الأستاذ الدكتور ربيع فتح الباب

أستاذ ورئيس قسم القانون العام

وكيل كلية الحقوق بجامعة عين شمس –سابقا

تمهيد:

في 26/3/2007 صدر القانون رقم 7 لسنة 2007 بشأن الفصل في بالمنازعات الإدارية في دولة قطر، ويعتبر ذلك خطوة مهمة نحو تحقيق الاختصاص القضائي بالمنازعات الإدارية، وسوف نستعرض في هذا البحث الوضع قبل إصدار هذا القانون في فصل أول، والوضع بعده في فصل ثان.

الفصل الأول

الاختصاص بنظر المنازعات الإدارية في دولة قطر قبل سنة 2007

أولا: القانون الإداري والمنازعات الإدارية في قطر

تشهد دولة قطر طفرة اقتصادية وعمرانية وإدارية تصاحبها تغييرات وتطورات في جهازها الإداري والقضائي بل والدستوري، ففي ظل النظام الأساسي المؤقت لعام 1971 كانت المنازعات الإدارية مثلها في ذلك مثل المنازعات المدنية والتجارية، يتم نظرها والفصل فيها أمام المحاكم العادية. بل كان القضاء لوقت طويل يحكم بعدم اختصاصه بنظر دعاوى تجاوز السلطة أو دعوى الإلغاء، أي إلغاء القرارات الإدارية. فقد قررت محكمة الاستئناف في حكم لها صادر في 17 مارس 1988 هذا المضمون، وقررت المحاكم العدلية أنها لا تختص بنظر المنازعات المتعلقة بالقرارات أو الطعون في القرارات الإدارية(1).

وفي ذلك كانت تستند إلى القانون رقم 13 لسنة 1971 (الجريدة الرسمية رقم 7 لسنة 1971) بنظام المحاكم العدلية الذى نص على اختصاص المحاكم المدنية بالفصل في جميع المسائل المدنية والتجارية، والأحوال الشخصية لغير المسلمين، وعلى اختصاص المحاكم الجزئية بالفصل في قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين طبقا لمبادئ الشريعة المستمدة من القرآن والسنة، وبالفصل في الجرائم التي يرتكبها المسلم، المنصوص عليها في الفصول السابع عشر، والثاني والعشرين، والثالث والعشرين من قانون العقوبات، وعلى اختصاص محكمة العمل بالفصل في جميع قضايا العمل والعمال. ويقصد بالعمال هنا، طبقا للقانون رقم 9 لسنة 1967 (قانون الوظائف العامة المدنية)، كل من يعين في إحدى وظائف الحلقة الرابعة الموضحة بالجدول المرفق بهذا القانون. أما الموظفون العموميون، وهم الذين يعينون في إحدى وظائف الحلقات الثلاث الأولى، فإن القانون كان ينص على أن الفصل في منازعاتهم مع الإدارة يكون من اختصاص السلطة المختصة أو مجلس التأديب، وتصدر في شأنهم قرارات غير قابلة للطعن فيها أمام أي جهة أخرى.

  فالمادة 64 من قانون الوظائف العامة المدنية، والمعدلة بالرسوم رقم 15 لسنة 1987، كانت تحدد الجزاءات التأديبية التي يجوز توقيعها على الموظفين، ثم تنص المادة 56 من القانون نفسه بعد تعديله، على اختصاص الوزير أو الرئيس الأعلى في الأجهزة الحكومية الأخرى، حسب الأحوال، بتوقيع جزائي الإنذار والخصم من المرتب مدة لا تزيد على خمسة عشر يوما عن كل مخالفة، وعلى خمسة وأربعين يوما خلال السنة الواحدة، ويكون القرار الصادر هنا نهائيا لا يجوز الطعن فيه أمام أي جهة أخرى. أما الجزاءات الأخرى، فلا يجوز توقيعها، إلا بقرار من مجلس التأديب.. وهذا القرار هو الآخر نهائي، لا يجوز الطعن فيه بعد إصداره بصورة نهائية. فالمادة 69 من القانون المذكور، كانت تنص على أن “لمدير الشؤون القانونية أن يعترض على أي قرار تأديبي خلال ثلاثين يوما من إخطاره به، فإذا انقضت تلك المدة دون اعتراض منه، صار القرار نهائيا غير قابل لأي طعن، وإذا اعترض مدير الشؤون القانونية خلال تلك المدة أعاد القرار إلى المجلس مصحوبا بوجهة نظره، فإذا وافق المجلس عليها صار القرار نهائيا، أما إذا خالف عنها، فعليه أن يدفع القرار إلى السلطة الرئاسية المختصة، لتبت فيه بما تراه بصفة نهائية غير قابلة لأي طعن.

وقد كان هذا الوضع يوحي للبعض بأن القانون الإداري لا يوجد في مثل هذه الحالة حيث لا يوجد قضاء إداري، ولا تقبل المحاكم دعوى الإلغاء ضد القرارات الإدارية، لأن القانون لم يكن يعطيها هذا الحق، والإدارة هي التي تفصل في المنازعات التي تحدث بينها وبين الأفراد في كثير من الحالات، كما هو الشأن فيما يتعلق بالقانون رقم 61 لسنة 1963 بإنشاء لجنة التظلمات الإدارية، والقانون رقم 9 لسنة 1967 بإصدار قانون الوظائف العامة. وكانت الإدارة تصدر قراراتها بصورة نهائية لا يجوز الطعن فيها أمام أي جهة. وفي رأيهم أن القانون رقم 13 لسنة 1990 بإصدار قانون المرافعات المدنية والتجارية، كان يدعم هذا الاتجاه ويؤيده فقد نصت المادة الرابعة منه على أن تختص المحاكم العدلية بالفصل في المسائل الآتية:

  1. الدعاوى والمنازعات المدنية والتجارية: عدا ما يستثنى فيها بقانون.
  2. الدعاوى والمنازعات الخاصة بعقود الالتزام أو الأشغال العام أو التوريد أو بأي عقود أخرى.
  3. دعاوى ومنازعات الأحوال الشخصية لغير المسلمين.

ويعني هذا أن المشرع كان ينص صراحة على المنازعات الخاصة ببعض العقود الإدارية، وأن مفهوم المخالفة يعني أن المحكمة لا تختص بالمسائل الأخرى، التي لا ترتبط بهذه العقود، أي أنها لا تختص بنظر دعاوى إلغاء القرارات الإدارية، أي بحث مدى مشروعيتها.

والحقيقة أن هذا الرأي، الذي كان يعتقد بعدم وجود قانون إداري، يخلط بين، وجود القانون الإداري في معناه الواسع أو الانجلوسكسوني، وبين القانون الإداري بمعناه الضيق أي الفرنسي أو الفرانكفوني أو اللاتيني، فالقانون الإداري بوصفه مجموعة القواعد التي تحكم الإدارة العامة، في قيامها بنشاطها، تلك القواعد التي تتعلق بالتنظيم الإداري والسلطات الإدارية في الدولة، والمرافق أو الهيئات العامة، والمؤسسات العامة، والعلاقة بين الإدارة وموظفيها، والمتعاملين معها ووسائل الإدارة وقراراتها المادية والقانونية، التي تسخرها من اجل تحقيق أهدافها.. كل هذه القواعد التي تكون القانون الإداري بمعناه الواسع موجودة في كل الدول الحديثة أو في كل مجتمع منظم، أما القانون الإداري بمعناه الضيق باعتباره مجموعة القواعد المستقلة التي تحكم الإدارة في قيامها بنشاطها ويتم تطبيقها بواسطة قضاء إداري مستقل عن القضاء العادي، هذا المفهوم الأخير لا يوجد إلا في الدول التي تأخذ بنظام القضاء الإداري، أي بوجود محاكم إدارية مستقلة ومنفصلة عن المحاكم العادية للنظر في المنازعات الإدارية، وهو الذي تأخذ به بعض الدول مثل فرنسا (موطنه الأول) ثم ألمانيا، بلجيكا، مصر، لبنان…

ثانيا: الاختصاص القضائي والمنازعات الإدارية

من المعروف أن الظروف السياسية والتاريخية أدت بالدولة إلى الأخذ بنظام القضاء الموحد، فالسلطة القضائية تتمثل في المحاكم وهي التي سبقت الإشارة إليها. وقد حدد المشرع القطري اختصاصاتها دون أن ينص فيها على المنازعات الإدارية أو الطعون ضد القرارات الإدارية، وبالتالي كان يثور التساؤل حول مدى أحقية المحاكم بنظر هذه الطعون، وماذا ستقضي لو أن هناك دعوى لتجاوز السلطة، أو أن أحد الأفراد رفع دعوى أمامها مطالبا بإلغاء قرار إداري، هل تقبل هذه الدعوى رغم أن المشرع حدد اختصاصها في أمور لا يدخل فيها مثل هذه المنازعات أم أنها ترفض قبولها لأنها لا تدخل في اختصاصها، وفي هذه الحالة الأخيرة، هل يعد رفض المحكمة قبول الدعوى إنكارا لحق الأفراد في التقاضي، خاصة أن النظام الأساسي المؤقت المعدل كان ينص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وأن الدولة توجه عنايتها في كل المجالات لإرساء الأسس الصالحة لترسيخ دعائم الديمقراطية الصحيحة وإقامة نظام إداري سليم يكفل العدل والطمأنينة والمساواة للمواطنين (المادة الأولى، والمادة الخامسة فقرة د).

وقد حدث أن تقدم البعض إلى المحاكم المدنية بدعاوى تهدف إلى إلغاء قرارات إدارية تمس بمراكزهم القانونية، واختلفت الأحكام الصادرة في هذا الشأن، حيث قررت المحكمة الابتدائية باختصاصها بدعوى تجاوز السلطة، أما محكمة الاستئناف فقد قررت عدم اختصاصها بشأنها. وسوف نتعرض لوجهتي النظر أو الرأيين تباعا.
أ – القضاء القطري يختص بنظر المنازعات الإدارية دون حاجة إلى نص صريح

رأت محكمة أول درجة أنها تختص بنظر الدعاوى المتعلقة بالطعن في القرارات الإدارية، وذلك استنادا إلى الآتي(2):

  1. “أن الفقرة الثانية من المادة الخامسة من القانون رقم 13 لسنة 1971 المعدلة، جاءت بصيغة عامة، ترسم الاختصاص العام للمحكمة المدنية، ولم ترد على سبيل الحصر(3). فالمستقر عليه أن القانون المدني هو القانون الأم، الذي تفرعت منه بقية القوانين الخاصة، مما يعني أن القضاء المدني هو صاحب الولاية العامة، ما لم يرد نص خاص باختصاص محكمة أخرى، فالولاية معقودة له باعتباره صاحب الولاية العامة في نظر المنازعات الإدارية. والمستقر عليه فقها وقضاء وعدالة أيضا، أنه يجب أن لا يحصن أي عمل باطل يفتقد المقومات الشرعية لوجوده من رقابة القضاء.. والقرار المطعون عليه بالإلغاء يفتقر إلى أي سند من القانون بصدوره من جهة غير مختصة بإصداره في الشكل المقرر وفقا للإجراءات المحددة في القانون”. 
  2. أن المادة 19 من النظام الأساسي المؤقت المعدل تنص على أن السلطة القضائية تتولاها المحاكم التي تصدر أحكامها باسم الأمير، في حدود النظام الأساسي، ووفق القانون. ومعنى هذا -في رأى المحكمة- أن المشرع الدستوري يعهد إلى المحاكم بالولاية العامة أو الشاملة في الفصل في المنازعات، وحيث أن المادة الخامسة من القانون رقم 8 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 13 لسنة 1971 بنظام المحاكم العدلية تقضي بأن المحكمة المدنية الكبرى المرفوعة أمامها الدعوى تختص بالفصل في جميع المسائل المدنية والتجارية التي تزيد قيمة الدعوى فيها -آنذاك- على ثلاثين الف ريال، والدعاوى مجهولة القيمة ودعاوى الأحوال الشخصية لغير المسلمين، فإن معنى ذلك أن هذه المحكمة هي صاحبة الاختصاص العام (الدعاوى مجهولة القيمة)، خاصة أن التشريع القطري جاء خلوا من أي نص يخرج المنازعات الإدارية من نطاق اختصاص المحاكم العدلية.

“ومن المستقر عليه قانونا أن جهة الاختصاص العادي يدخل في اختصاصها، أصلا، الفصل في جميع المنازعات أيا كانت -أي أنها صاحبة الولاية العامة-ولا يخرج من اختصاصها إلا ما أسند المشرع الاختصاص به إلى جهات قضائية أخرى، وأن تقرير اختصاص القضاء العادي بمسألة معينة لا يحتاج إلى نص لأن هذا هو الأصل، فولاية القضاء العادي بأي نزاع أيا ما كانت طبيعته هي ولاية أصيلة أو أصلية لا يحتاج تقريرها إلى نص، وإنما تحتاج إلى النص لتقرير انعدام هذه الولاية. ولهذا فإنه عند محاولة تحديد اختصاصات المحاكم العادية يلجأ إلى طريقة الاستبعاد، أي بيان الحالات التي تخرج عن نطام اختصاصها فتستبعدها ثم تذكر أن “ما عدا هذه الحالات يعتبر من اختصاصاتها” رجوعا إلى الأصل: فإخراج أي مسالة من اختصاص القضاء العادي امر لا يتأتى إلا بنص، فإن لم يوجد النص، فإن القول بعدم اختصاص القضاء العادي يكون قائما على غير سند من القانون”. 

  1. أن الأفراد لابد أن يجدوا قاضيا لخصوماتهم، فلكل فرد حقه، الذي تكفله، الدساتير والقوانين، في أن يطالب بحقه، وان يدافع عنه، وان يلجأ إلى القضاء بشأنه، فلا يتصور أن توجد منازعة لا يكون لها قاض يفصل فيها. وإذا كان ذلك، وكان المشرع القطري لم يأخذ حتى الآن بنظام القضاء المزدوج، وبإنشاء قضاء إداري مستقل، يقوم على الفصل في المنازعات الإدارية، فإن الاختصاص بنظر كافة المنازعات، بما فيها المنازعات الإدارية، يكون معقودا للمحاكم العادية باعتبارها صاحبة الولاية العامة في نظر المنازعات التي لا تدخل في اختصاصات محاكم أخرى.
  2. أن احترام مبدأ الشرعية الذي يعتبر، وفقا لرأى المحكمة، فيصل التفرقة بين الدولة القانونية والدولة المستبدة، هذا المبدأ الذي ترسب في ضمير الإنسان المعاصر، ويؤكده إجماع الفقه والقضاء، يقتضي إخضاع أعمال الإدارة لرقابة المحاكم، فالمحكمة رأت أنه لكي تكون الدولة قانونية بمعنى الكلمة، ولكي يسود مبدأ المشروعية، ويحقق جميع نتائجه يجب أن تقوم الدولة على بعض المبادئ وهي مبدأ فصل السلطات، وخضوع الإدارة للقانون، وتحديد الاختصاصات الإدارية بصورة واضحة، وإخضاع الإدارة لرقابة القضاء.

وترى المحكمة أن احترام مبدأ المشروعية يقتضي “وجود جهة (أو جهات) ينظمها القانون ويعهد إليها بأمر الدفاع عن حماية مبدأ الشرعية، ومنع الإدارة من مخالفته وتنبيهها إلى أخطائها التي ارتكبتها وفيها إساءة إلى الأفراد من جهة حقوقهم، وحرياتهم المختلفة. لابد إذا من وجود جهة يلجأ إليها الأفراد لإنصافهم، وتكون لديها الوسيلة الموصلوة إلى تقرير بطلان التصرف المخالف لمبدأ الشرعية وإلغائه بناء على ذلك، وتقرير التعويض المناسب في مقابل الضرر الذى يمكن أن يحدثه؛ ومن هنا جاءت فكرة ضرورة إقامة رقابة على أعمال الإدارة بقصد حماية مبدأ الشرعية عند تطبيقه، وفي ذلك حماية -بالتبعية- لحقوق الأفراد وحرياتهم، ومن قبيل الحرص أيضا على سلامة العمل الإداري، حتى يكون دائما سببا سويا لتحقيق المصلحة العامة (د. كامل ليلة، الرقابة على أعمال الإدارة، ص 124، 125 طبعة عام 1970)(4).

ورأت المحكمة، تأسيسا على كل هذه الاعتبارات وعلى ضوء ما استعرضته من تقريرات قانونية وفقهية وقضائية، أنها تختص بنظر المنازعات الإدارية، وأنها تملك التصدي للقرارات الإدارية المعيبة التي لا تحترم مبدأ الشرعية بالإلغاء والتعويض، وبالتالي نظرت المحكمة في موضوع الدعوى، ورأت إلغاء القرار الإداري والحكم بالتعويض للعيوب التي شابته.

ب -القضاء القطري لا يختص بنظر المنازعات الإدارية إلا ما نص عليه المشرع

استأنفت المحكوم ضدها (الجامعة) هذا الحكم، فقررت محكمة الاستئناف أن محكمة أول درجة أخطأت، عندما قررت اختصاصها بنظر مثل هذه الدعاوى وذلك للأسباب الآتية (كما ترى المحكمة العليا أو محكمة الاستئناف)(5).

أولا: تضمن النظام الأساسي المؤقت المعدل (الدستور) لدولة قطر، بيانا بالسلطات في الدولة بما نص عليه في المواد 19، 18، 17 منه، فنصت المادة 17 على أن يصدر الأمير القوانين بناء على اقتراح مجلس الوزراء وبعد أخذ رأى مجلس الشورى على الوجه المبين في هذه النظام الأساسي، وجاء في المادة 18 النص على أن “السلطة التنفيذية يتولاها الأمير بمعاونة مجلس الوزراء على النحو المبين في هذا النظام الأساسي”، واشتملت المادة 19 على أن السلطة القضائية تتولاها المحاكم التي تصدر أحكامها باسم الأمير في حدود هذا النظام الأساسي ووفق القانون، ويتولى الأمير رئاسة مجلس الوزراء طبقا لما تنص عليه الفقرة الثالثة من المادة 23 من النظام المذكور، ويتولى مجلس الوزراء الإشراف الأعلى على سلوك موظفي الحكومة وسير العمل فيها بوجه عام عملا بالفقرة 11 من المادة 34.

وتقصد المحكمة من هذا أن السلطة القضائية يتحدد اختصاصها طبقا لما جاء في هذا النظام الأساسي ووفقا للقانون، فإذا جاء القانون ونص على اختصاصات محددة وجب الالتزام بذلك، وعدم الخروج على ما صرح به القانون من اختصاصات.

ثانيا: نصت المادة 66 من نفس النظام على أن “يعين بقانون النظام القضائي العام للدولة وفقا لأحكام هذا النظام”. وعرفت دولة قطر نوعين من المحاكم هما:

  1. المحاكم الشرعية، وهي تطبق أحكام الشريعة الإسلامية فيما يعرض عليها من منازعات.
  2. المحاكم العدلية التي أنشئت بالقانون رقم 13 لسنة 1971 بنظام المحاكم العدلية، المعدل بالقانون رقم 8 لسنة 1985، ومن بينها المحكمة المدنية الكبرى التي أصدرت الحكم المطعون فيه، وهي تطبق أحكام القوانين التي تصدرها الدولة على الخصومات التي خول القانون اختصاصها بها، ولم تتعرض هذه القوانين التي صدرت لاختصاص المحاكم الشرعية إلا فيما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة الثانية من القانون رقم 13 لسنة 1971 بشأن اختصاص المحكمة الشرعية دون غيرها والفصل في الجرائم المنصوص عليها في الفصول السابع عشر والعشرين والثالث والعشرين من قانون عقوبات قطر إذا كان المتهم بارتكاب جريمة منها مسلما. وهي تطبق عليه أحكام الشريعة الإسلامية بدلا من نصوص المواد الواردة في تلك الفصول، طبقا لما جاء بالمادة الخامسة من القانون رقم 14 لسنة 1971 بإصدار قانون عقوبات قطر. وأخيرا صدر القانون رقم 8 لسنة 1987 بشأن تنظيم رئاسة المحاكم الشرعية والذي تنص المادة التاسعة منه على أن “يصدر قانون خاص بتنظيم المحاكم الشرعية وتحديد اختصاصاتها والإجراءات التي تتبع أمامها. وإلى، أن يصدر القانون المشار إليه، يتولى رئيس المحاكم الشرعية الإشراف الأعلى على إدارة الأعمال الفنية والكتابية والمالية لهذه المحاكم.

ثالثا: لم تعرف دولة قطر قبل عام 2007 نظام القضاء الإداري المعمول به في بعض الدول، غير أن قوانين متفرقة نظمت كيفية الطعن في بعض القرارات الإدارية وحددت الجهة التي يتم أمامها هذا الطعن، سواء أكانت لجنة أم غيرها، وجعل المشرع الاختصاص في نظر الطعون بشأن قرارات إدارية نهائية، لا يجوز الطعن فيها أمام أية جهة من الجهات.

رابعا: القول بالولاية العامة للمحاكم الشرعية دون المحاكم العدلية، أو للمحاكم العدلية دون المحاكم الشرعية، وعلى الأخص في غير المسائل الجنائية، فيما لم يرد فيه نص. يعوزه الدليل ولا يقوم على حجة مقنعة.

وحيث أن المادة الخامسة من القانون 13 لسنة 1971 بنظام المحاكم العدلية المعدلة بالقانون رقم 8 لسنة 1985 تنص على أن المحكمة المدنية الكبرى تختص بالفصل في جميع المسائل المدنية والتجارية التي تزيد قيمة الدعوى فيها على ثلاثين ألف ريال قطري(6) والدعاوى مجهولة القيمة ودعاوى الأحوال الشخصية لغير المسلمين، كما تختص بالفصل في الاستئناف الذي يرفع عن الأحكام الصادرة من المحكمة المدنية الصغرى.

“وحيث انه بالبناء على ما تقدم وانطلاقا من الحقائق سالفة الذكر، لما كانت القرارات الإدارية لا تدخل -بيقين- ضمن المسائل المدنية والتجارية، ولا هي من مسائل الأحوال الشخصية لغير المسلمين بطبيعة الحال، وكان تحديد اختصاص المحكمة المدنية الكبرى على النحو الذى بينته المادة الخامسة جاء على سبيل الحصر -شأنها في ذلك شأن المحاكم العدلية الأخرى- ومن ثم فإن القول باختصاص تلك المحكمة بنظر التظلمات التي ترفع إليها بشأن القرارات الإدارية، استنادا إلى أنها جهة التقاضي العادية وصاحبة الولاية العامة من جهة، ولعدم وجود نص يمنعها من ذلك، لأن تحديد اختصاصها يكون بطريق الاستبعاد من جهة أخرى، قول ينطوي على خطأ في تطبيق القانون، وتأويله وتفسيره، ذلك أن النص لم يلجأ في تحديد اختصاص محكمة أول درجة إلى طريق الاستبعاد، وهي التي تبين ما يخرج عن اختصاص المحكمة، وما عداها يكون داخلا فيه بل إن المشرع عدد المسائل التي تختص بنظرها المحكمة المدنية الكبرى، ويقتضي التفسير الصحيح للقانون الوقوف عند هذا الحد والالتزام به وعدم تجاوزه”.

“إذ أن فكرة تحديد الاختصاص بطريقة الاستبعاد -ومع قيام المحاكم الشرعية التي لم يرسم القانون حدودا لاختصاصها بعد- يمكن أن يقال معها إمكان اختصاص المحاكم المدنية -على سبيل المثال- بمسائل الأحوال الشخصية للمسلمين، وهو ما لا يخطر على بال أحد، هذا فضلا عن أن القول بأن المحكمة المدنية هي جهة القضاء العادي وصاحبة الولاية العامة، لا يقوم على سند صحيح من الواقع أو حكم القانون”.

“لما كان ذلك، وكانت عبارات النص واضحة لا تحتمل التأويل أو التفسير، وكان المبدأ أن لا اجتهاد مع النص، فإن المحكمة الراهنة لا تشارك محكمة أول درجة رأيها بشأن اختصاصها بنظر كافة التظلمات التي ترفع إليها عن القرارات الإدارية التي لم يحدد المشرع جهة أخرى نظرها أمامها على إطلاقه، وترى هذه المحكمة أن وسيلة التظلم من تلك القرارات يكون بالطريق الولائي – أي اللجوء إلى من أصدر القرار بإعادة النظر فيه – أو بالتظلم الرئاسي، وهو أن يلجأ المتضرر إلى رئيس من أصدر القرار، وكل ذلك بشرط أن يكون القرار قد استوفى مقوماته الأساسية التي يتطلبها، وهي أن يصدر ممن يملك سلطة إصداره، وفي حدود اختصاصه الوظيفي، وطبقا للشروط الجوهرية التي يتطلبها القانون”.

وأصدرت المحكمة حكمها بتعديل ما قضى به الحكم المستأنف في البند الأول منه إلى عدم اختصاص المحكمة المدنية ولائيا بنظر الطعن في القرار الإداري، إلا إذا كان القرار منعدما(7).

ولم يغير القانون رقم 13 لسنة 1990 بإصدار قانون المرافعات المدنية والتجارية من هذا الوضع، فصحيح أن المادة الرابعة من قانون إصداره، نصت على أن تختص المحاكم العدلية بالفصل في المسائل الآتية:

  1. الدعاوى والمنازعات المدنية والتجارية، عدا ما يستثنى منها بقانون.
  2. الدعاوى والمنازعات الخاصة بعقود الالتزام أو الأشغال العامة أو التوريد أو بأي عقود أخرى.
  3. دعاوى ومنازعات الأحوال الشخصية لغير المسلمين.

ولكن هذا النص الجديد المتعلق باختصاص المحاكم بنظر المنازعات الخاصة بعقود الالتزام والأشغال العامة أو بأي عقود أخرى، لم يغير كثيرا من الوضع السابق حتى وإن كان هذا النص قد استندت إليه المحكمة المدنية الكبرى للعودة مرة أخرى، والحكم باختصاصها بنظر الدعاوى الإدارية عموما، ومن ذلك دعوى الإلغاء الموجهة ضد القرارات الإدارية. ففي حكم المحكمة المدنية الكبرى بتاريخ 18 أبريل عام 1992 في القضية رقم 732/1991 قررت المحكمة اختصاصها بنظر الدعوى المرفوعة من المدعي الذى كان يطالب فيها بالتعويض عن الأضرار التي أصابته نتيجة قرار رئيسه في إدارة الجمارك بوقفه عن العمل ووقف صرف راتبه، عن الفترة من 23/6 إلى 16/7/1990، وقد استند هذا القرار إلى تغيب المدعي (المرؤوس) عن العمل، ومن المقرر أن هذا الجزاء لا يمكن توقيعه إلا من مجلس التأديب أو بعد تحقيق الوقائع، وهو ما ادعى المدعي انه لم يحدث؛ وتقدمت المدعى عليها (الإدارة العامة للجمارك) بدفع بعدم قبول وبعدم اختصاص المحكمة على أساس أنها مرفوعة على غير ذي صفة لأنها رفعت على الإدارة العامة للجمارك وكان يجب أن ترفع على وزير المالية والبترول، وهو صاحب الصفة في تمثيل الجهة المدعي عليها، وان هذه الدعوى تخرج من اختصاص المحكمة طبقا لنص المادة الرابعة من قانون المرافعات رقم 13 لسنة 1990. ولما كان المدعي قد تقدم بمذكرة صحح فيها شكل الدعوى بتوجيهها إلى وزارة المالية والبترول، بدلا من الإدارة العامة للجمارك، ثم أضاف في هذه المذكرة مطالبته بإبطال القرار الصادر ضده بصورة كاملة، وذلك لعيوب ثابتة، وقد استند في مطالبته هذه إلى نص المادة الرابعة من قانون المرافعات المشار إليها، التي تعطي المحاكم العدلية حق الفصل في جميع الدعاوى والمنازعات المدنية والتجارية عدا ما استثني منها بقانون، ولم يتضمن القانون القطري نصا يفرق بين الدولة والأفراد فيما يتعلق بخضوعهم لرقابة القضاء، وبالتالي تخضع علاقتها بالأفراد لرقابة المحاكم العدلية بحكم عدم استثنائها بنص على ما أوردته المادة الرابعة سالفة البيان.

ورأت المحكمة أنها مختصة بنظر الدعوى وذلك استنادا إلى المبررات الآتية (8):

1-أن المادة الرابعة من مواد إصدار قانون المرافعات قد نصت على اختصاص المحاكم العدلية بالفصل في المسائل المتعلقة بالدعاوى والمنازعات المدنية والتجارية عدا ما استثني منها بقانون، والمنازعات والدعاوى الخاصة بعقود الالتزام أو الأشغال العامة أو التوريد أو بأي عقود إدارية أخرى، ودعاوى ومنازعات الأحوال الشخصية لغير المسلمين.. ومعنى هذا، في رأى المحكمة، أن المحكمة العدلية هي المحكمة ذات الاختصاص العام، وذلك طبقا للفقرة الأولى من هذه المادة، ولا يمكن الاحتجاج بعدم اختصاصها بالاستناد إلى حكم الفقرة الثانية الخاص بتأكيد اختصاص المحكمة بالعقود الإدارية. بحجة أن مفهوم المخالفة يعني حرمان المحاكم العدلية من نظر المنازعات الخاصة بالقرارات الإدارية، ذلك لأن تلك المنازعات هي منازعات مدنية، فضلا عن أنه لا مفهوم المخالفة ولا مفهوم المطابقة يمكن أن يقود إلى القول بعدم اختصاص المحكمة. “فالقرار الإداري ليس هو الوجه المعاكس للعقد الإداري، كما انهما يفتقران إلى التماثل أو التوافق سواء من حيث الموضوع أو الأطراف، فالأول، أي القرار الإداري، يصدر عن الإدارة بإرادتها المنفردة باعتبارها ممثلة للسلطة التنفيذية، وإرادتها في التعبير، بينما الثانية هي عقود تتلاقى فيها إرادتا طرفيها، وليست كل العقود التي تبرمها الدولة عقودا إدارية، وإنما هي في الأعم عقود عادية، وتتميز بعضها بالصفة الإدارية إذا تعلقت بتسيير مرفق عام وتضمنت شروطا غير مألوفة، ولم يسبق أن حدث في أي بلد انشأ قضاء إداريا خاصا أن أدخل في اختصاصه منازعات العقود الإدارية بقيامها على القرارات الإدارية كما لم يورد الفقه أو القضاء في أي من تلك البلاد أي وجه للربط بين الاثنين من حيث اختصاص القضاء بنظر منازعات، وإنما كان ذلك في بعض التشريعات بنص خاص وصريح، كما هو الحال بالنسبة للتشريع الإداري المصري. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه لا يجوز تجاهل القاعدة الأصولية التي تقضي بعدم جواز الاجتهاد رغم صراحة النص، باعتبار المحكمة العدلية المحكمة ذات الاختصاص العام، التي يدخل في ولايتها جميع المنازعات إلا ما استثني بنص خاص بحكم الفقرة الأولى من المادة الرابعة، من مواد إصدار قانون المرافعات رقم 13 لسنة 1990”. (حكم المحكمة المدنية الكبرى بتاريخ 18/4/1992).

2 -استندت المحكمة كذلك إلى نص المادة 26 من مواد النظام الأساسي المؤقت النافذ آنذاك لدولة قطر، الذي يعلو على ما عداه من تشريعات، والتي نصت على أن عدل القضاء دعامة أساسية للحكم في البلاد، الأمر الذي يؤكد اتجاه النظام الأساسي للدولة إلى تعميم الإشراف القضائي على جميع أوجه النشاط، كمبدأ عام، وأن يكون لكل مسألة قاضيها.

2 – ومن جهة أخرى، فإن هذا الاختصاص وتلك الولاية للمحاكم في نظر المنازعات، ليسا مطلقين من كل قيد وإنما تحكمهما قاعدة أخرى مستمدة من مبدأ الفصل بين السلطات، الذى تبنته سائر التشريعات المدنية بلا استثناء، وقد ساير النظام الأساسي المؤقت المعدل لدولة قطر تلك التشريعات، حين أورد تنظيما شاملا لأعمال السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، ونص في المادة (19) منه على أن السلطة القضائية تتولاها المحاكم، وفي المادة 65 على أن “عدل القضاء دعامة أساسية للحكم في الدولة، وأن القضاة مستقلون في أداء اختصاصاتهم ولا يجوز لأية جهة التدخل في سير العدالة”، واكد النظام الأساسي المؤقت المعدل بقرار أمير الدولة رقم 11 لسنة 1975 كل ذلك بنصه في المادة الرابعة (الفقرة الثالثة)، على عدم جواز تدخل مجلس الشورى في الأعمال التي تكون من اختصاص السلطة التنفيذية أو القضائية، ولاشك في أن تسمية الجهاز القضائي بالسلطة والنص في أكثر من موضع على عدم جواز التدخل في أعماله، يؤكد مسايرة نظام الحكم في دولة قطر للتشريعات الحديثة في الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطة القضائية وسلطات الدولة الأخرى: ومن مقتضى ذلك أن تقف سلطة القضاء عند حد معين لا تتعداه كما هو الأمر فيما يتعلق بأعمال السيادة التي تمارسها السلطة التنفيذية باعتبارها ممثلة للدولة بصفتها السيادية كما تقضي ولاية المحاكم بذلك، إعمالا لنفس المبدأ في التصدي لأعمال السلطة التنفيذية والتشريعية أو إلغائها، وتقتصر الرقابة في هذا الشأن على مراقبة مدى موافقة تلك الأعمال للنظام الأساسي والقانون، الذى يسنه ولي الأمر ويقف اختصاصه الولائي، أي سلطته عند حد الحكم بعدم دستوريتها أو شرعيتها وتقرير بطلانها، أو التعويض عنها، ولا تملك المحكمة، الحكم بتصحيح الوضع الخاطئ بإلغاء القرار المعيب، أو إصدار قرار آخر بديل، لأن تقييد وتدخل سلطة في عمل الجهة الإدارية، وهي المعبرة عن إرادة السلطة التنفيذية لا يوافق القانون، كما يتعين عند الحكم أن يؤخذ في الاعتبار أن استخدام الإدارة لسلطاتها التقديرية في حالة الترخيص بها، لا يكون ركن الخطأ المستوجب للمسؤولية التقصيرية مهما كان تقدير جهة الإدارة في هذا الشأن.

وخلصت المحكمة من ذلك إلى القول “بأنه في حدود سلطة المحكمة التي تقف عند حد تقرير البطلان أو التعويض عن القرار الإداري المعيب، فإن القضاء يختص بنظر جميع المنازعات الإدارية باعتبارها ضمن المفهوم العام للمنازعات، وأن القول بغير ذلك من شأنه إخراج أعمال الإدارة كلها من نطاق رقابة القضاء، أيا كانت صورتها”.

وفي حكم آخر للمحكمة المدنية الكبرى في القضية رقم 741/1991 الصادر بتاريخ 6 يونيو 1992 رأت المحكمة أنها مختصة بنظر المنازعات المتعلقة بالطعون الإدارية ورأت في حيثيات حكمها:

“أن المحكمة تنوه تقديما لقضائها في شأن النزاع المعروض أنه لم يعد الآن، في ضمير العالم الحر، مكان لذلك النوع من المكرمات (وكان تعبير الأنظمة القانونية أكثر قبولا من اصطلاح المكرمات) الذي لا يخضع فيه الأداة التنفيذية للقانون، سيما مع ازدياد النشاط الاقتصادي بشكل كبير، جعل من المتعذر تركيز حل المشاكل في سير عدد محدود من الموظفين، وخلق نوعا من الحاجة إلى مراقبة هؤلاء العاملين أنفسهم، ولذلك فقد نشأ وساد في العالم كله ما سمي بالحكومات القانونية التي يكون الخضوع فيها للقانون. وحيث يكون القانون سيد الجميع، تلتزم به الحكومة والمحكومون على حد سواء، وذلك حتى يعدل القانون أو يلغى احتراما للأوضاع الدستورية المقررة. وليس يجزى أن تكون الحكومة قانونية من الناحية النظرية وحدها، بل يجب أن يكون هنالك من الضمانات ما يكفل لها هذه الصفة فعلا في الواقع، وهي ضمانات متعددة الأنواع ومختلفة الصور، لعل أهمها عملا هو الرقابة القضائية، إذا توافرت لها مقوماتها، وضماناتها الضرورية، وتصدق هذه الرقابة على سلطات الدولة الثلاث تشريعية وقضائية وتنفيذية، وأن السلطة التنفيذية يجب أن تخضع لرقابة قضائية أكثر من أي سلطة أخرى لأنها تأتمر كلها بشخص واحد في الدول ذات النظام الرئاسي، أو تأتمر كل وزارة بشخص الوزير، كما في النظام البرلماني، كما أن رجال السلطة التنفيذية بحكم عملهم اكثر احتكاكا واتصالا بالجمهور من رجال السلطة التشريعية والقضائية، ومن ثم كانوا اقرب من هؤلاء تأثرا بالاعتبارات الشخصية المختلفة، وإضافة إلى هذا كله، فإن لدى رجال السلطة التنفيذية من الاختصاصات التقديرية، ومن المهام المتعلقة بسلامة الدولة والسيادة، والضرورة أو التنفيذ المباشر، وصيانة الأمن العام، والصحة العامة والدفاع والشرطة وغيرها مما يجعل مجال الخطأ أو المحاباة أوسع بكثير منه، أمام باقي السلطات ويجعلها اكثر اتصالا وخطرا على الحريات، وأولى بالرقابة والاحتياط.

واستندت المحكمة بالاختصاص بنظر المنازعات الإدارية عموما إلى ما يتضمنه النظام الأساسي المؤقت المعدل من مبادئ ونصوص، والتي تتضمن إعلاء مبدأ سيادة القانون وتعميم الأشراف القضائي على جميع أوجه النشاط كمبدأ، ويبدو هذا جليا بنص المادة (65) من أن عدل القضاء دعامة أساسية للحكم في البلاد، وأن القضاة مستقلون في أداء اختصاصاتهم، ولا يجوز لأية جهة التدخل في سير العدالة، كما أورد النظام الأساسي في نصوص المواد 19، 65، وقرار أمير الدولة رقم 11 لسنة 1975، ما يؤكد كذلك تبني النظام الأساسي لمبدأ الفصل بين السلطات.

ورأت المحكمة أن المادة الرابعة من قانون إصدار قانون المرافعات “تتضمن نصا صريحا على اختصاص المحاكم العدلية بالدعاوى والمنازعات المدنية والتجارية عدا ما استثني منها بقانون، بما مفاده صراحة اعتبار المحاكم العدلية هي المحكمة المختصة ذات الاختصاص العام، بحيث يشمل اختصاصها جميع أنواع المنازعات إلا ما استثني منها بنص تشريعي”.

ومعنى هذا، أن المحاكم العدلية ترددت -قبل قانون 2007- في أحكامها فيما يتعلق بمدى اختصاصها بنظر المنازعات الإدارية عموما، خاصة تلك التي تتعلق بالطعن في القرارات الإدارية. ففي حين حكمت المحاكم الابتدائية (المحكمة المدنية الكبرى) بحقها في نظر هذه الدعاوى، فإن موقف محكمة الاستئناف كان عكس ذلك، حيث قررت عدم اختصاص المحاكم العدلية بنظر المنازعات المتعلقة بإلغاء القرارات الإدارية.

ثالثا: اختصاص المحاكم القطرية بالنظر في المنازعات الإدارية قبل القانون رقم (7) لسنة 2007 (رأينا الخاص)

نرى أن المحاكم المدنية تختص بنظر المنازعات المتعلقة بالقرارات الإدارية تعويضا وإلغاء، مستندين في ذلك إلى حجج وأسانيد، تتضمن في الوقت نفسه ردا على ما أبدته محكمة الاستئناف في حكمها الصادر بتاريخ 29/7/1408 ه الموافق 17/3/1991 السابق الإشارة إليه، الذي تضمن الحكم بعدم أحقية محكمة أول درجة وبالتالي المحاكم عموما بنظر المنازعات المتعلقة بالقرارات الإدارية.

1 -استندت المحكمة في حكمها، بعدم اختصاص المحاكم بنظر المنازعات المتعلقة بإلغاء القرارات الإدارية، إلى النصوص التي تعرضت لاختصاص السلطات العامة التي نصت على أن “السلطة القضائية تتولاها المحاكم، وتصدر أحكامها باسم، الأمير في حدود هذه النظام الأساسي ووفق القانون” (م 19 من النظام الأساسي المؤقت الملغى). ومعنى هذا أن السلطة القضائية يتحدد اختصاصاتها بناء على القانون.

والحقيقة أن ذلك لا يعني إلا أن السلطة القضائية تختص بنظر المنازعات عموما سواء تلك التي تثار بين الأفراد، أو بين الإدارة أو موظفيها؛ فالمراد بالاختصاص هذا ليس التحديد وإنما الولاية في نظر المنازعات عموما، خاصة أن المادة 65 من النظام الأساسي المؤقت المعدل نصت على هذه الولاية العامة، معلنة أن “عدل القضاء دعامة أساسية للحكم في الدولة، وأن القضاة مستقلون في أداء اختصاصاتهم، ولا يجوز لأية جهة التدخل في سير العدالة”(9)

فعندما تنظر المحكمة في دعوى مرفوعة إليها، ولا تدخل في اختصاص محكمة أخرى، فإن ذلك يكون من اختصاصها أو من ولايتها في أن تكون دعامة للعدالة ورد الظلم في الدولة، وركيزة أساسية للحكم فيها، وعندما تنظر المحاكم الطعن في قرار إداري، وتصدر بشأنه حكما ببطلانه، فإن هذا لا يشكل تعديا من السلطة القضائية على اختصاص السلطة التنفيذية، وإنما يكون امتدادا طبيعيا لاختصاصها في تحقيق العدالة، فالمدعي في دعوى الإلغاء لا يخاصم جهة الإدارة، وإنما يخاصم القرار أو الإجراء الذى أصدرته، والمحاكم عندما تراقب هذه القرارات فإنها لا تقوم إلا بتطبيق القوانين واحترامها، وهو ما يجب على السلطة التنفيذية أن تعمل هي الأخرى من أجله.

وقد جرى العرف القضائي والدستوري في الدول الحديثة على ذلك، ففي بريطانيا والولايات المتحدة تعبر التشريعات عن ولاية القضاء، أي صلاحية النظر في المنازعات عموما بالاختصاصjurisdiction ، ولذلك يرى معظم الفقهاء أن الاختصاص المقصود به الخصومات والمنازعات التي ترفع للمحاكم للفصل فيها، دون تحديد أو تخصيص (10). ففي الولايات المتحدة الأمريكية، عبر الدستور الفيدرالي (1787) عن ولاية القضاء بمعناها العضوي، عندما نص في صدر المادة الثالثة منه على أن “السلطة القضائية للولايات المتحدة سوف تمارسها محكمة عليا، ومحاكم تابعة لها يتم إنشاؤها أو تنظيمها من وقت لآخر بواسطة الكونجرس”، في حين نصت نفس المادة في فقرتيها الثانية والثالثة على أن السلطة القضائية التي تنشأ تحت حكم هذا الدستور ستمتد سلطتها إلى جميع القضايا، طبقا للعدل والقانون، وإلى قوانين الولايات المتحدة، والمعاهدات التي أبرمت أو التي ستبرم طبقا لسلطاتها.. ومحاكمة جميع الجرائم، فيما عدا قضايا المحاكمات البرلمانية.. وقد استخدم القاضي ميلر Miller اصطلاح الولايات أو السلطة القضائية للتعبير عن أحقية المحاكم في الفصل في الخصومات والمنازعات وإعلان الأحكام فيها (11).

وفي فرنسا، تنص المادة 64 من دستور 1958 على أن يضمن رئيس الدولة استقلال السلطة القضائية، وتنص المادة 66 على أن السلطة القضائية هي حارسة الحريات الشخصية، وهي التي تضمن تطبيق هذا المبدأ طبقا للشروط التي يحددها القانون. وفي مصر، تنص المادة 165 من الدستور (سبتمبر 1971) على أن “السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وفق القانون”، في حين تنص المادة 167 منه على أن يحدد القانون الهيئات القضائية واختصاصاتها، وينظم طريقة تشكيلها ويبين شروط وإجراءات تعيين أعضائها ونقلهم.

ففي كل هذه النظم يجرى الفقه على تفسير اصطلاح الاختصاص، بأنه يرادف، في هذه الحالة، اصطلاح الولاية، وان المقصود من ذلك هو مباشرة الوظيفة، وما يرتبط بها من سلطات للنظر في كل المنازعات التي تثار في المجتمع (12).

2 -استندت محكمة الاستئناف في رفضها قبول الدعوى ضد القرار الإداري إلى القانون رقم 13 لسنة 1971 الذي حدد اختصاص القضاء طبقا للنظام الأساسي المؤقت المعدل، وكذلك إلى التعديل بالقانون رقم 8 لسنة 1985. وقد رأى البعض أن قانون المرافعات الجديد رقم 13 لسنة 1990 دعم وجهة النظر هذه، عندما نص في المادة الرابعة من قانون إصداره على اختصاص المحاكم المدنية بنظر الدعاوى المتعلقة بالعقود الإدارية، على أساس أن المشرع لو أراد منح اختصاص المحاكم بكافة المنازعات الإدارية لنص على ذلك صراحة مع العقود الإدارية.

والحقيقة أن هذا الاستناد فيه إجحاف وقصر نظر، فهو في حين يريد تقييد السلطة القضائية بالنصوص فإنه يطلق يد الإدارة، تمارس الإجراءات وتتخذ القرارات دون رقيب أو احترام للقواعد السائدة، حتى لو تعارض ذلك مع القوانين القائمة روحا ونصا، فالمادة 41 من النظام الأساسي الموقت المعدل تنص على أن الوظائف العامة خدمة وطنية تناط بالقائمين بها، ويستهدف الموظف في أداء واجباته الوظيفية المصلحة العامة وحدها، وذلك يستلزم أن تكون قرارات الموظفين في حدود المصلحة العامة، وليست بقصد أو بدافع عوامل شخصية، ولو قيل أن السلطة القضائية ليس لها الحق في مراقبة تطبيق القانون في هذه الحالة،  فإن ذلك يشكل اعتداء على سلطة القاضي في تقرير العدالة (13)، فضلا عن أن المادة التاسعة من النظام الأساسي المؤقت نصت على أن الناس متساوون في الحقوق والواجبات، وذلك دون تمييز بسبب العنصر أو الجنس أو الدين، وجاء في ديباجة أو مقدمة النظام الأساسي المؤقت المعدل، أن الهدف منه هو “تحقيق الانطلاق العظيم نحو بناء مجتمع أفضل ينعم فيه المواطنون جميعا بمزيد من الرفاه والعدل والمساواة والعلم والصحة ويزاولون هم والسلطات العامة على حد سواء مالهم من حقوق، وأداء ما عليهم من واجبات على النحو الأنسب الكفيل ببلوغ تلك الأمنية”. وهذه النصوص تتعارض مع القول بعدم إخضاع الإدارة للرقابة القضائية، ولا تتفق مع إطلاق يد الرئيس الأعلى أو الرئيس الإداري في، أتخاد ما يراه من قرارات دون احترام للقواعد القائمة، أو دون أن تكون هناك سلطة لدفعهم ولمنع تجاوزاتهم، بل تستلزم هذه المبادئ ضمان حقوق الأفراد تجاه رؤسائهم، كما أن المشرع في الدول الحديثة، إذا أراد إخراج بعض أعمال السلطة التنفيذية من رقابة القضاء، فإنه ينص على ذلك صراحة، كما هو الشأن فيما يتعلق بأعمال السيادة التي تتعلق بمجموعة من الإجراءات والقرارات التي تتخذها السلطة التنفيذية، والتي لا تخضع لرقابة القضاء لكونها تتعلق بأمور الدولة العليا أو بعلاقتها مع الدول الأجنبية، أو بالوظائف السياسية أو عمليات الحرب (14). وفي هذه الحالة، فإن القضاء هو الذي يقرر، ما إذا كانت هذه الأعمال أعمال سيادة من عدمه، أي أنه لا يلتزم بالوصف الذي تسبغه عليها السلطة التنفيذية، وإنما بما يراه هو وفقا لضميره، ولظروف الحالة التي أمامه، كما أنه إذا كان لا ينظر (القاضي) دعوى إلغاء القرارات المتعلقة بأعمال السيادة، فإنه يملك الحكم في التعويض عن الأضرار المترتبة عليها: فالقضاء هو الذي يحدد ما إذا كان هذا العمل من أعمال السيادة أم لا، كما جاء في حكم لمجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 19 فبراير عام 1975، حيث أشار فيه إلى أنه لا يكفي للقول بأن هذا العمل أو ذاك القرار من أعمال السيادة أو من أعمال الحكومة، أن يكون قد اتخذ بعد مداولة في مجلس الوزراء، أو أنه اتخذ لأسباب سياسية، ليخرج من نطاق رقابة القضاء، وإنما يجب أن يكون ذلك متروكا لتقدير القاضي(15).

بل ويضيق مجلس الدولة الفرنسي بالتدريج من نظرية أعمال السيادة، ويحد من آثارها. ففيما يتعلق بالمعاهدات الدولية، فإن المجلس يراقب تطبيقها؛ فالنشاط الدبلوماسي والعلاقات الدولية لا تهرب من رقابة القضاء إلا في حدود نظام القانون الدولي. أما في القانون الداخلي، فإنها تخضع لرقابة القضاء، بحيث لا يؤدى ذلك إلى حرمان الدولة من سلطة تحديد علاقاتها الخارجية(16). كذلك اخذ المجلس بنظرية الأعمال التي يمكن فصلها عن العمل الذي يكيفه على أنه من أعمال السيادة Les actes détachables. وعلى العموم، فإن الفقه يرى أن أعمال السيادة هذه تشكل نقطة سوداء في جبين العدالة.

ونرى في هذا المقام، أن الحس القضائي، والالتزام بالبحث عن العدالة، يقتضي أن يفكر القاضي في الآثار التي سوف ينتهي إليها قراره لو أنه حكم بعدم اختصاصه بنظر مظلمة معينة يعلم انه أقرب وأولى الناس بها، أي بحلها؛ فصحيح انه لا يمكن اعتباره منكرا للعدالة، لأن هناك غموضا يشوب اختصاصه، أو يرى هو ذلك، ولكن أليس اجدر به، إذا وجد أن النزاع لا يمكن أن يختص به قاض آخر غيره، وان المدعي سوف لن يجد له بعد ذلك سبيلا لرفع الظلم الواقع عليه، أليس اجدر به أن يريح ضميره، وينظر في هذا النزاع، وهو في ذلك لا يعتدى على احد وإنما يحكم في منازعة بين الخصوم، لأن هذا العمل من صميم اختصاصه، ويدخل في ولايته؟

3 -استندت محكمة الاستئناف في قرارها بعدم الاختصاص بنظر المنازعات الإدارية المتعلقة بدعوى الإلغاء إلى عدم وجود قضاء إداري مستقل، وإلى أن المشرع في قوانين متفرقة، نص على طرق خاصة للطعن في القرارات الإدارية، وحدد الجهة التي يتم أمامها هذا الطعن سواء كانت لجنة أو غيرها، بل وإن هذه القرارات الإدارية تصدر بصورة نهائية من هذه اللجان، حيث لا يجوز الطعن فيها أمام أية جهة أخرى.

هذا الاستناد مردود عليه بأن وجود قضاء إداري مستقل عن القضاء العادي ليس شرطا لوجود الرقابة القضائية على أعمال الإدارة، وان هذه الرقابة توجد في كل الدول الحديثة عموما، سواء تلك التي تأخذ بازدواجية القضاء أو بوحدة القضاء.


الفصل الثاني
الفصل في المنازعات الإدارية في ظل القانون رقم 7 لسنة 2007

في 26 مارس سنة 2007 صدر القانون رقم 7 لسنة 2007 بشأن الفصل في المنازعات الإدارية. وقد تضمن إنشاء دائرة إدارية أو أكثر بالمحكمة الابتدائية، وجعل اختصاص الدائرة بالنظر في المنازعات الإدارية التي يحددها القانون، لتكون وحدها المختصة بالفصل فيها.

ومعنى هذا أن القضاء القطري مازال يأخذ بمبدأ وحدة الفضاء، ويجعل القضاء العادي مختصا بنظر المنازعات المدنية والإدارية. وتحقيقا لمبدأ التخصص القضائي، أنشأ القانون دوائر خاصة بالمنازعات الإدارية بالمحكمة الابتدائية، والتي تصدر أحكامها من ثلاثة قضاة، كما هو الشأن بالنسبة للمنازعات المدنية.

كما أنشأ القانون المذكور بمحكمة الاستئناف دائرة خاصة أو متخصصة اسماها “الدائرة الإدارية الاستئنافية”، تشكل هي الأخرى من ثلاثة قضاة، تختص بالنظر في الطعون التي يرفعها ذوو الشأن ضد الأحكام الصادرة من الدائرة الإدارية الابتدائية، بالإضافة إلى الطعون الخاصة بالقرارات المتعلقة بانتخابات مجلس الشورى وانتخابات المجلس البلدي المركزي، وطلبات الإلغاء والتعويض عن قرارات مجالس التأديب وقرارات الجهات الإدارية ذات الاختصاص القضائي (م 8).

وفيما يتعلق بالطعن بالتمييز في مجال المنازعات الإدارية، فإن القانون قد أحال إلى قانون المرافعات المدنية والتجارية وإلى القانون رقم (12) لسنة 2005 بشأن حالات وإجراءات الطعن بالتمييز في غير المواد الجنائية، حيث تنص المادة (11) من القانون رقم (7) لسنة 2007 بشأن الفصل في المنازعات الإدارية على أنه “فيما عدا ما نص عليه هذا القانون من قواعد وإجراءات، يسرى على الدعاوى المنصوص عليها فيه، والأحكام الصادرة فيها، وطرق الطعن في هذه الأحكام، والقواعد والإجراءات المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية المشار إليه، والقانون رقم (12) لسنة 2005 بشأن حالات وإجراءات الطعن بالتمييز في غير المواد الجنائية، وتكون للأحكام الصادرة بالإلغاء حجية عينية في مواجهة الكافة، وتكون صورتها التنفيذية مشمولة بالصيغة التالية:

“على رؤساء الجهات الإدارية تنفيذ هذا الحكم وإجراء مقتضاه”.

أما الأحكام الأخرى فتذيل صورتها بالصيغة التنفيذية المقررة لسائر الأحكام”.

وقرر المشرع في المادة (12) من القانون ذاته تفعيل هذا الاختصاص للدائرة الإدارية بالنص على أن “جميع الدعاوى المنظورة أمام المحاكم والتي أصبحت بمقتضى هذا القانون من اختصاص الدائرة الإدارية أو الدائرة الاستئنافية، تحال إليهما بحالتها، وبغير رسوم، ما لم تكن قد حجزت للحكم”.

وسوف نتعرض لاختصاصات هذه الدوائر، وشروط دعوى الإلغاء أمامها، ومواعيد وإجراءات رفع الدعوى أمامها، وطبيعة الأحكام التي تصدرها.

أولا: اختصاصات الدائرة الإدارية بالمحكمة الابتدائية

نص القانون رقم 7 لسنة 2007 في المادة الثالثة على أن تختص الدائرة دون غيرها بنظر المنازعات الإدارية الآتية:

1-المنازعات الخاصة بالمرتبات والمعاشات والمكافآت والعلاوات المستحقة للموظفين أو لورثتهم أيا كانت درجاتهم الوظيفية. وهذه المنازعات تشمل كل ما يتعلق بالمرتب سواء من حيث مدى أحقية الموظف فيه أو عدم أحقيته، وخصمه أو عدم صرفه نظرا لسفره في مهمة أو تدريب أو العلاوات المقررة أو التي تم إلغاؤها، والبدلات المستحقة، والمعاشات بالنسبة للموظف أو لورثته.

وهذه المنازعات تكون عن طريق دعوى التسوية التي لا تتقيد بميعاد دعوى الإلغاء، وإنما تخضع للتقادم العادي الذي يحدده القانون المدني، وتتسع فيها سلطة الدائرة الإدارية ويكون لها سلطة تفسير القوانين واللوائح المقررة في هذا الشأن.

2 -إلغاء القرارات الإدارية، ويكون ذلك في الحالات الآتية:

أ -القرارات الإدارية المتعلقة بترقية الموظفين من الدرجة الأولى فما دونها وما يعادلها أو أنهاء خدماتهم، والقرارات التأديبية الصادرة بشأنهم إذ يجوز لكل صاحب مصلحة الطعن فيها.

ومعنى هذا أن القرارات الصادرة بشأن ترقية موظف من الدرجة الأولى فما دونها أو ما يعادلها أو الاستغناء عنه، أو فصله، (أو أحالته إلى المعاش المبكر)، يكون الطعن فيها أمام هذه الدائرة، وكذلك القرارات، التأديبية الصادرة ضد هذه الفئة المشار إليها، أيا كانت هذه القرارات سواء أكانت صادرة من السلطة المختصة الرئاسية أو من مجالس وبغض النظر عن العقوبة التي تم توقيعها.

ب -الطعن في القرارات الإدارية النهائية المتعلقة بالأشخاص الطبيعيين أو المعنويين. ويقصد المشرع بهذا النص كل القرارات الإدارية النهائية التي تتعلق بالأفراد أو الهيئات أو المؤسسات المتمتعة بالشخصية المعنوية؛ ومن ذلك مثلا قرار، بمنع ترخيص بعض الأنشطة التجارية، أو إلغاء توكيل تجارى، أو منع سفر بعض الأفراد.

وقد استثنى المشرع من اختصاص الدائرة الإدارية الأوامر والقرارات الأميرية، فالقرار الذي يصدر من الأمير رغم وصفه بأنه قرار أو امر إلا انه يأتي بعد الدستور وقبل التشريع. وكان هذا الوضع يستند إلى نص المادة 67 من النظام الأساسي المؤقت الصادر سنة 1972، والتي كانت تعطي للأمير الحق في تنقيح النظام الأساسي بالتعديل أو بالحذف أو بالإضافة إذا ما رأى أن مصلحة الدولة العليا تتطلب هذا التنقيح كما حدث في سنة 1973 بالقرار رقم (1) لسنة 1973 بتعديل بعض أحكام النظام الأساسي.

ويبدو أن المشرع في ظل الدستور الحالي أراد إعطاء الأوامر والقرارات الصادرة من الأمير نفس المكانة، فذكرها قبل المراسيم الأميرية التي تكون لها قوة القوانين العادية (17).

كما استثنى المشرع القرارات الصادرة بموجب القانون رقم 17 لسنة 2002 بشأن حماية المجتمع سواء في النواحي الأمنية أو الصحية أو الاقتصادية أو ما يتعلق بالبيئة وعناصرها والأخلاق العامة للمجتمع، والقرارات الصادرة بموجب القوانين المتعلقة بالجمعيات والمؤسسات الخاصة وأنشطتها، والتي تتعلق بالمطبوعات والنشر وتراخيص إصدار الصحف والمجلات وتراخيص الأسلحة والذخائر والمتفجرات ودخول وإقامة الأجانب وإبعادهم ونزع الملكية للمنفعة العامة.

3 -وتختص الدائرة الإدارية بنظر منازعات التعويض عن هذه القرارات التي تختص بالنظر في إلغائها، سواء رفعت إليها الدعوى بصفة اصليه أو بصفة تبعية.

كما تختص بالتعويض أيضا عن القرارات المستثناة من اختصاصها بالإلغاء، حيث تقتصر ولاية الدائرة بصددها على منح التعويض فقط.

4 -تختص الدائرة أيضا بالنظر في منازعات العقود الإدارية. ويقصد بالعقود الإدارية هنا العقود الإدارية بطبيعتها، وهي عقود التزام المرافق العامة، وعقود الأشغال وعقود التوريد الإدارية، وسائر العقود التي تكون الدولة طرفا فيها وتستخدم فيها أسلوب السلطة العامة، وذلك بأن يحتوي العقد على شروط استثنائية تعطي الدولة وسلطاتها الإدارية مميزات تعاقدية في مواجهة الطرف الآخر.

ثانيا: شروط قبول دعوى الإلغاء أمام الدائرة الإدارية

يجب لقبول دعوى الإلغاء أمام الدائرة الإدارية أن نكون أمام قرار إداري نهائي، من القرارات المبينة في البندين الثاني والثالث من المادة السابقة، أي من المادة 3 فقرة (2) و(3)، وان ترفع في الميعاد الذي حدده القانون، وأن يكون لصاحبها أي لمقدم الطلب أو الطعن بالإلغاء مصلحة من وراء إلغاء القرار، وأن يكون قد تقدم بتظلم منه للجهات المختصة، وذلك فيما يخص طعون الموظف العام، وأن ترفع في الميعاد الذي حدده القانون؛ وذلك كله على النحو التالي:

1 -يجب أن يكون القرار الإداري نهائيا وصادرا من سلطة مختصة.

فيجب أن يكون القرار إداريا أي صادرا من السلطة الإدارية الوظيفية، أي السلطة الإدارية في الدولة التي تستمد اختصاصاتها من القانون الوطني وتمارسها استنادا إلى القانون الوطني، سواء أكانت هذه الاختصاصات محددة في الدستور أم التشريع أو اللوائح. ولمكن القول أن القرار الإداري هو إفصاح جهة الإدارة عن إرادتها الملزمة، بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح في الشكل الذى يتطلبه القانون بقصد إحداث أثر قانوني، متى كان ذلك ممكنا وجائزا قانونا، وكان الباعث عليه ابتغاء مصلحة عامة (18).

ويجب أن يكون القرار الإداري نهائيا، أي أن يكون صادرا بقصد تحقيق أثره القانوني فورا ومباشرة بمجرد صدوره، والا تكون هناك ثمة سلطة إدارية للتعقيب عليه. فلا يكفي أن يكون القرار واجب التنفيذ مباشرة وفورا لكي يكتسب صفة النهائية، لأن هناك قرارات واجبة التنفيذ بمجرد صدورها، ولكنها لا تكون موضوعا للطعن بالإلغاء، مثل القرارات الصادرة بالإحالة إلى التحقيق، أو إلى المحاكمة التأديبية، فهو إجراء من إجراءات الدعوى التأديبية لا يرقى إلى مرتبة القرار النهائي الذي يختص القضاء الإداري بالفصل في طلب إلغائه مستقلا، ومثل القرار الصادر بتوزيع الموظفين أو ترتيب الإدارات، وتحديد مواعيد العمل والإجازات، فهي قرارات واجبة التنفيذ فورا ولكنها لا تدخل ضمن القرارات الإدارية النهائية. ومن ذلك أيضا القرارات التمهيدية السابقة على القرار النهائي التي يسميها البعض بالقرار المركب أو الذي يتكون من عدة مراحل، ومثال ذلك القرارات الخاصة بتعيين أعضاء هيئة التدريس في مصر طبقا للقانون رقم 49 لسنة 1972 بتنظيم الجامعات.

2 -يجب أن تكون لرافع الدعوى مصلحة شخصية مباشرة

وقد نصت على ذلك المادة الخامسة من القانون رقم 7 لسنة 2007، حيث لا تقبل الطلبات المقدمة من أشخاص ليست لهم فيها مصلحة شخصية مباشرة.

ومعنى هذا أن دعوى الإلغاء ليست دعوى حسبة أو دعوى شعبية يرفعها كل شخص يريد الدفاع عن الأخلاق العامة أو الالتزام بالقواعد القانونية أو قواعد المشروعية، وإنما يجب أن تكون له مصلحة شخصية مباشرة. فلا يكفي أن يكون الطاعن في وضع عام مثله مثل سائر الأفراد أو المواطنين في مواجهة القرار، وإنما يجب أن يكون في وضع قانوني خاص بالنسبة للقرار المطعون فيه، وأن يكون من، شأن هذا الوضع أن يجعل مركزه القانوني متأثرا تأثرا مباشرا بهذا القرار، أي أن تكون له مصلحة شخصية ومباشرة، وإلا كانت دعواه غير مقبولة (19).

ويجب أن تكون المصلحة مباشرة وشخصية، قائمة عند رفع الدعوى أو إثناءها، وان تستمر المصلحة حتى صدور الحكم. فإذا تحققت المصلحة عند رفع الدعوى ثم تخلفت إثناءها، فإن الدعوى تصبح غير مقبولة، حيث لا جدوى منها بعد غياب المصلحة، وإن كان الوضع في فرنسا يختلف حيث يكفي تحقق توافر المصلحة عند رفع الدعوى ولا يشترط استمرارها حتى النظر فيها (20).

3 -ضرورة التظلم السابق بالنسبة للقرارات المبينة في البند الثاني من المادة الثالثة من القانون 7 لسنة 2007

نصت على ذلك الفقرة الثالثة من المادة الخامسة، حيث نصت على أن “طلبات إلغاء القرارات الإدارية النهائية المبينة بالبند 2 من المادة الثالثة من هذا القانون لا تقبل قبل التظلم منها إلى الجهة الإدارية وانقضاء المواعيد المقررة للبت في التظلم. والمقصود من ذلك أن القرارات المتعلقة بترقية الموظفين من الدرجة الأولى فما دونها وما يعادلها أو إنهاء خدمتهم، والقرارات التأديبية الصادرة بشأنهم يجب أن يتظلم منها قبل الطعن فيها بالإلغاء وإلا كانت دعاواهم غير مقبولة أمام الدائرة الإدارية.

4 -أن ترفع دعوى الإلغاء في الميعاد الذي حدده القانون

نصت على ذلك المادة السادسة من القانون، حيث أشارت إلى أن ميعاد دعوى الإلغاء ستون يوما من تاريخ نشر القرار الإداري المطعون فيه في الجريدة الرسمية أو في النشرات التي تصدرها الجهات الإدارية أو إعلان صاحب الشأن، أو ثبوت علمه به علما يقينيا.

ومعنى هذا، أن ميعاد الستين يوما يبدأ من اليوم التالي لنشر القرار في الجريدة الرسمية أو في النشرات المخصصة لذلك في الجهات الإدارية أو في الصحف اليومية الواسعة الانتشار، أو من إعلان ذوي الشأن، أو من وقت ثبوت علمه علما يقينيا.

وقد أشار القانون إلى أن القرارات الواجب التظلم منها مسبقا، وهي التي تتعلق بالترقية والجزاءات التأديبية بالنسبة للموظفين من الدرجة الأولى فما دونها وما يعادلها، تبدأ مواعيدها كمواعيد القرارات الأخرى، إلا أن التظلم يقطع الميعاد بحيث أن الميعاد يبدأ من تاريخ رفض التظلم بطريقة صريحة أو ضمنية، ويعتبر مضي ستين يوما على تقديم التظلم دون رد من الإدارة بمثابة الرفض الضمني بحيث يبدأ ميعاد الطعن من اليوم التالي لانتهاء الستين يوما على تقديم التظلم.

ثالثا: أسباب الطعن بالإلغاء

أشارت المادة الرابعة إلى أن دعوى الإلغاء يمكن تأسيسها على أسباب محددة تتمثل في عيوب القرار الإداري المطعون فيه بالإلغاء، وهي عدم الاختصاص، وعيب الشكل والإجراءات، ومخالفة القوانين واللوائح، أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها، وإساءة استعمال السلطة؛ وهي نفس الأسباب الذي يؤخذ بها القضاء الإداري المتخصص في فرنسا وفي مصر وفي الدول التي تأخذ بنظام الازدواج القضائي وتجعل الفصل في دعوى الإلغاء لقضاء إداري متخصص.

 

( المراجع)

  1. انظر مؤلفنا في القانون الإداري، دار النهضة، سنة 1994 وبحثنا في الاختصاص بنظر المنازعات في ظل النظام الإداري القطري، دار النهضة العربية، سنة 1993، ص 1 وما بعدها.
  2. حكم صادر من المحكمة المدنية الكبرى بتاريخ 5 أبريل سنة 1987 في القضية 219/1407 رقم 19 لسنة 1986، وفيه حكمت المحكمة باختصاصها بالنظر في دعاوى تجاوز السلطة، إلا أن محكمة الاستئناف رفضت تلك في حكمها الصادر في 17 مارس سنة 1988 في هذه الدعاوى.
  3. الحقيقة أن المنازعات المدنية كانت تشكل كل المنازعات (مدنية أو إدارية أو تجارية)، وان التفرقة بين المنازعات المدنية والإدارية ظهرت في الدول التي أخذت بوجود قضاء إداري مستقل في البداية، لتحديد اختصاص كل جهة ثم انتقلت إلى دول القضاء الموحد عندما رأت هذه الدول ضرورة إخضاع هذه المنازعات لقواعد معينة تستجيب لمتطلبات الإدارة وقيامها بنشاطها، من أجل تحقيق الصالح العام كما هو الحال بالنسبة للمنازعات التجارية والقانون التجاري، والمنازعات البحرية والقانون البحري، فهذه المنازعات جميعا يمكن ردها إلى أصول مدنية، وهذا ما يمكن أن يفسر رأى المحكمة في اعتبار المنازعات المدنية، تشمل المنازعات عموما أو بصورة عامة بما فيها الإدارية منها.
  4. الحكم المشار إليه: المحكمة المدنية الكبرى، الدوحة تاريخ 5/4/1987، رقم 219/1407.

وانظر في ذات الحجج المؤيدة لاختصاص القضاء العادي بالفصل في المنازعات الإدارية حتى يصدر القانون المنظم لاختصاص الجهة التي نصت عليها المادة 138 من الدستور الدائم لدولة قطر: المحكمة الابتدائية، قضية رقم 736/2006، السنة الأولى، بتاريخ 26/2/2007، حيث تقرر المحكمة أن “ما جرى عليه نص المادة (138) من الدستور من أن “يحدد القانون الجهة المختصة بالفصل في المنازعات الإدارية ويبين نظامها وكيفية ممارستها لعملها” -(إنما) يكشف عن قصد الدستور إخراج المنازعات الإدارية من نطاق الاختصاص العام الأصيل لجهة القضاء العادي وإناطة أمر الاختصاص بنظرها والفصل فيها إلى قانون يصدر لا حقا في هذا الشأن -إنما مفاده أن يظل الاختصاص العام والأصيل منعقدا لجهة القضاء العادي بنظر تلك المنازعات إلى أن يصدر القانون الذي أشار إليه الدستور الدائم بشأنها، ذلك أن القول بانحسار اختصاص القضاء العادي عن نظرها مع عدم وجود قانون ينظمها ويحدد الجهة المنوطة بها مؤداه حرمان المتقاضين من قاضيهم الطبيعي ومن أن يستظلوا بحماية القضاء بشأنها على نحو يناقض ما نصت عليه المادة (135) من الدستور التي جعلت التقاضي حقا مصونا ومكفولا لكافة الناس وينطوي على مخالفة لمبدأ الشرعية الذي يعني خضوع الإدارة للقانون في تصرفاتها القانونية والمادية، ويجعل جهة الإدارة غير خاضعة للرقابة القضائية التي تمارسها المحاكم، وهي أهم وأنجح أنواع الرقابة على أعمال الإدارة للضمانات التي تحاط بممارستها نظرا لحيدة القضاة واستقلالهم وعدم قابليتهم للعزل، مما يجعلهم في وضع يسمح لهم بممارسة وظيفتهم بكل حرية دون خوف من عسف الإدارة وجورها، كما ينطوي على مخالفة لنص المادة (129) من الدستور التي تجعل سيادة القانون أساسا للحكم في الدولة، ومن شرف القضاء ونزاهته وعدله ضمانا للحقوق والحريات، ومن ثم فإن الاختصاص الولائي بنظر المنازعة يكون منعقدا للمحكمة إلى أن يصدر القانون الذي أشار إليه الدستور باعتبارها إحدى درجات القضاء العادي صاحب الاختصاص الأصيل بنظرها”.

  1. يلاحظ أن محكمة الاستئناف كانت آخر درجة للتقاضي، فهي تختص بالفصل في الاستئنافات التي ترفع إليها عن الأحكام الصادرة بصفة ابتدائية من المحكمة المدنية الكبرى ومن قاضي الأمور المستعجلة بالمحكمة المدنية الكبرى: إلا أن المشرع القطري، أنشأ محكمة للتمييز بموجب قانون السلطة القضائية رقم (10) لسنة 2003 (م 4)، واتجهت في أحكامها إلى عدم اختصاص القضاء العادي بنظر المنازعات الإدارية، وميزت الأحكام التي قبلت الاختصاص:

محكمة التمييز، 6 ديسمبر 2005، طعن رقم 1 لسنة 2005 مدني، مجموعة الأحكام الصادرة عن الدوائر الجنائية والمدنية والأحوال الشخصية بمحكمة التمييز، المكتب الفني، السنة الأولى 2005، ص 277 وما بعدها: حيث تعلن المحكمة في هذا الحكم الهام أن “المشرع وعلى نحو ما تضمنته المادة 138 من الدستور الدائم قد عمد إلى إخراج المنازعات الإدارية من نطاق الاختصاص العام والأصيل لجهة القضاء العادي وأحال بأمر الاختصاص بنظرها والفصل فيها وكيفية ممارستها إلى قانون يصدر في هذا الشأن لاحقا، وهو ما يكشف عن اتجاه المشرع إلى قصر اختصاص القضاء العادي في نظر بعض المنازعات الإدارية على نحو ما أورده وحدده في المادة الرابعة من القانون رقم 13 لسنة 1990 المعدلة”.

  1. بموجب القانون رقم (13) لسنة 2005 أصبح الاختصاص القيمي للمحكمة الكلية ينصب على الدعاوى التي تزيد قيمتها على مائة ألف ريال بدلا من ثلاثين ألف ريال.
  2. الحقيقة أن التفرقة بين العمل المادي والعمل القانوني ظهرت في فرنسا ونص المشرع صراحة على أن القضاء العادي هو حصن الحريات والحقوق الفردية، واعتبر القضاء أن تصرف الإدارة بطريقة تشكل خروجا صارخا على القواعد القائمة هو اعتداء على حقوق الأفراد وحرياتهم، مما يعطيهم الحق في اللجوء إليه للحكم بالتعويض تجاه هذا الاعتداء. أما في الدول الانجلوسكسونية، فلم تعرف، مثل هذه التفرقة، لأن القضاء المختص سواء كان القرار منعدما أو باطلا، يختص بكل المنازعات الإدارية، سواء كيفت على أنها قرار أو مجرد عمل مادي أو في شكل قرار إداري، والعمل المادي الصادر من الإدارة هو منازعة إدارية، مثلها في ذلك مثل المنازعات في القرار المشوب بعيب لا يعدمه.
  3. المحكمة الكبرى، الدوحة، القضية رقم 732/1991 بتاريخ 18 أبريل سنة 1992، والمرفوعة من المدعي وهو موظف بالإدارة العامة للجمارك، ضد قرار رئيسه بوقفه عن العمل بسبب تغيبه.
  4. كما تنص المادة 23 من القانون رقم 13 لسنة 1971 بنظام المحاكم العدلية على أن “القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، وتصدر أحكامها وتنفذ وفق القانون.
  5. Gohn FL Ferguson, Dean E. Mchenry, the American system of Jurisdiction refers to the types of government, 14 the ed. disputes and issues which may be taken to feral court for decision
  6. الدكتور/ عمر يوسف، استقلال السلطة القضائية في النظامين الوضعي والإسلامي، رسالة دكتوراه، جامعة عين شمس، 1984، ص 12 13.
  7. أنظر في ذلك الدكتور / احمد مسلم، أصول المرافعات 1977، ص 173، والدكتور/ فتحي والي، مبادئ قانون القضاء المدني، الطبعة الثامنة 1975، ص 22. وبالتالي يمكن التفرقة بين الاختصاص أي الولاية، وبين توزيع الاختصاص، فإذا كان المشرع يملك توزيع الاختصاص بين محاكم مختلفة، فإن هذا الاختصاص يجب ألا ينتقص منه بمعنى ألا يؤدى هذا التوزيع إلى التقييد الجزئي للولاية العامة للسلطة القضائية.
  8. دانيل لوزاك، الدور السياسي للقاضي الإداري الفرنسي، ص 27 وما بعدها.

Daniel Loschak Lerole, Politique du juge administratif francais, LGDJ, Paris. 1972، p.27 ets.

  1. Andre Calogeropoulos, Le controle de la legalite externe des actes adminis- tratifs unilateraux, LGDJ, Paris, 1983, p. 34 ets.
  2. التشريعات التي تريد إخراج طائفة معينة من أعمال السلطة التنفيذية من نطاق الإلغاء وتمنع القضاء من التعرض لها، لما لها من حساسية لكونها تتعلق بأمور عليا أو هامة، تنص على ذلك صراحة أو يخرجها القضاء في هذه الدول تفهما منه لذلك. ففي فرنسا أخذ مجلس الدولة الفرنسي بهذه النظرية، ورفض التعرض لبعض القرارات التي تتعلق بأمور معينة (دبلوماسية أو دولية، إعلان حالة الحرب، العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية). وفي مصر يأخذ المشرع المصري بنظرية أعمال السيادة، فكانت المادة 15 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية المعدلة في سنة، 1972 وكذلك المادة 43 من لائحة ترتيب المحاكم المختلطة، بعد تعديلها في سنة 1900، تنص على أن “ليس للمحاكم الأهلية (أو المختلطة) أن تنظر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في أعمال السيادة. وقد استمر هذا الوضع على حاله في المادة 18 في قانون نظام القضاء رقم 27 لسنة 1949 والمادة 16 من القانون رقم 43 لسنة 1965 في شأن السلطة القضائية والمادة 17 من القانون رقم 46 لسنة 1972، التي تنص على أن “ليس للمحاكم أن تنظر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في أعمال السيادة ولا أن تؤول الأمر الإداري أو توقف تنفيذه..”. كذلك جاء النص على أعمال السيادة في قوانين مجلس الدولة المصري المختلفة (م 6 من القانون رقم112 لسنة 1946 والمادة 7 من القانون رقم 7 لسنة 1947)، فلا يختص مجلس الدولة بالنظر في الطلبات المتعلقة بأعمال السيادة، ويقوم المجلس بتحديد هذه الأعمال نفسه كما أن القضاء له دائما الحق في الحكم بالتعويض عن أعمال السيادة.

ومعنى هذا أن المشرع إذا أراد إخراج بعض الأعمال الإدارية من نطاق الرقابة القضائية، فإنه ينص على ذلك صراحة.

  1. راجع:

M. Benard, Conclusions sur C. E. 30 mars 1966, Compagne générale d’énergie radioélectrique, R.D.P.1966, P. 786.

  1. يمكن القول أن الأمر الأميري يعتبر أعلى مرتبة من القرار، فولي العهد يتم تعيينه بمقتضى أمر أميري.
  2. حكم محكمة القضاء الإداري المصرية في الدعوى رقم 1 لسنة 1947، والدعوى رقم 263 لسنة 1ق لسنة 1948، والمحكمة الإدارية العليا، الطعن رقم 674 لسنة 12، جلسة 2 سبتمبر 1976.
  3. المحكمة الإدارية العليا في القضية رقم 25 لسنة 14 القضائية، مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة، السنة التاسعة عشرة، القضية رقم 46، ص 100. ومن أمثلة ذلك، أن قيد المدعي في كشف المرشحين للعمدية يجعل له مصلحة في الطعن على قرار العمدة، وأن العمدة السابق له مصلحة في الطعن على قرار إلغاء قريته وألحاقها بقرية أخرى، والناخب له مصلحة في الطعن على القرار المتعلق بالانتخابات وعدم إجرائها طبقا للقانون. أنظر مؤلفنا القضاء الإداري، قضاء الإلغاء، الجزء الأول 2002/2003ص 120 الهامش.
  4. أنظر مؤلفنا القضاء الإداري، ص 124.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading