الحماية القانونية لحسن النية في النظام العقاري المغربي

Written by

·

ذ. عالي طوير

باحث جامعي – جامعة الحسن الأول بالسطات

مقدمة

قيد يبدو في الوهلة الأولى أن مبدأ حسن النية في المجال العقاري وسيلة لغصب الحقوق باسم القانون، باعتبار انه وفي كثير من الأحيان يجرد المالك الحقيقي من ملكيته وبدون رضاه، إلا أن الحقيقة غير ذلك، إذ أن حسن النية نظام قانوني وأخلاقي لا غنى عنه في مجال التصرفات العقارية بين الأفراد، فهو يكتسي أهمية بالغة بقيامه على اعتبارات اقتصادية واجتماعية عادلة، حيث يؤدي إلى استقرار المعاملات والحقوق العينية العقارية مما ينتج معه تشجيع لخدمة العقار والاستثمار فيه وتطويره.

ويقوم كذلك هذا المبدأ على اعتبارات تروم تحقيق الأمن القانوني العقاري، فهو وسيلة لمعاقبة المالك الذي بهمل عقاره ويتخلى عن تقييده إذا كان محفظا.

هكذا سنتناول في (مبحث أول) حسن النية وحجيتها في تقييد الحقوق العينية، على أن نرصد إكراهات تطبيق هذه القاعدة في المعاملات العقارية والحلول المقترحة لتجاوزها في (مبحث ثاني).

المبحث الأول: حجية تقييد الحقوق العينية عن حسن نية

إذا كان المشرع المغربي أعطى للتقييدات في السجل العقاري حجية نسبية بين المتعاقدين فإنها بالنسبة للغير مرتبطة بحسن أو سوء النية، فتقييد الغير حسن النية يكتسب حجية مطلقة مبدئيا، ويكون محصنا من أي إبطال أو تغيير أو تشطيب وذلك حماية للظاهر في المعاملات العقارية بشكل يضمن الثبات والاستقرار لها (المطلب الأول)، إلا أن مدونة الحقوق العينية والعمل القضائي المغربي أوجد استثناءات على هذه الحجية المطلقة (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مبدأ الحجية المطلقة لتقييدات الغير حسن النية

قرر القانون العقاري المغربي حماية خاصة للغير ذي النية الحسنة الذي قيد حقه بالسجل العقار من كل إجراء من شأنه أن يؤثر على مركزه الحقوقي، وهو ما يستشف من خلال منطوق الفقرة الأخيرة من الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري والتي جاء فيها: “… لا يمكن في أي حال التمسك بإبطال هذا التقييد في مواجهة الغير ذي النية الحسنة”.

فهذا النص يكرس أثر الإشهار العيني في أبرز تجلياته بحسن النية، وهو ما يجعلنا نتساءل عن مفهوم الغير الوارد فيه، وحدود المسافة الفاصلة بين حسن النية وسوئها. بالرجوع إلى القواعد العامة، فانه يعتبر من الغير كل شخص لم يكن طرفا في العقد، غير انه للغير مفهوم خاص في قانون التحفيظ العقاري، فلا يقصد به كل شخص لم يكن طرفا في العقد ولا ممثلا فيه، لأن مثل هذا الغير لا يتمتع بأية صفة للمطالبة بحق غير مقيد أو الاعتراض عليه.

وهنا نجد الأستاذ مأمون الكزبري يتبنى نظرية الجهل وعدم العلم ([1]) للقول بحسن نية الغير، ويرى بأن هذا الأخير هو “الشخص الذي يجهل العيوب أو الشوائب التي تعيب أو تشوب سندا أو رسم من كان تلقى الحق منه يوم تلقى هذا الحق وتسجيله على اسمه في السجل العقاري”. ([2])

أما محمد خيري، فإنه يعتبر الغير حسن النية هو من كان جاهلا بالتصرف السابق لتصرفه، ويضيف إلى عنصر الجهل هذا شرط عدم حصول تواطؤ بين المتصرف والمتصرف له. ([3])

وفي اعتقادي بأن الراي الأخير هو الأنسب على اعتبار أن الأخذ بنظرية التواطؤ والقول بأن الغير حسن النية هو الذي تربطه علاقة تواطؤ مع البائع من أجل إلحاق الضرر بالمالك الحقيقي للعقار، فيه توفيق مع خصوصيات القوة الثبوتية للتقييدات.

والوارث لا يعتبر غيرا بمفهوم الفصل 66 أعلاه، لأن الحق لا ينتقل إليه إلا بعد تصفية التركة ([4])، لذلك تكون التصرفات التي يجريها المالك قيد حياته ملزمة لورثته حتى ولو تقيد في الرسم العقاري ولا يمكن للورثة التمسك بأسبقيتهم في التقييد للدفع بعدم نفاذ التصرف الذي أجراه مورثهم في مواجهتهم. ([5])

والحالة الغالبة في إعمال هذا المبدأ هي ما يسمى، عند بعض الفقه ([6])، بالبيع المتعدد، والتي بموجبها يتصرف البائع في ملكه المحفظ مرتين، فيتقاعس المشتري الأول عن تقييد شرائه ليقوم المشتري الثاني وعن حسن نية بتقييد حقه بالرسم العقاري.

فحقوق المشتري الثاني المقيد بحسن النية تحفظ ولا ينالها أي تصدع، ولهذا يكون المشرع قد خلق له وضعا قانونيا قادرا على حمايته حماية ناجعة، فلم يقتصر على منحه تعويضات مالية في صورة حصول ضرر من إبطال التقييد، بل مكنه من حق مطلق في التمسك بالحق العيني على العقار وبصفة نهائية ([7]).

ويشمل نطاق الحماية المقررة لحسن النية، حمايته من القابلية للأبطال الذي يشوب السند، فاذا قام الطرف الذي شاب إرادته أحد عيوب الرضا بتفويت هذا الحق إلى الغير وكان هذا الأخير حسن النية، أي لا يعلم بهذه العيوب، وقام بتقييد عقد شرائه للعقار المحفظ فإن حسن نيته يحميه من قابلية العقد للأبطال.

هذا بالإضافة إلى حمايته من كل حق لم يكن مقيدا أو مترتبا عن الشيء أثناء حصول التصرف، إذا لا يسوغ للغير أن يطالب حسن النية بالحقوق المسكوت عنها، والتي لا يفرضها القانون، والغير مؤشر عليها في السجل العقاري ([8])، لأن التقييد الذي أجراه الغير بحسن نية يطهر العقار من الحقوق المسكوت عنها. وأخيرا حمايته من المالك الحقيقي الذي يطلب استرجاع الحق، إذ قد لا يكون مفوت الحق للغير حسن النية هو المالك الحقيقي، كأن يقوم أحد الورثة بتقييد حقوق الهالك المحفظة باسمه، وبتفويتها إلى الغير حسن النية الذي لا يعلم أن هناك ورثة أخرون لهم نصيب في التركة، ففي هذه الحالة فان حسن نيته يحميه من الاسترجاع.

ولقد جرى جانب كبير من العمل القضائي المغربي على إضفاء الحجية المطلقة لتقييد الغير حسن النية في تناغم واضح مع روح نص الفصل 66 ظ ت ع، فقد اعتبرت محكمة النقض (المجلس الأعلى سابقا) في قرار لها انه “لا يمكن في أي حال إبطال تسجيل الصدقة في مواجهة حسن النية”. ([9])

وفي قرار أخر لنفس المحكمة جاء في تعليله ما يلي:

” يجب على المحكمة قبل أن تصرح بإبطال رسم المخارجة الرضائية في العقارات المشاعة بين الطاعنين وورثة المدين والموهوب لها أن تناقش وترد بمقبول على ما أثاره الطاعنون من انهم أغيار عن علاقة المديونية بين البنك والمدين وبأنهم ليسوا طرفا خاصا ولا عاما لهذا الأخير إذ أن من حق الشركاء إنهاء حالة الشياع، وأن ما يطرأ من إبطال أو تغيير للحق لا يمكن التمسك به في مواجهة الأغيار أو إلحاق الضرر بهم باعتبارهم مسجلين بالصكوك العقارية بحسن نية، خاصة إذا كانت هذه الصكوك غير مثقلة بأي حق عيني أو تحمل عقاري لفائدة البنك الدائن، إذا أن حجية التسجيل بالنسبة للغير تكتسي قوة قاطعة”. ([10])

جاء أيضا في قرار لمحكمة الاستئناف بوجدة ما يلي:

“الغير حسن النية الذي أصان حقه بتسجيله بالرسم العقاري لا يواجه مطلقا بالبطلان أو الإبطال”. ([11])

وفي قرار أخر قررت محكمة الاستئناف بالرباط:

“.. عدم إمكانية التمسك بإبطال التسجيل في مواجهة الغير المسجل بحسن نية” ([12])

فالقضاء في هذا الشأن، يرى أن المتصرف إليه الذي يبادر بالتقييد لا يرتكب خطأ باستفادته من مزية يمنحها القانون، بل لعله جدير بها كونه أكثر حرصا ونشاطا ممن سبقه في التعامل على العقار. ([13])

وتتجلى حجية التقييد بالنسبة للغير حسن النية في وجهين، أحدهما إيجابي يتمثل في كون كل ما هو مقيد في السجل العقاري يعتبر قائما وصحيحا بالنسبة للغير الذي أكتسب حقه بالاستناد لهذه القيود. والآخر وجه سلبي، مفاده أن كل ما ليس مقيدا في السجل العقاري، يعتبر غير موجود بالنسبة للغير الذي أكتسب حقه بالاستناد لمندرجات هذا السجل التي لا تنص على التكليف أو الحق الذي يراد إلزامه به. ([14])

وعلى مستوى القانون المقارن، نجد العديد من التشريعات تتمسك بالحجية المطلقة لتقييد الغير حسن النيةForce probante Absolue ، هكذا تقر مجلة الحقوق العينية التونسية بأن “إبطال الترسيم لا يمكن بأي حال أن يعارض الغير الذي يكون حسن النية”، وهو أمر كده القضاء التونسي مرارا حيث جاء في إحدى قراراته”…حيث أن المراد من حسن النية هنا هو أن لا يكون المشتري وقت شرائه متواطئا مع البائع فإن إبطال الترسيم لا يمكن في أي حال أن يعارض به الغير الذي يكون حسن النية “. ([15])

نفس التوجه سار عليه قانون السجل العقاري السوري لسنة 1926 حيث نصت المادة 13منه على أن “كل من يكتب حقا في مال غير منقول مستندا على قيد وبيانات السجل العقاري يبقى له الحق المكتسب لات يمكن أن ينتزع له هذا الحق “.

فهذه القوانين بدورها تضفي على حسن النية وضعية قانونية تمكنه من عدم الاحتجاج إزاءه بإبطال التقييد وحمايته بالتالي من كل دعاوى الاسترداد. ([16])

وفي الحقيقة فإن هذا التوجه التشريعي يضر بحقوق ومصالح طالب إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، الذي يجد نفسه في مركز سيء، حينما يواجه بدفع الغير بحسن نيته وبالحماية التي يوفرها ظهير التحفيظ العقاري لهذا الأخير.

لكن، ومهما يكن من أمر فإن من شأن هذه القاعدة أن تدعم الثقة في نظام السجلات العقارية ولوظيفتها المتمثلة أساسا في إشهار الحقوق لضمان استقرار المعاملات والتصرفات العقارية ([17])، وهذا الأمر لا يتحقق إلا إذا كان اكتساب هذه الحقوق يتم بالاستناد إلى ما يظهره الرسم العقاري دون أي شك في صحتها أو خوف على مصيرها. ([18])

ولما كانت هذه الحجية المطلقة لتقييد الغير حسن النية هي المبدأ، فانه ورغبة في التخفيف من صرامته، وجدت استثناءات تتعطل معها قاعدة حسن النية ولا يبقى بالتالي مجال لإعمالها قانونا.

المطلب الثاني: الاستثناءات المقررة على مبدأ الحجية المطلقة لتقييد الغير حسن النية

إن الغرض من نظام التقييد بالسجلات العقارية هو تأمين الأفراد على معاملاتهم العقارية، وهو ما يبرر الحماية التي يوفرها هذا النظام، إلا أن ذلك لا يجب أن يكون على إطلاقه بحيث لا يستساغ حماية الشخص حسن النية، ويستوجب بالتالي معه التشطيب على تقييده، وتقييد من له الحق في الأولوية في التقييد.

هكذا نجد أبرز هذه الاستثناءات تتعلق أساسا بوجود تقييد احتياطي أو حجز عقاري (الفقرة الأولي)، ثم ثبوت توافر التدليس أو التزوير (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولي: التقييد الاحتياطي والحجز العقاري كأساس لهدم قرينة حسن النية

للتقييد الاحتياطي المقيد بصفة نظامية بالرسم العقاري أثر بليغ على قاعدة حسن النية، فإن كان لا يعتبر قيدا من القيود المانعة من التصرف في حق الملكية العقارية، غير أن جميع التصرفات القانونية التي تأتي بعده في الرتبة لا يمكن الاحتجاج بها في مواجهة صاحب التقييد الاحتياطي، لأنه يعتبر حجة تجاه الغير على صحة الوقائع الواردة فيه ويعتبر تحذيرا له، مما يجرد هذا الغير الذي أكتسب حقا عينيا على العقار من الحماية القانونية المقيدة عن حسن نية (أولا)، بالإضافة إلى ترتيب نفس الأثر حال وجود حجز عقاري على محل التقييد (ثانيا).

أولا: وجود تقييد احتياطي:

إذا كان التقييد الاحتياطي يهدف إلى المحافظة مؤقتا على ضمان الحق بأثر رجعي منذ تاريخ إجرائه بالرسم العقاري ([19])، فإن أثاره القانونية تمتد إلى غير الذي يفترض فيه انه على علم به، ولو كان هذا الغير المدعي لحقوق غير مقيدة هو المشتري الأول بمقتضى عقد سابق في التاريخ على شراء المشتري الثاني ([20]).

فكيف يمكن إذن هدم قرينة حسن النية المفترضة في المشتري الثاني المقيد بالرسم العقاري، ودحض الحجية التي يتمتع بها هذا الأخير؟

جوابا عن ذلك، وبالرغم من الخلاف الفقهي حول هذه المسألة فان العمل القضائي المغربي أكد انه لا يمكن اعتبار المشتري الثاني لعقار محفظ بسيئ النية مادام التقييد الاحتياطي للمشتري الأول تم في نفس اليوم الذي وقع فيه الشراء الثاني.

وهو ما يدل على أن قيام المشتري الأول بإجراء تقييد احتياطي لضمان الحق مؤقتا على الرسم العقاري يعتبر قرينة قاطعة على ثبوت سوء نية المشتري الثاني الذي تعامل يشأن العقار المحفظ محل النزاع رغم كونه مثقلا بالتقييد أعلاه، ويكون بالتالي معفى من إثبات سوء نية هذا الأخير إعمالا لمقتضيات الفصل 453 من ظهير الالتزامات والعقود الذي ينص على أن “القرينة القانونية تعفي من تقررت لمصلحته من كل إثبات ولا يقبل أي إثبات يخالف القرينة القانونية”.

ومن تطبيقات هذه القاعدة في القضاء الوطني ما ورد في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بتمارة من “…كون المدعى عليهم قد اشتروا العقار المحفظ وقاموا بتقييد شرائهم رغم وجود تقييد احتياطي لفائدة المدعين، وبالتالي يكونون على علم بوجود نزاع فقررت المحكمة بأن تمسكهم بمقتضيات الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري غير مؤسس اعتبارا لوجود تقييد احتياطي لضمان رتبة حق عيني احتمالي لفائدة الغير” ([21]).

وقد أكدت محكمة النقض هذا الاتجاه معتبرة أن الشهادة الصادرة عن المحافظ والتي تشير إلى وجود تقييدا احتياطي كافية لاعتبار المشتري سيء النية ” ([22])، نفس الأمر أكده الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بتمارة حيث اعتبر “كون المدعى عليهم قد اشتروا العقار المحفظ وقاموا بتقييد شرائهم رغم وجود تقييد احتياطي لفائدة المعنيين وبالتالي يكونون على علم بوجود نزاع وهو ما ينفي التمسك بمقتضيات الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري” ([23]).

وهو ما سار عليه القضاء التونسي، حيث جاء في القرار التعقيبى المدني الصادر في 24 أكتوبر 1994 من انه “لا يمكن لمن انجز له حق من مالك عقار متحمل بقيد احتياطي ان يستند إلى القوة الثبوتية المطلقة للتقييدات إذ انه بمجرد إشعار القيد الاحتياطي بالسجل العقاري يفقد حسن النية التي ينص عليها الفصل 305 من مجلة الحقوق العينية ويصبح فيها لذلك رهين نتيجة حسم الدعوى موضوع التقييد الاحتياطي” ([24]).

ويمكن القول إذن أن قاعدة حسن النية المنصوص عليها في الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري تقابلها قاعدة انه “لا يعذر أحد بجهله لآثار التقييد الاحتياطي” ([25])، حيث أن كل من أكتسب حقا على عقار مثقل بتقييد احتياطي فعليه أن يتحمل عواقب وأثار هذا التقييد المؤقت لأن حقه المقيد يكن رهينا بمآل الدعوى، ولا يمكنه في أي حال من الأحوال الاحتماء بقاعدة حسن النية في مواجهة صاحب التقييد الاحتياطي ([26]).

ويبقى أبرز أثر على تقييد الشراء رغم وجود تقييد احتياطي هو التشطيب عليه من الرسم العقاري ([27]).

ورغم ما للتقييد الاحتياطي من أثر في تعطيل قاعدة حسن النية إلا انه أحيانا يتعذر إعمال هذه الإمكانية كما في التقييد الاحتياطي المنصوص عليه في القانون المتعلق ببيع العقار في طور الإنجاز. ([28])

فمشرع القانون المذكور سلك مسلكا غريبا خرج به عن القاعدة التي أقرها عند تنظيمه لمختلف الحالات الخاصة بالتقييد الاحتياطي ([29])، وجعل إقرار هذا الإجراء معلقا على شرط إرادي محض يتمثل في موافقة البائع على هذا التقييد ([30])، وهو موقف يبقى محل نظر اعتبارا لهاجس الحماية اللازمة للمشتري ([31])، وذلك على وجه يجعلنا نعتقد أن المشرع لم يحافظ على نفس الحماية التي أرادها للطرف الضعيف في هذه العلاقة التعاقدية، والإخلال بمستوى هذه الحماية لا يمكن تفسيره إلا بأن هذا الموقف يطبعه التردد ويتسم بعدم الثبات.

ينبغي التأكيد هنا أن التقييد الاحتياطي شأنه شأن الدعوى المرفوعة أمام القضاء يجب أن تمارس وفقا لقواعد حسن النية ([32])، لأنه ولئن لم يكن التقييد الاحتياطي شرطا ضروريا لمواصلة الدعوى فإنه يعتبر ضروريا ولا غنى عنه لتحقيق النتائج المرجوة من الحكم الصادر لفائدة المدعي غير قابل للتقييد بالسجلات العقارية وبالتالي يكون بدون معنى وبدون فائدة. وانطلاقا من فكرة توقع المشاكل وإيجاد الحلول المناسبة لها أوجد المشرع قاعدة إشهار الدعاوى الرامية إلى استحقاق عقار محفظ أو إسقاط عقد منشئ أو مغير لحق عيني عن طريق تقييدها احتياطيا عملا بالفصل 13 من مدونة الحقوق العينية ([33]).

وإذا كانت القاعدة الأخلاقية أساسية وضرورية لخدمة القاعدة القانونية، فإنها غير كافية لذاتها لحسن تفعيل القانون وضمان استقرار المعاملات، لذا كان لا بد من تعزيزها بجزاء مدني يوقع على كل من خالف القاعدة القانونية لأننا أمام مجال تتضارب فيه المصالح الخاصة مما يقتضي تنظيمها وفق ضوابط وقيود معينة. وهو ما سنه مشرع القانون 14-07 عندما قرر توقيع غرامة مالية على كل تقييد احتياطي قدم عن تعسف أو كيد أو سوء نية ([34])، لأن مرونة بعض أحكام التقييد الاحتياطي توفر المجال للتعسف في استعمال حق المنازعة في ملكية عقار محفظ ([35]).

ومهما يكون فإن الاتجاه القضائي المكرس لتعطيل قاعدة حسن النية حال ورود تقييد احتياطي يبقى منتقدا على اعتبار أن التقييد الاحتياطي لا يمنع من إجراء تقييد نهائي بل يحفظ رتبة المقيد فقط، ولما كان الأمر كذلك فإن المحافظ حينما يستحق العقار يقوم بالتشطيب على جميع الحقوق السابقة تبعا لأسبقية المقيد.

ثانيا: وجود حجز عقاري

دأب العمل القضائي بشكل متواتر على اعتبار الحجز العقاري من أسباب هدم حسن نية الغير المقيد، ([36]) وذلك بإعماله لمقتضيات الفصل 475 من ق. م. م. ([37])

جاء في قرار لمحكمة النقض: “إن القرار المطعون فيه معللا بما فيه الكفاية لأنه حين أيد الحكم الابتدائي يكون قد تبنى تعليلاته التي جاء فيها بأن عقد الهبة انجز في الوقت الذي كان فيه المنزل موضوع الهبة محجوزا حجزا تحفظيا ووقع تحويله إلى حجز تنفيذي وان التفويت تبرعا أو بعوض مع وجود الحجز يكون باطلا وعديم الأثر طبقا للفصلين 453 و 475 من قانون المسطرة المدنية طالما أن تبليغ الحجز للمنفذ عليه قد وقع صحيحا ([38])، وانه لا يلتفت إلى تسجيل الهبة في الرسم العقاري لكونها باطلة للسبب المذكور من جهة ولأن الهبة المنجزة لفائدة المدعية قد جاءت بعد علم الطرفين الواهب والموهوب له بوقوع الحجز على الدار محل الهبة، وبذلك تعتبر الموهوب لها سيئة النية ولا يمكنها تبعا لذلك الاستفادة من حجية التسجيل بالاستناد إلى أن التصرف قد تم تسجيله وانه لا يمكن إبطاله، ذلك أن قاعدة ثبات التصرف وعدم إبطاله مقررة لصالح حسن النية فقط وهو ما يستفاد من المفهوم المخالف للفقرة الثانية من الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري” ([39]).

فمن خلال القرار أعلاه نجده انه اعتمد أساسين قانونية لإبطال عقد الهبة والتشطيب عليه من الرسم العقاري من الرسم العقاري، الأول يتمثل كون الهبة أنجزت بعد إجراء الحجز، والثاني يتجلى في علم الواهب والموهوب لها بالحجز واعتبر بالتالي هذه الأخيرة سيئة النية ولا مجال بالتالي لإعمال الحماية المقررة لحجية تقييدها بالرسم العقاري.

يشار هنا إلى أن جزء البطلان الوارد ضمن مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 453 من ق. م. م ([40]) قد أثار جدلا فقهيا وقضائيا، حيث ذهب البعض ([41]) إلى القول بأن الجزاء المشار إليه هنا يحد علاقة التصرفات بالحاجز لا بأطراف التصرف في حد ذاتهم، وان مفهوم الباطل يعد زائدا لأن مناط إعماله يقتضي إنشاء التزام بين الطرفين على الأقل واعتبار أن التصرفات الواردة على العقار المحفظ تبقى صحيحة وقائمة بين أطرافها ولكنها غير نفاذة في مواجهة الحاجز ويتعين على المحافظ على الأملاك العقاري تسجيلها ([42])، ويبقى العقار مثقلا بالحجز إلى حين تحويله إلى حجز تنفيذي أو رفعه من طرف المحجوز عليه، وهذا الراي وجد تأييدا من قبل محكمة النقض، حيث جاء في قرار لها: “بناء على الفصل 453 من ق م م فإن التصرفات التي يجريها المحجوز عليه والضارة بالغير التي تكون باطلة أما التصرفات التي لم ينظر منها الغير فتبقى صحيحة وتنتج أثارها بين الطرفين، ولهذا فإن المحكمة إما اعتبرت أن بيع المحجوز يعد باطلا حتى بالنسبة للعلاقة بين طرفي العقد يكون قد عللت قضاءها تعليلا فاسدا موازيا لانعدام التعليل وعرضت قضاءها للنقض” ([43]).

في حين ذهب البعض الآخر ([44]) إلى اعتبار هذا الراي غير سليم استنادا إلى مقتضيات الفصل 87 من ظهير التحفيظ العقاري، ([45]) وان هذا المقتضى يحمل في طياته فقط منعا إداريا للمحافظ من إجراء أي تقييد بعد تبليغه بالحجز ولا يمكن أي يرقى بأي حال إلى اعتبار التفويتات بعد التبليغ بالحجز باطلة ([46])، مما يجعلنا نعتقد بصواب ووجاهة الراي الأول بهذا الخصوص.

الفقرة الثانية: التدليس والتزوير كأساس لهدم قرينة حسن النية

قبل صدور مدونة الحقوق العينية كانت تقييدات الغير حسن النية تكتسب حجية مطلقة، لكن القضاء المغربي أورد استثناء على هذا المبدأ، ومكن من إمكانية إبطال تقييد الغير حسن النية والتشطيب عليه في حالة التزوير وذلك حماية للمالك الحقيقي للعقار.

جاء في قرار لمحكمة النقض ([47]) ما يلي: ” إذا كان حق الملكية مضمونا فإن الأولى بالحماية هو المالك الحقيقي ونتيجة لذلك لا مجال للاستدلال بحسن نية المشتري طالما أن الوكالة والتي انعقد عليها البيع الأول على أساسها ثبتت زوريتها بمقتضى قرار جنحي بات، وان ما بني على التزوير لا يترتب عنه أي أثر قانوني سواء بالنسبة للمتعاقدين أو لخلفائهما”.

وفي قرار أخر ([48]) تم تقرير القاعدة التالية:

” أن الالتزام الباطل لا لا يمكن أن ينتج أي أثر إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا له، وما بني على باطل فهو باطل، وانه لانعدام إرادة المدعي في إبرام الوكالة تكون هذه الأخيرة باطلة، مما تكون معه العقود المبرمة لاحقا تأسيسا على عقد الوكالة باطلة وكذا جميع إجراءات تسجيلها”.

محاكم الموضوع بدورها أكدت غير ما مرة هذا الاستثناء مكرسة بذلك الطابع الحمائي للمالك الحقيقي للعقار في مواجهة حسن النية. جاء في حكم لابتدائية تمارة: ([49])

“أن نطاق الغير الحسن النية المنصوص عليه في الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري تتعلق بالعقود القابلة للأبطال وليس العقود الباطلة أصلا والمعدومة واقعا ولا يمكن بالتالي للغير أن يتمسك بحسن النية متى ثبتت زورية الوثائق المقيد على أساسها حقه عملا بقاعدة ما بني على باطل فهو باطل”.

ويبدو أن القضاء المغربي كان متأثرا ببعض التوجهات القضائية المقارنة خصوصا القضاء الفرنسي الذي اخذ بقاعدة ” الغش يفسد كل شيء”، مما كان له أثر سيء على حسن تطبيق قواعد الشهر العيني، ومنه تقرير الضمانات التي يقدمها هذا الأخير بالنسبة للغير حسن النية.

جاء في قرار لمحكمة النقض الفرنسية ما يلي:

“…إكتساب العقار مع العلم بسبق التنازل عنه لصالح الغير يشكل خطأ لا يسمح للمشتري الثاني التمسك بقواعد الشهر العقاري” ([50]).

وفي قرار أخر للغرفة المدنية بنفس المحكمة جاء فيه:

“… السند الذي تضمن إمضاء مفتعلا لا يعد سببا صحيحا”. ([51])

وهذا التطور في موقف محكمة النقض الفرنسية كان محط انتقاد فقهي ([52])، فقد اخذ عليها لجوئها إلى أحكام القواعد العامة في المسؤولية وإلى أحكام المادة 1382 ([53]) من القانون المدني الفرنسي التي لم تكن مجدية في القانون المدني ولا يعقل أن يسمح لها بالامتداد إلى قانون الشهر العقاري وتحطيم أحكامه، لأن أحكام الخطأ فيها غير دقيقة وغير واضحة إذ يسمح للمحاكم بسلطة تقديرية واسعة في تفسير هذا الخطأ، الشيء الذي لا يخدم نظام الشهر العقاري ولا يحمي الغير في المعاملات محل موضوع الشهر العيني.

هذه الانتقادات الحادة من جانب الفقه الفرنسي، جعلت القضاء الفرنسي يتراجع عن مواقفه بخصوص تعطيل قاعدة حسن النية، حيث جاء في قرار لمحكمة النقض الفرنسية:

“من يشتري عقارا يعلم بسبق بيعه للغير ويقوم بتسجيل سنده لا يعد مرتكبا أي غش بتمسكه بامتياز منحه القانون نفسه للمتصرف إليه الأكثر يقظة” ([54]).

أما في المغرب، وفي وقت كنا ننتظر تدخلا من المشرع لحسم التضارب الحاصل على مستوى القضاء بخصوص حماية الغير حسن النية من الإبطال والتشطيب في جميع الأحوال، جاءت المادة الثانية من مدونة الحقوق العينية لتتلقف اجتهادات محكمة النقض السابقة وتقر استثناء على هذه الحماية في حالتي التزوير والتدليس.

جاء في الفقرة الثانية من المادة الثانية من مدونة الحقوق العينية ما يلي:

“…أن ما يقع على التقييدات من إبطال أو تغيير أو تشطيب من الرسم العقاري لا يمكن التمسك به في مواجهة الغير المقيد عن حسن نية، كما لا يمكن أن يلحق به أي ضرر، إلا إذا كان صاحب الحق قد تضرر بسبب تدليس أو زور أو استعماله شريطة أن يرفع الدعوى للمطالبة بحقه داخل أجل أربع سنوات من تاريخ التقييد المطلوب إبطاله او تغييره أو التشطيب عليه”.

فالمشرع هنا أجاب بشكل ضمني حول التساؤل المثار بشأن إمكانية إلغاء أو نقض او إبطال أو فسخ الحقوق المشهرة بأثر رجعي، وسار في صف الاتجاه القائل بأن القانون جعل من زوال السند في معظم التشريعات يتم بحسب الأصل بأثر رجعي سواء كان الزوال واردا على عقد له وجود قانوني قابل للأبطال، او وارد على عقد ليس له وجود قانوني كما هو الشأن بالنسبة للعقد الباطل.

ولإعمال الأثر الرجعي يجب أن نكون بصدد عقد مرتب لآثاره ثم يزول أما أن يكون العقد غير موجود أصلا فلا مجال لتطبيق فكرة الأثر الرجعي، او الحكم ببطلان عقد إنما هو كاشف عن حقيقته التي صاحبته منذ البداية، وليس منشئا للبطلان ([55]).

وهنا أيضا ستطرح إشكالية القيمة القانونية للتقييد مستقبلا، حيث لهذا الأخير قيمة مستقلة عن التصرف أو الحكم الذي يتم شهره، وفي ذلك تقول محكمة النقض المصرية في إحدى قراراتها بأن “ملكية العقار لا تتصور في ظل قانون التسجيل إلا باجتماع أمرين أحدهما أصلي وهو العقد الصحيح والآخر تبعي وهو التقييد، فان تخلف أحدهما لم تنتقل الملكية”.

ومعنى ذلك أن القيد في السجل العيني إذا استند إلى سند ملكية مزور أو تم فسخه او تم شهر دعوى البطلان أو الفسخ أو غيرها، فإن الحكم بما يدعيه المدعي يؤدي إلى زوال الشهر وذلك أن التقييد في السجل العيني ليس ناقلا للملكية بذاته بل بما استند إليه من سند الملكية ([56]).

ويبدو أن تطبيق الفقرة الأخيرة من المادة 2 من م ح ع، المشار إليها سابقا سيطرح الكثير من التعقيد خصوصا على مستوى العمل القضائي، فاذا كان من المسلم به أن عنصر التزوير لا يرد بشأنه أي غموض استنادا إلى الوقائع المادية التي يتكلف بتقييمها القضاء الجنائي، فإن واقعة التدليس ستعرف اختلافا كبيرا في تفسيرها على مستوى القضاء، وطبيعة المعيار الذي يمكن على أساسه القول بوقوع التدلس من عدمه.

فهل المقصود بالتدليس ذلك المفهوم الوارد في المادة 52 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي التي جاء فيها:

التدليس يخول الإبطال، إذا كان ما لجأ إليه من الحيل أو الكتمان أحد المتعاقدين أو نائبه أو شخص أخر يعمل بالتواطؤ معه قد بلغت في طبيعتها حدا بحيث لولاها لما تعاقد الطرف الآخر”.

إن قراءة متأنية لهذا المقتضى تعطينا نتيجة مؤداها أن مفهوم التدليس في حق الحقوق العينية هو غير ذلك المنصوص عليه في القواعد العامة على اعتبار ا

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading