عرض
المهندس/ محمد محمود بداه الكوَّار
مدرب حاسب آلي وباحث موريتاني
beddah201666@yahoo.com
تمهيد:
منذ فجر التاريخ والمجتمعات البشرية في تطور مستمريعكس مدى قدرة العقل البشري العلمي على إبداع الأفكار وابتكار الحلول المناسبة لمواكبة مراحل التطور في مختلف وجوه الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية، وغيرها، والعمل على مواجهة تحدياتها بما يحقق المشاركة الفعالة في البناء التراكمي الشامل لمنظومة الفعل الحضاري والإنساني الشامل.
وفي ظل الثورة الصناعية الرابعة ابتكر العقل العلمي والتكنلوجي مفهوم الذكاء الاصطناعي كأحد أهم الموضوعات الرئيسية الأكثر أثرًا وتأثيرًا في مجالات الحياة المعاصرة، الأمر الذي جعل البحث في الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المعاصرة والاطلاع عليها من شريان الحياة التي لامناص منها لأبناء هذا الجيل وأجيال الحاضر والمستقبل.
وهنا ننبه إلى تركيز الكتاب على استفادة العملية التعليمية من توظيف الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المعاصرة، خاصة أن تأليف الكتاب وتحريره ومراجعته قام بها أساتذة لتكنلوجيا التعليم والتعليم المساعد بكلية التربية في جامعة حلوان بجمهورية مصر العربية.
ولذلك فالكتاب له أهميته من الناحية التربوية والعلمية لتركيزه على توظيف الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المعاصرة في العملية التعليمية، كما تناول المجالات التي نعيشها في حياتنا اليومية وتقوم عليها حياتها بشكل جذري ومتنامٍ.
مقدمة:
يحتوي الكتاب على تسعة فصول تناول فيها المؤلفان أهم موضوعات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المعاصرة، والاستفادة منها وتوظيفها في العملية التعليمية بشكل أساسي، واستخدامها بمختلف مجالات الحياة، وكانت مناقشة الموضوعات على درجة كبيرة من التخصصية العلمية والتربوية، ويتضح ذلك من ترابط الموضوعات في كل ثلاثة فصول متوالية من الكتاب، بدءً من فصله الأول إلى الفصل التاسع من الكتاب.
تقسيم المحتويات:
لتعميم الفائدة من محتويات فصول الكتاب، وعرض ملخصها بالإسلوب العلمي وفقًا للمنهج التربوي قمنا بتقسيم محتوياته إلى ثلاثة قطاعات بحيث يشمل في كل قطاع عرضاً لمحتويات ثلاثة فصول من الكتاب، كما يلي:
الذكاء الاصطناعي والمستقبل، تعلم الآلة، التعلم العميق:
استهلال المؤلفان الفصل الأول من الكتاب الموسوم بالذكاء الاصطناعي والمستقبل، يؤكد استشرافهما المستقبل حيث ربطا الذكاء الاصطناعي بمستقبل المجتمعات البشرية انطلاقًا من وجوده واقعًا في الحياة المعاصرة، حيث مهدا لذلك بعرض الخلفية التاريخية للثورة الصناعية الرابعة التي من أبرز وأهم مخرجاتها مفهوم الذكاء الاصطناعي ولغات برمجته وخصائصه والمجالات والتطبيقات الأساسية له سواء في المجالات التقنية والاقتصادية والعسكرية، والطبية والخدمية، والذكاء الاصطناعي والتعليم ومعايير الحكم على نظمه و قياس مستويات نجاح تنفيذها وكذلك أهمية تنمية مهارات القرن الحادي والعشرين والذكاء الاصطناعي، واختتم الفصل بأبرز عشرة آليات تضمنتها المقترحات المقدمة لآليات تفعيل الذكاء الاصطناعي بتقرير لإدارة الدراسات والسياسات الاقتصادية بوزارة الاقتصاد بدولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك لتفعيل الذكاء الاصطناعي في مصر والدول العربية، وهنا نشير أن دولة الإمارات لها سبق استراتيجي تكنلوجي في مجالات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته.
ثم تناول الكتاب في فصله الثاني “تعلم الآلة” كأحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث تطرق إلى تعريف مفهومه، ومصطلحاته، وتصنيفه، وكيف يحدث عمل الآلة، والمتطلبات السابقة لتعلم الآلة، كما تحدث عن طرق تعلم الآلة ومشكلاتها، كما وضح الفرق بين تعلم الآلة والبرمجة التقليدية من جهة ثم ختم الفصل بتبيين الفرق بين تعلم الآلة والذكاء الاصطناعي، وتطبيقات تعلم الآلة.
أما الفصل الثالث من الكتاب فقد تناول أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي وهو “التعلم العميق” الذي يشكل تطورًا مهمًا في جعل الآلات أكثر ذكاءً، حيث بدأ بتقديم نبذة تاريخية عنه، ثم تعريف مفهومه، وتصنيفه، ومجالات تطبيقه، وكيفية عمله، كما تطرق الفصل لتوضيح الفرق بين تعلم الآلة والتعلم العميق، والاختيار بينهما، وكيف يتم إنشاء وتدريب نماذج التعلم العميق، واختتم بأهم التطبيقات المستخدمة في التعلم العميق.
بعض أهم التطبيقات المعاصرة للذكاء الإصطناعي: النظم الخبيرة، الوكيل الذكي، البيانات الضخمة
ناقش الفصل الرابع من الكتاب تطبيق “النظم الخبيرة” كأحد أهم التطبيقات المعاصرة والمستخدمة بمجال الذكاء الاصطناعي بذات السياق المنهجي الذي تناول فيه تطبيقي “تعلم الآلة” و”التعلم العميق” إلا أنه تحدث عن بعض الجوانب الأخرى بالنظم الخبيرة مثل الأهداف التي تحققها النظم الخبيرة ومميزاتها وأوجه القصور فيها، بالإضافة إلى تناول الفرق بينها والبرامج التقليدية، وآلية عمل النظم الخبيرة وبنيتها المعمارية، واختتم الفصل بتوضيح أهم مجالات توظيفها واستخدامها في تطبيقات الذكاء الاصطناعي المعاصرة.
وقد تناول الفصل الخامس تطبيقًا آخر من تطبيقات الذكاء الاصطناعي وهو ” الوكيل الذكي” حيث تم التعريف بمفهومه، وتاريخ ظهوره ومجالات استخدامه، وتوضيح جانبه المادي الخاص ببنيته، وكيف يتم تقييم أداءه، كما تحدث عن أهمية وجود تطبيق الوكيل الذكي وأنواعه في الأنظمة التعليمية، وكذلك تحدث عن خصائص أنواع تطبيق الوكيل الذكي، واختتم الفصل بتبيين مفهوم المحادثة الذكي.
أما في الفصل السادس فتم تناول تطبيق ” البيانات الضخمة” وبدأ بتعريف مفهوم البيانات الضخمة، واستعراض خصائصها، وأهميتها، ومصادرها، وتحليل البيانات وتحسين عملية التعلم، وكيفية الاستفادة منها واستخلاصها وتحليلها، ثم استعرض الخطوات الأساسية للعمل مع هذه البيانات، والأدوات المساعدة على استخراجها، ومنهجية تحليلها، كما تناول أهم لغات البرمجة المستخدمة في تحليل البيانات، وتوضيح العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والويب العميق والبيانات الضخمة، وختم الفصل بمقترحات لتفعيل الاستفادة من البيانات الضخمة في تطوير التعليم.
عرض بعض الموضوعات والتقنيات الأساسية في الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المعاصرة
أما في الفصل السابع فتناول موضوع “أنترنت الأشياء والحوسبة السحابية” حيث عرف مفهومها، ومكوناتها وأشكالها، كما تحدث عن الانترنت الاجتماعي للأشياء، وأنواع العلاقات التي يتم بناءها من خلاله، ومعماريتها، وتطبيقات أنترنت الأشياء، والتحديات التي تواجه توظيفها بمختلف المؤسسات، كما تعرض الفصل للعلاقة بين الحوسبة السحابية وأنترنت الأشياء، ونماذج بنائها، ودواعي استخدامها في الأنظمة التعليمية، كما تطرق إلى الجوانب الاقتصادية لها، والحوسبة الخضراء وتقنياتها المتنوعة.
وبخصوص الفصل الثامن فقد تناول موضوعًا آخر من موضوعات تعلم الآلة وهو ما يدعى بـــ” تكنلوجيا التعرف على الإيماءات” وهو أحد مجالات علوم الكمبيوتر المختصة التي تهدف إلى تفسير الإيماءات البشرية عن طريق الخوارزميات الرياضية، وقد عرض الفصل للتعريف بمفهومه، وكيفية استخدام الإيماءات كبديل للوحة المفاتيح والفأرة في التحكم بالكمبيوتر، كما تحدث عن أنواع الإيماءات، والتطبيقات المعاصرة المستخدمة للتعلم القائم عليها، وكذلك آلية التعرف عليها، والتمييز بينها، وتصنيفها، والتفاعل الإيمائي ثلاثي الأبعاد، وفي ختام الفصل تم استعراض مستقبل تكنلوجيا التعليم القائم على الإيماءات البشرية.
واختتم المؤلفان الكتاب بالفصل التاسع الذي تناول إحدى أهم التقنيات الحديثة، وهي ” تقنية تتبع حركة العين” كإحدى أدوات البحث التكنلوجي التي تساعدنا في تفسير السلوك البشري، والتي تؤدي إلى الانخراط في مختلف المهام خلال تفاعل الإنسان مع الكمبيوتر، كما ناقش الفصل تحليل حركات العين جوانب لفهم التعلم الإنساني، والتعريف بها، وتطورها التاريخي، والجديد مما تقدمه اختبارات تقنية تتبع حركة العين، ومعايير إجراء اختباراتها، وبرامجها وأجهزتها، وخطوات تنفيذها، ومجالات توظيفها في التعليم، واختتم الفصل بمحدودية تقنية تتبع حركة العين والصعوبات التي تواجه توظيفها في العملية التعليمية.
عمومًا، الموضوعات التي تناولها الكتاب في فصوله التسعة الماتعة، تشكل جهودًا علمية جادة وإضافة تربوية في المجالات التعليمية والتكنلوجية تحتاج إليها المكتبة العربية في ظل النمو المتسارع للذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المعاصرة ونقص الترجمات العلمية الخاصة به، حيث أصبح استخدام تلك التطبيقات واقعا تعيشه المجتمعات البشرية ولغة عصرها.
وتنامى الاهتمام بخصوص الذكاء الاصطناعي بعد تداعيات جائحة كورنا خلال الأعوام الماضية حيث ساد التعليم عن بعد وهنا فرض الذكاء الاصطناعي نفسه على المؤسسات التعليمية لبناء المنظومات التعليمية الالكترونية والرقمية الذكية لمواجهة التحديات الناجمة عن الجائحة بما يضمن سير العملية التعليمية على الوجه المنشود رغم العقبات المتنوعة.
وفي ضوء ما سبق، قد توجد بعض الملاحظات على الكتاب، لا ترقى إلى التأثير على محتواه العلمي والتربوي لكونه يفسح الباب أمام المزيد من المناقشات البحثية والعلمية والتكنلوجية التخصصية والنقدية لتطوير المنظومات التعليمية العربية من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المعاصرة، بالإضافة إلى مساهمة الكتاب في تسليط الضوء على أهمية تطوير المنظومات التعليمية العربية لمواكبة مستجدات العصر الجاري وعصر ما بعد الثورات الصناعية الذي سيشكل نقلات غير مسبوقة لمجالات الحياة البشرية نحو – ما يمكن أن نطلق عليه – الكون التكنولوجي بمجراته وأفلاكه الخاصة والخارجة على الحسبان والتوقعات في الحاضر والمستقبل.
[*]كريمة محمود محمد، أسماء السيد محمد، مراجعة وتحرير محمد إبراهيم الدسوقي/ الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المعاصرة =Artificial Intelligence And Contemporary Applications. الطبعة الأولى. القاهرة: المجموعة العربية للتدريب والنشر، 2022. 225 ص