أشرف كناني
طالب باحث في سلك الدكتوراه،
كلية الحقوق سلا
المقدمة
لقد عرف المغرب مؤسسة الجمارك منذ الفتح العربي الإسلامي، إلا أنها تطورت مع انضمامه سنة 1969 إلى مجلس التعاون الجمركي وانخراطه سنة 1987 في الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة “الجات” فكانت هذه إحدى مصادر النظام الجمركي، وعلى هذا الأساس تم سن أول قانون يتعلق بالجمارك بمقتضى الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.77.339 بتاريخ شوال 1394 الموافق لـ 9 أكتوبر 1977 كما وقع تغييره وتتميمه بمقتضى القانون 99.02 بتاريخ 5 يونيو 2000.
إن النظام الجمركي يرتبط بمجموعة من القواعد المطبقة على الحركة الدولية للبضائع[1]،وآلية تمكن الدولة من مراقبة دخول وخروج البضائع عر حدودها. ولهذه الأسباب عهد إلى إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة باعتبارها سلطة عامة أمر تأمين الخدمة الرامية إلى تصفية وتحصيل الرسوم والمكوس الجمركية ومنها رسم الاستيراد الذي سيكون موضوع دراستنا، وتتجلى هذه السلطة فيما تملكه الادارة الجمركية من امتيازات وسلطات بمقتضى القانون قصد تمكينها من ممارسة وظيفتها.
وتمثل الحقوق الجمركية والرسوم الجمركية التي تستخلصها عن عملية الاستيراد مصدرا ماليا مهما لأي دولة بما فيها الدولة المغربية إذ تساهم في ميزانية الدولة بموارد مالية جد هامة الشيء الذي يؤكد أهمية الرقابة الجمركية باعتبار أن أي تهرب من تسديد الحقوق والرسوم الجمركية مهما اختلفت صوره يشكل نزيفا لموارد الدولة، ويحتم عليها التصدي له ومحاربته بالطرق القانونية المتاحة.
هذه الرقابة آلية تفرضها إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة ليس مبتغاها هو الاعتبار المالي فقط، وإنما هناك اعتبارات اخرى ذات طبيعة اقتصادية منها على الخصوص حماية المنتجات الوطنية وجلب رؤوس الأموال الأجنبية، وتشجيع الاستثمارات، إلى غير ذلك من الأهداف التي تسطرها الدولة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.
تعتمد الادارة الجمركية على عدة آليات لممارسة رقابتها على البضائع الواردة للتراب الخاضع من بينها رسم الاستيراد الذي يفرض على البضائع الأجنبية، كما أنه وسيلة تعتمدها الدولة المغربية انطلاقا من دخولها غمار تجربة جديدة على المستوى الاقتصادي متمثلة في تعزيز تحرير التجارة الخارجية وضمان المنافسة الحرة بين الفاعلين الاقتصاديين تطبيقا لمبدأ المبادرة الحرة التي هي عماد التوجه الليبرالي.
إن أول تنظيم اعتمد لرسم الاستيراد في القانون المغربي كان بمقتضى ظهير 1.61.167 لسنة 1957 الذي ينص على تحديد مقدار رسم الاستيراد الذي يجب أن تجنيه الادارة وقد عدل هذا الظهير بأخر هو ظهير 1.61.139 وفحواه تغيير التعريفة الجمركية التي سيحدد على أساسها رسم الاستيراد.
كما أن مقدار الرسم الذي تستخلصه إدارة الجمارك لفائدة الدولة يشكل مدخولا مهما ذلك أن قيمته تقدر بملايين الدراهم مما يطرح إشكالا على مستوى الفقه حول الأخذ بالمعيار المادي الذي يقول بأن الرسم يقدم مقابل خدمة ثم أن المقابل المادي يكون صغيرا مقارنة مع ما تستخلصه الادارة من مبالغ مالية مهمة.
والموضوع الذي نحن بصدد البحث فيه يتعلق برسم الاستيراد، حيث سيتم معالجته من جانب التشريع دون نسيان العناصر المؤثرة في هذا الرسم والمتمثلة في:
- قيمة البضائع: حيث أن إدارة الجمارك عادة ما تحتفظ بالقيمة التعاقدية لدى التقديم وهي غالبا ما تكون مختلفة عن القيمة التجارية.
- صنف البضاعة: أي طبيعة المنتوج المستورد والتسمية المستعملة للبضاعة أو المتفق عليها دوليا من طرف المنظمة العالمية للتجارة وتكون مكونة من 6 أرقام.
- منشأ البضاعة: وهنا لا يجب الخلط مع مصدر البضاعة أو المكان القادمة منه، وتعتبر شهادة المنشأ ضرورية في هذا المجال لإثبات ذلك، وكذلك تتيح الاستفادة من المعاملة التفضيلية.
هناك بعض الأنظمة التي تضيف عنصرا رابعا متمثلا في ثمن النقل عند الاستيراد كما هو معمول به في دول الاتحاد الاوربي.
وتعد العناصر الثلاثة الأولى جزء من القانون الجمركي المقنن في مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة وقد خصص لها المشرع الباب الثالث غير أن هذه العناصر تختلف اختلافا جذريا عن عناصر الوعاء في مادة الضرائب المباشرة مما يجعلها تحتفظ بطابع أصيل.
إلى جانب ذلك فإنه في دراستنا لهذا الموضوع يظهر أن الجانب التشريعي حاضر بقوة لا سيما أن ذلك يظهر جليا من خلال تدخل الحكومة من أجل تحديد الرسم حيث أن مجال الدراسة في هذا الشق يتميز بالشح، علما بأن فيه من الفراغات ما يستدعي البحث وسبر أغوار الدستور من اجل اكتشاف الطريقة التي تعامل معها المشرع الدستور للحفاظ على توازن السلط خصوصا بين السلطتين التشريعية والتنظيمية علما أن الفصل 71 من دستور سنة 2011 حدد مجال التدخل الحكومي.
ويظهر من الواقع العملي أن هذا الرسم يتحدد استيفائه وتعديل تعريفته وإلغائه يتم عن طريق مرسوم تصدره الحكومة وتهدف من وراء هذا الاجراء إلى مجموعة من الأهداف على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. وتتمثل إشكالية هذه الدراسة في دور التفويض الممنوح للحكومة من طرف البرلمان للتشريع في مجال دقيق هو رسم الاستيراد.
المبحث الأول: رسم الاستيراد و العناصر المؤثرة في تحديده
تؤثر في رسم الاستيراد مجموعة من العناصر يتم عبرها تحديد عناصر تأسيسه، تتمثل في القيمة، الصنف، المنشأ وهذه العوامل مجتمعة تشكل نواة هذا الرسم إلى جانب ذلك يجب التمييز بين رسم الاستيراد والرسوم الأخرى الجمركية التي تستخلصها الإدارة.
المطلب الأول: رسم الاستيراد ضمن مكونات الفرض الضريبي وعناصر تأسيسه
يكتسي رسم الاستيراد أهمية كبرى حيت يتم تطبيقه على جميع عمليات الاستيراد بمناسبة دخول البضائع الأجنبية للتراب الوطني، وهذا يقتضي منا العمل على دراسة مفهوم رسم الاستيراد (الفرع الأول). ودراسة أهمية هذا الرسم وبواعث تبنيه من طرف المشرع المغربي (الفرع الثاني).
الفرع الأول: مفهوم رسم الاستيراد
يمثل مفهوم رسم الاستيراد مدخلا لدراسة جانب مهم ومكون من مكونات الرسوم الجمركية، إضافة إلى الرسم الشبه الضريبي والضريبة على القيمة المضافة.
الفقرة الأولى: ماهية رسم الاستيراد
- تعريف رسم الاستيراد
قبل أن ندخل في تعريف وتحديد رسم الاستيراد لابد من مراجعة بعض المفاهيم منها مصطلح الاستيراد[2] الذي تعرفه مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة: “دخول البضائع القادمة من الخارج أو من المناطق الحرة إلى التراب الخاضع.”
يقصد بالتراب الخاضع، الجزء الارضي من الاقليم الجمركي،[3] الذي يمثل الاقليم الوطني للبلاد اضافة إلى المياه الاقليمية، باستثناء المناطق الحرة.
وبالنسبة للمناطق الحرة فهي تدخل ضمن المنطقة الجمركية لكنها معفاة جزئيا أو كليا من تطبيق التشريع الجمركي حسب ما هو معمول به في إطار الاتفاقيات الثنائية أو المتعددة الأطراف.
إن مبدأ تطبيق رسم الاستيراد يجد سنده في المادة 3 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة[4] الذي ينص على أن البضائع المستوردة أو المصدرة تخضع – حسب الحالة – لرسوم الاستيراد أو التصدير المقيدة بتعريفة الرسوم الجمركية وذلك بصرف النظر عن غيرها من الرسوم والمكوس المنصوص عليها في نصوص خاصة. وجدير بالذكر أن رسم الاستيراد كان عبارة عن رسمين بمقتضى ظهير سنة 1957، إلا أنه تم دمج هذين الرسمين في رسم واحد كما هو معروف حاليا في إطار قانون مالية سنة 2000.
تجدر الإشارة إلى أنه قد تم اتخاذ عدة إجراءات تضمن تسهيل وشفافية النظام الجمركي، من بينها دمج الاقتطاعات الجمركية التي تتم على عمليات الاستيراد مع رسم الاستيراد، حيث تم الابقاء على التسمية الاخيرة وإلغاء الاقتطاعات الجمركية.[5]
أما فيما يخص تعريف رسم الاستيراد فهو ضريبة تجبى على بضاعة واردة إلى التراب الخاضع، هذا الرسم يمكن أن يكون معياريا ويمكن أن يمثل نسبة من الثمن.[6]
إن الهدف من فرض رسم الاستيراد هو العمل على رفع قيمة البضاعة الاجنبية وبالتالي رفع الثمن سيمكن من العزوف على استيراد واستهلاك تلك البضاعة ومن خلاله يعزز المنتوج المحلي تواجده لذلك يمكن اعتبار رسم الاستيراد أداة من الأدوات الأساسية الحمائية.[7]
وتتجلى أهمية هذا الرسم كذلك في إعطاء حماية ونوع من التوازن للاقتصاد الوطني وبعض القطاعات الأساسية في السياسة الاقتصادية للدولة ومن بين الأهداف التي يطمح المشرع إلى تحقيقها من فرض رسم الاستيراد هي:
- التوازن التجاري: حيث أن التعريفة الجمركية تهدف إلى رفع تكلفة الاستيراد الشيء الذي سيدفع بالفاعلين الاقتصاديين إلى خفض حجم وارداتهم، مما سيدفع إلى تحقيق توازن تجاري.[8]
- مبدأ الاستقلالية: حيث أن بعض الانظمة تفصل ان تستقل باقتصادها وأن لا تكون مرتبطة باقتصاديات دول أخرى، ويظهر ذلك من خلال تعريفة جمركية غير تلك المتفق عليها بين البلدان المختلفة في اطار اتفاق.
- العائدات: حيث أن رسم الاستيراد يؤمن عائدات مهمة وضرورية للدولة.[9]
الفقرة الثانية: تمييز الاستيراد عن الرسوم الجمركية الأخرى
سيتم من خلال هذه الفقرة التطرق إلى المكونين الآخرين لمكونات الرسوم الجمركية وهما الرسم شبه الضريبي والضريبة على القيمة المضافة.
- الرسم شبه الضريبيla taxe parafiscale
يعتبر الرسم شبه الضريبي اقتطاعا إجباريا تجيبه السلطات المختصة (إدارة الجمارك) لأجهزة الدولة المختلفة أو السلطات المحلية، من أجل أغراض اقتصادية أو اجتماعية.[10]
في فرنسا فإن الرسوم شبه الضريبية تحدد بموجب مرسوم يصدر بعد استشارة مجلس الدولة كما تترتب على هذا الرسم مجموعة من الفوائد تتحدد على مستويين:
أولا: فهو يعتبر أداة مناسبة لتوجيه بعض التدخلات في الميدانين الاقتصادي والاجتماعي من طرف الدولة وذلك بطريقة سلسة.
ثانيا: هذا الرسم يسمح بإعادة الموارد المقتطعة إلى فائدة القطاع المستفيد من مداخيل هذا الرسم.
يفرض الرسم الشبه الضريبي في فرنسا بصفة وجوبية واستثنائيا (سقوط 120 رسما من الرسوم شبة الضريبية سنة 1984 و 42 رسما في 2002) وهو ما أثر سلبا على توزيع مداخيله على الجهات المستفيدة منه، والذي أدى حسب بعض الفقه[11] إلى تقطيع أوصال السلطة العامة، حيث أن ازدواج الهيئات المكلفة بتحصيل هذا الرسم وتوزيعه أعاق إلى حد كبير من ممارسة الاشراف والرقابة الممارسة على استخدام هذه الأموال.
ألغي الرسم شبه الضريبي في فرنسا في سنة 2001 وقد تحولت مداخيله إما لتبرعات أو منح تقدم من طرف الفاعلين الاقتصاديين وقد تكون عبارة عن ضرائب دولة.[12] وفي المغرب ومصر فيبقى هذا الرسم معمولا به.
من خلال ما تم ذكره نخلص أن الرسم الشبه الضريبي يجب أن تتوافر فيه عدة شروط:
- الرسم شبه الضريبي لا يتم تحصيله أبدا لصالح الدولة أو الوحدات الاقليمية أو المؤسسات العامة الإدارية التابعة لها وإنما يتم تحصيله لصالح المؤسسات العامة الصناعية أو التجارية أو الهيئات التابعة للقانون الخاص.[13]
- الرسم الشبه الضريبي مخصص دائما وهذا التخصيص يكون من أجل هدف اقتصادي أو اجتماعي غير ان المصلحة الاقتصادية أو الاجتماعية تفهم بمعنى واسع.[14]
- الرسم الشبه الضريبي يفرض بمرسوم بعد أخذ رأي مجلس الدولة في فرنسا وبناء على تقرير من وزير المالية والوزير المختص. ويحدد القواعد العامة للوعاء والسعر والتحصيل لهذه الرسوم.
أما في المغرب فإنها تعرض على المجلس الحكومي ثم للمصادقة على البرلمان في قوانين المالية ومنها على سبيل المثال المرسوم[15] الذي صدر سنة 1997 بفرض رسم شبه ضريبي يسمى “الرسم على التنمية لفائدة مكتب تنمية التعاون”.
الضريبة على القيمة المضافة la Taxe sur la valeur ajoutée
لقد نظم هذا الرسم عبر ظهير رقم 1.85.347 صادر في 7 ربيع الثاني 1406 (20 دجنبر 1985) بتطبيق القانون 85.30المتعلق بالضريبة على القيمة المضافة، وقد تم تعديلها في عدة مناسبات بموجب قوانين المالية وعبر المراسيم التطبيقية وآخر تعديل شملها تم في 2007.
هذا الرسم على القيمة المضافة هو رسم على رقم الاعمال ويطبق على:
- العمليات الصناعية والتجارية والحرفية أو في ممارسة مهنة حرة انجزت بالمغرب.
- عمليات الاستيراد.
- العمليات التي حددها الفصل 89 من المدونة العامة للضرائب التي يقوم بها اشخاص غير المقاولات التابعة للدولة بغض النظر عن وضعها القانوني، شكلها وطبيعة تدخلها.[16] أما معدل الضريبة على القيمة المضافة في الحالة الطبيعية هو 20% ويمكن ان يصل إلى 30%،[17] ويمكن لها ان تنخفض إلى نسبة 7% بالنسبة لمجموعة من المنتوجات على سبيل المثال:
- الغازات البترولية وغيرها من الهيدروكربونات الغازية؛
- زيوت النفط الخام أو المكرر أو الصخر الزيتي؛
- المنتجات الصيدلانية والتعبئة والتغليف فضلا عن المواد والمنتجات المستخدمة في مؤلفاتهم؛
- حصيلة الطرق السيارة.
بالنسبة للاستيراد فعلى عكس نظام الضريبة على القيمة المضافة في الداخل والذي يخضع لمبدأ إقليمية الضريبة، فإن نظام الضريبة على القيمة المضافة حين الاستيراد يعطي الاختصاص في استيفاء هذه الضريبة لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة،[18] أي أن الواقعة المنشئة للضريبة على القيمة المضافة حين الاستيراد هي دخول البضائع الآتية من الخارج، وكما هو الشأن بالنسبة للضريبة على القيمة المضافة في الداخل، فإن الضريبة على القيمة المضافة حين الاستيراد تعرف إلى جانب السعر العادي، اسعاراً أخرى منخفضة ومخفضة.[19]
الفرع الثاني: أهمية رسم الاستيراد
تحتل الرسوم الجمركية أهمية خاصة في الوقت الراهن، في قلب الجهود الدولية التي ترمي إلى استكمال حلقات النظام التجاري الدولي متعدد الأطراف.
تتمثل أهداف الدولة من فرض الرسوم الجمركية في أنها قد تتخذ إما صبغة سياسية تفرضها دواعي السيادة وصبغة اقتصادية تفرضها حماية المنتجات وتشجيع الاستثمار، وصبغة جبائية تستدعيها ضرورة تمويل الخزينة العامة بواسطة تحصيل أكبر قدر من الموارد.
- سياسيا:
إن أهم هدف تتوخاه كل دولة من وراء وضع الحواجز الجمركية، هو الحفاظ على سيادتها الوطنية بتحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقلالية، فيما يخص مجال العلاقات الاقتصادية الدولية والمبادلات الخارجية.
وقد عمل المغرب منذ الاستقلال على توحيد الحدود الجمركية المغربية وإلغاء المعاهدات والاتفاقيات الجمركية المبرمة في عهد الحماية، مؤكدا على السيادة الوطنية، وعن وجود اختيار سياسي واختيار اقتصادي وطني في مجال السياسة الجمركية.
- اقتصاديا:
يرتكز الهدف الاقتصادي من فرض الرسوم الجمركية على دعامتين أساسيتين هما حماية المنتجات الوطنية من جهة وتشجيع التصدير والاستثمار من جهة ثانية.
يتمثل هدف حماية المنتجات الوطنية في سياسة حمائية تنهجها الدولة لحماية المنتجات الوطنية من المنافسة الأجنبية عن طريق فرض رسوم جمركية عالية القيمة بالنسبة للمنتجات التي تصنع محليا بالشكل الذي يجعل الواردات الأساسية باهظة الثمن.
وقد استخدمت دول العالم الثالث ومن بينها المغرب السياسة الجمركية كوسيلة لحماية صناعاتها الناشئة، عن طريق وضع جدار جمركي يتمثل في وضع مجموعة من الحواجز الجمركية المانعة والرسوم المرتفعة.
أما بالنسبة لتشجيع التصدير والاستثمار، فلتشجيع التصدير تعمد الدولة على سن مجموعة من القوانين وتبرم اتفاقيات، تحدد فيها كيفية الاستفادة من نظام الأفضلية، إلا أن نجاح التصدير يتطلب النهوض بالصناعة الوطنية للدولة، وإتاحة الفرص للاندماج في المحيط الجهوي والدولي للدولة، وليس هناك أهم من تشجيع الاستثمار لتحقيق هذه التنمية.
ولتحقيق ذلك تعمد الدولة إلى تشجيع الاستثمار، خاصة في الميادين التي تراها ضعيفة وبها خصاص، فتقوم بتشجيع الاستثمار فيها عن طريق نهج مجموعة من الأساليب، كالإعفاءات الضريبية لخدمة الأهداف الاقتصادية.
- جبائيا:
يتمثل الهدف الجبائي في تحصيل أكبر قدر من الموارد من أجل تمويل الخزينة العامة، ويمكن في هذا الإطار تقسيم الموارد الجمركية إلى نوعين اثنين:
- الموارد المتأتية من الرسوم الجمركية وتشمل رسوم الاستيراد، الاقتطاعات الضريبية عند الاستيراد ثم رسوم التصدير.
- الموارد المتأتية من الضرائب غير المباشرة وتشمل الضريبة على القيمة المضافة، والمكس الداخلي على الاستهلاك.
المطلب الثاني: العناصر المؤثرة في تحديد رسم الاستيراد
إلى جانب عنصر القيمة كمحدد من المحددات التي يعتمد عليها لتحديد مقدار الرسم الواجب دفعه، فإن هناك عنصرين آخرين من الأهمية بمكان يساعدان في إعطاء تقدير صحيح سيحتسب على أساسه الرسن الذي سيؤديه الفاعل الاقتصادي. ويتمثلان في قيمة البضائع، وقواعد المنشأ.
الفرع الاول : قيمة البضائع la valeur des marchandises
لقد حدد الفصل 20 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة القيمة في الجمرك للبضائع المستوردة والتي هي القيمة التعاقدية اي الثمن المدفوع فعلا أو المستحق عن البضائع التي تم بيعها من اجل التصدير في اتجاه التراب الخاضع مع تعديله وفقا لأحاكم الفصل 20 مكرر مرتين.
وحدد الفصل 21 القيمة في الجمرك عند الاستيراد، فنقطة الانطلاق هي الثمن المعلن عنه في الفواتير والوثائق التجارية بطريقة يتم معها معرفة العناصر المؤسسة للثمن وبعض العناصر التي سيتم إضافتها حتى نتحصل على قيم للبضاعة.[20]
إن القيمة في الجمرك لها أهداف اقتصادية وجبائية تتمثل من جهة في تحقيق العدالة الضريبية لذلك واعتماد طريقة معينة في تحديد القيمة يساهم في ضبط المنافسة التجارية بين المستوردين[21] والمقاولات الوطنية كما تستعمل القيمة كإجراء حمائي – إلى جانب الحماية التعريفية – أو كأسلوب بديل لنظام الحصص. ومن جهة أخرى فالأهداف الجبائية للقيمة تقترن بمدى مساهمة الرسوم والمكوس في الإيرادات العامة. كما أن تحديد القيمة يساعد على مراقبة هروب العملات، وذلك من خلال التصدي للحصول على العمولات الأجنبية بتزوير المعطيات المضمنة في الوثائق التجارية كتقديم تصريح عند الاستيراد يتضمن قيمة أقل من السعر الحقيقي للبضاعة[22] يمكن المستورد من الاستفادة بطريقة غير مشروعة من التخفيض في الرسوم والمكوس الجمركية عند الاستيراد.
على المستوى الدولي فقد حددت القيمة في إطار الفصل 7 من اتفاقية التجارة الدولية (GATT)،[23] وهو يدور حول ثلاث نقاط أساسية:
- القيمة في الجمرك يجب أن تكون فعالة بمعنى ان تكون مبنية على القيمة الحقيقية للبضاعة المستوردة التي سيطبق عليها رسم الاستيراد ولا يجب أن تبنى على قواعد منتوجات ذات أصل وطني أو على قيمة تحكيمية أو مفترضة.
- معايير تحديد القيمة وطرق تقييمها يجب أن تكون ثابتة وتنشر لدى العموم
- هذه المعايير التي تم ذكرها أعلاه يجب أن تكون منتظمة منصفة غير متحيزة وأن تكون عرضة للتحكيم.[24]
- طرق احتساب القيمة في الجمرك:
تتمثل أهم عناصر الأساس لاحتساب القيمة في الجمرك للبضاعة المستوردة في ثلاثة عناصر:
- القيمة في ميناء المغادرة FOB:[25] عندما يتم استيراد البضاعة عن طريق البحر.
- القيمة FCA: ويكون ذلك عندما يتم الاستيراد عن طريق الجو.
- القيمة DAF: حيث يتم الاستيراد عن طريق البر.
ويختلف حساب عناصر القيمة حسب طريقة استعمال الفاعل الاقتصادي لأي من العناصر المذكورة آنفا.
وبالنسبة للمشرع المغربي فقد حدد هو أيضا أساليب تحديد القيمة في الجمرك في خمسة طرق، وأوجبت احترام التسلسل الذي جاءت به في تقييم البضائع[26]وهذه الأساليب هي:
- القيمة التعاقدية: وهي الثمن المدفوع فعلا أو المستحق عن البضاعة التي تم بيعها من أجل التصدير للتراب الخاضع وتضاف إليه بعض الأعباء التي يتحملها المصدر كمصاريف النقل والشحن والتفريغ وكلفة الأصيل وتراعي أيضا نقصان قيمة البضائع نتيجة عيوب فيها أو فسادها بشرط أن تحدث بعد القيام بعملية المعاينة وقبل الخروج من التراب الخاضع.[27]
وجدير بالذكر أن القيمة التعاقدية ليست بالضرورة هي الثمن المسجل بالفواتير وإذا شككت الإدارة في صحة أو صدق الثمن فإنها تجري تحريات للتأكد من صحة البيانات المقدمة وتطالب المستورد بتقديم الوثائق والمزيد من المعلومات التفصيلية اللازمة داخل أجل محدد.[28] وبمجرد انتهاء المهلة المحددة من طرف الإدارة تلجأ هذه الأخيرة لطرق التقييم الأخرى.[29]
- القيمة التعاقدية لبضائع مطابقة: إذا تعذر تحديد القيمة التعاقدية فإن القيمة التي يجب اعتمادها هي القيمة التعاقدية لبضائع مطابقة بيعت من أجل التصدير في اتجاه التراب الخاضع وصدرت في نفس تاريخ تصدير البضاعة محل التقييم وهكذا فإن هذه الطريقة تقوم على أساس المقارنة بين المعاملة التجارية محل التقييم ومعاملة سابقة استوفت أركان القيمة التعاقدية.[30]
- القيمة التعاقدية لبضائع مماثلة: وهذه الطريقة لا تختلف كثيرا عن الطريقة السابقة ذلك أنه في غياب التطابق التام بين البضائع يكون هناك تماثل أو تشابه بين المنتجات أو مكوناتها الأساسية.
- القيمة المحددة وفق أسلوب الاستنباط: تستند البضائع في التقييم أما وفق سعر الوحدة الذي بيعت به بضائع مطابقة أو مماثلة مستوردة بأكبر كمية إجمالية وقت استيراد البضائع أو يتم الارتكاز على سعر الوحدة الذي بيعت به لأشخاص غير مرتبطين بالبائعين بعد صياغتها أو تحويلها.
- القيمة المحتسبة:[31] تتكون من:
- سعر المواد وكلفة عمليات التصنيع وغيرها من العمليات المتطلبة في إنتاج البضائع المستوردة.
- مقابل الأرباح والمصاريف العامة الذي يعادل المبلغ الذي يدخل عادة في مبيعات البضائع من نفس النوع والمنتجة بالدولة المصدرة.
- مصاريف النقل والشحن والتفريغ والمناولة المتعلقة بالمنتجات المستوردة.[32]
- القيمة المحددة وفق منهج الحل الأخير: ويطبق في حالة تعذر تحديد القيمة وفق جميع المعايير التي تم ذكرها وذلك بوسائل معقولة[33] تتطابق مع أحكام الفصول 20 إلى 20 مكرر ست مرات، وأيضا متناسقا مع المبادئ والأحكام للاتفاقية العامة حول التعريفات الجمركية والتجارة “GATT” واستحضار معطيات السوق الداخلية.[34]
الفرع الثاني : تصنيف البضائع
يعتبر الصنف إحدى العناصر الثلاثة المؤسسة للغرض الجمركي، إلى جانب منشأ البضاعة وقيمتها وهو يعني أيضا الاسم الذي يطلق على البضاعة في تعريفة الرسوم الجمركية والمحدد “عبر النظام المنسق لتحديد وترميز البضاعة” التي هي أساس وقاعدة لاحتساب معدلات الرسوم , يفيد صنف البضاعة تحديد رسم الاستيراد المفروض عليها ويسمح بالتحكم في سياسة حماية الاقتصاد الوطني من خلال تقنين استيراد بعض أصناف البضائع، وتظهر أهمية التصنيف في كونه يسهل المبادلات التجارية بين الدول، مما يمكن السلطات المختصة من تقييم ميزانها التجاري ويجعل الفاعلين الاقتصاديين على دراية كاملة بمبلغ الرسم المفروض، وإذا ما كانت البضاعة خاضعة لقيود جمركية أم لا اضافة إلى ان الدول تنهج سياسة حمائية من خلال تقنين مستورداتها من صنف معين بحسب حاجيات اقتصادها الوطني.
وتستمد تعريفة الرسوم الجمركية أساسها القانوني من الاتفاقية الدولية المتعلقة بالنظام المنسق لتصنيف وترميز البضائع الذي أقره مجلس التعاون الجمركي في بروكسيل بتاريخ 14 يونيو 1993 وصادق عليها المغرب في 10 شتنبر 1993
قد يحدث أن لا تعين بعض البضائع باسمها في تعريفة الرسوم الجمركية، أو تكون قابلة لأن تدرج ضمن عدة سطور، أو ضمن سطور فرعية تعريفية وهنا فإن الأمر لا يخرج عن حالتين، فأولا يحق للإدارة أن تتخذ بمقتضى مقرر إداري تصنيف البضائع، أو يمكنها أن ترخص بالجمع في سطر أو عدة سطور فرعية عدة بضائع خاضعة للتصنيف في عدة سطور أو سطور فرعية كما هو محدد في الفقرتين 2 و 4 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة.
بالنسبة للحالة الأولى فإن القرار الإداري المتعلق بتصنيف البضائع يتخذ من طرف الإدارة ممثلة في شخص المدير العام لإدارة الجمارك ويجب أن يبلغ للمعنيين بجميع الوسائل لاسيما النشر في إحدى الجرائد المرخص لها بنشر الإعلانات القانونية والإدارية أو النشر في الجريدة الرسمية. وفي المقابل يمكن أن تتخذ هذه القرارات بمبادرة من الملزم حيث يجب أن يقدم طلبه وفق نموذج خاص في أربعة نظائر وإرفاقه بنموذج من البضاعة المراد تحديد صنفها، فإذا رأت الإدارة فائدة فإنها تطبق التعريفة الجمركية المبسطة لفائدته أثناء العملية الجمركية تطبيقا للفصل الأول من القانون المالي السنوي.
في المقابل يمكن أن تتخذ هذه المقررات بطلب من الملزم أو على إثر نزاع بشأن عملية الجمرك، وفي هذه الحالة تنفذ القرارات فوراً تجاه صاحب الطلب بعد إشعار هذا الأخير وأطراف النزاع بدون أن تنشر هذه القرارات لأنها قرارات فردية.
إن قرارات تصنيف البضائع تبقى سارية المفعول إلى غاية تاريخ الاعلان عن صدور مقرر تصنيف تعديلي أو دخول المصنف التعريفي حيز التنفيذ طبقا لأحكام المادة 5 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة.
بالنسبة للحالة الثانية وهو الترخيص الذي تقوم به الإدارة للجمع في سطر أو عدة سطور فرعية عدة بضائع يكون تطبيقها خاضعا للتصنيف في عدة سطور، شريطة ألا ينتج عن ذلك الجمع أي رفع أو تخفيض من الرسوم والمكوس المستحقة في الحالة العادية ويتم هذا الإجراء أيضا بطلب من المصر للإدارة.
إن الحماية التي اقرها المشرع لتصنيف البضائع تهدف إلى تجنب الضرر الذي قد يلحق الخزينة العامة نتيجة التصريح غير الصحيح والذي يؤدي إلى التملص من الاداء الكلي أو الجزئي للرسوم الجمركية ومنها رسم الاستيراد المستحق كما ان الغش في صنف البضاعة قد يلحق ضررا بالأمن الصحي للمواطن لذا نجده يشير إلى ضرورة الفحص الطبي والنباتي.
وقد تضمنت دورية صادرة عن إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة قرارات الصنف التي سوف تتخذ من طرف الادارة بناء على طلب بسيط من طرف المعني بالأمر اعتمادا على المعلومات والوثائق المطلوبة وتتكون من:
- الاسم والعنوان
- رقم السجل التجاري لمالك البضاعة
- الهيمنة التجارية والتقنية على البضاعة
- وصف البضاعة (المحتوى عملية التصنيع، التقديم، التغليف، الاستعمال)…
- الوضع المقترح في التعريفة التي سيطبق بموجبها رسم الاستيراد
- تاريخ وتوقيع الطلب
الفرع الثالث: قواعد المنشأ
في هذا الجانب من الدراسة سنحاول التعرض لماهية قواعد المنشأ التي تعتبر شرطا ضروريا بموجبه تتمتع البضائع المستوردة بامتيازات تفضيلية خاصة، وفي الشق الثاني سنعرج على تبيان أهمية هاته القواعد.
الفقرة الأولى: ماهية قواعد المنشأ
تعتبر قواعد المنشأ بمثابة قواعد محددة لتعيين أصل منتوج وطني حتى يتسنى تطبيق القواعد التجارية حسب الحالة، أصل المنتوج يمكن أن يحدد الدولة أو مجموعة الدول على سبيل المثال في إطار اتحاد جمركي أو منطقة تبادل حر[35].
وقد عرفت مدونة الجمارك منشأ البضاعة بأنها: “البضائع التي يتم الحصول عليها بأكملها في هذا البلد مع مراعاة التعريف بأصل البضائع التي تتضمنه اتفاقيات مبرمة بين المغرب ودول أو مجموعة دول أو تتضمنه الملحقات بالاتفاقيات المذكورة التي ستطبق على العلاقات التجارية للمغرب مع الدول الموقعة على تلك الاتفاقيات.”
إن قواعد المنشأ تمكن من تطبيق تعريفة جمركية لكل منتوج، وتفرض قيودا عليه لهدف حماية التجارة.[36]
وفي المقابل يمكن أن تحدد بين الشركاء بعض المقتضيات الخاصة للإعفاء التدريجي لبعض المنتوجات في اتجاه الإعفاء الكلي حسب كل اتفاقية.
لا يمكن أن نعزو منشأ أحد المنتجات بالضرورة إلى الدولة القادم منها، أي التي قامت بتصديره فعلى سبيل المثال قد تكون بعض مكونات ومدخلات هذه السلعة المستوردة قد جاءت من دولة أو مجموعة دول أخرى أو قد تم تجميعها في بلدان أخرى متعددة وهنا يدور التساؤل حول المنشأ الأصلي لهذه السلعة أو ذلك المنتج.
وعلى الرغم من ذلك فإنه لا يمكن تجاهل أهمية معرفة الدولة المصدرة في تحديد مفهوم قواعد المنشأ، وخاصة بالنسبة لتلك القواعد التي تتطلب أحيانا نقل السلعة مباشرة بين دولة التصنيع ودولة التسويق، كما أن محددات منشأ البضائع تكون أما قانونية أو اتفاقية.
- أولا : المحددات القانونية
يقصد بها المعايير المسطرة في مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة باعتبارها قانون وطنيا، كما أنها تحدد اكتساب البضاعة للأصل انطلاقا من الإنتاج الكلي لها داخل التراب الجمركي، أي أنها تمنح صفة المنشأ للمنتج الذي لا يتضمن أي مادة أجنبية.
وقد عمل المشرع المغربي في الفصل 16 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة لحصر قائمة المنتجات بشكل دقيق سعيا منه لإزالة أي لبس أو اختلاط قد يقع أثناء عملية احتساب رسم الاستيراد.
- ثانيا: المحددات الاتفاقية
يهم هذا المعطى المعايير التي تم التوافق عليها من طرف الدول المتعاقدة في إطار اتفاق تجاري أو تعريفي ولكي تكتسب بضاعة ما صفة منشأ بلد معين طبقا للمحدد الاتفاقي.
يتعين اعتماد المعايير التالية:
- التحصيل الكلي للبضائع داخل البلد: ويعني ان صفة المنشأ تمنح للمنتوج الذي لا يتضمن أي مادة أجنبية فهذا المعيار هو الوحيد الذي يحظى في جميع الاتفاقيات بتعريف قار وموحد للمنشأ.
- التشغيل “التحويل” الكافي للبضاعة: مضمونه أن البضائع تم إنتاجها داخل البلد انطلاقا من مواد ذات أصل أجنبي لكن بعد خضوعها لعمليات تصنيع وتحويل ويشكل هذا المعيار محور المفاوضات بين الدول قبل إبرام الاتفاقيات التجارية ويرتكز هذا المعيار على المتغيرات التالية:
- تغيير في البند الجمركي الذي يصنف فيه المنتوج مقارنة مع البند الذي تصنف فيه المواد الأجنبية الداخلة في عملية التصنيع.
- تحقيق نسبة مئوية كقيمة مضاعفة منجزة محليا على البضاعة المعنية هذا المعيار يجري به العمل في الاتفاقيات التجارية المبرمة مع الدولة العربية كمصر والإمارات العربية وتونس.
- خضوع المواد لعمليات تصنيع محددة حصريا على سبيل المثال في الاتفاقية.
- التشغيل غير الكافي للبضائع: وهو قاعدة استثنائية لمعيار التشغيل الكافي للبضائع إذ أنه رغم تغييره للبند الجمركي أو تحقيقه قيمة إضافية معينة فإنه لا يعطي بأي حال من الأحوال للمنتوج الأصلي صفة منشأ، مثلا العمليات التي تجري لحفظ المنتجات في حالة جيدة أثناء النقل أو التخزين كالتهوية والتجفيف والعمليات البسيطة كإزالة الأتربة والغربلة أو الترتيب أو الغسل.
- تراكم المنشأ: هي قاعدة موجودة في معظم الاتفاقيات بحيث إن المنتج المتأصل من بلد عضو في الاتفاقية يكتسب صفة منشأ البلد الآخر عند إدماجه في منتوج البلد الآخر، ويهدف هذا المعيار إلى تحقيق اندماج صناعي حيث إنه يشجع على استعمال مواد الأطراف المتعاقدة.
- النقل المباشر للبضاعة: ولأجل ضمان مصداقية المنشأ وتفادي محاولات استبدال البضائع تنص أغلب الاتفاقيات التجارية والجمركية على هذه القاعدة غير أنها لا تمنع من التخزين المؤقت أو المسافة بشرط أن تتم تحت مراقبة السلطات الجمركية لدول العبور.
جدير بالذكر أن إثبات منشأ البضاعة يتم بواسطة شهادة صادرة عن السلطات الحكومية المختصة في البلد المصدر، لكن يمكن إثباتها بواسطة فاتورة تتضمن تعهد المصدر بمنشأ المنتوج، ويمكن الهدف من المطالبة بهذه الشهادة هو تطبيق الاتفاقيات الدولية المتعلقة بتعريفة الأفضليات حيت تعفى البضاعة من بعض الرسوم حيث أنه في بعض الحالات يتم الإعفاء من دفع رسم الاستيراد ويتم الاكتفاء عادة بتأدية رسم الضريبة على القيمة المضافة.
الفقرة الثانية: أهمية قواعد المنشأ
تبرز أهمية تحديد قواعد المنشأ في تحقيق ما يــــلي:
- تطبيق التعريفة الجمركية
غالبا ما تعمد الدول إلى تطبيق سياسة جمركية تمييزية على واردتها من كافة أنحاء العالم، حتى تتمكن الدولة المعنية من تطبيق تعريفتها الجمركية بطريقة دقيقة تتفق مع الاتفاقات التجارية التي أبرمتها مع دول العالم، فإنه يصبح من الضروري تحديد منشأ المنتج وجنسيته.
يفسر الاختلاف في تطبيق التعريفة الجمركية على الواردات القادمة من الخارج من خلال عدة أسباب، فقد يكون السبب في ذلك هو رغبة الدولة في حماية منتجاتها المحلية من المنافسة الخارجية كما قد يكون ذلك بسبب انضمام الدولة إلى تكتلات اقتصادية إقليمية تفرض عليها اتباع هذا الأسلوب التمييزي[37].
وخلال السنوات الأخيرة نلاحظ أن الدول المتقدمة قد دأبت على استخدام التعريفة الجمركية بطريقة تمييزية ضد وارداتها من دول العالم المختلفة، واستندت هذه المعاملة التمييزية أحيانا إلى رغبة هذه الدول في منح معاملة تفضيلية لمنتجات بعض الدول وبصفة خاصة الدول النامية، وأحيانا أخرى كنتيجة لتعدد التكتلات التجارية الإقليمية، ولقد انعكس ذلك على صعوبة تطبيق التعريفة الجمركية وهو ما تطلب في النهاية إحداث تغييرات وتعديلات وتطويرات متلاحقة على قواعد المنشأ.
- تطبيق التشريعات الجمركية
إن التنظيم القانوني لقواعد المنشأ يعد أمرا في غاية الأهمية، خصوصا فيما يتعلق بوضع سياسة التجارة الخارجية لأي دولة من الدول، فقد تعمد الدولة من خلال سياستها التجارية إلى فرض بعض الإجراءات والممارسات التقييدية ضد وارداتها من بعض الدول الأخرى، وذلك مثل فرض نظام الحصص ورسوم تعويضية مثل ما هو الشأن بالنسبة للنظام المغربي بالنسبة للرسم الشبه الضريبي ورسم الضريبة على القيمة المضافة ان تطبيق مثل هاته الإجراءات يقتضي بالضرورة تحديد منشأ المنتجات المعنية[38].
فضلا عن ذلك فإن منشأ السلع يلعب درا أساسيا في تطبيق القواعد القانونية المتعلقة بمكافحة الإغراق، وكذلك تطبيق الاتفاقات الاختيارية في تقييد الصادرات.
زد على ما سبق أن قواعد المنشأ تسمح بعمل إحصائيات عن الواردات القادمة من مختلف الدول، ويمكن بالتالي استخدام هذه الإحصائيات في وصف وتحليل حجم التجارة العالمي والوقوف على الممارسات الفعلية المتعلقة بالحماية التجارية على المستوى العالمي.
كما أنه من الملاحظ أن السياسات التجارية الخارجية لبعض الدول تقوم في جزء كبير منها على منح مزايا تفضيلية تجارية للعديد من شركائها التجاريين. وتتجلى هنا أهمية تحديد قواعد المنشأ من أجل التأكد من أن المزايا التجارية الممنوحة لبعض الدول بسبب وضعها الخاص لا تمتد إلى دول أخرى لا تشملها هذه المزايا. إن عدم تحديد قواعد المنشأ على نحو دقيق أو صياغتها بطريقة غامضة قد يفتح الباب أمام ممارسات غير مشروعة من قبل بعض الدول تجعل من خلالها إحدى الدول. الدولة المستفيدة من المزايا الجمركية مجرد قنطرة أو مطية لنقل منتجاتها إلى الدولة المانحة للمزايا.[39]
- المساعدة في تنفيذ اتفاقات التكامل الاقتصادي.
إن عملية تحديد قواعد المنشأ تصبح ذات أهمية كبيرة عند تكوين وتأسيس التكتلات الإقليمية مثل الاتحاد الجمركي ومناطق التجارة الحرة، كما أن قواعد المنشأ تسمح بالتأكد من توافر الشروط اللازمة لكي تستفيد المنتجات التي يتم تبادلها تجاريا بين الدول الأعضاء في هذه التكتلات من التخفيضات الجمركية الاستثنائية، ويظهر ذلك جليا من خلال المبادلات التجارية التي تحدث في إطار المناطق الحرة للتصدير، ولقد ازدادت أهمية تحديد هذه القواعد بعد التزايد المطرد في تأسيس التكتلات التجارية الإقليمية في السنوات الأخيرة.
المبحث الثاني: تقلبات رسم الاستيراد بين العوامل الداخلية والخارجية
إن تحديد التعريفة الجمركية التي ستحدد الأساس الذي ستعتمده الإدارة لتقدير الرسم يعد اختصاصا أصيلا للبرلمان، على اعتبار أن هذا الرسم يعد من الضرائب غبر المباشرة وهذه الأخيرة تعتبر حكرا على السلطة التشريعية، ولا يجوز للحكومة التدخل بتعديلها أو إلغائها إلا بموجب تفويض وبالتالي يطرح الإشكال الآتي أين يتمثل التفويض التشريعي في مجال رسم الاستيراد؟ وما مدي دستورية هذا التفويض؟
المطلب الأول: التفويض التشريعي في رسم الاستيراد
إن التفويض التشريعي نظرية ابتكرها المشرع الدستوري الفرنسي بموجبها يمكن للحكومة التدخل فيما حدده الدستور اختصاصا حصريا للسلطة التشريعية، ويكون ذلك بموجب الوثيقة الدستورية، وتعتبر نظرية التفويض التشريعي ورقة في يد الحكومة تستعملها لتحقيق مجموعة من الأهداف ذات الصبغة الحمائية.
الفرع الأول: دستورية التفويض في المجال الجمركي
لقد شكل فرض الضرائب عبر التاريخ أحد أسباب التوتر الاجتماعي وعدم الاستقرار السياسي وذلك نظرا لاستئثار الحكام بسلطة قرار التضريب،[40] غير أن التطورات المؤسساتية للدولة الحديثة دفعت إلى إخضاع القانون الجبائي لموافقة البرلمان[41] ودسترة الارتباط بين القانون والضريبة.
ينص الفصل 71 من الدستور المغربي لسنة 2011 على الاختصاص الحصري للمشرع المغربي في التشريع في المجال الضريبي من تحديد لوعاء الضرائب، ومقدارها وطرق تحصيلها. وهو بذلك يكون قد سار في نفس منحى المشرع الفرنسي الذي نص على نفس المقتضيات في الفصل 34 من دستور الجمهورية الخامسة لسنة 1958.
يجب على المشرع عند فرض ضريبة أن يضع القواعد الخاصة بالوعاء والسعر وطرق التحصيل، ويستوي في ذلك أيضا الرسوم الجمركية ومنها رسم الاستيراد، ولا يجوز له أن يترك للسلطة وضع القواعد الخاصة بأحد هذه العناصر الثلاثة وإلا يكون التشريع بذلك مخالفا للدستور.[42]
كما أنه يجب حماية اختصاص المشرع من أي اعتداء محتمل من جانب السلطة التنفيذية، وإذا كانت القاعدة العامة في مجال الحريات العامة، هي أنه لا يجوز للمشرع أن يترك للحكومة سلطة تقديرية في تحديد القواعد الأساسية، فإن القضاء الدستوري[43] يقرر حماية الاختصاص التشريعي في المجال الضريبي مهما كان واسعا، والقاعدة في هذا الشأن أنه لا يجوز للمشرع أن يقف عند أقل من اختصاصه الذي يحدد الدستور.
من خلال قرارات القضاء الدستوري يمكن أن نستخلص القاعدتين الآتيتين:[44]
- القاعدة الأولى: لا يجوز للمشرع أن يترك للسلطة التنفيذية وضع القواعد الخاصة بأحد العناصر الأساسية للفرائض الضريبية.
- القاعدة الثانية: لا يجوز للمشرع أن يترك للسلطة التنفيذية سلطة تقديرية كبيرة بشأن تطبيق القواعد التي يقررها.
بالرغم من ذلك منح المشرع الجمركي المغربي السلطة التنفيذية صلاحيات تعديل التعريفة واستبدالها، فإنه مراعاة للقواعد الدستورية جعل المشرع الجمركي لتلك الصلاحيات قوة قانونية مؤقتة، تتحقق استمراريتها بموافقة السلطة التشريعية المختصة.[45]
وسند ذلك هو الفصل الخامس من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة تنص على: “المبالغ التعريفية المشار إليها في الفصل 2 أعلاه وغيرها من الرسوم والضرائب المقبوضة على الاستيراد يمكن في حالة استعجال أن تقوم الحكومة بتعديلها أو وقف استيفائها بناء على قانون إذن بإصدار ذلك، وفقا لأحكام الفصل 70 من الدستور”.
الأصل أن القانون العادي هو المختص بتقنين رسم الاستيراد كاختصاص أصيل للبرلمان. وهذا الأخير له الحق في أن يأذن للحكومة لتتخذ بمقتضى مراسيم تدابير ما يختص به القانون وفق ضوابط مؤقتة، والسريان المؤقت لقرارات السلطة التنفيذية باستيفاء أو وقف استيفاء رسم الاستيراد، ما هو إلا توفيق بين المبادئ الدستورية السامية من جهة، ومتطلبات الواقع والظروف العملية الخاصة بالرسوم الجمركية من جهة أخرى.
الفرع الثاني: موقف المشرع من تحديد الجهة المختصة بفرض رسم الاستيراد
إن المشرع في كثير من الدول لا يميل إلى تطبيق القواعد الدستورية للضرائب على الرسوم الجمركية تطبيقا كاملا.[46]
ففي فرنسا تنص المادة 8 من قانون الجمارك على أنه “مراعاة لأحكام المادة 9 من هذا القانون يجوز للحكومة بمراسيم من مجلس الوزراء أن تعدل أو توقف أو أن تقيد كليا أو جزئيا الرسوم الجمركية على الواردات ويجب أن تقدم هذه المراسيم في شكل مشروعات بقوانين إلى الجمعية الوطنية وأن يرفق بها طلب مناقشة على وجه الاستعجال، إما حالا إذا كانت في حالة انعقاد، أو بمجرد افتتاح دور الانعقاد الجديد، ويستمر تنفيذ هذه المراسيم طالما أن البرلمان لم يفصل في الأمر.
أما في مصر تنص المادة 6 من قانون رقم 66 لسنة 1963 في شأن الجمارك على أنه “يكون تحديد التعريفة الجمركية وتعديلها من رئيس الجمهورية”، ووفقا للمادة 7 يجوز بقرار من رئيس الجمهورية إخضاع بعض البضائع – بشروط معينة – لضريبة إضافية، وأخيرا يجوز بقرار من رئيس الجمهورية إخضاع البضائع الواردة في ظروف حددتها لضريبة تعويضية.
وقرارات رئيس الجمهورية تكون في قوة القانون ويجب عرضها على الهيئة التشريعية في دورتها القائمة فور نفادها، وإلا ففي أول دورة لانعقادها فإذا لم تقرها هذه الهيئة زال ما كان لها من قوة قانونية، وبقيت نافذة بالنسبة للمدة الماضية.[47]
وفي المغرب لم يكن توجهه خلافا لما ذهب إليه سواء المشرع الفرنسي أو المشرع المصري فهو ترك سلطة وهامشا للتحرك للحكومة من خلال الفصل 70 من الدستور ولاسيما في فقرته الثالثة حيث يمكن للبرلمان أن يأذن للحكومة أن تتخذ في ظروف من الزمن محدود، ولغاية معينة، بمقتضى مراسيم تدابير يختص عادة القانون باتخاذها ويجري العمل بهذه المراسيم بمجرد نشرها. غير أنه يجب عرضها على البرلمان بقصد المصادقة عند انتهاء الأجل الذي حدده قانون الإذن بإصدارها ويبطل قانون الإذن إذا ما وقع حل مجلسي البرلمان أو أحدهما.
استنادا إلى الفصل 70 من الدستور المغربي لسنة 2011، والمادة 5 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة يحق الحكومة إصدار مراسيم تدخل حيز التطبيق فور نشرها وغالبا ما يكون الطابع الذي يبصم هذه المراسيم إما استيفاء عائدات هذا الرسم والرسوم الأخرى كالرسم الشبه الضريبي، والرسم على القيمة المضافة، وقد تكون الغاية وقف استيفاء هذا الرسم وذلك على حسب المتغيرات التي قد تطرأ على السوق الدولية، وكذلك حاجيات الحكومة لتأمين الأمن الاقتصادي والاجتماعي.
ويظهر لأول وهلة أن هذه النصوص تعطي السلطة التنفيذية اختصاصا في وضع بعض القواعد الخاصة بالرسوم الجمركية. ففي مصر فإن تحديد التعريفة الجمركية وتعديلها يكون بقرار جمهوري، وفي فرنسا يجوز للحكومة تعديل أو وقف أو إعادة الرسوم الجمركية على الواردات وذلك بمراسيم، وهو نفس الشيء بالنسبة للمغرب.
وقد دفعت بعض الاعتبارات العملية بالمشرع إلى اتباع هذا المسلك، ويتمثل ذلك فيما يلي:
- تحقيق المرونة والسرعة للتعريفة الجمركية: بما يكفل للحكومة التدخل بمراسيم وبالسرعة اللازمة لرفع الرسوم أو تخفيضها أو وقف العمل بها، دون الرجوع إلى المؤسسة التشريعية لأن العمل التشريعي لهذه الأخيرة يتسم بالبطء، إذ أن إبقاء التعريفة في شكل مرسوم أمر ضروري حتى يسهل تعديلها بسرعة حسب الظروف المتغيرة، دون الرجوع إلى البرلمان وذلك لأن طبيعة المسائل الاقتصادية تتطور بسرعة كما ذكرنا سابقا، الأمر الذي يحتاج إلى أن تتميز وسائلها أيضا بالمرونة.
- زيادة موارد الدولة: حيث أن إصدار التعريفة الجمركية بقوانين يؤدي إلى تنبيه الفاعلين الاقتصاديين وغيرهم من التجار إلى معرفة نوايا المشرع، مما يؤدي إلى تسارع هؤلاء لاستيراد كميات كبيرة من السلع التي يزاد عليها حق الدولة في استيفاء رسم الاستيراد وهذا يؤدي إلى ضياع مبالغ ضريبية والإضرار بخزينة الدولة.
- تجنب اضطراب السوق: ففي مجال الجمارك، فإن الفعالية تعني غالبا السرعة فأعمال المضاربة لا يمكن تجنبها إلا بالتطبيق الحال لتعديلات التعريفة الجمركية.
الفرع الثالث: الضوابط القانونية للتدخل الحكومي
بعد دراسة نظرية التفويض التشريعي في المغرب، سنخصص الفرع الثالث من البحث لبعض التجارب المقارنة في هذا المجال.
الفقرة الأولى: التدخل الحكومي في فرنسا ومصر
- فرنســـــــــا:
حدد الدستور الفرنسي الحالي في فرنسا الصادر سنة 1958 مجالا محددا للمشرع، يتحدد اختصاصه فيه ولا يجوز له تجاوزه وأن يكتفي في هذا المجال بتحديد القواعد أو المبادئ الأساسية المنصوص عليها في المادة 34 من الدستور.
وعلى الرغم من ذلك قرر الدستور على أنه “يجوز للحكومة من أجل تنفيذ برنامجها أن تطلب من البرلمان الإذن لها، أن تتخذ عن طريق الأوامر وخلال مدة محددة الإجراءات التي تدخل عادة في مجال التشريع.”[48]
إن الدستور الفرنسي يجيز التفويض التشريعي بحيث تتدخل السلطة التنفيذية في مجال التشريع، أي في جميع الموضوعات التي يكون للمشرع أن يشرع فيها سواء استند إلى المادة 34 أو أي نص دستوري أخر،[49] وقد استخدمت الإجراءات الدستورية للمراسيم عدة مرات في إطار الجمهورية الخامسة.
تجدر الإشارة إلى أنه قبل دستور الجمهورية الخامسة لم يكن التفويض التشريعي طبقا للفصل 13 من دستور 1956 الذي نص: ” تتولى الجمعية الوطنية وحدها الموافقة على التشريع ولا يجوز لها تفويض هذا الحق.”
واستثناء يمكن لرئيس الدولة أن يشرع في المجال الضريبي ضمن السلطات التي يستفيد منها بمقتضى الفصل 16 من دستور 1958 ذلك أن تدخله في مجال التشريعي لا يحرمه من النظر في المسائل الضريبية والرسوم الجمركية لأنها لا تتميز بأية خصوصية ولم تطبق أحاكم المادة 16 ولم تتخذ أية إجراءات ذات طبيعة مالية أو ضريبية مما يبقى معه تطبيقها في مجال الضريبة بصفة عامة ورسم الاستيراد والرسوم الجمركية أمرا نظريا.
- مصـــر:
لم يتضمن دستور 1923 في مصر نصا بخصوص اللوائح التفويضية، ومع ذلك فقد لجأ البرلمان إلى تفويض الحكومة في تعديل تعريفة الجمارك بمراسيم قوانين وبشرط عرضها على البرلمان في الدورة نفسها إلى أن يصبح قانون التعريفة الجمركية ساري المفعول.
ودستور 1971 تضمن نصا يجيز التفويض التشريعي وقد حدد بدقة شروط هذا التفويض، فالمادة 108 من الدستور تنص على أنه: “لرئيس الجمهورية عند الضرورة وفي الأحوال الاستثنائية وبناء على تفويض من مجلس الشعب بأغلبية ثلثي أعضائه أن يصدر قرارات لها قوة القانون، ويجب أن يكون التفويض لمدة محددة، و تبين فيه موضوعات هذه القرارات والأسس التي تقوم عليها ويجب عرض هذه القرارات على مجلس الشعب في أول جلسة بعد انتهاء مدة التفويض فإذا لم تعرض أو عرضت ولم يوافق عليها المجلس زال ما كان لها بقوة القانون.
وقد برز في هذا الاتجاه رأيان الأول يقر بدستورية التفويض والثاني يرى عدم دستورية التفويض التشريعي في الموضوعات المحجوزة للقانون، ومنها المجال الضريبي.[50]فبالنسبة لهذا الأخير يرى أنه إذا تطلب الدستور أن يكون تنظيم موضوع معين بقانون، فإن النص يكون ملزما للسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، فلا يجوز للمشرع أن يفوض للحكومة في هذه الموضوعات وإلا كان تفويضا مخالفا للدستور.[51]
كما يحتج هذا الرأي المخالف للتفويض أنه إن كان للقرار بقانون الصادر بناء على قانون تفويض (قوة القانون) إلا أنه ليس قانونا، والعبرة في مجال الاختصاص القرار بقانون هي بطبيعة أي باعتباره قرارا إداريا، وليس بقوته أي بالنظر إليه على أن له قوة القانون،[52] وبالتالي لا يجوز له أن ينظم الموضوعات المحجوزة دستوريا للقانون.
أما بالنسبة للاتجاه المؤيد لدستورية التفويض في المجال الضريبي فيرى أن التفويض لا يتصور ولا يكون ضروريا إلا في هذا المجال، بالإضافة لذلك حدد خاصة بالتفويض في المجال الضريبي منها أن الضرائب أصبحت فنا معقدا لا يستطيع أعضاء المجلس التشريعي عادة تفهمه ومعالجته لذلك يفضل المجلس تفويض هذا الأمر إلى السلطة التنفيذية كي تنظمه بما يتوافر لديها من خبرة وفن في هذا الصدد.[53]
الفقرة الثانية: التدخل الحكومي بالمغرب
إن التفويض التشريعي الذي تستفيد منه الحكومة في ميدان الرسوم الجمركية بصفة عامة ورسم الاستيراد بصفة خاصة يجد مبرراته في كون الاعتبارات الاقتصادية والمالية تقتضي السرعة والاستعجال في اتخاذ القرار بخصوص التعريفة الجمركية. كما أن نهج المسطرة التشريعية سيؤدي إلى الاطلاع على نوايا المشرع وهذا ما يتم تجنبه من خلال إصدار مراسيم بخصوص تطبيق الرسم على الاستيراد من عدمه.[54]
لكن ممارسة التفويض التشريعي يخضع لمجموعة من الضوابط حددها الفصل 5 من مدونة الجمارك إلي يستشف منه أن ممارسة الوظيفة التشريعية من طرف الحكومة يتم عبر عدة شروط.[55]
التدخل الحكومي في مجال الرسوم الجمركية يجب أن يستند على تفويض مسبق تمنحه المؤسسة البرلمانية في إطار الفصل 70 من الدستور ويستمر خلال فترة زمنية محددة ما دام مجرد ترخيص استثنائي ويمكن أن تصدر المراسيم التفويضية سواء خلال انعقاد الدورات البرلمانية أو خارجها أو في حالة اختتام الولاية التشريعية للمجلس.
تجدر الإشارة إلى أن الفصل 8 من مدونة الجمارك أعطى صلاحيات لوزير المالية يمكنه بمقتضاها الزيادة في الرسوم والمكوس الجمركية ومنها رسم الاستيراد على البضائع المتصلة من بلدان أو اتحادات تعامل المنتجات المغربية معاملة تقل عن معاملة البضائع للدول الأخرى. حيث أن من المسلم به أن التفويض التشريعي يتم بمرسوم وليس قرار، لكن المادة 8 نصت على أن قرارات وزير المالية تعرض على المصادقة البرلمانية بقانون مالية السنة الموالية التي تم خلالها نشر القرارات المذكورة.
- أن يكون التعديل أو الإيقاف تمليه ظروف اقتصادية أو اجتماعية أو مالية ذات صبغة استعجالية[56]، كما أن سلطة الحكومة في التشريع الجمركي مقيدة، حيث لا يمكنها إحداث رسوم جديدة أو إلغاء الرسوم القائمة فمجال تدخلها هو التعديل والإيقاف، فالتعديل يهم أسعار الرسم إما بتخفيضه أو الزيادة فيه. أما الإيقاف فهو نوع من الإلغاء المؤقت للرسم.[57]
- تخضع الحكومة في هذه المراسيم لمراقبة برلمانية بعدية، إذ يتعين عرضها على أنظار السلطة التشريعية بقصد المصادقة عند انتهاء الأجل الذي حدده قانون الإذن بإصدارها ويبدو أن فعالية المراقبة البرلمانية ستتقوى حيث سيؤدي ذلك إلى مراقبتها فور الانتهاء بالعمل بها عوض انتظار قانون المالية وهو الشرط الذي نص عليه الدستور السابق.[58]
تجدر الإشارة إلى أن أغلب التعديلات في التعريفة الجمركية عادة ما تكون في إطار سياسة اقتصادية معينة، تم تحديد أبعادها من قبل السلطة التشريعية ومراجعتها من خلال تداولها ومناقشتها خلال جلسات هذه السلطة، وفي هذه الحالة تعتبر السلطة التنفيذية أداة تنفيذ للسياسة الاقتصادية التي تمت الموافقة عليها من قبل السلطة التشريعية.[59]
بالرغم من الانعكاسات التي قد تنتج عن ممارسة السلطة التنفيذية لمثل هذه الصلاحيات في فترات قصيرة، والتي من أهمها عدم تمكن الأفراد من معرفة مركزهم القانوني (الضرائب المستحقة عنهم لصالح الجهات العامة) فإن هذا الافتراض أقل قيمة بمقارنته بحقيقة هي أكثر أهمية، وهي أن التغيير في الأحكام الضريبية في فترات زمنية قصيرة غالبا ما يكون نتيجة للتطورات المستمرة للعلاقات التجارية والظروف الاقتصادية والاجتماعية، التي تستوجب ملائمة الأحكام الضريبية لها. وتكون هذه الحقيقة أكثر وضوحا في ظروف البلدان النامية التي تشهد أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية تطورا سريعا.
المطلب الثاني: آليات التفويض التشريعي وأهدافه
لقد نص المشرع الدستوري على نظرية التفويض التشريعي في الدستور وحدد لها مجموعة من الآليات والضوابط لتطبيقها بشكل صحيح على أرض الواقع، ومن الوسائل المعتمدة في ذلك نجد آلية قانون الإذن، و قانون المالية، كما أن المشرع الدستوري يهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف ذات الطابع الاقتصادي و الاجتماعي و التي لا تسعف المسطرة التشريعية في إدراكها، و يبقى بالتالي المجال مفتوحا للتدخل الحكومي.
الفرع الأول: الآليات المعتمدة لتفويض البرلمان للحكومة تحديد رسم الاستيراد
من أبرز الآليات المعتمدة في هذا الإطار هي الفصل 70 في فقرته الثالثة عبر مراسيم الضرورة ثم قانون المالية السنوي.
- قوانين الإذن وفق الفصل 70 من الدستور
تقوم الدولة المعاصرة على مبدأ سيادة المشروعية ويعرف هذا الحكم بمبدأ سيادة القانون.[60]
لكن هذا المبدأ إن كان صالحا تطبيقه في الأوقات والظروف الطبيعية إلا أنه يكون صعب التطبيق في ظل الأزمات والظروف غير الطبيعية التي لا تخلو منها حياة أي دولة، فالدولة كالأفراد تتعرض لفترات عصيبة تهدد أمنها (الغذائي الاجتماعي، الاقتصادي…) ونظامها للخطر والانهيار، وهنا يجوز للدولة الخروج عن القانون في حالة الضرورة الملحة، غير أن ذلك لا يعني إهدار مبدأ المشروعية أو تعطيله وإنما الإبقاء عليه مع توسيع نطاقه ومداه. حيث يبقى أمرا قانونيا مشروعا وذلك في إطار المشروعية الاستثنائية لأن سلامة البلاد فوق كل اعتبار.
لقد تبنت بعض الدول تطبيقات هذه النظرية في قواعد محددة سلفا والمغرب من الدول التي أخذت بهذا التطبيق،[61] وأخذت به فرنسا في الفصل 38 من دستور 1958.
وتجد نظرية الضرورة أصلها في الفقه الإسلامي،[62] حيث يلخصها الفقهاء بأنها خوف من الهلاك على النفس أو المال سواء أكان هذا الخوف علما أي أمرا متيقنا أو ظنا يراد به الظن الراجع وهو المبني على أسباب معقولة.
والملاحظ أن المشرع الدستوري والمشرع الجمركي المغربيين قد قاما بالتنصيص في الفصلين 7 من الدستور والفصل الخامس من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة على حق اتخاذ مراسيم وهو ما يلاحظ بالنسبة لرسم الاستيراد، حيث أن الحكومة تراقب معطيات السوق الدولية ومستجداتها، دون إغفال حاجياتها من المواد لسد المخزون ضمانا للأمنين الاقتصادي والاجتماعي وحماية للمنتوج الوطني (صناعيا أو فلاحيا أو تجاريا) وبموجب ذلك تتخذ في شكل مرسوم إجراءات بشأن وقف استيفاء الرسم أو تعديله أو فرضه وذلك خلال مدة محددة على أساس أن تعرضه على البرلمان للمصادقة عليه.
- قانون المالية:
منذ إطلالة الفجر الأول للدولة عرفت الأعباء المالية العامة الملقاة على عاتق أفراد الشعب كوسيلة تلجأ إليها السلطة السياسية لتمويل نفقاتها المختلفة، فما من نظام حكم نشأ إلا وكان باعته اعتبارات مالية نشيد على أساسها معالم النظام السياسي وتدعم بموجبها ركائزه، وقد بدت معالم هذا الاتجاه واضحة في الأفق بعد أن تخطت الدولة نطاق وظائفها التقليدية المقتصرة على وظائف الدولة الحارسة لتبلغ نطاقها الحديث ذا السرعة المتدخلة في كافة ميادين الحياة العامة.[63]
تسليما لمبدأ سيادة القانون في الشؤون المالية فإنه يتحتم على السلطة التشريعية ممارسة صلاحياتها التشريعية في تنظيم الشؤون المالية وهو ما استقرت عليه الديمقراطيات المتقدمة والدساتير العصرية. ومن بين الأمور التي يعهد بتنظيمها للبرلمان والتي تعد من اختصاصه هي المجال الضريبي سواء كانت ضرائب مباشرة أو غير مباشرة.
ويرتبط قانون المالية ارتباطا وثيقا بفرض الضرائب والرسوم الجمركية خصوصا رسم الاستيراد حيث أن أغلب قوانين المالية يصدر بمقدمتها تعديل التعريفات الجمركية لبعض المواد أو إلغاء التعريفات الجمركية لبعض المواد كما يتبين من خلال القانون المدة التي سيقف خلالها استيفاء الرسوم الجمركية.
الفرع الثاني: الأهداف المتوخاة من طرف المشرع بخصوص التفويض للحكومة في رسم الاستيراد
إن المشرع لم يعط التفويض في مجال رسم الاستيراد للجهاز التنفيذي اعتباطا فمن رواء ذلك يهدف إلى غايات وأهداف.
الفقرة الأولى: الأهداف على المستوى الاقتصادي
اقترنت الضريبة بوجود الدولة، وأصبح لها مفهوم معاصر، يقوم على اعتبار الضريبة إحدى الوسائل المالية التي تمكن الدولة من التدخل لتنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية بل وصياغة العلاقات التجارية مع الدول الأخرى، وتأتي الرسوم الجمركية وفي مقدمتها رسم الاستيراد ضمن أنواع الضرائب التي تفرضها الدولة باعتبارها وسيلة هامة من وسائل التدخل المالي.[64]
وعلى اعتبار أن الرسوم الجمركية جزء من النظام الضريبي للدول، فإن أسباب الاختلاف التي تم الإشارة لها سابقا تؤدي إلى تطويع الرسوم الجمركية ومنها رسم الاستيراد لتكون في نفس إطار السياسة الضريبية للدولة.
وإن كانت السياسة الجمركية تصاغ وتنفذ متأثرة بمحيطين متغيرين: أولهما محلي ومؤداه الاتجاه نحو تحقيق الأهداف المالية والاقتصادية للدولة، والأخر خارجي ويهدف إلى خلق علاقات تجارية فعالة اقتصاديا ومتوازنة دوليا، حيث تساهم عائدات رسم الاستيراد إضافة إلى باقي الرسوم الجمركية في تحقيق إيراد مالي لدعم خزينة الدولة ثم حماية وتشجيع الإنتاج الموجه للاستهلاك المحلي أو التصدير.[65]
تمثل الرسوم الجمركية باعتبارها أداة ذات تأثير هام على سياسات الدولة، ويستهدف نظام الرسوم الجمركية إلى جانب تحقيق الغرض المالي أهداف ذات بعد اقتصادي تتساوى معه في الوجود وتفوقه في الأهمية لعدة أسباب:
- المساهمة في التنمية الاقتصادية وذلك بإرساء دعائم نظام اقتصادي ديمقراطي، عن طريق وضع استراتيجيات التنمية الشاملة تحقيقا للاكتفاء الذاتي والاعتماد على القدرات الوطنية بقدر ما تتيحه الإمكانيات المحلية.
وقد ارتبط رسم الاستيراد ارتباطا وثيقا بخطط التنمية الاقتصادية،[66] سواء من خلال الحماية بزيادة الرسم على الواردات المثيلة للإنتاج المحلي أو من خلال التشجيع بإعفاء السلع العامة للعمليات الإنتاجية.
- تكامل الأهداف المالية والاقتصادية إذ يعد الهدف المالي هدفا اقتصاديا في حد ذاته لأن السياسة المالية والسياسة الاقتصادية يكمل كل منهما الآخر، لأن الميزانية عموما تتصف بمبدأين مهمين هما الوحدة والشمول.
فالميزانية تضم كافة الأنشطة التي تقوم بها الدولة وفي مقدمتها النشاط الاقتصادي،[67] التي تتولى جانبا هاما منه وتظهر صور ارتباط الهدف المالي بالأهداف الاقتصادية الأخرى في عدة أوجه، فعندما نقوم بفرض أو زيادة مستوى رسم الاستيراد على الواردات التي لها مثيل من الإنتاج المحلي فالدور الظاهر هنا حماية الإنتاج المحلي من المنافسة غير المتوازنة بين الإنتاج المحلي والإنتاج الخارجي، إلا أن ذلك الإجراء ينطوي على معالجة النقص في النقد الخارجي على اعتبار أن هذه الصناعة المحلية لو استوردت من الخارج، لأدى ذلك إلى صرف أموال باهظة من النقد الخارجي الذي يجب ان يوجه نحو شراء منتجات أخرى تشتد لها حاجة الدولة،[68] ولا تستطيع الحصول عليها بغير ذلك.
يعتبر رسم الاستيراد أداة من أدوات تمويل الخزينة العامة كما ذكرنا ذلك سابقا ويبرز أثر هذا العنصر بشكل متفاوت من دولة لأخرى وفقا لظروفها وأوضاعها المالية والاقتصادية والاجتماعية.[69]وقد يتحقق الغرض المالي من رسم الاستيراد بصفة خاصة والرسوم الجمركية بصفة عامة في صورة أخرى عندما تستخدم كأداة لتقليل الأموال في يد الأفراد، ما يحد من التضخم مع ترشيد استهلاك موضوع فرض الرسم.
ويكون رسم الاستيراد الوارد بالتعريفة الجمركية ذات غرض مالي في حالتين:
- إذا فرضت ضريبة على سلعة لا تنتج محليا، ولم يترتب على ذلك تشجيع لإنتاج سعة محلية مثيلة أو بديلة للسلعة المستوردة.
- إذا فرضت الضريبة على سلعة مستوردة لها بديل محلي مع فرض ضريبة أخرى داخلية على السلعة المحلية مساوية للضريبة الجمركية.
بالرغم من تقدم الهدف الاقتصادي والاجتماعي على الهدف المالي في التعريفة الجمركية،[70] فإن مسألة التمويل المالي للخزينة العامة له أهميته وذلك لمقدار الحصيلة المالية التي تتم جبايتها فعليا من خلال الفئات الضريبية ذات الأهداف الاقتصادية والاجتماعية إضافة إلى الفئات الضريبية ذات الهدف المالي.[71]
الفرع الثاني: الأهداف على المستوى الاجتماعي والباعث الحمائي
أنه من الأهمية بمكان ربط سياسة الرسوم الجمركية بسياسة توزيع الثروة التي يفترض أنها تنشد التوازن بين الدخول، بما يحقق العدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع المنتمين لشرائح ذات مستويات اجتماعية مختلفة، ويمكن لرسم الاستيراد باعتباره مكونا من مكونات الرسوم الجمركية المساهمة في توازن دخول الأفراد[72] عن طريق أسلوبين:
الأول: بتخفيض رسم الاستيراد على السلع الضرورية للاستهلاك الجماعي العام أو الخاص لتمكين الفئات المحدودة الدخل من الحصول عليها أو منفعتها بأسعار مناسبة.
الثاني: توجيه موارد الرسوم الجمركية ومنها فعلا عائدات رسم الاستيراد لما يحقق حاجات هذه الفئات من المجتمع.[73]
يمكن القول بأن هدف العدالة الاجتماعية يمكن تحقيقه نسبيا من خلال جميع الرسوم الجمركية والضرائب الأخرى مهما كان مستواها وهدفها، إذا ما تم إقرار مستوى الضريبة بهدف توزيع حصيلتها بما يخدم التوازن بين فئات المجتمع المختلفة إلا أن ذلك يتوقف على الأسبقية التي تحوزها الأهداف الاجتماعية بين الأهداف الأخرى التي كثيرا ما يدخل في تقديرها عدة اعتبارات.
يتوخى الباعث الحمائي والإنمائي تحقيق عدة أهداف من أهمها منافسة السلعة المستوردة للسلع الوطنية، حيث أصبح الغرض الاقتصادي للرسوم الجمركية يحوز أسبقية هامة بين الاهداف الأخرى، وفي مقدمة ذلك حماية الإنتاج وتشجيعه وخاصة في المراحل الأولى للإنتاج الصناعي والفلاحي التي غالبا ما تواجه فيها الصناعات المحلية منافسة حادة من الإنتاج المستورد من الخارج.
يبدو واضحا أهمية الدور الحمائي للرسوم الجمركية عند تراجع الدولة عن تطبيق قواعد المنح أو القيود الكمية نظرا لوجود رسم الاستيراد لمواجهة انسياب السلع الأجنبية إلى الداخل، ويظهر ذلك جليا في الدول التي تميل في تنظيم علاقاتها التجارية نحو التجارة الحرة. وما يزيد من أهمية الرسوم الجمركية القبول الدولي لهذا النوع من العوائق.
ويقوم رسم الاستيراد بدوره الحمائي من خلال تأثيره على السعر الذي تباع به السلع المستوردة في الأسواق المحلية، مما يحد من القدرة التنافسية المستقاة من الجودة العالية أو السعر المنخفض للسلع المستوردة مقارنة بالسلع المحلية.
بالرغم مما تحققه الرسوم الجمركية بصفة عامة ورسم الاستيراد بصفة خاصة من حماية للإنتاج المحلي إلا أنها قد تؤدي للإضرار بالمستهلك خاصة عندما يكون الرسم عاليا جدا للفارق الكبير بين السعر والسلع المستوردة والمحلية، وأن الإنتاج المحلي لا يغطي إلا جزءا صغيرا من الاستهلاك المحلي، وأن السلعة تعد من الضروريات كما أن الحماية التي يتم استهدافها عن طريق فرض الرسم، لا تخلو من أن تترتب عليها بعض الانعكاسات السلبية لحدوث أمور غير متوقعة أو عند عدم الأخذ في الاعتبار النواحي الاقتصادية الأخرى ذات العلاقة.[74]
قد ينتج عن الرسوم التي تهدف للحماية بعض الانعكاسات السلبية على القطاع الذي قرر الرسم لخدمة أهدافه وذلك عندما تساهم السلعة المفروضة عليها رسم الاستيراد في إنتاج سلعة محلية مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة السلعة المحلية، مما يدعوا إلى اتخاذ إجراء حمائي من الحماية ذاتها، وإلا انعكس ذلك على مستوى الأسعار المحلية والتصديرية.
تجدر الإشارة إلى أن الحماية التي تحققها الرسوم الجمركية وفي مقدمتها رسم الاستيراد هي الحماية العامة، وهناك حماية استثنائية تقوم بها أنواع أخرى من الرسوم توجه ضد الإغراق.[75]
خاتمة:
إن دور التشريع في هذا المجال مهم نظرا لارتباط الضريبة بظهور المؤسسة التشريعية، وكذلك لأن الشعب هو من تناط به تحديد مقدارها عن طريق ممثليه ولكن التدخل الحكومي في مجال ضبط الاستيراد له ماله وعليه ما عليه، ذلك أن الحكومة تتدخل كما اسلفنا الذكر لتقنين ما يرد إلى التراب الخاضع من منتوجات حتى لا يصيب المنتوج الاقتصادي الوطني، كما أن ما يعاب على التدخل الحكومي في مجال استيفاء أو تعديل أو وقف استيفاء رسم الاستيراد والرسوم الاخرى حسب بعض الفقه هو انتزاع السلطة التنفيذية لاختصاص اصيل يعود للبرلمان، وقد جاء الفصل 71 من الدستور لكي يضفي نوعا من التوازن ويتجلى ذلك من خلال عرض مختلف ما قامت به الحكومة من أعمال والذي هو من صميم اختصاص المؤسسة التشريعية على انظار هذه الاخيرة في اطار رقابة بعدية يمارسها البرلمان على الحكومة.
يمكن القول على أن الدستور المغربي لسنة 2011 قد جاء متقدما خصوصا في ميدان فصل السلط وإقامة التوازن فيما بينها وقد افضنا في الحديث في الفصل 70 الذي يجسد هذا التوازن بين الحكومة والبرلمان والذي كان ينشده أغلب الباحثين في المجال المالي بصفة عامة والمجال الجمركي بصفة خاصة، خصوصا في مجال المراقبة البعدية ومسؤولية وزير الاقتصاد والمالية ورئيس الحكومة في هذا الصدد.
[1]. Moulay Larbi Alaoui, « le droit douanier au Maroc genèse et évolution » édition Ibn Sina 1995, p 94
[2]Taher Daoudi, pratique de l’import, impermerie Al Maarif ; 2ème édition, p 74.
[3]قانون رقم 07.79 المؤرخ في 26 شعبان 1399 الموافق لـ 21 يوليوز 1959 المعدل والمتمم بالقانون رقم 10.98 المؤرخ في 29 ربيع الثاني عام 1419 الموافق لـ 22 غشت سنة 1998 والمتضمن قانون الجمارك.
[4]تنظيمات الجماركRDII.
[5]الفصل 4 من قانون المالية رقم 25.00 للفترة المعتمدة الممتدة من 1 يوليوز إلى 31 دجنبر 2000.
[6]Taher Daoudi, op.cit., p 80.
[7]Frederic Daniel Rouget, CP des SES Mayotte, 2006 – 2009, p 4.
[8]Frederic Daniel Rouget, op.cit, p 5.
[9]L’article 4 de l’ordonnance du 2 janvier 1959 portant loi organique relative au lois de finances de France.
[10]Jean Claude Maitrot, parafiscalité, Encyclopédie universelle, mai 2014, p 7.
[11]Jean Claude Maitrot, op.cit, p 10.
[12]Loi organique du 1eraout 2001 relative aux lois de finances (L.O.L.F).
[13]محمد محمد عبد اللطيف، الضمانات الدستورية في المجال الضريبي، دراسة مقارنة بين مصر والكويت وفرنسا، مطبوعات جامعة الكويت، 1999
[14]François Gagnaine, Taxes parafiscales affectées et législation sur les aides d’états, p 4.
[15]مرسوم رقم 2.97.352 صادر في 24 صفر 1418 ( 30 يونيو 1997) بفرض رسم شبه ضريبي يسمى ”الرسم على التنمية التعاونية لفائدة مكتب تنمية التعاون”.
[16]راجع الفصل 89 من المدونة العامة للضرائب.
[17]كما تم ذلك بمقتضى الفصل 11 من قانون مالية سنة 1993.
[18]د سعيد جعفري، الضريبة و النظام الضريبي؛ مطبعة النجاح الجديدة، 2013؛ص 14؛142.
[19]تعرف ايضا نظاما للإعفاءات وصلت في قانون مالية سنة 2009 الى 42 اعفاء.
[20] RDII Douan.gouv.ma
[21]حسن قربيج، منازعات الوعاء في المادة الجمركية بحث لنيل شهادة الماستر، كليةالحقوق سلا، 2011 – 2012، ص 14.
[22]عبد اللطيف الناصري، الأبعاد القانونية والاقتصادية والجبائية للنظام الجمركي، أطروحة دكتوراه، ص 54.
[23]اتفاق ابرم سنة 1947 بجنيف لتنظيم التعاون الدولي في المجال التجاري وحلت محله سنة 1995 منظمة التجارة العالمية، DALLOZ، ص 289 – 288.
[24]Moulay Larbi Alaoui, le droit Douanier au Maroc, Genèse et évolution, année 1996, p 145.
[25]FOB :Abréviation is Free on Boord, et en francaissignifie “Port d’ambarquement”.
[26]حسن قربيج، مرجع سابق، ص 14.
[27]محمد برادة غزيول، مدونة و تنظيمات الجمارك و الضرائب غير المباشرة، دار النشر المعرفة، الرباط، الطبعة الثانية،2000، ص 47.
[28]عبد الله ولد، مدونة الجمارك و الضرائب غير المباشرة مع الاجتهاد القضاء المغربي و المقارن، 2000، ص 33.
[29]الفصل 20 مكرر أحدى عشر مرة في مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة.
[30]عبد اللطيف الناصري، مرجع سابق، ص 108.
[31]تمت إضافة هذا العنصر بموجب المادة 3 من قانون المالية 45.02 المصادق عليه بالظهير الشريف رقم 1.02.362 بتاريخ 31/12/2002 جريدة رسمية عدد 5069 المكرر بتاريخ 1/1/2003.
[32]عبد اللطيف الناصري مرجع سابق، ص 60.
[33]حسن قربيج مرجع سابق، ص 16.
[34]الفصل 20 مكرر سبع مرات من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة.
[35] Franklin Dehousse et Philippe Vincent ; « les règles d’origine de la communauté européenne »Bruylant Bruxelles, 1999, P4-5.
[36] محمد إبراهيم محمود الشافعي، أثر قواعد المنشأ الواردة باتفاقات المشاركة الأوربية المتوسطية على التجارة البينية للدول العربية في السلع الوسيطة، مجلة العلوم القانونية و الاقتصادية، العدد الثاني، السنة الواحدة و الخمسون، يوليوز 2009، ص 241-242.
[37]محمد إبراهيم محمود الشافعي؛ مرجع سابق؛ ص 243.
[38]J. Jackson, world trade and the law of GATT, Bobbs-merril company Inc nž2,I.B.D.D, P 105
[39]F.Forrester, « EEC Customs Law : Rules of Origins and Preferential Duty Treatment”, European Law Review, 1980, P, 173
[40]عبد اللطيف الناصري؛ التشريع الجبائي بين الاختصاص البرلماني والتفويض التشريعي: الرسوم الجمركية نموذجا، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية؛ سلسة دراسات؛ 2006؛ ص 69.
[41]إن منح البرلمان إحداث وإلغاء الأعباء الضريبية نجد تأصيله التاريخي والسياسي في كون المؤسسات السياسية في الديمقراطيات الغربية قامت على اساس الموافقة الشعبية على الإلزام الضريبي بعد نضالات طويلة للتحرر من سلطة الحكام المطلقة.
[42]د محمد عبد اللطيف؛ الضمانات الدستورية في المجال الضريبي دراسة مقارنة بين مصر والكويت؛ مطبوعات جامعة الكويت؛ 1999؛ ص 50.
[43]Le conseil constitutionnel et la protection des droits fondamentaux (présentation faite lors du vingtième anniversaire de la révision constitutionnelle de 1974).
[44]C. C ; 19 juillet 1982, n 162 D.C, Rec, p 49.
[45] المهدي محمد فليفلة؛ النظم الجمركية والتجارة الدولية: تحليل لنظم الضرائب الجمركية المحلية والدولية دراسة مقارنة، مجلس الثقافة العام؛ ص 66.
[46] محمد عبد اللطيف؛ مرجع سابق؛ ص 41.
[47]محمد محمد عبد اللطيف؛ مرجع سابق؛ ص 89.
[48]L’article 38 de la constitutionde France 1956.
[49]GUIEZE (J.L) le partage des compétences entre la loi et le règlement en matière financiers, L.G.D.J, 1974.
[50]محمد محمد عبد اللطيف، مرجع سابق، ص 90.
[51]د السيد صبري، مبادئ القانون الدستوري؛ القاهرة؛ الطبعة الرابعة 1949؛ ص 72.
[52]سليمان محمد الطماوي؛ النظرية العامة للقرارات الإدارية؛ دار الفكر العربي؛ ص 493.
[53]Morgane (J), L’exercice du pouvoir réglementaire en matière fiscale, R. S.L.F 1953 , 670.
[54]عبد اللطيف الناصري؛ مرجع سابق؛ ص 72.
[55]عبد اللطيف الناصري؛ مرجع سابق؛ ص 73-74.
[56]Claude.Berr et Henry Tremeau, le droit douaniere communautaire et national, paris, economica, 1997, éd 4, P 115-116.
[57]عبد اللطيف الناصري؛ مرجع سابق؛ ص 74.
[58]الفصل 45 من دستور 1996.
[59] المهدي محمد فليفلة مرجع سابق؛ ص 70.
[60] ثورية العيوني؛ القضاء الإداري و رقابته على أعمال الإدارة دراسة مقارنة؛ الطبعة الأولى 2005؛ ص 4.
[61]راجع الفقرة 3 من الفصل 70 من الدستور المغربي لسنة 2011.
[62] يوسف قاسم، مبادئ الفقه الإسلامي، دار النهضة العربية، ص 111.
[63]عثمان غيلان، الاختصاص التشريعي للبرلمان في الشؤون المالية؛ سنة 2004، ص 7.
[64]د المهدي محمد فليفلة، النظم الجمركية والتجارة الدولية، مجلس الثقافية العام، ص 85.
[65]د المهدي محمد فليفلة، مرجع سابق، ص 87.
[66]محمد محمد عبد اللطيف، مرجع سابق، ص 34.
[67]د المهدي فليفلة، مرجع سابق، ص 89.
[68]د محمد محمد عبد اللطيف، مرجع سابق.
[69]د حسن احمد التوفيق، التجارة الخارجية – دراسة تطبيقية، الهيئة العامة للمطابع الأميرية، 1978، ص 23.
[70]د المهدي فليفلة، مرجع سابق، ص 96.
[71]د حسن احمد توفيق، مرجع سابق، ص 32.
[72]د يونس البطريق، أصول الأنظمة الضريبية، المكتب المصري الحديث للطباعة والنشر، ص 20.
[73]د المهدي محمد فليفلة، مرجع سابق، ص 102.
[74]Richard Blackhusst, Nicolas Marian, Jean Tumlir: Trade liberlisation Protection and interdependence, (GATT) studies in International trade, november 1977, p 22 – 23.
[75]يصطلح عليه ايضا بـ Antidunping والهدف منه نهج سياسة حمائية للمنتجات الوطنية.