يوسف فريد الإدريسي
باحث في العقار والتعمير
جامعة المولى إسماعيل بمكناس
مقدمة
اهتمت جل التشريعات إن لم نقل كلها بتنظيم التبليغ من أجل ضمان الحق في الدفاع، والمشرع المغربي بدوره سن بموجب قانون المسطرة المدنية ([1]) مجموعة من المقتضيات المتعلقة بالتبليغ “سواء من حيث البيانات التي يجب أن تتضمنها الاستدعاءات وشهادة التسليم والإنذارات وطريقة إنجاز الطيات القضائية، أو من حيث الجهات المكلفة بالتبليغ، بالإضافة إلى مكان التبليغ أو موطن المبلغ إليه”([2])
ويكتسي التبليغ أهمية بالغة في مسطرة التحفيظ العقاري، وضمانة أساسية لذوي الحقوق؛ حيث يتم بموجبه دعوتهم من أجل التدخل في مسطرة التحفيظ للدفاع عن حقوقهم، ويتميز التبليغ في هذه مسطرة بخصوصيات عدة لكون إن مسطرة التحفيظ العقاري أحيانا تمر بمرحلتين إدارية والأخرى قضائية.
فالتبليغ في المرحلة الإدارية للتحفيظ يتم بواسطة النشر في الجريدة الرسمية والجرائد الوطنية وبواسطة التعليقات لدى الجهات الإدارية والقضائية.
أما التبليغ في المرحلة القضائية للتحفيظ فقد أخال به ظهير التحفيظ العقاري ([3]) على المقتضيات العامة المنصوص عليها بموجب قانون المسطرة المدنية، لكن على الرغم من ذلك فإن هناك مجموعة من الخصوصيات يمتاز بها التبليغ عندما يتعلق الأمر بقضايا التحفيظ العقاري، من هنا تظهر الإشكالية الأساسية التي يثيرها الموضوع والتي يمكن صياغتها على الشكل التالي:
إلى أي حد يخضع التبليغ في مادة التحفيظ العقاري لضوابط ونظم التبليغ المعمول بها في قانون المسطرة المدنية؟ وما هي خصوصيات مسطرة التبليغ في مادة التحفيظ العقاري؟
هذه الإشكالية سنحاول الإجابة عنها باعتماد التقسيم التالي:
المطلب الأول: الجهات المكلفة بتبليغ الأحكام القضائية في مسطرة التحفيظ العقاري
المطلب الثاني: مدى انسجام طرق التبليغ مع خصوصيات قضايا التحفيظ العقاري
المطلب الأول:
الجهات المكلفة بتبليغ الأحكام القضائية في مسطرة التحفيظ العقاري
يتميز التبليغ خلال المرحلة القضائية للتحفيظ العقاري بمجموعة من الخصوصيات أهمها تطبيق مقتضيات الفصل 26 من القرار الوزيري 3 يونيو 1915 ([4]) إذ يبقى هذا الفصل النص المطبق في حالة تعذر تبليغ الطرف بعنوانه نتيجة عدم تعيينه موطن للمخابرة معه بالمحافظة العقارية وبالتالي يتم توجيه التبليغ إلى النيابة العامة، لكن هل هذا المقتضى القانوني الصريح يفيد استبعاد مسطرة القيم في نزاعات التحفيظ العقاري، هذا ما سنحاول الإحاطة به من خلال هذا المحور وفق التقسيم الاتي بيانه:
الفقرة الأولى: دور النيابة العامة في التبليغ
الفقرة الثانية: مدى إمكانية التبليغ عن طريق القيم
الفقرة الأولى: دور النيابة العامة في التبليغ
بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 26 من القرار الوزيري 3 يونيو 1915 نجده ينص على أن كل طالب تحفيظ أو متدخل أو متعرض يجب عليه تعيين موطن للمخابرة معه بمقر المحافظة إذا لم يكن موطنه الفعلي بدائرة المحافظة المذكورة، وإذا لم يتم ذلك فإن جميع التبليغات تعتبر صحيحة بمجرد توجيهها إلى النيابة العامة.
يستفاد من هذا الفصل إن المشرع الزم كل طالب تحفيظ أو متدخل أو متعرض بتعيين محل للمخابرة معه، بدائرة نفوذ المحافظة العقارية المتواجد بها العقار، ومعلوم أن تخلف هذا البيان قد يفضي إلى تجميد مسطرة التحفيظ لذلك اتخذ المشرع إجراءاً احترازيا، إذ اعتبر كل تخلف عن تعيين موطن مختار للمخابرة بمثابة تنازل صريح عن الخيار في التعيين وبالتالي الخضوع الإجباري للموطن القانوني، إلا وهو النيابة العامة ([5]).
في هذا الإطار هناك من يرى أن المطلوب من الفصل 26 هو توجيه الإنذار إلى مكتب وكيل الملك، دون حاجة إلى قيام النيابة العامة بالسهر على تبليغ الإنذار إلى المعني بالآمر، وهذا ما قصده المشرع حينما اعتبر أن الإعلامات والتنبيهات الموجهة تعد كأنها واصلة إليه بمجرد تسليمها لمكتب وكيل الملك ([6]).
والسؤال المطروح ما هو الأجل الذي تعتبر فيه تلك التبليغات صحيحة ما دام أن المشرع من خلال الفصل لم يحدد أي أجل؟
في هذا الإطار هناك من يرى أنه لتحديد الأجل الذي ينبغي اعتماده في التبليغ وفق الفصل 26 من القرار الوزيري، يتعين الرجوع إلى المسطرة المدنية والتقيد بالآجال المحددة فيها باعتبارها القانون العام الواجب التطبيق عندما يسكت النص الخاص، وعليه فإن أجل الشهر المنصوص عليه في الفصل 441 من قانون المسطرة المدنية هو الأجل المعتمد لاعتبار التبليغ إلى النيابة العامة تبليغا صحيحا([7]).
بالإضافة إلى ذلك، يطرح تساؤل أخر يتعلق بالحالة التي يكون فيها المرسل إليه يقيم خارج المغرب، هل نطبق مقتضيات الفصل 37 من قانون المسطرة المدنية ([8])، الذي ينظم كيفية تبليغ الاستدعاء في الحالة التي يكون فيها المرسل إليه يقيم خارج المغرب، أي التبليغ بالطريقة الدبلوماسية أم نكتفي بالتبليغ عن طريق النيابة العامة وفق مقتضيات الفصل 26 من القرار الوزيري؟
بالرجوع إلى الفصل 40 من ظهير التحفيظ العقاري نجده ينص على أن “بمجرد صدور الحكم وقبل انصرام ثمانية أيام يبلغ ملخصه إلى طالب التحفيظ وإلى جميع المتعرضين وفق الشكل المقرر في قانون المسطرة المدنية…”، ويضيف الفصل 47 على انه “يبلغ القرار الاستئنافي وفق الكيفية المقررة في قانون المسطرة المدنية…”.
وبالتالي فإن هذين الفصلين أحالا على قانون المسطرة المدنية بخصوص تبليغ الأحكام والقرارات القضائية الصادرة في نزاعات التحفيظ العقاري، وهذا يعني تطبيق الفصل 37 من قانون المسطرة المدنية، ومن تم فإن هذه الإحالة تتعارض مع مقتضيات الفصل 26 من القرار الوزيري، فمن الأولى بالتطبيق هل مقتضيات ظهير التحفيظ العقاري الذي يحيل على الفصل 37 من قانون المسطرة المدنية، أم الفصل 26 من القرار الوزيري؟ وبعبارة أوضح هل يمكن لهذه الإحالة أن تعطل المقتضيات الواردة في الفصل 26 من القرار الوزيري؟
في هذا الإطار يمكن القول إن الأمر محسوم فيه على اعتبار أن القرار الوزيري على الرغم من قيمته القانونية الا انه يبقى أدني من القيمة التي يتمتع بها الظهير نظرا لمكانته السامية داخل الهرم القانوني، وهذا يعني ترجيح مقتضيات ظهير التحفيظ العقاري على القرار الوزيري وذلك على أساس مبدأ تدرج القوانين وتراتبيتها.
الفقرة الثانية: مدى إمكانية التبليغ عن طريق القيم
حسب مقتضيات الفصل 39 ([9]) من قانون المسطرة المدنية، انه إذا تعذر العثور على الشخص المراد تبليغه، فإنه يتم تنصيب قيم لكي يقوم بهمة البحث -بمساعدة النيابة العامة والسلطات الإدارية -عن المعني بالأمر.
وبالرجوع إلى ظهير التحفيظ العقاري نجده يحيل بمقتضى الفصلين 40 و47 منه على قواعد المسطرة المدنية وبالتالي تطبيق الفصل 39 المنظم لمسطرة القيم، لكن بالمقابل من ذلك نجد الفصل 26 من القرار الوزيري الذي ينص بشكل صريح على توجيه التبليغ إلى النيابة العامة في حالة عدم تعيين موطن المخابرة بمقر المحافظة العقارية.
والسؤال المطروح هل المشرع بإحالته على الفصل 39 من قانون المسطرة المدنية لم ينتبه إلى مقتضيات الفصل 26 من القرار الوزيري باعتباره نص خاص أولى بالتطبيق في حالة عدم العثور على الشخص المراد تبليغه؟
في هذا الإطار يمكن القول إن قصد المشرع من وراء هذه الإحالة التراجع عن تطبيق الفصل 26 من القرار الوزيري، ذلك أن هذا الفصل لا يوفر ضمانات للطرف المعني بالتبليغ كل ما في الأمر أن المشرع اعتبر التبليغ صحيحا بمجرد توجيهه إلى النيابة العامة ولم يلزم هذه الأخيرة بالبحث عن المعني بالأمر من أجل تبليغه، عكس القيم الذي يقوم بالبحث عن الطرف وتقديم المعلومات المفيدة للدفاع عنه.
وإذا افترضنا أن المشرع بالفعل أراد تطبيق الفصل 39 من قانون المسطرة المدنية “فإن ذلك لا ينسجم مع بعض المقتضيات التشريعية الواردة في ظهير التحفيظ العقاري، كالفصل 13 الذي ينص على انه: يقدم طالب التحفيظ للمحافظ على الأملاك العقارية، مقابل وصل يسلم له فورا، مطلبا موقعا من طرفه أو ممن ينوب عنه بوكالة صحيحة، يتضمن لزوما ما يلي:
- …….
- تعيين عنوان أو موطن مختار في الدائرة الترابية التابعة لنفوذ المحافظة العقارية الموجود بها الملك، إذا لم يكن لطالب التحفيظ محل إقامة في هذه الدائرة…”.
بالإضافة إلى ذلك نجد الفصل 25 الذي ينص على انه “تقدم التعرضات عن طريق تصريح كتابي أو شفوي… إن التصريحات والرسائل المحررة للغرض المشار إليه سابقا يجب أن تبين فيها هوية المتعرض، حالته المدنية، عنوانه الحقيقي أو المختار…”.
بقراءة لهذين الفصلين يلاحظ أن المشرع الزم طالب التحفيظ والمتعرض بضرورة تعيين عنوانه الحقيقي أو موطن مختار إذا لم يكن موطنه الفعلي داخل دائرة المحافظة العقارية، وبالتالي ما الفائدة من تنصيب قيم في نزاعات التحفيظ العقاري، فالقيم يتم تعيينه في الحالة التي يكون فيها موطن أو محل إقامة الطرف غير معروف لكن ظهير التحفيظ العقاري يلزم الأطراف بضرورة الإدلاء بعنوانيهم.
أما على مستوى العمل القضائي نجده هو الأخر يسير في اتجاه تعيين قيم في قضايا التحفيظ العقاري، في هذا الإطار نذكر الأمر الصادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بوجدة([10]) والذي جاء فيه: “نحن رئيس المحكمة الابتدائية بوجدة إذ نبت في اطار مقتضيات المادة 148 من قانون المسطرة المدنية.
حيث انه وان كان الأمر يتعلق بحكم صادر في مادة التحفيظ العقاري، فإن تعيين القيم ليتولى البحث عن المطلوبين في التبليغ، وذلك لتبليغهم الحكم طبقا للقانون، فالطلب تبعا لذلك وجيه ومبرر لأجله نوافق على الطلب، وتعيين القيم… للقيام بإجراء تبليغ الحكم… ونأمر بإعمال مقتضيات المادة 441 من قانون المسطرة المدنية…”.
كما جاء في حكم ابتدائية الناظور([11]) “…وحيث بلغت نسخة من مقال التعرض لطالبي التحفيظ قصد الجواب بواسطة محام، ورجعت الإفادة انهم غير معروفين، مما تقرر معه تعيين قيم قضائي في حقهم…”.
الملاحظ إذن أن العمل القضائي يستبعد تبليغ الحكم أو الاستدعاء مجهول العنوان في قضايا التحفيظ إلى النيابة العامة والاكتفاء بالتبليغ عن طريق القيم ما دام إن ظهير التحفيظ العقاري أحال على قانون المسطرة المدنية.
المطلب الثاني:
مدى انسجام طرق التبليغ مع خصوصيات قضايا التحفيظ العقاري
لم تتوقف خصوصيات التبليغ في المرحلة القضائية للتحفيظ عند حد التبليغ عن طريق النيابة العامة والقيم، وإنما هناك خصوصيات أخرى ويتعلق الأمر بالآجال إذ أن أجل التبليغ المنصوص عليه في ظهير التحفيظ العقاري يختلف عن الآجال المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية، هذه الخصوصية تفرعت عنها إشكالية حول مدى خضوع تبليغ الأحكام الصادرة في نزاعات التحفيظ العقاري لمبدأ التبليغ بالجلسة. كل هذه الخصوصيات سنحاول الإحاطة بها في هذا المحور وفق التقسيم التالي:
الفقرة الأولى: مدى احترام آجال التبليغ
ثانيا: إمكانية التبليغ بالجلسة
الفقرة الأولى: مدى احترام آجال التبليغ
بالرجوع إلى الفصل 40 من ظهير التحفيظ العقاري نجده ينص على أنه: “بمجرد صدور الحكم وقبل انصرام ثمانية أيام يبلغ ملخصه إلى طالب التحفيظ وإلى جميع المتعرضين وفق الشكل المقرر في قانون المسطرة المدنية، يمكن استئناف هذا الحكم داخل الأجل المحدد في نفس القانون”.
وللإشارة فإن أجل ثمانية أيام المحددة لتبليغ الأحكام والقرارات في نزاعات التحفيظ العقاري غير ملزمة لكتابة الضبط لعدم نص المشرع على أي جزاء في حالة الإخلال به ([12])، مما سيؤدي إلى عدم احترام هذا الأجل.
والسؤال المطروح هنا في حالة عدم احترام أجل 8 أيام للتبليغ المنصوص عليها في الفصل المذكور، هل يعتبر التبليغ باطلا؟
تجيبنا محكمة النقض -المجلس الأعلى سابقا([13]) -في قرار لها الذي جاء في حيثياته “…. حيث يعيب الطاعنان القرار بخرق مقتضيات الفصل 40 من التحفيظ العقاري الذي ينص على انه بمجرد صدور الحكم وعلى أبعد حد خلال مدة لا تتجاوز ثمانية أيام يبلغ ملخصه إلى طالب التحفيظ والى جميع الأطراف… وبالرجوع إلى الملف يتبين أن كاتب الضبط لم يبلغ الأطراف بالحكم خلال ثمانية أيام باعتبار أن النص جاء على صيغة الإلزام مما يجعل تعليل القرار المطعون فيه غير مطابق مع مقتضيات الفصل المذكور والذي اعتمدته المحكمة مما يعرضها للنقض”([14]).
ونتساءل عن حالة عدم نص طي التبليغ على إمكانية استئناف الحكم داخل الآجال المقررة هل يعتبر التبليغ باطلا؟
أجاب الاجتهاد القضائي عن هذا التساؤل في العديد من المناسبات نذكر منها قرار المجلس الأعلى -محكمة النقض حاليا -([15]) الذي جاء فيه: “إن القرار المطعون فيه لما اعتمد تبليغ حكم ابتدائي صدر في اطار مسطرة التحفيظ لم يشعر فيه المبلغ إليه انه بإمكان طلب استئنافه داخل الآجال المقررة في قانون المسطرة المدنية واعتبر ذلك التبليغ سليما ورتب على عدم قبول الاستئناف فقد خرق مقتضيات الفصل 40 وتعرض للنقض والإبطال”.
وبالتالي فالقضاء يعتبر التبليغ الذي لم تتم فيه الإشارة على أجل الاستئناف يعد تبليغا باطلا، لكن هذا كان قبل تعديل الفصل 40 من ظهير التحفيظ العقاري الذي كان ينص على ضرورة نص طي التبليغ على انه بالإمكان طلب الاستئناف داخل الآجال المقررة في الفصل 134 من قانون المسطرة المدنية ([16])، أما بعد التعديل أصبح الفصل 40 يقضي بأن الحكم الصادر يبلغ في ظرف ثمانية أيام من صدوره دون أن يتضمن هذا التبليغ عبارة إن هذا الحكم قابل للاستئناف كما كان سائدا قبل التعديل، وبالتالي فالفصل 40 في صيغته الجديدة يوحي بأن الحكم قابل للطعن بالاستئناف تلقائيا ولو لم ينص في هذا التبليغ على قابلية هذا الحكم للطعن بالاستئناف ([17]).
الفقرة الثانية: إمكانية التبليغ بالجلسة
بالرجوع إلى الفصل 50 من قانون المسطرة المدنية نجده ينص في فقرته الثامنة على انه “يبلغ كاتب الضبط حالا عند صدور الحكم حضوريا ومعاينة حضور الأطراف أو وكلائهم بالجلسة الحكم الذي صدر ويسلم لهم نسخة من منطوق الحكم ويشار في أخره إلى أن التبليغ والتسليم قد وقعا، ويشعر الرئيس علاوة على ذلك إذا كان الحكم قابلا لاستئناف الأطراف أو وكلائهم بأن لهم أجلا قدره ثلاثون يوما من يوم صدور الحكم للطعن فيه بالاستئناف، ويضمن هذا الإشعار من طرف الكاتب في الحكم بعد التبليغ.”
وبالرجوع إلى ظهير التحفيظ العقاري نجده يحيل على قانون المسطرة المدنية بخصوص تبليغ الأحكام الصادرة في نزاعات التحفيظ العقاري، وبالتالي فإن هذه الإحالة تجيز تطبيق مقتضيات الفقرة الثامنة من الفصل 50 المتعلقة بالتبليغ بالجلسة.
غير أن القضاء والفقه كان له موقف مغاير إذ جاء في احدى قرارات محكمة النقض -المجلس الأعلى سابقا-([18]) “… في اطار رده على الطاعنين بخرق القانون ذلك إن ظهير 12 غشت 1913 المنظم للتحفيظ العقاري وضع نصوصا خاصة تنظم كل ما يتعلق بتحفيظ الأملاك العقارية والمنازعة بشأنه والمسطرة المتبعة في كل ما يتعلق من منازعة واختصاص وآجال. وبالرجوع إلى الفصل 40 نجده ينص على انه بمجرد صدور الحكم، وعلى أبعد حد خلال مدة لا تتجاوز ثمانية أيام…، هذا وان الفصل 40 هو الواجب التطبيق في تبليغ الحكم الابتدائي وذلك لأن الحكم صدر في مادة خاصة ينظمها قانون خاص هو ظهير التحفيظ العقاري، عملا بالمبدأ القائل بأن النص الخاص يقدم على العام الذي هو الفصل 50 من قانون المسطرة المدنية مما يكون معه القرار خارقا لمقتضيات الفصل 40 من ظهير التحفيظ العقاري ومعرضا للنقض”.
كما جاء في قرار أخر “حقا إن الفصل 40 من ظهير التحفيظ العقاري يقرر قاعدة خاصة لتبليغ الأحكام الابتدائية الصادرة في دعاوى مسطرة التحفيظ….، وجوب تبليغ ملخص الحكم عقب صدوره في أجل أقصاه ثمانية أيام، ومع وجود هاته المقتضيات لا معنى لتأسيس التبليغ على غيرها من المقتضيات العامة المنصوص عليها في الفصل 50 من قانون المسطرة المدنية، وهاته المقتضيات العامة توجب التنصيص في أخر الحكم إلى أن التبليغ والتسليم قد وقعا، وهو ما يشير له الحكم الابتدائي المستأنف مما يجعل التبليغ في الجلسة غير مستوفي للشروط المطلوبة فيه”([19]).
نفس التوجه ذهب عليه بعض الفقه ([20]) الذي يعتبر أن الأحكام الحضورية الصادرة عن المحاكم الابتدائية في مادة التحفيظ العقاري لا تبلغ بالجلسة وفق مقتضيات الفقرة الثامنة من المادة 50 من قانون المسطرة المدنية، غير أن هذا القول الرامي إلى استبعاد التبليغ بالجلسة يبقى مجانبا للصواب، على اعتبار أن التبليغ بهذه الطريقة لا يتعارض مع مسطرة التحفيظ العقاري، بل يمكن القول على أن التبليغ بالجلسة يتوافق مع فلسفة المشرع الرامية إلى تسريع مسطرة التحفيظ.
خاتمة:
صفوة القول التبليغ في إطار التحفيظ العقاري يطرح مشاكل عديدة لتجاوزها فإن الأمر يتطلب:
تفعيل دور النيابة العامة وإعطائها دور مهم في مسطرة التبليغ بدل الاكتفاء بالدور الشكلي الذي اسنده لها القانون، فقد لوحظ أن القضاء يستبعد تطبيق الفصل 26 من القرار الوزيري ويعمل على تطبيق الفصل 39 من قانون المسطرة المدنية، وبالتالي ليس هناك أي مبرر لاستبعاده نظر لصراحة مقتضياته وباعتباره نص خاص أولى بالتطبيق، لكن في نفس الوقت ينبغي إدخال تعديل على الفصل 26 المذكور وذلك بإلزام النيابة العامة بالبحث عن المعني بالأمر قصد تبليغه،
المشرع جاء بخصوصية على مستوى أجل تبليغ الأحكام في نزاعات في التحفيظ العقاري، وهي خصوصية تختلف عما هو منصوص عليه في قانون المسطرة المدنية، إذ حدد هذا الأجل في ثمانية أيام هدفه من وراء ذلك تسريع مسطرة التحفيظ، إلا انه في الواقع العملي لوحظ أن هذا الأجل لا يحترم لذا فإن الأمر يتطلب ترتيب جزاءات على عدم احترامه،
ليس هناك ما يمنع من تبليغ الحكم بالجلسة استنادا للمادة 50 من قانون المسطرة المدنية ما دام انه يتوافق مع فلسفة المشرع الرامية إلى تسريع مسطرة التحفيظ.
[1] ظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.74.447 بتاريخ 11 رمضان 1394 (28 شتنبر 1974)، منشور بالجريدة الرسمية عدد 3230 مكرر، بتاريخ 13 رمضان 1394 (30 شتنبر 1974)، ص. 2741.
[2] بوبكر بهلول: “مسطرة التبليغ القضائي والتبليغ الإلكتروني”، سلسلة الإدارة القضائية، العدد الرابع، طبع ونشر مكتبة دار السلام بالرباط، يونيو 2005، ص. 23.
[3] تم تغيير وتتميم هذا الظهير بموجب القانون رقم 14.07 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.177 الصادر في 25 من ذي الحجة 1432 (22 نونبر 2011)، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 24 نوفمبر 2011، ص. 5575.
[4] نسخ هذا القرار باستثناء الفصول، 1 و 10 و 23 و 26 و 29 و 30 و 31 و 34 و 36 و 37 و 38، وذلك بموجب المرسوم رقم 2.13.18 الصادر في 16 من رمضان 1435 (14 يوليو 2014) في شأن إجراءات التحفيظ العقاري، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6277 الصادرة بتاريخ 30 رمضان 1435 (28 يوليو 2014).
[5] عبد الإله المرابط: “دور النيابة العامة في نظام التحفيظ العقاري”، مجلة الأملاد، عدد مزدوج 45 -، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش 2006، ص. 271.
[6] محمد عبد المحسن البقالي الحسني: “دور النيابة العامة في مسطرة التحفيظ العقاري”، مساهمة قدمت لموقع عدالة البوابة القانونية والقضائية لوزارة العدل، ص. 6 و7، تاريخ الاطلاع: http://www.justice.gov.ma 2015-10-29
[7] إبراهيم بحماني: “تنفيذ الأحكام العقارية -دراسة قانونية في التبليغ والتنفيذ”، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2001، ص. 72.
[8] عدل وتمم بالظهير الشريف رقم 153-11-1 الصادر بتاريخ 17 غست 2001 بتنفيذ القانون رقم 11/ 33 القاضي بتعديل الفصول: 32-37-38-39-431 من قانون المسطرة المدنية، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5975 بتاريخ 05 شتنبر 2011، ص. 4389 وما بعدها.
[9] غير بمقتضى القانون رقم 11-33 السالف الذكر.
[10] أمر قضائي صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بوجدة رقم 821/ 09 بتاريخ 08/05/2009، أوردته سمرة محدوب: “الازدواجية الإجرائية أمام قضاء التحفيظ العقاري على ضوء الاجتهاد القضائي ومستجدات القانون رقم 07-14″، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة، السنة الجامعية 2012-2013، ص. 216.
[11] حكم المحكمة الابتدائية بالناظور رقم 619 ملف رقم 24/ 44 بتاريخ 15/09/1996. أوردته سمرة محدوب، مرجع سابق، ص. 215.
[12] مصطفى الكيلة: “خصوصيات المسطرة في قضايا التحفيظ العقاري”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة، السنة الجامعية: 2009-2010، ص. 256.
[13] المجلس الأعلى اصبح يسمى بمحكمة النقض بمقتضى القانون رقم 58.11 المغير للظهير الشريف رقم 1.57.223 الصادر في 27 سبتمبر 1957 بشأن المجلس الأعلى، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.170 بتاريخ 25 أكتوبر 2011، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5989 مكرر بتاريخ 26 أكتوبر 2011.
[14] قرار محكمة النقض عدد 1029 بتاريخ 08/09/2000، في الملف المدني عدد 518/1/98، أورده حسن بكري: “إشكاليات قانونية في التبليغ من خلال العمل القضائي -جمع وعرض لأهم الأحكام الصادرة عن المحاكم المغربية”، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولى 2003، ص. 235.
[15] قرار عدد 1029 سبق الإشارة إليه.
[16] الفصل 40 في صيغته القديمة كان ينص: “بمجرد صدور الحكم وعلى ابعد حد خلال مدة لا تتجاوز 8 أيام يرسل ملخص الحكم إلى طالب التحفيظ والى جميع الأطراف وفي عنوانيهم المختارة وينص هذا التبليغ على انه بالإمكان طلب الاستئناف داخل الآجال المقررة في الفصل 134 من قانون المسطرة المدنية”.
[17] ينظر رشيد مشقاقة: “حول التبليغ التلقائي في قضايا التحفيظ العقاري”، منشور بمجلة المحكمة العدد 6، يناير 2006، ص. 537-538.
[18] قرار المجلس الأعلى بتاريخ، مارس 1989 في الملف المدني رقم 4668/ 83، أورده محمد بفقير: “مبادئ التبليغ على ضوء قضاء المجلس الأعلى”، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولى 2005، ص. 126-127.
[19] القرار رقم 1100 بتاريخ في 16/5/1999 في الملف عدد 1140/84، منشور عند عبد العزيز توفيق: “قضاء المجلس الأعلى في التحفيظ خلال أربعين سنة” الطبعة الأولى، 1999، ص. 203.
[20] محمد بفقير، مرجع سابق، ص. 128.