الاستاذ محمد مسوس
هيئة المحامين لدى محكمتي الاستئناف
بأكادير والعيون
شاع بين الملزمين بالضريبة أنهم يتعرضون لبعض تعسفات الإدارات الجبائية (إدارة الضرائب، الخزينة والجماعات المحلية). والخوض في هذا الموضوع شائك ومتشعب ولا يتسع المجال لذكر كل ما يمت إليه بصلة. وسنعمل في هذه المقالة على حصر الحديث حول التحصيل أي تحصيل الديون العمومية والذي ينظمه القانون 15-97. بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية الصادر بتنفيذ الظهير رقم -00-1571 بتاريخ 2000/5/3 والذي دخل حيز التنفيذ (الجريدة الرسمية رقم 4800 بتاريخ 1/6/ 2000).
فما هي المبادئ التي سطرها هذا القانون؟ وإلى أي حد يحترم المحاسبون-المكلفون بالتحصيل تلك المبادئ؟ وما هي الضمانات التي منحها هذا القانون للملزمين بالضريبة؟
قبل صدور قانون 15/97 المحدث لقانون تحصيل الديون العمومية فإن تحصيل الديون العمومية للدولة كانت تحكمه عدة نصوص مبعثرة من بينها ظهير 22 نونبر 1924 المتعلق بتحصيل الديون العمومية للدولة، وظهير 31 غشت 1935 المنظم للمتابعات في مادة الضرائب المباشرة والذي تم تغييره بظهير 6 مارس 1961.
هذا القانون الجديد أتى بعدة تغيرات مهمة تهدف بالأساس إلى تحسين المداخيل الجبائية وتقوية الضمانات الممنوحة للخزينة ومحاربة تنظيم الإفلاس. هذا القانون لم
ينسى كذلك الضمانات الممنوحة للملزم للضريبة ومن بينها جعل مساطر التحصيل أكثر مرونة، وكذلك تبسيط وتخفيف الجزاءات في حالة الأداء المتأخر.
ويبدو أن الهدف من هذا القانون هو تحسين العلاقات بين الإدارة والملزم بإيجاد توازن بين الطرف لكن وعلى الرغم من هذه الضمانات الممنوحة للملزم، فإن التحصيل الحبى للديون دولة يبقى استثناءا من القاعدة الشيء الذي يمكن تفسيره بنوع من النقص في “المواطنة الجبائية ” في تصرفات الملزم بالضريبة.
فحسب ترتيب الزمنى، فإن تحصيل الديون العمومية يمر عبر مرحلتين:
مرحلة التحصيل الحبى وهي مسطرة أداء الديون العمومية المتروكة لمبادرة الملزم بالضريبة، وتمتد من تاريخ إصدار الديون إلى تاريخ استحقاقها، ثم مرحلة التحصيل الجبري والتي تتميز باستعمال الإدارة لامتيازاتها المفرطة من اجل تحصيل ديونها، وهذه المرحلة تعتبر أكثر خطورة بالنسبة للخاضعين للضريبة والعاجزين عن الأداء والذين يدخلون في نزاع مع الإدارة وما يسببه تبعات نفسية ومالية سلبية عليهم.
فالمحاسب المكلف بالتحصيل لا يملك خيارا، فهو ملزم بتحصيل مجموع الديون المتحملة ويتعين عليه تحريك جميع طرق التنفيذ الخولة له قانونا وذلك من اجل إجبار الخاضعين العنيدين على أداء ديونهم.
أمام هذه الوضعية يختل التوازن بين الإدارة والخاضع للضريبة، حيت تبدأ الضمانات الممنوحة للخاضع للضريبة بالانقراض مع مرور الوقت وتزامنه مع لجوء الإدارة إلى اتخاذ الإجراءات جائرة وبشكل تصاعدي، غير أن هذا لا يعنى أن
الإدارة تملك جميع الصلاحيات في تحريك المتابعات كلما أرادت وكيفما شاءت، ذلك لأن المشرع أجر هذه الأخيرة على احترام بعض الشروط الأولية قبل اللجوء إلى التحصيل الجبري ، هذه المسطرة والتي لا يمكن تحريكها إلا بعد توافر أربعة شروط وهي:
- وجود سند تنفيذي يثبت أن الدين مستحق.
- ارسال إشعار بدون صائر.
- إرسال إنذار قبل الحجز.
- ترخيص رئيس الإدارة التابع لها المحاسب المكلف بالتحصيل من اجل مباشرة جميع العمليات المنتجة للصائر.
بالإضافة إلى ذلك، فإن قانون 15/97 اخضع قرارات الإدارة، عندما يتعلق الأمر بالتحصيل الجبري على الأموال الخاضعة للضرائب إلى ثلاثة شروط أخرى وهي؟
شروط تتعلق بالديون: يعنى أن التحصيل الجبري لا يمكن مباشرته إلا بمقتضى سند تنفيذي ودين مستحق.
شروط تتعلق بالأشخاص: ذلك أن القانون قد حدد الأشخاص المؤهلين لمباشرة إجراءات التحصيل والمتابعات، وكدا الأشخاص الدين يمكن أن يكونوا موضوع هذه المسطرة.
شروط تتعلق بالأموال: حيث انه وبمقتضى الضمان العام الممنوح للخازن فإن المحاسب المكلف بالتحصيل له الصلاحيات في مصادرة جميع الأموال المنقولة والعقارية للخاضعين للضريبة.
حتى في حال تواجدها بين يدي الغير، إلا انه ولاعتبارات متعددة فإن المشرع قد أدخل بعض الاستثناءات والتي جعلت من أن بعض الأموال تبقى غير قابلة للحجز كيفما كان نوعه سواء كان تحفظيا أو تنفيذيا أو لدى الغير أو لدى الحائز.
فالمفترض في المدين أن يفي بدينه بطريقة حبية، لكن وفى غالب الأحيان فالمدينون يتعنتون في تنفيذ التزاماتهم مما حدا بالمشرع إلى إيجاد مساطر تفضي إلى التنفيذ الجبري بواسطة طرق التنفيذ.
في الديون العمومية فإن الخاضع للضريبة والذي لم يف بالتزامه بالأداء على الرغم من انصرام الأجل الممنوح له. بمقتضى أخر إشعار بدون صائر أو الإنذار قبل الحجز فإن المحاسبين المكلفين بالتحصيل يمكنهم مباشرة المتابعات في مواجهة المدين المتعنت.
فالإجراء الأول المتخذ غالبا هو الإنذار بالأداء فإذا بقي بدون مفعول فسوف تتم مباشرة إجراءات التنفيذ طبقا للقواعد العامة للقانون مثل الحجز لدى الغير أو الحجز العقاري أو بواسطة مساطر خاصة كإشعار الغير الحائز أو استثنائيا بواسطة الإكراه البدني.
أهمية الموضوع:
كما أشرنا إلى ذلك فإن الخزينة يمكنها أن تستعمل جميع المساطر من اجل استيفاء ديونها وبالتالي فالتنفيذ على أموال المدين هو الطريقة الأكثر شيوعا حاليا لا سيما وان مسطرة الإكراه البدني لا يلجا إليها إلا في حالات استثنائية وبشروط محددة وهي حصيلة للمبدأ الذي يجعل من أن أموال المدين ضمان عام لدائنيه.
فالخزينة يمكنها اللجوء من اجل تحصيل ديونها إلى طرق التنفيذ في إطار القواعد العامة أو اللجوء إلى مساطر خاصة في التنفيذ ويعتبر الحجز -لدى الغير المسطرة الأكثر استعمالا من طرف الخزينة، لكن هذه المسطرة وفي نظر الخزينة تبقى عديمة المفعول لاستغراقها وقتا طويلا وكذلك لتكلفتها.
قبل صدور قانون 15/97 المتعلق بتحصيل الديون العمومية كان ظهير 21 غشت 1935 ينظم المتابعات بخصوص الضرائب المباشرة، حيث أن الإدارة كانت تتوفر على ضمانات التحصيل والتي تتجلى في إعطاء مستخرج الجدول طابعا تنفيذيا يسمح للإدارة. بمتابعة التنفيذ الجبري دون اللجوء إلى القضاء.
وبالفعل فبمجرد انقضاء الأجل الممنوح للخاضع بالأداء فإنه يتوصل بإشعار بدون صائر وبعد انصرام 30 يوما يمكن للقابض ان يصدر إكراها إداريا من اجل مباشرة المتابعات والتي تضم ثلاثة درجات: الإنذار، الإكراه البدني، تم الحجز والبيع، وبالتالي فبواسطة الاكراه الإداري تبدأ مسطرة التنفيذ الجبري.
فادا كان صحيحا ان بعض الخاضعين للضريبة إن لم يكن معظمهم يتعاملون بسوء نية في أداء ضرائبهم فإن ضعف المقتضيات الوقائية او الضمانات القانونية لا يجد له اي تفسير، فانعدام المساواة بين الطرفين تسير لصالح الإدارة هدا بالإضافة إلى انه حتى في حالة لجوء الخاضع للضريبة إلى القضاء فإنه لا يمكنه إيقاف إجراءات التحصيل الجبري وهدا يعنى ان المسطرة القضائية لا تسمح حتى بتخفيف حدة أو شطط أعوان إدارة الضرائب المكلفين بالتحصيل.
أولا : المبادئ المسطرة في القانون 97 – 15:
إن القانون 15-97 لا يؤطر سوى تحصيل الديون العمومية ذلك أن التأسيس-ربط الضرائب-تنظمه مجموعة من القوانين نذكر منها المدونة العامة للضرائب، مدونة الجمارك وقانون جبايات الجماعات المحلية. فهذه الأخيرة تنصب على كل الإجراءات والمساطر التي يجب سلوكها من طرف الإدارة لتأسيس الضريبة واحتسابها وفرضها على الملزم. فهي لا تخص سوى القواعد التي بها يتحدد مبلغ الضريبة وآجالها سواء من التصريح او الاستحقاق أو الإلغاء أو التخفيف منها أو تخفيضها.
أما القانون 15-97 الذي هو موضوعنا، فلا يتدخل إلا في مرحلة التحصيل أي بعد انقضاء وانتهاء مرحلة تأسيس الضريبة واحتسابها وفرضها. وتنفيذ هذا القانون موكول للمحاسبين المكلفين بالتحصيل سواء منهم التابعون للخزينة العامة أو التابعون للإدارة الجبائية أو التابعون للجماعات المحلية والجمارك والمحاكم ويعرفون بالقباض والذين يعمل تحت إمرتهم مجموعة من الأعوان.
وللإحاطة بالضوابط القانونية الموكولة للقباض وتنفيذها والسهر على إعمالها فإنه لا محيد من التعرف إلى:
- الموظفون المكلفون بالتحصيل.
- طرق التحصيل.
- طرق الأداء.
- الموظفون المكلفون بالتحصيل:
هم المنصوص عليهم في المادة 3 من القانون 15-97 ويشملون الخازن العام للمملكة والخزنة الجهويون والإقليميون وخزنة العمالات والقباض والقباض الجماعيون وقباض الجمارك وقباض التسجيل وقباض الإدارة الجبائية وكتاب الضبط لدى المحاكم والأعوان المحاسبون بالمؤسسات العمومية وكلهم خاضعون في علاقاتهم بالملزم لأحكام هذا القانون.
- طرق التحصيل:
إن طرق التحصيل متعددة وتنقسم إلى صنفين فمنها الأداء التلقائي وبواسطة تصريح الملزم، ومنها ما يتم بموجب أوامر بالمداخيل وتكون على شكل قوائم الإيرادات بالنسبة إلى الضرائب والرسوم او على شكل سجلات الحراسة بالنسبة إلى مداخيل أملاك الدولة، كما تكون على شكل مستخرجات سجلات الصفوف الثابتة فيما يخص التسجيل والتمبر أو على شكل مستخرجات الأحكام أو قرارات الحجز.
ولا يطرح الصنف الأول أي اشكال إذ أن الأداء يتم تلقائيا، أما الصنف الثاني الذي يتم تحصيله. بموجب أوامر بالمداخيل فهي التي تطرح بعض المشاكل من حيث التطبيق لأنها تخضع لمجموعة من المساطر والآجال والتي يجب على الإدارة احترامها. وهي:
– إخبار الملزمين من طرف الإدارة بتواريخ الشروع في التحصيل بكل وسائل الإخبار.
– إرسال إعلام من طرف الإدارة إلى الملزم عند الشروع في التحصيل.
وتستحق الضرائب والرسوم عند انصرام الشهر الثاني الموالي لتاريخ الشروع في التحصيل بالنسبة للمدرجة في الجداول أو بعد انصرام الشهر الموالي للشهر الذي تم خلاله اقتطاعها من الأداءات الخاضعة لها (الحجز في المنبع).
فإذا كان استيفاء الديون العمومية رضائيا في المرحلة التي تمتد إلى تاريخ الاستحقاق، فإنه بعد هذا التاريخ يتم الرجوع إلى مساطر التحصيل الجبري والذي سن له المشرع ثلاث درجات وهي: الإنذار فالحجز ثم البيع. ولا يمكن مباشرتها إلا بعد انصرام أجل 30 يوم على تاريخ الاستحقاق و20 يوما بعد تاريخ إرسال اخر إشعار بدون صائر.
من الناحية العملية فإن الإدارة ترسل للملزم إشعارا أولا قبل تاريخ الاستحقاق ثم إشعارا آخر بعد ذات التاريخ قبل اخر إشعار دون صائر السالف الذكر.
- طرق الأداء:
يمكن أداء الضرائب والرسوم إما نقدا أو بواسطة شيك أو عن طريق تحويل او إيداع مبالغ في حساب مفتوح في اسم المحاسب المكلف بالتحصيل أو أية وسيلة أخرى منصوص عليها في القوانين.
وكل هذه الطرق في التحصيل والأداء واضحة من حيث المبدأ لكنها حسب ما لاحظناه وحسب ما يشيعه بعض الملزمين فإنها تطرح بعض المشاكل من حيث التطبيق إذ يشتكي الملزمون مما يسمونه تجاوزات من طرف المحاسبين المكلفين
بالتحصيل.
ثانيا : هل هناك تجاوزات من طرف المكلفين بالتحصيل؟
إن ما سمي بالتجاوزات لا يظهر إلا خلال مراحل التحصيل الجبري من حيث تطبيق الجزاءات في التأطير وأثر الإنذار ومن حيث الإدراج.
- الجزاءات:
إن بعد فوات تاريخ الاستحقاق يتم تطبيق الزيادات والغرامات على المبالغ المستحقة طبقا للمواد 21 إلى26 من القانون 15-97. وبالرغم من أنه، من حيث الناحية العملية، ترسل الإدارة إشعارا إلى الملزمين قبل تاريخ الاستحقاق، فإن هؤلاء يشتكون من كونهم لا يتوصلون بهذا الإعلام مما يجعل الأداء خارج الآجال خارجا عن إرادتهم، وتواجه الإدارة الملزمين بأنها ترسل الإشعارات إلى العناوين التي يمنحها او يصرح بها الملزمون لديها.
ومما لا شك فيه أن هؤلاء يجدون أنفسهم أمام كم هائل من الاعلامات لا حول لهم ولا قوة إزاءها. كما لوحظ في بعض الأحياء أن هذه الاعلامات توجه إلى المقاطعات الإدارية ليكلف المقدمون والشيوخ بتوزيعها.
- الإنذار:
لوحظ أنه بعد مباشرة المحاسبين المكلفين بالتحصيل لبعض إجراءات الحجز والبيع أن بعض الملزمين يعيبون على القباض عدم سلوك التدرج في الإجراءات والمنصوص عليه في المواد من 36 إلى 40 من مدونة التحصيل. ذلك أن الملزم يفاجئ بحجز على حسابه البنكي دون إنذار مسبق ودون إشعاره بوقوع ذات الحجز. وتروج عدة دعاوى أمام المحاكم الإدارية تتعلق بإجراءات التحصيل الجبري. ومن الملاحظ أن معظمها يحسم لصالح الملزم. ذلك انه في معظم الأحيان لا يدلي القباض. مما يفيد قيامهم بذات الإنذار أو مما يفيد توصل الملزم به والتوقيع عليه أو رفضه ذلك.
- الإدراج:
إن القانون 15-97في مادته 27 يلزم المحاسب المكلف بالتحصيل أن يدرج المبالغ الجزئية المؤداة أولا على الدين الذي للمدين مصلحة أكثر في تسديده، أو على الدين الأكثر كلفة بالنسبة إليه ومن بين عدة ديون متساوية التكلفة على أقدمها. ومن هذا يشتكي بعض الملزمين من كون القابض يدرج المبالغ الجزئية المدفوعة له حسب هواه. وليس على الدين الأكثر تكلفة أو الذي له مصلحة في أدائه بالأولوية.
ومن هذه الناحية تجدر الإشارة إلى التقادم المنصوص عليه في المادة 123 من مدونة التحصيل والذي ينص على أنه تتقادم إجراءات التحصيل. بمرور 4 سنوات على تاريخ الشروع في التحصيل. وسنعود إلى هذا خلال مناقشتنا للضمانات التي يمنحها القانون إزاء التجاوزات التي قد تصدر عن المحاسبين المكلفين بالتحصيل بعد التطرق إلى طرق الأداء.
- طرق الأداء:
إن من بين طرق الأداء المعمول بها خلافا لما سطرته المادة 20 من مدونة التحصيل والتي يترتب عنها تسليم وصل أو تصريح بالدفع، لقد ثبت ان بعض القباض يقبلون الكمبيالات كوسيلة للأداء لكنهم لا يسلمون أي وصل مقابلها. وتبقى الكمبيالة وسيلة للقرض وليس للأداء. ومن الناحية العملية فإن القابض اما أنه يقوم بدفعها للاستخلاص أو انه يردها للملزم بعد تسلم مبلغها نقدا. وفى هذه الحالة يقوم المحاسب باحتساب فوائد التأخير التي ستترتب بين تاريخ إصدار الكمبيالة وتاريخ استحقاقها.
- حالة تعدد الديون:
رغم تنصيص المادة 27 على الأداءات الجزئية وكيفية إدراجها فإنه من الناحية العملية عندما يتقدم احد الملزمين لأداء بعض ديونه دون الأخرى أي عندما يريد القيام بدفع جزئي فإنه يواجه من طرف القباض بوجوب أداء كل ديونه الضريبية كاملة دون تجزئ مما يدفع بالملزم إلى انتظار تجميع المبالغ اللازمة لكنه في المقابل تصبح بعض ديونه التي كان يود اداءها قبل تاريخ الاستحقاق تصبح منتجة للزيادات لأنه تأخر بفعل القابض عن أدائها.
وتبقى هذه مجرد نماذج لبعض من التجاوزات التي وقفنا عليها ولا يتسع المجال لذكرها كلها …
ويبقى السؤال المطروح ما هي الضمانات التي أحاط بها المشرع عمل الإدارة وحقوق الملزم؟
ثالثا : الضمانات القانونية الممنوحة للملزم:
انه باستقراء مدونة التحصيل نحس بأن المشرع منح بعض الضمانات للملزم تحميه من التجاوزات التي قد تصدر من المحاسبين المكلفين بالتحصيل، وتتلخص في الإخبار بتاريخ الشروع في التحصيل، والإشعار واخر إشعار بدون صائر والإنذار وكذا من التدرج في إجراءات التحصيل الجبري.
إن هذه الضمانات تبقى مجرد مبادئ يسعى المشرع إلى تمتيع الملزم بها، لكنه لم يرتب على عدم احترامها أي جزاء أو أثر ولم يكسيها أية صبغة إلزامية فيما يخص المحاسبين المكلفين بالتحصيل. ويظهر هذا جليا إذا اعتبرنا مقتضيات المادة 123 المتعلقة بالتقادم.
لئن قضى المشرع أن إجراءات تحصيل الضرائب والرسوم والحقوق الجمركية وحقوق التسجيل والتمبر تتقادم بمرور أربع سنوات من تاريخ تحصيلها، فإنه من الناحية العملية يلاحظ أن القباض يباشرون إجراءات التحصيل الجبري بعد انصرام مدة التقادم، وفي بعض الأحيان لعدة مرات. ولا يكفي للملزم أن يثير هذا التقادم لدى القابض أو لدى رؤسائه لإيقاف تلك الإجراءات، بل لابد له من اللجوء إلى القضاء لإسماع صوته. إذ ان عليه تقديم دعوى في الموضوع يدفع حينها بالتقادم قبل تقديم طلب استعجالي لإيقاف إجراءات التحصيل إلى حين بث المحكمة في الموضوع.
ولوحظ من بعض الأحكام الصادرة عن القضاء الإداري أنه بمجرد قيام القابض بإرسال إنذار للملزم فإن ذلك يعتبر قاطعا للتقادم بناء على مقتضيات الفقرة الثالثة من المادة 123 مما يترتب عليه أن قطع التقادم من طرف المحاسبين المكلفين بالتحصيل يبقى ساريا إلى الأبد ولا يحده أي أجل مهما طال الزمن.
والواجب أمام سكوت هذا القانون هو إعمال مقتضيات ظهير الالتزامات والعقود من هذه الناحية. أي أنه يجب إقرار سريان امد جديد للتقادم بعد كل إجراء قاطع له عملا بالقاعدة العامة المنصوص عليها في المادة 383 من ق. ل. ع مادام القانون القاضي بالتحصيل صامتا في هذا الصدد وما دام يحيل على قانون عام فيما يخص قطع التقادم.
وتستمر نفس المتاعب اثناء اللجوء إلى القضاء فيما يخص التقادم يتكبدها الملزم فيما يخص الإدراج. وذلك أنه حين يخل القابض بقواعد الإدراج فلا تستجيب الإدارة لطلبه فيما يخص إعادة إدراج المبالغ الجزئية المدفوعة على الديون التي له
مصلحة أكثر في أدائها، إما لأنها مكلفة بالنسبة له، أو إما لأن التي تم الإدراج عليها قد طالها التقادم.
ورغم تنصيص كل القوانين المالية الجاري بها العمل من مادتها الأولى الفقرة الثالثة على ما يلى: (كل ضريبة مباشرة او غير مباشرة سوى الضرائب المأذون فيها .بموجب أحكام النصوص التشريعية و التنظيمية المعمول بها وأحكام قانون المالية هذا، تعتبر مهما كان الوصف او الاسم الذي تجبى به، محظورة بتاتا، وتتعرض السلطات التي تفرضها والمستخدمون الذين يضعون جداولها وتعاريفها أو يباشرون جبايتها للمتابعة باعتبارهم مرتكبين لجريمة العذر، بصرف النظر عن إقامة دعوى الاسترداد خلال ثلاث سنوات على الجباه أو المحصلين أو غيرهم من الأشخاص الذين قاموا بأعمال الجباية ).
ورغم هذا التنصيص فإنه حين يكون الإدراج غير صالح للملزم وحتى في حالة أدائه لضريبة أو رسم لا يهمه بل يهم غيره لتشابه الأسماء، فإن طلبه الرامي إلى إعادة الإدراج او الاسترداد لا يلقى أية استجابة، فلا يجد بدا من اللجوء إلى القضاء لإنصافه. وفى أغلب الحالات فإن المبالغ المطالب بها تبقى في نظر الملزم لا تستحق العناء والمصاريف القضائية ومصاريف الدفاع مما يحدو به إلى الإذعان للأمر الواقع. وحتى عند إقامة الدعوى أمام المحاكم المختصة وعندما تحسم الدعوى لصالحه فإنه رغم تحميل الأحكام الصائر للخزينة فإننا لم نقف على أية حالة تمكن أصحابها من التعويض عن مصاريف الدعوى من طرف الخزينة.
وخلاصة القول إنه رغم ما يبدو من ظاهر النصوص القانونية من ضمانات فإنه من الناحية العملية يبقى المجال مفتوحا أمام التجاوزات وتبقى الفرص سانحة إلى أن يتمكن المشرع من سن قوانين ومساطر مبسطة تعفى الملزم من جل الدعاوى أمام المحاكم لإثبات حقه وصحة قوله.
وفي الحتام تجدر الإشارة إلى إن تطبيق القانون الضريبي ككل وعلى صعيد المملكة يختلف في تطبيقه وتأويله من مديرية جهوية إلى أخرى، فمثلا بالنسبة للملزمين التابعين للمديرية الجهوية لإدارة الضرائب بولاية أكادير فإنهم يتحملون ضرائب أثقل وأكبر من مثيلتها في مراكش أو الدار البيضاء.
ويطرح كذلك الإشكال على مستوى تأويل وتطبيق القانون الضريبي ككل، فإدارة الضرائب تتعامل مع الملزمين بالنصوص المطبوعة باللغة الفرنسية، وفي حال وجود اختلاف بين النص العربي والفرنسي فإنها ترجح هذا الأخير على النص العربي، هذا فضلا عن أن جميع الإجراءات بداخل الإدارة من تقييدات وغيرها تتم باللغة الفرنسية، وما يزيد الطين بلة، وهي الدوريات الصادرة عن وزير المالية والتي غالبا ما تأتى بتأويلات خاطئة لقانون المالية بل وأنها تتعارض مع الدستور.