمنازعة الإدارية هي المسألة التي تثير نزاعاً بين الأفراد وبين السلطات العامة في الدولة، واستناداً إلى حق التقاضي واستعمال الوسائل القانونية لحفظ الحقوق يتم رفعها إلى القضاء من خلال مباشرة الحق في الدعوى ([15]).
ونتبين من هذا أن للدعوى الإدارية معني ومضموناً محدداً ومدلولاً معيناً يميزها عن غيرها من المصطلحات، وإن كان لكل مصطلح علاقة ورابطة بالدعوى الإدارية.
فالمنازعة الإدارية بمدلولها الواسع أعم وأشمل من الدعوى الإدارية، لأنها هي المسألة التي تثير خلافاً ونزاعاً بين الأفراد وبين السلطة العامة، وينتج عنها حق شخصي للفرد في أن يستخدم الوسيلة القانونية وسلطة التقاضي والتي هي الدعوى، فإذا استخدم هذا الحق بصورة فعلية وقعت المطالبة القضائية، وإذا باشر إجراءات التقاضي وقدم طلبه للقضاء فقد بدأت الخصومة الإدارية.
المطلب الثالث
تمييز الدعوى الإدارية عن غيرها من الدعاوى
ويقصد به تحديد المعيار الذي يصنف الدعاوي القضائية إلى دعاوي إدارية ويكون لها جهة قضاء مختصة بها، والدعاوي الأخرى التي لها جهات قضائية أخرى مختصة بها.
ولفقهاء القانون في هذه المسألة آراء مختلفة في وضع معايير لضبط تصنيف الدعاوي.
وأبرز هذه المعايير:
أولاً: معيار السلطة العامة:
أي أن الإدارة إذا قامت بأعمالها التي تباشرها بمظهر السلطة الآمرة والناهية، صاحبة السلطة والسلطة في المجتمع، وتعلو إرادتها على إرادة الأفراد العاديين، فتندرج المنازعات الناشئة عن هذه الأعمال ضمن اختصاص القضاء الإداري، أما إذا قامت الإدارة بأعمالها الأخرى والتي لا تظهر فيها بمظهر السلطة الآمرة والناهية، بل بمظهر الفرد العادي المتجرد من خصائص السلطة، فإنها تعامل معاملة الفرد، ويكون اختصاص النظر في المنازعات الناشئة عن أعمالها بهذه الطريقة من اختصاص القضاء العادي([16]).
وقد تعرض هذا المعيار إلى نقد شديد لأنه يصعب التمييز بين هذين العملين الإداريين بصورة واضحة، وذلك لأن أعمال الإدارة تتداخل وتختلط معاً في عمل واحد، ولا توجد دائرة تجمع أعمال السلطة والأخرى تتضمن أعمال الإدارة الأخرى، وهذا لا يعكس واقع النشاط الإداري ([17]).
ثانياً: معيار المرفق العام:
ونظراً للنقد الموجه للمعيار الأول، عدل عنه إلى معيار (المرافق العام)، والذي يعني أن جميع المنازعات التي تتعلق بتنظيم وتسيير المرفق العام ([18]) تندرج تحت دائرة اختصاص القضاء الإداري، سواء كان تصرف الإدارة عن طريق العقد أم أنها لجأت إلى وسائل السلطة العامة ([19])، وبناء عليه تعد المنازعة القضائية منازعة إدارية إذا تعلقت بنشاط مرفق عام.
ومن الواضح أن الاجتهاد القضائي لا يزال يحتفظ بفكرة المرفق العام، ويجعل منها أساساً لتوزيع الاختصاص، وإن كان جري تعديلها وتطويرها بعد أن وجه إليها بعض الانتقادات نتيجة لتطور الظروف والأحوال والأعمال الإدارية التي طرأت على دور الدولة، كون هذه الفكرة تبين المعيار بشكل واضح وصريح ومتلائم مع طبيعة عمل الإدارة.
المطلب الرابع
خصائص الدعوى الإدارية
تختلف الدعوى الإدارية في خصائصها وطبيعتها اختلافاً بيناً عن الدعاوى العادية، وهذا مما أدى بحكم الضرورة إلى اختلاف طبيعة الإجراءات التي تحكمها عن تلك التي تحكم هذه الدعاوي، ويرجع الاختلاف بين طبيعة الدعوى الإدارية والدعاوي العادية إلى عدة أسباب، منها:
- أن أحد أطراف الدعوى الإدارية على الدوام مدعياً كان أو مدعي عليه جهة إدارية، لها مميزات السلطة العامة ([20]).
- وأن الدعوى الإدارية تتميز عن غيرها من ناحية الحق موضوع المنازعة، فموضوعها من الحقوق الإدارية، أي تلك التي تنشأ بسبب علاقة بين الإدارة من ناحية والفرد من ناحية أخرى ([21]).
- أن الدعوى الإدارية تتميز عن غيرها في أن الأولى تختص بنظرها والفصل فيها جهة قضائية خاصة وهي جهة القضاء الإداري، وتشكيل هذه الجهة مستقل تماماً عن القضاء العادي من حيث درجات التقاضي، وجهات الطعن في الأحكام، ومن حيث قواعد الاختصاص أمام هذه الجهات([22]).
وللأسباب السابقة مجتمعة جعلت طبيعة إجراءات الدعوى الإدارية مختلفة عن إجراءات الدعاوي العادية.
فتتسم إجراءات الدعوى الإدارية بأنها:
- يوجهها القاضي، وله بصددها دور إيجابي في تسييرها، فهو الذي يقوم بإجراءات الإثبات ولا يتركها للأفراد، بل يقوم هو نفسه بجهد شاق للبحث عن الحقيقة، لأنه ينبني من وراء ذلك التطبيق الأمثل لمبدأ المشروعية.
وهذا على عكس الإجراءات أمام القاضي العادي، الذي لا يستطيع أمام المنازعة المدنية أن يثير من تلقاء نفسه دفعاً لم يتمسك به الخصوم، وأن يطلب من الخصم ضم مستند أو ورقة في الدعوى، ما لم يطلب منه ذلك ذوو الشأن لأن الدعوى المدنية ملك لأطرافها ([23]).
- وفي الدعاوي الإدارية لا يجوز للقاضي أن يحل محل الإدارة، ولا أن يصدر أمراً لها فهي سلطة عامة، وإصدار الأوامر لها يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات، وإنما سلطة القاضي الإداري محددة على سبيل الحصر، فليس له سوى الحكم بإلغاء القرار المطعون فيه –جزئياً أو كلياً- أو رفض الإلغاء، ولا يتعدي ذلك إلى تعديل القرار أو استبدال غيره به، لأن هذا من صميم اختصاص الإدارة.
على عكس القاضي العادي الذي يستطيع أذا ما طلب منه أن يصدر أمراً بالتسليم أو بمنع التعرض أو غير ذلك من الحكام التي لا نظير لها أمام القضاء الإداري ([24]).
- وتتسم الدعوى الإدارية بأنها دعوى استفهامية، فالفرد المتعامل مع الإدارة دائماً في غموض مما تفعله معه، فليست العلاقة بينها على قدم المساواة، فلا يملك الفرد سلطة إعداد الدليل المسبق بأخذ الإيصالات والمستندات وصورها وغير ذلك من الأمور.
ولذلك يرفع الفرد دعواه بشكل استفهامي محض، ويتولى القاضي الإداري القيام بهذا الدور الاستفهامي، ويستوضح من الإدارة أسباب التصرف الذي اتخذته حيال المدعي، وعن دوافعه، وذلك بخلاف ما هو متبع في القضاء العادي الذي يقوم فيه كلا الخصمين بتقديم أدلة الإثبات والقرائن التي تؤيد وجهة نظر كل واحد ([25]).
- كما تمتاز إجراءات الدعوى الإدارية بأنها كتابية، فلا يقبل في المرافعات الإدارية إلا مستندات محررة ومدونة ولا تقبل المرافعات الشفوية.
المطلب الخامس
أنواع الدعوى الإدارية
تنقسم الدعوى الإدارية إلى تقسيمات وأنواع متعددة، وذلك على أسس ومعايير منطقية وموضوعية، ويوجد في فقه القانون ثلاثة تقسيمات للدعوى الإدارية، كل تقسيم له أساسه ومنطقه في تصنيف الدعاوي الإدارية، فهناك التقسيم التقليدي، والتقسيم الحديث، والتقسيم المختلط للدعاوي الإدارية.
أولاً: التقسيم التقليدي:
وهو التقسيم الأكثر شهرة، وهو الأقدم، وما زال سائداً، ويعتمد هذا التقسيم في تصنيف الدعاوي الإدارية على مدى حجم سلطات ووظائف القاضي في الدعوى، فتتعدد وتتنوع هذه السلطة ضيقاً واتساعاً، وضعفاً وقوة من دعوى إلى أخرى، وطبقاً لذلك تتنوع الدعاوي الإدارية، وتتعدد إلى عدة أنواع.
فقد تتسع هذه السلطة أحياناً فتشمل حسم النزاع من حيث الواقع والقانون، وتضيق أحياناً لتقتصر على إلغاء القرار لعدم مشروعيته دون التعرض للوقائع، وقد تتضاءل نفس السلطة في دعاوي أخرى، فتكتفي بتحديد مدلول القرار فيها أو تقدير مشروعيته، وقد تتمثل سلطة القاضي في عقاب أو زجر من يخالف الأنظمة واللوائح الخاصة بالمال العام ([26]).
وبناء على ذلك فإن أصناف الدعاوي الإدارية وفقاً لهذا التقسيم هي:
- دعاوي القضاء الكامل:
وفي هذا النوع يستخدم القاضي الإداري كامل سلطته القضائية، فلا تقتصر تلك السلطة على الإلغاء، بل تتعداه إلى تقويم القرار أو تعديله جزئياً أو كلياً مع ترتيب الحقوق الواجبة، كالحكم بالتعويض أو التسوية، وموضوع هذا النوع متنوع، ويشمل دعاوي العقود الإدارية، والتعويض والمنازعات الانتخابية([27]).
- دعوى قضاء الإلغاء:
ويشمل الدعاوي التي ترفع ضد القرار الإداري بهدف إبطاله، لمخالفته القانون بأي وجه. ويتميز قضاء الإلغاء بأن سلطة القاضي الإداري محدودة ومحصورة فقط في الحكم بإلغاء القرار الإداري إذا كان غير مشروع، أو رفض الدعوى إذا كان مشروعاً ([28])، دون نظر الآثار الناشئة عن ذلك الإلغاء.
ولا يستطيع القاضي الإداري تصحيح القرار بتعديله وتقويمه، أو أن يحل محله، لأن ذلك من اختصاص الإدارة، بناء على مبدأ الفصل بين السلطات.
- دعوى التفسير وتقدير المشروعية:
ويقتصر دور القاضي الإداري على إعطاء التفسير الصحيح لمدلول القرار الإداري وتحديد مدى مشروعيته، دون أن يصدر حكماً في المنازعة سواءً بالإلغاء أو التعويض، وتتم مباشرة ذلك بناء على إحالته إلى القضاء الإداري من قبل محكمة عادية لإعطائها تفسيراً لقرار إداري أو تقديراً لمشروعيته، لأهمية ذلك في البت في الدفع المثار بشأن هذا القرار قبل أن تفصل في الدعوى الأصلية المطروحة أمامها([29]).
- قضاء الزجر والعقاب:
يختص القضاء الإداري في هذا النوع بتوقيع العقوبات على مرتكبي المخالفات ضد القوانين واللوائح، وولاية القاضي فيه تنصب على معاقبة الأفراد بسبب أعمال صدرت منهم، وذلك بناء على طلب من الإدارة ([30])، ويشمل هذا النوع من اقضاء قضاء التأديب في حالة توقيع القاضي الإداري القعوبة على الموظف مرتكب المخالفة التأديبية.
المآخذ على التقسيم التقليدي:
لم يسلم هذا التقسيم –رغم أهميته وعظم أثره- من الانتقادات، ويتخلص أهمها في أنه يعتمد على حكم القاضي الإداري فقط بوصفه معياراً للتقسيم، دون النظر إلى طبيعة النزاع المطروح، رغم أن الأدق هو أن تحديد نوع ولاية القاضي يقتصر أولاً تحديد طبيعة النزاع نفسه ([31])، وليس العكس.
ثانياً: التقسيم الحديث للدعوى الإداري:
وتكمن فكرة هذا التقسيم في القول بأن هناك قضاء موضوعياً وقضاء شخصياً، ويكون ذلك على أساس التمييز بين طبيعة موضوع الدعوى المرفوعة. طبيعة الأهداف التي تحققها، فإذا ما كان أساس وطبيعة موضوع الدعوى عاماً وعينياً، وكانت إلى أهداف عامة، وحماية مراكز وأوضاع قانونية عامة، وحماية الشرعية والنظام في الدولة كانت هذه الدعوى دعوى عينية وموضوعية.
أما إذا كان أساس وطبيعة موضوع الدعوى شخصياً وذاتياً، وكانت الدعوى تستهدف بصورة مباشرة تحقيق مصالح شخصية عن طريق حماية الحقوق الشخصية والذاتية فإن هذه الدعوى تكون دعوى شخصية وذاتية ([32]).
ولهذا التقسيم عدة فوائد تتجلي في النواحي التالية:
- من ناحية قبول الدعوى، يبين هذا التقسيم أن الدعاوي في القضاء الموضوعي أكثر اتساعاً، وأيسر وأسهل من القضاء الشخصي الذي يكون –بحكم طبيعته- ضيقاً، لاقتصاره على الدعوى الفردية المتعلقة بحقوق شخصية.
- من ناحية حجية الأحكام الصادرة في القضاء الموضوعي: هي مطلقة، في حين تكون نسبية ومقصورة على أطراف النزاع بالنسبة لدعاوي القضاء الشخصي ([33]).
وبناء على هذا التقسيم يمكن رد معظم أنواع الدعاوي إلى أحد النوعين، فالقضاء الموضوعي يتمثل في دعاوي الإلغاء، وقضاء العقاب والزجر، أما القضاء الشخصي فيتضمن المنازعات المتصلة بالعقود ودعاوي التعويض ([34]).
ولكن يتبقي لدينا طائفة من الدعاوي لا تنتمي بصفة أساسية إلى أي من النوعين، كقضاء التفسير وتقدير المشروعية الذي ينتمي في بعض الأحيان إلى القضاء الموضوعي إذا كان منصباً على قرار إداري، وفي أحيان أخرى يعتبر من القضاء الشخصي إذا كان منصباً على عقد إداري ([35]).
المآخذ على التقسيم الحديث:
وقد انتقد هذا التقسيم بأنه غير دقيق، لأنه لا يسمح بترتيب الدعاوي بشكل قاطع، فقضاء التفسير –مثلاً- يندرج في كلا النوعين (الموضوعي والشخصي) حسب المطلوب تفسيره.
ثالثاً: التقسيم المختلط:
وجاء هذا التقسيم ليوافق بين التقسيمين السابقين، ويجمع ويمزج بينهما، فأقام تقسيم الدعاوي الإدارية على أساس كل من التقسيم التقليدي والمعتمد على مدى حجم وسلطات القاضي في الدعوى والتقسيم الحديث الذي اعتمد على طبيعة ونوعية المراكز القانونية التي تؤسس عليها الدعوى ([36]).
فتنقسم الدعاوي الإدارية بناء على التقسيم المختلط إلى قسمين رئيسين هما:
أولاً: دعاوي قضاء الشرعية:
وهي مجموع الدعاوي الإدارية الموضوعية، والتي تقام على أساس مراكز قانونية عامة، وتستهدف إضافة إلى حماية المصلحة الخاصة لرافعيها، تحقيق أهداف المصلحة العامة بحماية فكرة الدولة القانونية ومبدأ الشرعية فيها ([37])، وهذا الأساس مأخوذ من التقسيم الحديث، وأما دور التقسيم التقليدي فيكون في التمييز داخل هذا النوع بين مختلف الدعاوي بالنظر إلى مدى سلطة القاضي ووظائفه ضيقاً واتساعاً.
وتشمل أهم دعاوي قضاء الشرعية ما يلي:
- دعوى الإلغاء.
- دعوى تقدير المشروعية.
- دعوى الزجر والعقاب ([38]).
ثانياً: دعاوي قضاء الحقوق:
وهي مجموع دعاوي القضاء الكامل التي تكون سلطة القاضي فيها كاملة عند فصله للنزاع، ليحدد وجود الحق الشخصي ومضمونه ([39]) عن طريق الحكم بالتعويض الكامل والعادل اللازم لإصلاح الضرر الذي أصاب الحق.
تفترق الدعاوي في هذا النوع استناداً أيضاً إلى مدى سعة سلطة القاضي.
ومن أهم دعاوي قضاء الحقوق:
- دعوى العقود الإدارية ([40]).
- دعوى التعويض.
المطلب السادس
ديوان المظالم واختصاصه القضائي في الدعوى الإدارية
أولاً: نشأة ديوان المظالم:
من اللحظة الأولى لفتح الملك عبد العزيز للحجاز أعلن –رحمه الله- عن استعداده شخصياً لاستقبال المواطنين والنظر في أمورهم، وكان بابه مفتوحاً لكل من له شكاية أو تظلم، ولم يكتف بهذا، بل دعا الناس بأن يأتوه بمظالمهم، ويسر لهم سبل إيصال شكاواهم، بأن أمر بوضع (صندوق شكايات) علق على دار الحكومة، وأعلن عن ذلك في الجريدة الرسمية (أم القرى) في العدد الصادر في 26/11/1344 ([41]).
ولذا فإن إقرار مبدأ الأخذ بقضاء المظالم كان قد بدأ به الملك عبد العزيز، وحافظ أبناؤه من بعده على هذا الأمر، بل زادوه تنظيماً وتحريراً.
ولما بدأت الدولة في التطور والتحديث وتنظيم الإدارات العامة كان من أول ما أنشئ من إدارات حكومية (ديوان المظالم)، فقد تم إنشاؤه في 12 رجب من عام 1373هـ إدارة عامة ضمن شعب مجلس الوزراء، وفقاً لما جاء في الباب الرابع من نظام شعب مجلس الوزراء التي تضمن استحداث إدارة عامة في ديوان مجلس الوزراء تسمي “ديوان المظالم” ([42]).
ثانياً: تطوره:
مر ديوان المظالم منذ إنشائه بعدة مراحل هي:
المرحلة الأولى: التبعية لمجلس الوزراء، واختصاصه بالتحقيق في الشكاوي:
ديوان المظالم في بداية إنشائه كان يتبع ويرتبط إدارياً بمجلس الوزراء، فهو يعتبر إدارة عامة من ضمن إدارته، حسب ما جاء في نظام شعب مجلس الوزراء لعام 1373هـ الباب الرابع منه، وانحصر اختصاصه في تلقي جميع الشكايات التي تقدم لمجلس الوزراء، والتحقيق فيها وإعداد تقرير عنها، متضمناً الرأي الذي تقترحه، ثم تقوم برفع التقرير إلى مقام جلالة الملك للتصرف فيه، والأمر بما يراه حياله، باعتباره ولي الأمر والمرجع العلى في السهر على أحوال الرعية ([43]).
ويلاحظ على الديوان في ظل نظام إنشائه أنه لم يكن يتصف ويتمتع بالاستقلالية عن جهة الإدارة، بل كان هو نفسه إدارة عامة تقوم بوظيفة محددة، وهي التحقيق في الشكاوي ضد الإدارات الحكومية أو الموظفين الحكوميين وتتوصل إلى نتيجة، وتقترح الإجراء المناسب ضدهم في حال ثبوت التهمة، وترفعها لجلالة الملك ليبت فيها.
ومن هنا لم يكن للديوان أي وظيفة قضائية في الشكاوي أو الحكم فيها، بل تقتصر وظيفته على إبداء الرأي والمشورة والاقتراح، ويحتاج لإقراره إلى المصادقة والموافقة عليه من ولي الأمر.
المرحلة الثانية: استقلاله عن مجلس الوزراء، واختصاصه الشامل بالتحقيق في الشكاوي:
وبعد مضي عام على إنشاء الديوان ضمن شعب مجلس الوزراء صدر المرسوم الملكي ذو الرقم 7/13/8759 في 17/9/1374هـ بإنشاء ديوان للمظالم مستقل عن مجلس الوزراء، بعد أن تمت الموافقة على نظامه الأساسي والتي تنص المادة الأولى منه على أن “يشكل ديوان مستقل للمظالم باسم ديوان المظالم، ويقوم بإدارة هذا الديوان رئيس من درجة وزير يعين بمرسوم ملكي، وهو مسؤول أمام جلالة الملك، وجلالته المرجع الأعلى له”.
وبموجب نصوص هذا النظام أصبح اختصاص الديوان الشامل في هذه المرحلة التحقيق في كل شكوى تقدم إليه ضد أي موظف في الدولة ولو كان وزيراً أو رئيساً أو قاضياً، على أنه بالنسبة للوزراء والرؤساء يجب عرض الأمر على جلالة الملك ليصدر الأمر بما يجب اتخاذه ([44]).
ومن الملاحظ أنه من هذه المرحلة بدأ الديوان في اكتساب صفته المستقلة عن جهات الإدارة، وارتباطه مباشرة بالملك، مرجعية عليا له، كما تبلور عمله رقيباً على أعمال الإدارة عن طريق استقلاله عنها، والتحقيق في الشكاوي التي ترد على أعمالها.
إلا أنه ظل في هذه المرحلة مكتفياً بالبحث والتحقيق في الشكوى، انتهاءً بتقديم مقترحات وتوصيات لابد لاعتمادها من مصادقة الملك عليها.
المرحلة الثالثة: تكليف الديوان ببعض المهمات القضائية:
إن المنظم السعودي –أثناء قيام الديوان باختصاصاته الواردة في نظامه لعام 1374هـ -لم يقف عند هذه الاختصاصات فحسب، بل إنه من ملاحظته لطبيعة التطور العام الذي كانت تمر به المملكة في ذلك العهد واتجاهها إلى الأخذ بأساليب الإدارة التي تتناسب مع اتساعها وتقدمها، وتنوع مجالات النشاط الإداري وما ترتب على ذلك من ظهور أنواع من المنازعات والجرائم لم تكن موجودة من قبل.
فتوالت الأنظمة والمراسيم الملكية، وقرارات مجلس الوزراء، والأوامر السامية على منح الديوان اختصاصات جديدة ومتنوعة ظهر فيها جانب أدائه لمهمات واختصاصات قضائية فأصبح يصدر أحكاماً، يفصل في منازعات بالمشاركة مع مجلس الوزراء، واشتراط مصادقة رئيس مجلس الوزراء على الحكم ليصبح نهائياً.
فإنه عند صدور نظام مكافحة الرشوة لعام 1382هـ -مثالاً- بينت المادة السابعة عشرة منه السلطة التي تتولى الحكم في هذه الجرائم، وهي هيئة تشكل من رئيس ديوان المظالم أو نائبه رئيساً، ومستشار حقوقي من ديوان المظالم، ومستشار حقوقي يعينه رئيس مجلس الوزراء، وتعتبر أحكام الهيئة نهائية بعد مصادقة رئيس مجلس الوزراء عليها ([45]).
وقد صدر قرار مجلس الوزراء ذو الرقم 1230 في 23/10/1391هـ بإحالة قضايا التزوير إلى هيئة الحكم في قضايا الرشوة، ويكون لهذه الهيئة بشأن قضايا التزوير الولاية ذاتها الممنوحة لها في قضايا الرشوة ([46]).
كما صدرت في هذه المرحلة أيضاً بعض الأنظمة والقرارات التي أعطت ديوان المظالم صلاحية التصدي للحكم منفرداً دون الاشتراك مع مجلس الوزراء، ودون اشتراط مصادقة رئيس مجلس الوزراء على الحكم.
وذلك كنظام استثمار رأس المال الأجنبي الصادر في عام 1383هـ والذي أجاز للمنشأة التظلم من القرار الصادر بسحب الرخصة أو بالتصفية أمام ديوان المظالم خلال شهر من تاريخ صدور القرار، ويكون حكم الديوان في التظلم نهائياً.
وكذلك صدر نظام مصلحة الخدمات الكهربائية في عام 1392هـ وأجاز للشركة التي يصدر ضدها قرار العقوبة التظلم أمام ديوان المظالم، ويكون قرار الديوان في هذا الشأن نهائياً ([47]).
كما اختص ديوان المظالم بالنظر في قضايا المقاولين ضد الدوائر الحكومية تطبيقاً لقرار مجلس الوزراء ذي الرقم 818 في 17/5/1396هـ، ونصت الفقرة الثانية منه على أن قرارات الديوان في هذه القضايا نهائية بعد اعتمادها من رئيس الديوان ([48]).
ويتضح مما سبق أنه في هذه المرحلة وإن كان الديوان وفقاً لنظامه الأساسي لا يختص بإصدار الأحكام القضائية أو توقيع العقوبات، إلا أن المنظم السعودي –أثناء إصداره لبعض الأنظمة- جعل الديوان مختصاً بالحكم في بعض القضايا والمنازعات، إما بالاشتراك مع مجلس الوزراء واشتراط مصادقة رئيس مجلس الوزراء على الحكم، أو بالانفراد بالنظر في القضية وإصدار حكم نهائي بات فيها، أو باشتراط اعتمادها من رئيس الديوان.
وعلى هذا فتتسم هذه المرحلة من مراحل تطور الديوان بعدم التحديد الدقيق والواضح لاختصاصات الديوان القضائية، إذ لم تستقر أعمال الديوان بطريقة محددة وثابتة وموحدة تسري على جميع المنازعات، بل كانت تختلف باختلاف المنازعات المعروفة عليها، وباختلاف الأنظمة التي تمنح الديوان اختصاصات قضائية.
المرحلة الرابعة: ديوان المظالم كهيئة قضاء إداري مستقل:
ونظراً لتعدد الأنظمة والقرارات التي أضافت اختصاصات جديدة إلى ديوان المظالم منذ عام 1374هـ وما بعده، صدر نظام ديوان المظالم بالمرسوم الملكي ذي الرقم م/51 في 17/7/1402هـ ونصت المادة الأولى منه على أن “ديوان المظالم هيئة قضاء إداري مستقلة”، وبهذا النظام أخذ الديوان صفته القضائية المستقلة ([49]).
وكان للديوان بعد أن أصبح هيئة قضاء مستقلة اختصاصات قضائية متعددة، هي:
- القضاء الإداري، وهو الاختصاص الأساسي للديوان، وهو الذي من أجله أنشئ.
- القضاء الجزائي.
- القضاء التأديبي.
- القضاء التجاري.
- القضاء بتنفيذ الأحكام الأجنبية.
- القضاء فيما يحال إلى الديوان بقرار من مجلس الوزراء.
- القضاء في الدعاوي التي من اختصاص الديوان بموجب نصوص نظامية خاصة.
وصدرت قواعد المرافعات والإجراءات أمام ديوان المظالم بموجب قرار مجلس الوزراء ذي الرقم 190 في 16/11/1409هـ ([50])، والتي بينت أحكام وإجراءات ومواعيد قبول الدعوى، وطرق إعداد الحكم وإعلانه وإجراءات الاعتراض عليه وتدقيقه.
وبقي العمل في هذا النظام مدة من الزمن قام فيها ديوان المظالم –وفقاً لنظامه- بدور كبير وبارز في إنصاف المظلومين والنظر في دعاواهم، وإنصاف موظفي الدولة من تعسف إداراتهم ضدهم باستقلالية وحيادية تامة.
ويلاحظ على نظام عام 1402هـ أنه وإن قرر اختصاص ديوان المظالم بالنظر في الدعاوي الإدارية، وهو الاختصاص الأصيل له، إلا أنه ألحق به بعض الدعاوي الأخرى بولاية النظر عليها من قبل الديوان، مثل القضاء الجزائي كجرائم التزوير والرشوة، أو القضاء التجاري كجرائم العلامات التجارية والبيانات التجارية، بل قرر النظام أنه يجوز لمجلس الوزراء إحالة ما يراه من مواضيع وقضايا للديوان.
وهذا مما يعني اتساع اختصاص الديوان وامتداده لشمل دعاوي أخرى غير الدعوى الإدارية.
المرحلة الخامسة: نظام ديوان المظالم الصادر بالمرسوم الملكي ذي الرقم م
78/ في
19/9/1428 مـ
لما كانت المملكة العربية السعودية بحمد الله تخطو خطوات واثقة نحو التقدم والرقي في جميع الاتجاهات، ولما يصاحب هذا التقدم دائماً من زيادة في عدد المرافق العامة، التي تصدر قرارات إدارية وتعاقدات لتنفيذ ما يلزم ولكي تؤدي عملها، وقد تكون هذه القرارات والتعاقدات مخالفة للنظم والتعليمات، أو ينشأ نزاع بسببها.
ولما يكتنف الحياة المعاصرة من تعقيدات واختلاف وجهات النظر، وما يتطلبه ذلك من سرعة حلاها والبت فيها، وهو ما لا يتيسر إلا عن طريق جهة قضائية متخصصة في تيسير الإجراءات في نظل القضايا الإدارية.
كل هذا أدى إلى إعادة النظر في نظام ديوان المظالم، وفي النظام القضائي السعودي بشكل عام، وتطويره وتعديله إلى ما هو أفضل بإذن الله تعالى.
وبناء على ذلك صدر المرسوم الملكي ذو الرقم (م/ 78) في 19/9/1428هـ والذي جري فيه تحديث آلية عمل ديوان المظالم، وهذا الحديث يعد نقله نوعية وتطويرية بالغة الأهمية، جاءت بغية الوصول لأفضل الوسائل التي تكفل تحقيق العدالة.
ثالثاً: تشكيل ديوان المظالم:
جاء في المادة الأولى من النظام التأكيد على استقلال ديوان المظالم واختصاصه بالقضاء الإداري بما نصه: “ديوان المظالم هيئة قضاء إداري مستقلة …”.
وأنشأ النظام – من ضمن خطواته التطويرية والحديثة- مجلساً يسمي مجلس القضاء الإداري، ويتكون من:
رئيس ديوان المظالم رئيساً.
رئيس المحكمة الإدارية العلياعضواً.
أقدم نواب رئيس الديوانعضواً.
أربعة قضاة ممن يشغلون درجة قاضي استئناف يسمون بأمر ملكي أعضاء.
وأعيد تنظيم وتشكيل محاكم الديوان لتصبح على ثلاث درجات قضائية، بعد استحداث المحكمة الإدارية العليا ليصبح ترتيب المحاكم من الأعلى للأدنى:
- المحكمة الإدارية العليا.
- محاكم الاستئناف الإدارية.
- المحاكم الإدارية.
رابعاً: اختصاص ديوان المظالم:
وتختص المحاكم الإدارية في الديوان بالفصل في الآتي:
أولاً: الدعاوي المتعلقة بالحقوق المقررة في نظم الخدمة المدنية والعسكرية والتقاعد لموظفي ومستخدمي الحكومة والأجهزة ذوات الشخصية المعنوية العامة المستقلة أو ورثتهم والمستحقين عنهم.
وتشمل الحقوق –بطبيعة الحال- الحقول المالية والعلاوات الدورية والتشجيعية والبدلات والمكافآت والتعويضات، ويضاف إليها المعاش والمكافأة وفقاً لنظام التقاعد، كما تشمل الإجازات الاعتيادية والمرضية والاستثنائية والتعيين والترقية عند توافر الشروط المقررة نظاماً ([51]).
وتنطبق هذه الفقرة على كل من:
- موظفي ومستخدمي أجهزة الدولة المشمولين بنظام الخدمة المدنية أو ورثتهم والمستحقين عنهم.
- موظفي ومستخدمي أجهزة الدولة المشمولين بنظام الخدمة العسكرية أو ورثتهم والمستحقين عنهم.
- موظفي ومستخدمي أجهزة الدولة المشمولين بنظام التقاعد أو ورثتهم والمستحقين عنهم.
- موظفي ومستخدمي الأجهزة ذوات الشخصية المعنوية العامة أو ورثتهم والمستحقين عنهم.
ويخرج عن نطاق تطبيق هذه الفقرة عمال الحكومة المعينون على بند الأجور، لخضوعهم لنظام العمل والعمال، وكذلك الحقوق المقررة في نظام التأمينات الاجتماعية، والعاملون لدي الشخصيات المعنوية الخاصة، أياً كانت أهميتها ولو كانت مملوكة كلياً للدولة، أو جزئياً وبغض النظر عن دورها الاجتماعي.
ثانياً: دعاوي إلغاء القرارات الإدارية النهائية التي يقدمها ذوو الشأن متى كان مرجع الطعن عدم الاختصاص، أو وجود عيب في الشكل، أو عيب في السبب، أو مخالفة النظم واللوائح، أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها، أو إساءة استعمال السلطة، بما في ذلك القرارات التأديبية، والقرارات التي تصدرها اللجان شبه القضائية، والمجالس التأديبية، وكذلك القرارات التي تصدرها جمعيات النفع العام وما في حكمها، المتصلة بنشاطاتها، ويعد في حكم القرار الإداري رفض جهة الإدارة، أو امتناعها اتخاذ قرار كان من الواجب عليها اتخاذه، طبقاً للأنظمة واللوائح.
وتنطبق هذه الفقرة على “ذوي الشأن”، وهم كل من لحق به ضرر- سواء أكان فرداً عادياً أم موظفاً عاماً أم مؤسسة خاصة- نتيجة لتأثره بقرار إداري نهائي ([52])، فيطلب إلغاءه وإعدامه، لمخالفته النظام.
وعددت هذه الفقرة العيوب التي تشوب القرار الإداري، وتفتح باب الطعن عليه بالإلغاء، وهي:
- عدم مشروعية يتصل بمصدر القرار، وهو عيب عدم الاختصاص.
- عدم مشروعية يتصل بالشكل والإجراءات، وهو عيب في الشكل.
- عدم مشروعية يتصل ببواعث القرار، وهو عيب في السبب.
- عدم مشروعية يتصل بمحل القرار وفحواه، وهو عيب مخالفة النظم واللوائح، أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها.
- عدم مشروعية يتصل بالغاية، وهو عيب إساءة استعمال السلطة.
ويدخل في حكم القرار الإداري النهائي في هذه الفقرة كل من:
- القرارات التأديبية.
- القرارات التي تصدرها اللجنة شبه القضائية.
- القرارات التي تصدرها المجالس التأديبية.
- القرارات التي تصدرها جمعيات النفع العام ([53]) وما في حكمها المتصلة بنشاطاتها.
- رفض جهة الإدارة أو امتناعها عن اتخاذ قرار كان من الواجب عليها اتخاذه طبقاً للأنظمة واللوائح.
ثالثاً: دعاوي التعويض التي يقدمها ذوو الشأن عن قرارات أو أعمال جهة الإدارة.
فالإدارة في مباشرتها لأعمالها المادية والقانونية قد تحدث ضرراً للغير أو تؤثر فيه، ويحق للذي لحق به الضرر أن يطالب الإدارة بالتعويض عماً لحقه برفع دعوى تعويض ضدها.
والأصل أن مسؤولية الإدارة عن أعمالها تقوم على خطأ وضرر، وبينهما علاقة سببية، وللخطأ صورة ودرجاته، وفي حالات استثنائية تنعقد مسؤولية الإدارة، بوجود ضرر وعلاقة سببية، بمعني أن الخطأ ينتفي مع وجود جسامة غير عادية في الضرر، فلا يجوز أن يتحمل الفرد وحده الأضرار التي يحدثها نشاط إداري يهدف إلى الخدمة الجماعية ([54]).
رابعاً: الدعاوي المتعلقة بالعقود التي تكون جهة الإدارة طرفاً فيها.
ويظهر من عموم الفقرة اختصاص الديوان بالدعاوي المتعلقة بعقود الإدارة، سواء التي تكون الإدارة فيها بصفتها سلطة عامة والتي تكون فيها بصفتها شخصاً عادياً، مع مراعاة أنه في حالة تعاقد الإدارة بصفتها شخصاً عادياً، فلا تطبق على الدعوى الناشئة عن ذلك قواعد القانون العام عليها ([55]).
خامساً: الدعاوي التأديبية التي ترفعها الجهة المختصة.
ويشمل اختصاص الديوان قضاء الزجر والعقاب، وذلك بالفصل في الدعاوي التأديبية التي تقام ضد الموظفين لمخالفات تتعلق بأعمالهم الوظيفية أو سلوكهم الخلقي، وتوقيع العقوبات والجزاءات المنصوص عليها في النظام ضدهم ([56]).
سادساً: المنازعات الإدارية الأخرى
ويستفاد من هذه الفقرة بصيغتها العامة أن ديوان المظالم هو جهة القضاء الإداري بالمملكة التي ناط بها النظام النظر والفصل في كافة المنازعات الإدارية، فأصبح له بذلك الاختصاص العام، بالفصل في المنازعات التي تكون الإدارة طرفاً فيها.
ويستثني من ذلك عدم جواز نظر الطلبات المتعلقة بأعمال السيادة أو بالتصديق لما تصدره المحاكم –غير الخاضعة لنظام الديوان- من أحكام، أو ما يصدره المجلس الأعلى للقضاء ومجلس القضاء الإداري من قرارات ([57]).
كما يستثني أيضاً أن يوجد نص خاص في نظام معين تسند ولاية الفصل في بعض المنازعات إلى جهة أخرى، كنظام السوق المالية.
سابعاً: طلبات تنفيذ الأحكام الأجنبية والأحكام الأجنبية للمحكمين
والمراد بتنفيذ الحكام الأجنبية: الحكم بإلزام أحد الموجودين في البلد المنفذة بحكم قضائي صادر من محكمة في دولة أخرى، أو بحكم محكم في دولة أخرى ([58]).
ويتبين من هذه الاختصاصات أن المنظم السعودي فرغ ديوان المظالم لاختصاصه الأصلي، وهو النظر في الدعاوي الإدارية بأنواعها المتعلقة بالحقوق أو بالإلغاء أو بالتعويض أو بالعقود، وأضاف عليها الدعاوي التأديبية وطلبات تنفيذ الأحكام الأجنبية، وأزال عنه الاختصاصات الأخرى التي كانت منوطة به.
كما يتبين من استعراض أنواع الدعاوي الإدارية التي اختصت بنظرها محاكم الديوان أنها تشمل أهم دعاوي القضاء الكامل، وهي (الحقوق- التعويض- العقود)، أما بقية الدعاوي الأخرى فتدخل ضمناً في عموم اختصاص محاكم الديوان بالمنازعات الإدارية –رغم عدم النص عليها- كالطعون في الانتخابات المحلية.
كما شمل الاختصاص قضاء دعوى الإلغاء، وهي من أهم الدعاوي الإدارية، وعلى قضاء الزجر والعقاب والمتمثل في الدعوى التأديبية.
وبذا يتضح أن التقسيم الأقرب لاختصاصات الديوان هو التقسيم التقليدي للدعاوي الإدارية، والذي يقسمها إلى (القضاء الكامل- قضاء الإلغاء- قضاء الزجر والعقاب- قضاء التفسير) وبدت الأقسام الأولى جلية وواضحة ومنصوصاً عليها في اختصاص الديوان.
أما القسم الرابع وهو قضاء التفسير فإنه –رغم عدم النص عليه- يبدو بالتأمل في نص المادة الثالثة عشر من نظام الديوان والتي جاءت باختصاص الديوان في كافة المنازعات الإدارية، أن له الولاية العامة على كل أنواعها، فلا يوجد ما يمنع من استنتاج أن قضاء التفسير وتقدير المشروعية داخل ضمن اختصاص الديوان –وإن لم ينص عليه- بسبب أن دعوى التفسير وتقدير المشروعية تنصب أساساً على القرارات والعقود الإدارية التي للديوان الاختصاص العام في الفصل عما ينشأ بسببها من منازعات.
[*]) عضو هيئة التحقيق والادعاء العام.
[1] عمار، عوابدي، النظرية العامة للمنازعات الإدارية، ج2، ص221.
[2] المرجع السابق، ص221.
[3] نقلاً عن: أحمد، محمد شوقي، الأحكام الإجرائية للدعوى الإدارية، ص56.
[4] يطلق لفظ الجهة الإدارية “ويقصد بها الجهاز الحكومي الذي يتولى تصريف أمور الناس عن طريق الأنظمة التي تصدرها الدولة” بدوي، أحمد، معجم مصطلحات العلوم الإدارية، ص20.
[5] العطار، فؤاد، القضاء الإداري، ص267.
[6] بعلي، محمد الصغير، الوجيز في المنازعات الإدارية، ص122.
[7] وصفي، مصطفي كمال، أصول إجراءات القضاء الإداري، ص18.
[8] بسيوني، عبد الرؤوف هاشم، المرافعات الإدارية، ج1، ص42.
[9] عمار، عوابدي، النظرية العامة للدعوى الإدارية، ص230.
[10] جمال الدين، سامي، الوسيط في دعوى إلغاء القرارات الإدارية، ص16.
[11] فودة، عبد الحكم، الخصومة الإدارية “أحكام دعوى الإلغاء والصيغ النموذجية لها”، ص21.
[12] موسي، أحمد كمال الدين، نظرية الإثبات في القانون الإداري، ص2 بالهامش.
[13] المرجع السابق، ص3 بالهامش.
[14] الجرف، طعيمة، شروط قبول الدعوى في منازعات القانون الإداري، ص69.
[15] جمال الدين، سامي، الوسيط في دعوى الإلغاء، ص18.
[16] شطناوي، علي خطار، موسوعة القضاء الإداري، ص220.
[17] حافظ، محمود، القضاء الإداري، ص206.
[18] يقصد بالمرفق العام أنه “تنظيم دائم تتكفل به القوانين، وتعمل فيه جماعة كبيرة من الأفراد في غرض مشترك، هو إشباع حاجة عامة، بوصفه جزءاً من المسؤوليات العامة للدولة، ذلك بمقابل أو بدون مقابل، كالخدمات التعليمية والصحية، وقد يقوم بإدارة المرفق العام الدولة أو هيئات عامة مستقلة”، بدوي، أحمد زكي، معجم مصطلحات العلوم الإدارية، ص330.
[19] شطناوي، علي خطار، موسوعة القضاء الإداري، ص222.
[20] بسيوني، عبد الرؤوف، المرافعات الإدارية، ص46.
[21] المرجع السابق، ص46.
[22] المرجع السابق، ص47.
[23] المرجع السابق، ص47.
[24] المرجع السابق، ص48.
[25] المرجع السابق، ص51.
[26] الدغيثر، فهد محمد، رقابة القضاء على قرارات الإدارة ولاية الإلغاء أمام ديوان المظالم، ص1- 2.
[27] المرجع السابق، ص2.
[28] عبد الوهاب، محمد رفعت، القضاء الإداري، ص337.
[29] عبد الله، عبد الغني بسيوني، ولاية القضاء الإدارية على أعمال الإدارة قضاء الإلغاء، ص11.
[30] الدغيثر، فهد محمد، رقابة القضاء على أعمال الإدارة، ص6.
[31] المرجع السابق، ص7.
[32] عمار، عوابدي، النظرية العامة للمنازعات الإدارية، ص301.
[33] عبد الله، عبد الغني بسيوني، ولاية القضاء الإداري، ص14.
[34] الدغيثر، فهد، رقابة القضاء على أعمال الإدارة، ص8.
[35] عبد الله، عبد الغني بسيوني، ولاية القضاء الإداري، ص15.
[36] عمار، عوابدي، النظرية العامة للمنازعات الإدارية، ص304.
[37] المرجع السابق، ص305.
[38] المرجع السابق، ص305.
[39] الدغيثر، فهد، رقابة القضاء على قرارات الإدارة، مرجع سابق، ص9.
[40] عمل، عوابدي، النظرية العامة للمنازعات الإدارية، مرجع سابق، ص306.
[41] الفحل، عبد الرزاق علي، قضاء المظالم وتطبيقاته في المملكة العربية السعودية، ص55.
[42] الزبن، عبد العزيز محمد، ديوان المظالم في المملكة العربية السعودية “مراحله وتطوره”، ص12.
[43] آل دريب، سعود، التنظيم القضائي في المملكة العربية السعودية، الرياض، ص495.
[44] المالك، منصور حمد، الفصل في المظالم في المملكة العربية السعودية، ص29.
[45] الزبن، عبد العزيز، ديوان المظالم في المملكة العربية السعودية، ص28.
[46] المرجع السابق، ص30.
[47] المرجع السابق، ص32.
[48] محمد، محمد عبد الجواد، التطور التشريعي في المملكة العربية السعودية، ص158.
[49] جيرة، عبد المنعم، نظام القضاء، ص96.
[50] المالك، منصور، الفصل في المظالم، ص49.
[51] القباني، بكر، الخدمة المدنية في المملكة العربية السعودية، ص202 وما بعدها.
[52] المقصود بنهائية القرار الإداري: “صدوره من جهة خولها القانون سلطة البت في أمر ما بغير حاجة لتصديق سلطة أعلى” عكاشة، حمدي ياسين، القرار الإداري في قضاء مجلس الدولة، ص25، 26.
[53] جمعية النفع العام: هي “جماعة ذات شخصية معنوية تؤدي خدمات عامة ولا تهدف للربح” بدوي، أحمد زكي، معجم مصطلحات العلم الإدارية، ص100.
[54] الدغيثر، فهد، رقابة القضاء على قرارات الإدارة، ص17.
[55] المرجع السابق، ص18.
[56] المالك، منصور، الفصل في المظالم، ص45.
[57] وردت هذه الاستثناءات في المادة الرابعة عشرة من نظام الديوان، وتنص على أنه “لا يجوز لمحاكم ديوان المظالم النظر في الدعاوي المتعلقة بأعمال السيادة، أو النظر في الاعتراضات على ما تصدره المحاكم- غير الخاضعة لهذا النظام- من أحكام داخلة في ولايتها، أو ما يصدره المجلس الأعلى للقضاء، ومجلس القضاء الإداري من قرارات”.
[58] المالك، منصور، الفصل في المظالم، ص46.