د. محمد طواع
كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية
أولا. الملاحظة العفوية لإشكالية التأثير الفاعل في سلوكات المتعلمين:
تقوم هذه المساهمة على ملاحظة عن قرب للحياة داخل مدرسة ثانوية، ملاحظة تتوخى رصد الوضعية المونوغرافية كما هي، وخاصة من حيث المظاهر التي تعيق المهام المتوخاة من المدرسة. ذلك أن تشخيص الوضعية بشكل منظوري شرط ضروري لكل اقتراح بديل للتجاوز أو للتغيير.
لقد اعتمدت هذه الملاحظة أساسا على الخبرة الشخصية التي تراكمت لما يزيد على العقدين، وعلى الاستماع اليومي لكلام المدرسين والإداريين وكل من نحتك به من التلاميذ والتلميذات بشكل يومي، عن الوضع الذي آلت إليه أمور المدرسة. لذلك فكلام هذه المساهمة لا يرى نفسه بوصفه خطابا مضادا، وإنما هو خطاب قائم على الملاحظة عن قرب وعن الاستماع للفاعلين البيداغوجيين. وقد أقول بأن لسان هذه المساهمة لسان متعدد.
لقد قادتني هذه الملاحظة إلى افتراض المسلمة الأساسية التالية:
لقد افتقدت المدرسة المغربية جوهر روحها المؤسسي الفاعل. تأثيرها على السلوك أضحى باهتا وترسيخها لقيم المواطنة الصادقة لم تمد له ترجمة فعلية في سلوك النشء. الحجة في ذلك هو علاقة التلميذ بالنشيد الوطني، إنها علاقة شكلية.
لم تعد المدرسة قادرة على مقاومة أنماط السلوك الذي أمسى معلوما ويرتبط بالهندام ونوع حلاقة الشعر… الخ. القول بغياب الجوهر المؤسسي لا يعني أن المدرسة عندنا لا تشتغل بقوانين أو مساطر أو تشريع إداري أو غيره، كلا، إن المقصود هو ما يمكن تسميته حياة ذات تربة خصبة ثقافيا وقيميا، للتمدرس. ويشمل ذلك عوائد وتقاليد وطقوس ونمط سلوك تقوم على قيم للتمدرس الفاعل، لتشكل في مجموعها ثقافة للتمدرس تنتظم مكوناتها في إطار تعاقد بيداغوجي يلزم جميع الفاعلين البيداغوجيين بالمشاركة في إدارة جودة شاملة تؤسس حياة التمدرس.
وجود هذا التعاقد الممأسس هو ما سيرد للمدرسة قداسة حرمتها ووظيفتها في المجتمع. ولم لا تبلغ سلطة هذه الحرمة إلى نفس الدرجة التي تمارسها حرمة المسجد على المسلم؟
كاد المعلم أن يكون رسولا.
وبالجملة أقول: إن غياب مفهوم المؤسسة في المدرسة يتجلى في عدة مظاهر، منها ما يرتبط بصورة التلميذ عن نفسه بوصفه تلميذا: الصورة الفعلية للتلميذ لم تعد معالمها واضحة: الهندام قد يليق على شاطئ البحر أو في الشارع العام والكلام اليومي نفسه وهو غير مقبول في ساحة المدرسة. وكذلك ما ينتجه التلميذ نفسه عن نفسه وعن قيمة ما تنتجه المدرسة في حياته. هناك من التلاميذ الذين تاهوا ولم يعد يعرف حتى لماذا يأتي يوميا إلى المدرسة. نضيف إلى ذلك ما يرتبط بالمدرس نفسه ووضعه الاعتباري في المجتمع.
تفيد مجمل الأحكام والآراء، وان كانت جد ذاتية، أن التعليم يعيش أزمة فعلية وفشلا ذريعا، وحجة الأسر العملية على هذه الأحكام ومدى صدقها هو “تهريب”، أبنائهم نحو المدارس الخصوصية خاصة لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.
أزمة المدرسة إذن ليست أزمة منهج، إنها أزمة غياب روح مؤسسية ينظمها تعاقد بيداغوجي-أخلاقي يفعل العمل التشاركي من أجل جودة شاملة لتخصيب تربة للحياة المدرسية، لتغدو قادرة على إنتاج رأسمال بشري منتج وخلاق، كما يكون الركيزة الصلبة الحاملة لقيم وثقافة المشروع المجتمعي المنشود. وهي الحقيقة التي تقتضي إحداث رجة سيكولوجية في المجتمع من أجل تأهيل النسق التعليمي ككل بمختلف مكوناته ليضحي معاصرا لعصر الإنتاج المتسارع للمعرفة وللثقافة الرقمية بصفة عامة.
ثانيا . سؤال المدرسة:
من أجل إحداث رجة سيكولوجية في المجتمع، يتعين أن نقارب سؤال المدرسة في المغرب باعتباره، هو عينه، سؤال الديمغرافيا وسؤال الصحة وسؤال العدل وسؤال الأمن. أسئلة هذه القطاعات غير قابلة للتدبير المفوض. إذا اجتمعت هذه الأسئلة ستغدوا سؤالا واحد جامعا وهو: مسؤولية الدولة تجاه هذه القطاعات إلى أين؟ ويوهمه المرء نفسه إذا ما افترض بأن مواجهة هذه الأسئلة يمكن أن يكون بمنظور قطاعي. ذلك لأن هذه القطاعات هي تمظهرات لمسؤولية الدولة، وخاصة سؤال الديمغرافيا، أمام المجتمع الذي تقوده. فليس هناك مجتمع اللادولة. الدولة هي العقل الذي يقود المجتمع. لكن قبل القيادة لابد من تفكير يقوم على أساس تشاركي ينفتح فيه النقاش والمناظرة على مصراعيهما بين الدولة والمجتمع وتنظيماته باعتباره هو خشبة المسرح التي تلعب فوقها سياسات الدولة.
ويوهم المرء نفسه كذلك إذا ما اعتقد بأن أمر التفكير وإيجاد الحلول لقطاع من هذه القطاعات هو أمر يوكل بالتفويض إلى لجنة آو إلى مجلس. ذلك أن للمجتمع تنظيمات ومؤسسات مسؤولة أمام التاريخ وأمام الدستور فيما قد يتخذ كقرارات مصيرية في حق الشعب. على رأس هذه المؤسسات نذكر برلمان الشعب وباقي التنظيمات التي تتضمن فعاليات وأصحاب الخبرة.
سؤال هذه القطاعات وعلى رأسها سؤال المدرسة والتعليم هو سؤال “السياسي” Le politique وليس سؤال السياسة La politique ذلك أن الأول شأن عام يهم مصير كل مواطن ومن مسؤوليته، إن كان يرى فيه نفسه الشخص-المواطن، أن ينخرط فيه وأن ينشغل به وبرهانه. أما السياسة فهي شأن الإطار الحزبي الذي تكبل رؤيته زاوية مذهبه الحزبي.
أما المدرسة أو التعليم كباقي قطاعات الشأن العام فيفترض التفكير فيه بمنطق ” السياسي ” الذي يقتضي فتح المناظرات ذات الطابع العمومي، لأن القضايا المطروحة قضايا مصيرية مترابطة: الديمغرافيا والتعليم والصحة والعدل والأمن
هي قضايا مترابطة ومتحكمة في مصير شعب بكامله، وليس في مقدور أي حزب لوحده أو لجنة أو مجلس كيف ما كانت تشكيلته أن يفي بالفرض. لقد أنهكنا انتظارات الشعب بخلق مجلس لكل قطاع. أما كيف تتكون هذه المجالس ولمن يوكل أمر قيادتها ومن يقيم أشغالها فذلك سؤال آخر.
إن الشعب الذي لا يفكر ويناقش بصوت مرتفع في قضاياه المصيرية من أجل إحداث رجة سيكولوجية تمس جل مكوناته، لهو شعب مغلوب على أمره، شعب ستجتم عليه تحديات الحاضر وتنخر نخاعه الشوكي. يجب فتح باب التلفزيون للمناظرات حول: الديمغرافيا في بلد موارده المائية والغذائية محدودة إلى أين؟ الصحة إلى أين؟ التعليم إلى أين؟ العدل إلى أين؟ الأمن إلى أين؟ اختيارات الدولة عموما، الآن، إلى أين؟
لقد اعترف المسؤول الأول أمام التاريخ عن قيادة الدولة والمجتمع صاحب الجلالة بأن التعليم يعرف أزمة حيث صرح بما يلي: “المسألة الأولى تتعلق بالتعليم … فعلى الرغم من تراثنا الزاخر الأصيل في هذا المضمار، وما لنا فيه من تقاليد عريقة راسخة، وعلى الرغم من الجهود المتلاحقة التي بذلت طوال أزيد من أربعة عقود لجعل تعليمنا يواكب مرحلة استرجاع الاستقلال ومتطلبات بنائه، فإننا نلاحظ أن الأزمة مزمنة التي يعانيها والتي جعلت والدنا رضوان الله عليه يعين لجنة ملكية خاصة ممثلة فيها جميع الهيئات والفعاليات، لوضع مشروع ميثاق وطني للتربية والتكوين”.
مقتطف من الخطاب السامي في افتتاح الدورة
الخريفية للسنة التشريعية الثالثة المتعلقة بالتعليم.
يعيش قطاع التعليم إذن أزمة مزمنة انتهت به إلى خطة تدبيرية استعجالية انتصب أمامها واقع تعليمي بلغت فيه ثانويات تأهيلية إلى ما يزيد على 1700 تلميذا وتلميذة. أما القسم الواحد فيفوق عدد التلاميذ والتلميذات به 48 تلميذا وتلميذة. وتحولت فيه قاعات الأساتذة إلى أقسام للدراسة وكذلك الشأن لمقر المكتبات ومكتب بعض المديرين حتى. كل ذلك اجتهاد من أجل مكافحة الهشاشة والخصاص اللذان تعرفها البنية التحتية وإكراهات الخريطة المدرسية.
أما الطاقم الإداري الذي مهمته قيادة المدرسة فحائر بين العمل المكتبي وبين تدبير تحركات 1700 تلميذا وتلميذة على رأس كل ساعة، لحظة تغيير القاعات والالتحاق بالأخرى داخل فضاء المؤسسة الذي لا تتحمل مساحته بالمتر المربع هذه النسبة الهائلة من التلاميذ، وما يقتضيه هذا الواقع اليومي من مجهود متعدد الأبعاد من أجل تدبير يومي معقلن وتربوي.
لنسأل الخبراء، وهم كثر في هذا العصر، والكلمة كلمتهم، في علم التدبير والقيادة، كم تفترض مدرسة تعليمية يتجاوز عدد تلاميذها 1700 تلميذا مراهقا من إداري لتدبير، على الأقل، مهام الحراسة العامة كما هي منصوص عليها في التشريع المدرسي المعمول به إلى الآن؟ والجميع يعلم بأن الإدارة التربوية المسؤولة على قيادة المؤسسة التعليمية هي الصندوق الأسود الذي لم تلحقه رياح التغيير ضمن ما ينص عليه ميثاق التربية والتكوين! وكأن مفهوم “المؤسسة التربوية” ومفهوم “مدرسة النجاح ” ومفهوم “الحياة المدرسية ” يمكن تحقيقها على أرض الواقع بدون قيادة تربوية مكونة تكوينا علميا في فن التدبير والتسيير الإداريين!
على أرض الواقع، ماعدا مكتب السيد المدير، فلا وجود لمكاتب لباقي الطاقم الإداري بالمعنى العلمي لمفهوم المكتب الإداري. أما التحكم في دخول وخروج هذا العدد الذي أضحى مخيفا حتى بالنسبة للتلاميذ أنفسهم فيفترض وجود أعوان في مستوى المهمة، غير أن واقع الأعوان، إن وجدو بما يكفي، فواقعهم ووضمهم يمكن أن نقول عنه سوى “حدث ولا حرج”.
أمام هذا الوضع الهش كيف نسمح لأنفسنا أن نتحدث عن “مدرسة النجاح ” وعن “الجودة “. تتحول مثل هذه المقولات إلى شعارات سحرية لملء الفراغ فقط.
مادام الجميع يعترف ويقر بآن الأزمة مزمنة، فلا تفلح في وجود حلول لها لا لجنة خاصة ولا مجلس خبراء ولا خطة مستعجلة من أمرها. لقد خسرنا كثيرا، فلماذا الاستعجال؟ لم تعد المدرسة، هي نفسها، مندمجة في محيطها. صورتها وقيمة ما تنتجه أصبحا بخسا في مجتمعنا. ما يفسر هجرها صوب مدارس البعثات الأجنبية والمدارس الخصوصية. إن سعر قيمة المدرسة العمومية جد رخيص. من يلجها الآن مكره على ذلك بما في ذلك أناس التعليم، أهل الدار!!
لنكن صرحاء مع أنفسنا وقد وصل التعليم إلى قسم المستعجلات، ونتساءل بصوت مرتفع وعمومي: المدرسة المغربية إلى أين؟ وما هي، بالضبط، الوظائف والمهام التي ننتظرها من المدرسة؟
إن المشار إليه في ميثاق التربية والتكوين يفيد بأن الدولة تنتظر من المدرسة الشيء الكثير: التعليم والتعلم، التأهيل والإدماج، التأهيل للشغل، تحصين الطفل والمراهق من آفة التطرف والعنف، التشبع بقيم الحداثة والديمقراطية، الانفتاح على العصر، تكوين الأطر. . . الخ.
ألا نحمل المدرسة وحدها ما لا طاقة لها به؟ هذا الثقل من الانتظارات والرهانات، مع غياب التأهيل المادي والبشري للمدرسة هو ما سرع بتفاقم الأزمة: كيف يمكن تحقيق مجمل هذه الانتظارات وفي كامل الجودة، وقد بلغ ضيوف جل الثانويات ما يفوق 1700 تلميذا في فضاء لا يتحمل هذا الاكتظاظ؟ !
ثالثا. المدرسة المغربية أصابها الهرم والكساد:
جل مؤسساتنا التعليمية، كتلك التي يشير إلى وضعيتها التجهيزية تلفزيوننا مرة مرة، أصابها الهرم: مرافقها الصحية أضحت مرافق لا صحية وهي المرافق التي تستعمل بشكل يومي خاصة وأننا نتحدث هذه الأيام عن آفة أنفلوانزا الخنازير والمساعي لمكافحته !، مرافق معطلة. جل نوافذ الأقسام معطلة وزجاجها مكسر، حالة الإنارة يرثى لها. الجدران الداخلية للحجرات عليها كتابات بأنواع مختلفة من الخطاب والتيمات: من عبارات القذف والسب إلى عبارات المكبوت أو عبارات تبخيس قيمة المدرسة أو شعارات ترتبط بعالم البارصا والمنتخب الوطني المنتكس.
أما الفضاءات الداخلية التي من المفروض أن تكون فضاءات للاستقبال ولقضاء أوقات من حياة مدرسية ممكنة، غير مهيأة للأدوار التي تنتظرها منها الخطة الاستعجالية الملموسة. أما المرافق الرياضية فحدث ولا حرج مع 1700 تلميذا.
لننتقل إلى العنصر البشري: ما يلفت النظر هو أن أكثر من 99 % من الأطر التربوية قد أصابها الهرم. 70 % من هذا العدد مصاب بالعياء الشامل وبأعطاب متفاوتة الدرجة في الصحة الجسدية: هشاشة العظام، داء السكري، التوتر العصبي، انسداد آفاق أخرى غير القسم. كل هذا الوضع الإنساني الهرم المشرف على التقاعد قد خلق حالة نفسية كئيبة افتقدت معها الابتسامة.
فبعد النزيف الذي أحدثته ” الطوعية” الغادرة للطرفين معا، فماذا تبقى في الميدان؟ هبوط نفسي حاد بالنسبة للذين تم استثناءهم من العملية. فكان لذلك رد فعل سلبي على حياتهم الشخصية والمهنية، بحيث إن هناك من هؤلاء من لم يعد قادرا على القيام بمهمة التدريس بالنظر إلى الجهد النفسي والعصبي والجسدي الذي تتطلبه عملية قيادة القسم ومجموعته: تأملوا معي مدرسا من هؤلاء أضحى يشعر بعياء شامل ومزمن ويعبر عن ذلك جهرا، أن يواجه 10 أقسام كل واحد منهم تجاوز 48 مراهقا أو راشدا؟ نضيف إلى ذلك 20 ساعة عمل في الأسبوع وقد تكون غير موزعة بشكل عقلاني.
فكيف والحالة هاته، أن الدولة تلوح بتمديد عقد العمل إلى سن 65سنة؟
هذه معطيات مختصرة ومنتقاة تشير إلى أن المدرسة المغربية فعلا في قسم المستعجلات، ما اقتضى تدخلا استعجاليا للانقاد.
أما الكساد فقد تشير إليه القيمة الرمزية للمعرفة التي تنتجها هذه المدرسة بهذا العدد المشار إليه من التلاميذ: ما قيمة معارفنا وكفاياتنا المنهجية التي قد يحصلها تلميذ بين 48 تلميذا وتلميذة؟ ثم ما قيمة الشهادات التي تنتجها هذه المدرسة بدءا من شهادة الباكالوريا بميزة مقبول إنها أصبحت شبيهة بشهادة مدرسية عادية. أما ما بعد الباكالوريا فجيوش المعطلين وقيمة ما يحملونه من إجازات تعبر عن ذلك أمام باب البرلمان طيلة السنة.
أما دبلوم الدراسات العليا ودكتوراه الدولة فقد تبرأت منهما الدولة التي منحتهما لأبناء هذا الوطن وأقصت حامليها من ولوج التدريس في التعليم العالي بدعوى اختلال ترتيب الأساتذة أو اختلال الميزانية.
أمام هذا التخسيس للجهد في التعلم والبحث، لا يمكن أن نقول سوى أن التفكير في متابعة الدراسات العليا بدون آفاق فهو عبث في عبث! من هنا السؤال: ما معنى أن يكون الشخص باحثا في هذا البلد؟
علينا أن لا نخجل من أنفسنا ونقول: عالم المدرسة شأن عام أصابه الهرم والاختلال. وبما أنه شأن عام حساس لم يؤخذ محمل الجد منذ عقود، وبما أنه المجال الذي نرسم فيه الصورة التي نريد أن نسكن بها عصرنا، فلا ينبغي أن نتعامل معه بمنظور تقني أو رؤية اختزالية توكل أمور المدرسة إلى لجنة أو هيأة أو مجلس إذا كان هذا هو مقتضى فدل التعلم، فهل قسم 48 تلميذا يمكن من ذلك؟ هل التخلي عن التفويج في المواد العلمية سيمكن من اكتساب كفاية البرهان والبحث المنهجي؟؟
لنحلم ونقول: لماذا لا تفكر الدولة في خلق ثانويات مصغرة لكل 600 تلميذ من أجل تغذية مختلف الحاجات النفسية والوجدانية والمعرفية لأبناء هذا الوطن؟ بحيث يستفيد التلاميذ من مختلف المرافق الرياضية والثقافية (المكتبة) والإعلاميات كما سوف لا يحس بعبء الاكتظاظ الذي قد تعرفه الساحة أو قاعات الدراسة كما هو الشأن الآن مع ثانوية 1700 تلميذا وقسم 48 تلميذا.
في الحقيقة إن قسم 48 تلميذا لا يوفر البيئة البيداغوجية المطلوبة لبناء وضعيات تعلمية ومعالجة ما تطرحه من إشكالات تفترض مساهمة جماعية-تواصلية بين مختلف الفاعلين البيداغوجيين لمجموعة القسم الواحد.
إن غياب البيئة البيداغوجية السليمة هو ما يعرقل تكوين متعلم يعي ذاته بالتدرج على أنه ينمو بوصفه شخصا يسكن جسدا وذاتا فاعلين ومستقلين نسبيا، ليس في الحصول على المعلومات المعرفية وإنما وأساسا في بنائها والتحكم في تصريفها وتوظيفها بحسب المطلوب من السؤال أو البحث. خاصة وأن العصر الذي يعيش فيه هذا الشخص هو عصر التبادل الرقمي المتسارع للمعلومة. وهو الواقع الذي يقتضي من المدرسة المغربية أن تؤهل المتعلم لكي يعيش عصره كشخص فاعل مستقل وحر. وهو مفهوم الشخص ذاته الذي أسسته مختلف الفلسفات الحديثة التي نهض كامتداد لمبادئها نموذج مجتمعي حديث ودولة حديثة.
لنفكر إذن في تجديد المدرسة المغربية بتفكير “السياسي ” وليس بتفكير ” القلة التكنوقراطية “. ذلك لأن هذه الأخيرة تعوزها الرؤية الشمولية القائمة على مبادئ وغايات تؤسس في النهاية لمشروع مجتمع ومشروع دولة.
مجتمع مثل مجتمعنا الذي تعرف الدولة كيف تضيف وضعه الاعتباري على المستوى الدولي، فيما يتعلق بالتعليم والتنمية، يحتاج إلى التريث من أجل وضع مشروع إصلاحي واقعي ينخرط فيه الجميع بكل تضحية ومسؤولية أمام التاريخ وأمام هذا الشعب الذي أصبح يسوده طموح الهجر والمغادرة الطوعية، ليس من العمل وإنما من البلد ككل.
- خلاصة:
ليس هذا الكلام خطاب خبير متخصص لأن لغتي لا تتكلم لغة الإحصاءات. وليس خطابا سياسويا. إنه خطاب رجل تعليم ولج عالم التعليم بعد تكوين في علم النفس والبيداغوجيا وعلوم التربية. رجل تعليم يدرس ومتتبع للإصلاحات التي تعاقبت على المدرسة المغربية منذ السبعينيات على الأقل. خطاب ليس بالمتشائم وليس بالمتفائل. إنه خطاب غيرة، خطاب متفجر عن “خاطر منكسر” نتيجة للأزمنة المزمنة وهولها.


