_دراسة مقارنة_
د.أحمد برادي*1
1جامعة تامنغست (الجزائر)، bermad11000@gmail.com
الملخص:
تمخض عن التطور التكنولوجي والرقمنة معاملات وعقود قانونية جديدة، تتم عن طريق الأجهزة الالكترونية ولا تتطلب حضور الأطراف أثناء انعقاد العقد، ونظرا لخطورة هذا النوع من التصرفات، خاصة تلك المتعلقة بالجانب المالي، كان لزاما توفر الضمانات الكفيلة بإزالة هذه العوائق، والتوقيع الالكتروني يعد أحد أهم الضمانات المصاحبة للمعاملات الالكترونية، التي لا يتأتى إسنادها لأصحابها وتحديد هوياتهم إلا عن طريقه.
وقد خلصت الدراسة إلى أن المشرع المغربي وكذا التشريعين الجزائري والفرنسي قد أقروا التوقيع الالكتروني المؤمن، شريطة اكتسابه لجميع الشروط القانونية، كالتوثيق وقدرته على تحديد شخصية محرره، يعبر عن إرادته، مبرزا للصلة التي تربط التوقيع بصاحبه، بشهادة مؤمنة مصادق عليها من قبل مختص ، كما يعد وسيلة إثبات لدعوى المتمسك به أمام القضاء في حالة النزاع.
الكلمات المفتاحية: التوقيع الالكتروني، حجية التوقيع الالكتروني، ضمان المعاملات الالكترونية، طرق الإثبات الإلكترونية.
ــــــــ
*المؤلف المرسل
Electronic Signature in Moroccan legislation_accompartive study
Abstract:
As a result of technological development and digitization, new legal transactions and contracts, carried out through electronic devices, do not require the presence of the parties during the contract, and given the seriousness of this type of behavior, particularly those relating to the financial aspect, safeguards had to be provided to remove these obstacles, the electronic signature is one of the most important safeguards associated with electronic transactions, which can only be assigned to their owners and identified by their respective owners.
It concluded that the Moroccan legislator, as well as the Algerian and French legislations, had approved the insured electronic signature, provided that it acquired all legal requirements, such as documentation and its ability to identify the personality of its editor, expressing its will, highlighting the link between the signature and its owner, with a secure certificate.
Keywords: Electronic signature; proof of Electronic signature; security in electronic transactions; Electronic proof methods.
مقدمة:
عرف العالم مع مطلع القرن الواحد والعشرين تحولاً جذرياً، حيث شهد تطورا رهيباً وتقدماً كبيرا جدا في المجال العلمي والتكنولوجي، حيث أصبحت الرقمنة والأجهزة الالكترونية وعلى رأسها الحاسوب، هي الأساس المعتمد عليه في جميع نواحي الحياة، كما تغيرت أدوات الاتصال ووسائله، ومن بين أهم هذه الأدوات نجد ما يسمى بالشبكة العنكبوتية أو الانترنيت، التي أحدثت ثورة رهيبة في العالم، وأدت إلى انفتاح الدول بعضها على بعض، حيث جعلت منه قرية واحدة، واستطاعت أن تقضي على الحدود الجمركية والعديد من العوائق الأخرى كبعد المكان وثقل المصاريف وجهد التكاليف…وغير ذلك.
فأدى ذلك إلى ظهور معاملات لم تكن معروفة سابقاً، حيث أصبح باستطاعة الأشخاص سواء كانوا طبيعيين أو معنويين إنشاء التصرفات القانونية وإبرام العقود والاتفاقيات بجميع أنواعها فيما بينهم، وهم يبعدون على بعضهم ملايين الكيلومترات. وهو ما يطلق عليه بالمعاملات الالكترونية.
لكن الشيء الوحيد الذي كان يعيق من توسع هذا النوع المستحدث من المعاملات، ويحد من اللجوء إليه من قبل المتعاملين، هو الخوف من ضياع حقوقهم وصعوبة إثباتها، نتيجة افتقارها للتوثيق. مما يخل بالضمان، على غير العادة بالنسبة للعقود التقليدية التي تتميز بعديد الضمانات، من أهمها التوقيع بعد تحرير الكتابة.
هذا ما استلزم البحث عن كيفية تكييف هذه العناصر التقليدية مع مستجدات العصر ومتطلبات الاندماج معها من جهة، والمحافظة على الحقوق من جهة أخرى، فتم التوصل إلى صيغة جديدة تتمثل في: التوقيع الالكتروني. عن طريق التوصل لاتفاقيات دولية، أدت إلى استحداث تشريعات جديدة وتقنين نصوص قانونية خاصة بهذا الأمر.
وتتجلى أهمية الموضوع من خلال تعدد أشكال التعاملات التجارية، وتغير أنماط طرق إبرام أنواع العقود المدنية في الوقت الراهن، حيث أصبحت جل هذه المعاملات تتم إلكترونياً، مواكبة في ذلك العصرنة الرقمية والتطور التكنولوجي، الذي أصبح يعتمد على أدوات الاتصالات الحديثة المتوفرة على الشبكة العنكبوتية، والذي يمتاز بالسرعة الفائقة واتساع نطاق المعاملات التي تتم من خلاله وشموليتها، فكان لزاما مسايرة هذا التطور.
وعلى هذا الأساس تم اللجوء للتوقيع الالكتروني بغية التوافق مع طبيعة التصرفات القانونية، ومن أجل ضمان توثيق الوثائق ومصداقيتها، وتحديد هويات المتعاملين ومعرفة شخصياتهم.
ولما يكتسيه كذلك من قيمة ثبوتية وحجة بالغة بالنسبة للمتمسك به إزاء الطرف الآخر، ولا تتأتى هذه القيمة بالنسبة للمعاملات الالكترونية إلا عن طريق الاعتراف بالتوقيع الالكتروني. لهذا اعتبر التوقيع الالكتروني أحد أهم الأسباب التي زادت من قيمة التعاملات الالكترونية، وشجعت على الإقبال عليها.
فما مدى إقرار المشرع المغربي والتشريعات المقارنة للتوقيع الالكتروني كدليل إثبات قانوني؟
وقد اعتمدت في دراستي على المنهج التحليلي الوصفي، الذي يتتبع النصوص القانونية والفقهية فينقلها ويتعهدها بالشرح والتفسير عند الاقتضاء، وكذا المنهج المقارن المناسب للمقاربة بين وجهات نظر المشرعين عند التعدد، ومعرفة نقاط الاتفاق والاختلاف بينهما، وفي هذا الإطار أشير إلى أن مجال المقارنة ينحصر في المقارنة بين ما ورد ضمن التشريعين المغربي و الجزائري، ويبرز رأي التشريع الفرنسي مقابل التشريع المغربي في بعض جزئيات البحث، مع الإشارة عند الاقتضاء إلى التشريع المصري ، ولا مناص من التطرق للاتفاقيات الدولية الصادرة في الموضوع عند إبراز الماهية.
وقد قسمت هذه الدراسة إلى محورين، حيث تضمن المحور الأول الإطار المفاهيمي للتوقيع الالكتروني، أما المحور الثاني فحوى حجية التوقيع الالكتروني، وذلك وفق التفصيل الآتي:
المحور الأول: الإطار المفاهيمي للتوقيع الالكتروني.
يقتضى الترتيب المنهجي الحديث عن مفهوم التوقيع الالكتروني وما يدخل تحته، من أجل تعميق المفاهيم وترسيخها.
الفرع الأول: مفهوم التوقيع الالكتروني.
نظرا لأهمية التوقيع الالكتروني فقد لقي اهتمام كبير من قبل مختلف التشريعات القانونية، وسعت أغلبها لإعطائه تعريف خاص، وسنتطرق لبعض هذه التعاريف، ضمن ما يلي:
أولاً: تعريف المنظمات الدولية للتوقيع الالكتروني
سنتطرق ضمن هذا العنوان إلى تعريف منظمة الأمم المتحدة عن طريق لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي(الأونسيترال)، وكذا التعريف الذي اعتمده الاتحاد الأوربي بصفته منظمة إقليمية.
1_تعريف الأونسيترال للتوقيع الالكتروني.
عرفه قانون الاونسيترال النموذجي المتعلق بالتوقيعات الالكترونية لعام 2001, في المادة 2 الفقرة أ، بأنه: ” بيانات في شكل الكتروني مدرجة في رسالة بيانات, أو مضافة إليها أو مرتبطة بها منطقيا, يجوز أن تستخدم لتعيين هوية الموقع, ولبيان موافقة الموقع على المعلومات الواردة في رسالة البيانات.([1])”
والملاحظ على هذا التعريف أنه جاء عاما، مما يجعله يتسع ليشمل أية بيانات مهما كان نوعها، شرطها الأساسي يتمثل في تحديد هوية صاحب الرسالة، وإثبات موافقته على ما ورد ضمنها من معلومات، وهو ما يفتح المجال أمام كل ما تتوصل إليه التكنولوجيا في هذا الإطار.
2_ تعريف الاتحاد الأوربي للتوقيع الالكتروني:
عرفه الاتحاد الأوروبي بمقتضى قانون التوجيه الأوربي بشأن التوقيعات الالكترونية, الصادر بتاريخ 13 ديسمبر 1999، من خلال التمييز بين نوعين من التوقيعات الالكترونية, هما([2]):
أ– التوقيع الالكتروني البسيط أو العادي, وب_التوقيع الالكتروني المعزز.
فعرف التوقيع الالكتروني البسيط أو العادي, من خلال المادة (2/1) بأنه: “معلومة في شكل الكتروني مرتبطة أو متصلة منطقيا ببيانات الكترونية أخرى , تستخدم كأداة للتوثيق.”
في حين عرف التوقيع الالكتروني المتقدم أو المعزز, في المادة(2/2) بأنه “التوقيع الالكتروني الذي يتوفر على الشروط الآتية:
_ أن يحدد هوية الموقع ويمكن من التعرف عليه.
_ أن يكون مرتبطا بشخص صاحبه.
_ أن يتم إنشاؤه بوسائل تضمن السرية التامة, وتمكن الموقع من الاحتفاظ بها, ووضعها تحت مراقبته وسيطرته وحده دون غيره
_ أن يكون مرتبطا بالبيانات التي يلحق بها، بشكل يجعل أي تغيير أو تعديل في المستقبل على تلك البيانات قابلا للكشف عنه”.
والفرق بينهما هو أن التعريف الأول شبيها بالتعريف التقليدي للتوقيع الذي يعد وسيلة للإثبات، إلا أنه في شكل الكتروني، بينما التعريف الثاني يستخدم كأداة للتعريف الدقيق بصاحبه يستحيل تزويره، حيث أنه يختص به لوحده دون غيره، كما يعتبر صمام أمان ضد جميع أنواع الاختراقات الالكترونية، وهو ما يجعله قابلا للاستعمال في جميع العلاقات والتبادلات الالكترونية بما فيها المعاملات التجارية التي تتم عبر الانترنيت.
غير أنه جاء خال من تبيين شكل هذا النوع من التوقيعات.
ويهدف هذا القانون إلى المحافظة على اتحادية هذه الدول واتفاقها في هذا المجال، ولتفادي اختلاف الدول الأعضاء في الاتحاد في تقنين القواعد الخاصة بالتوقيع الالكتروني، في إطار استمرارية التجارة بصفة عامة والتجارة الالكترونية بصفة خاصة فيما بينها.
ثانياً: تعريف التوقيع الالكتروني في التشريعات المقارنة.
لم يعرف المشرع المغربي التوقيع الالكتروني، و إنما استوجب فقط إذا كان التوقيع الالكتروني يتم عبر استعمال وسيلة تعريف موثوق بها تضمن ارتباط ذلك التوقيع، بالوثيقة المتصلة به، كما جاء في الفقرة الأخيرة من الفصل 417-2 من ق ل ع بعد التعديل([3])، إذ ترك مهمة التعريف للفقه.
وعليه فإن المشرع المغربي اهتم بالتوقيع الالكتروني و عالجه من خلال القانون المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية 05-53، و ذلك في القسم الثاني من هذا القانون خاصة الباب الأول و الثاني منه، حيث تحدث عن التوقيع الالكتروني المؤمن و التشفير ثم المصادقة على هذا التوقيع الالكتروني بقوته الثبوتية([4]).
وبالنسبة للمشرع الجزائري فقد اهتم بالتوقيع الالكتروني هو أيضاً، ولو أنه كان متأخرا نوعا ما، مقارنة بغيره من التشريعات العربية، حيث صدر أول قانون في هذا الإطار في سنة 2015، تحت رقم 15/04، بتاريخ: 1 فبراير 2015، والذي عرف بمقتضاه التوقيع الالكتروني، بموجب المادة 2 منه كالآـتي: ” هو عبارة عن بيانات في شكل الكتروني، مرفقة أو مرتبطة منطقيا ببيانات الكترونية أخرى، تستعمل كوسيلة توثيق.([5])”
ويلاحظ على هذا التعريف ورغم أنه أعطى تعريفا للتوقيع الالكتروني، خلافا للمشرع المغربي الذي اكتفى بتوضيح نوع الوسيلة التي يجب أن تستعمل في هذا النوع من التوقيع، إلا أن جاء بسيطا جدا، مأخوذ من التعريف العادي الذي أورده الاتحاد الأوروبي، وهو ما يجعله معرضا لجميع أنواع الاختراقات الالكترونية، وهو ما يفقده الثقة، ويحول دون اللجوء إليه واستعماله في المعاملات الالكترونية.
أما المشرع الفرنسي فقد عرفه ضمن نص المادة 1316 فقرة 4 المضافة بموجب القانون رقم 2000/230، حيث جاءت كالآتي: ” التوقيع الالكتروني ضروري لاكتمال التصرف القانوني، وهو يحدد هوية من يحتج به عليه، ويعبر عن رضا الأطراف بالالتزامات الناشة عن هذا التصرف، وعندما يتم بواسطة موظف عام يكتسب هذا التصرف صفة الرسمية، وعندما يكون التوقيع الكترونياً، يقتضي استخدام وسيلة آمنة، لتحديد الشخص، حيث تضمن صلته بالتصرف الذي وقع عليه، ويفترض آمان هذه الوسيلة، ما لم يوجد دليلا مخالفا، بمجرد وضع التوقيع الالكتروني، الذي يجري بموجبه تحديد شخص الموقع، ويضمن سلامة التصرف، وذلك بالشروط التي يتم تحديدها بمرسوم يصدر عن مجلس الدولة.([6])”
وأضافت المادة الأولى من المرسوم الفرنسي 2001/272، الصادر في: 30 مارس 2001، الذي جاء مكملا للقانون 2000/230، حيث حدد الشروط الواجب توافرها في التوقيع الالكتروني، وهي كالآـتي:”
– أن يكون للتوقيع طابع متفرد، يسمح بتحديد شخص الموقع عن غيره، وذلك باستخدام وسيلة تقنية آمنة تسمح بذلك، وتضمن صلة الموقع بالتصرف القانوني الذي وقع عليه.
– ارتباط التوقيع الالكتروني بالموقع وحده دون غيره.
– سيطرة الموقع وحده دون غيره على الوسيط الالكتروني.
– إمكانية كشف أي تعديل أو تبديل في بيانات المحرر أو التوقيع الالكتروني.([7])”
وقام المشرع المصري بإصدار قانون خاص بالتوقيع الالكتروني، حيث قام بتعريف التوقيع الالكتروني في المادة الأولى، فقرة ج (1/ج) منه بقوله:” ما يوضع على محرر الكتروني، ويتخذ شكل حروف أو أرقام أو رموز أو إشارات أو غيرها، ويكون له طابع متفرد يسمح بتحديد شخص الموقع ويميزه عن غيره.([8])”
وتجدر الإشارة إلى أن جميع التعاريف اتفقت على أن الهدف من التوقيع الالكتروني هو تحديد هوية الموقع، وضمان سلامة التصرفات القانونية، وهي سمات التوقيع بصفة عامة، سواء كان تقليديا أو الكترونيا، لكن لم تحدد جل التشريعات شكل هذا التوقيع.
كما أننا نلاحظ أن المشرع المغربي اكتفى بِالحثِّ على استعمال وسيلة موثوق بها من أجل ضمان اتصاله بالوثيقة المرتبطة به، احترازا من التزوير والتلاعب بالوثائق، ولم يحدد هذه الطرق والوسائل كأقل تقدير، وهو ما يجعل نص الفصل 417/2 قاصرا، يحتاج إلى زيادة شرح وتفصيل، خاصة وأن النص منقولا حرفيا من نص المادة 1316 الفقرة 4 من قانون 2000/230 الفرنسي، إلا أنه ورد بصيغة الشمول ولم يشر إلى التوقيع الالكتروني إلا في آخره.
أما المشرع الجزائري فلم يكلف نفسه عناء البحث، واكتفى بالنقل الحرفي لتعريف التوقيع الالكتروني البسيط، أحد نوعي التوقيع حسب تقسيم الاتحاد الأوروبي للتوقيع الالكتروني.
وأجاد المشرع الفرنسي الذي يبدو أنه وضح أسس هذا التوقيع وشروطه، لكن لم يتطرق إلى شكل هذا النوع من التوقيع، مقتبسا تعريفه مما ورد ضمن قانون الاونيسترال.
بيد أن المشرع المصري تفطن لذلك، حيث أدرج ضمن تعريفه للتوقيع الالكتروني الأشكال التي يتخذها هذا التعريف، وهي خاصية تمييز جد مهمة ودقيقة بينه وبين التوقيع التقليدي الذي يقتصر في أغلب التشريعات على الإمضاء أو الختم أو البصمة عن طريق اليد.
الفرع الثاني: صور التوقيع الالكتروني.
تتعدد صور التوقيع الالكتروني إلى عدة أشكال، تتصل جميعها بالمجال الالكتروني، وتستخدم أساساً ضمن المحررات الالكترونية، سنتطرق إلى أهمها وفق الآتي:
اولاً: التوقيع بالقلم الالكتروني.
يعتمد هذا النوع على توقيع الشخص العميل، عن طريق قلم الكتروني خاص على شاشة الحاسوب الآلي، باستخدام برنامج معد خصيصاً لهذه العملية([9]).
والذي يقوم بوظيفيتين أساسيتين في إطار القيام بهذه العملية، تتمثلان في: خدمة التقاط التوقيع، الذي يتلقاه من المستخدم مرفقا ثم يحتفظ به، وخدمة التحقق من صحة التوقيع، عن طريق المقارنة بين المعلومات المحفوظة لديه، والمعلومات المدرجة عليه، ثم يقرر بالقبول في حالة التطابق أو الرفض عند التباين([10]).
وهذا ما يحول دون الأعمال المشبوهة، فلا يمكن لسارق البطاقة والرقم السري، القيام بعملية التوقيع، وذلك لأن البرنامج المخصص يكتشف ذلك، من خلال التحقق من صحة التوقيع المشفر المحفوظ، وهذا ما يجعل التوقيع بالقلم الالكتروني، يضفي نوعاً من الحماية على التعاملات الالكترونية([11])
ورغم المزايا التي يتصف بها هذا التوقيع، إلا أن هناك بعض العوائق تحد من الإقبال الكبير عليه، أهمها: احتياجه لحاسوب آلي يمتاز بمواصفات خاصة، باهض الثمن لا يتسنى لأي كان اقتناؤه. كما أنه يعمل على التحقق من صحة التوقيع، عند كل إعادة للتوقيع([12]).
ولو أنني أتحفظ على هذه النقطة الأخيرة، والمتمثلة في مزية التحقق المتجدد، والتي أرى بأنها مزية تضفي على البرنامج مصداقية أكبر، لأنها تزيد في أمان العمليات المنجزة عن طريقه.
ثانياً: التوقيع البيومتري.
يقوم هذا النظام على اعتماد الصفات و الخواص الفيزيائية و الطبيعية للإنسان والتي من المفترض أن تختلف من شخص لآخر، ويتم التوقيع بهذه الصورة من صور التوقيع الالكتروني, باستعمال إحدى الخواص الذاتية، للشخص من خلال التقاط صورة دقيقة لعين المستخدم, أو نبرة صوته, أو خواص اليد, أو البصمة الشخصية, و يتم تخزينها عن طريق التشفير في ذاكرة الحاسب الآلي, و يعاد فك هذا التشفير للتحقق من صحة التوقيع و ذلك بمطابقة صفات و سمات المستخدم للتوقيع, مع الصفات التي تم تخزينها على جهاز الحاسوب([13]).
وفي ظل هذه الدقة العالية في التحقق من شخصية الموقع، وتسهيل إجراءات إبرام العقود وتسهيلها، نجد أن هذا البرنامج لا يخلو من بعض المشاكل التي قد تعتريه، ومن أهمها: إمكانية نسخ الصفات البيومترية و تزويرها, بواسطة الطرق المختلفة المستخدمة في القرصنة الالكترونية, أو نظم فك التشفير أو الترميز, دون كشفها أو تمييزها، وكذا فقدان السرية والكفاءة الضامنة لهذه التقنية, نظرا لاتفاق الشركات المصنعة للنظام البيومتري على طريقة موحدة لهذه التقنية،
بالإضافة إلى عدم التمكن من استخدام هذه التقنية في كل الحواسيب المتوفرة، نظرا لاختلاف نظم التشغيل وأساليب التخزين وخصوصيات البرامج([14]).
ثالثاً: التوقيع الرقمي.
« التوقيع الرقمي هو عبارة عن رقم سري أو رمز ينشئه صاحبه باستخدام برنامج حاسب ويسمى الترميز ,بحيث تتم الكتابة الرقمية للتوقيع أو المعاملة عن طرق التشفير, الذي يتم باستخدام مفاتيح سرية وطرق حسابية معقدةً “لوغاريتمات”, تتحول بواسطتها الرسالة من رسالة مقروءة ومفهومة, إلى رسالة رقمية غير مقروءة و غير مفهومة, ما لم يتم فك تشفيرها ممن يملك مفتاح ذلك التشفير، حيث يتحول التوقيع العادي من نمط الكتابة العادية, إلى معادلة رياضية لا يمكن أن يعيدها إلى الصيغة المفردة, إلا الشخص الذي يملك المعادلة الخاصة لذلك(المفتاح العام و المفتاح الخاص).([15])»
ويستخدم هذا النوع من التوقيع عند إبرام العقود الخاصة بالتجارة الالكترونية التي تتم عبر الانترنيت، من أجل تحديد هوية طرفي العقد تحديدا دقيقا، في إطار توثيق هذا النوع من العقود، وإضفاء مصداقية أكبر عليها([16]).
رابعاً: التوقيع عن طريق البطاقة الممغنطة
يرتبط هذا النوع من التوقيع بحركة رؤوس الأموال ومختلف الخدمات كالسحب وتسديد مبلغ الشراء والبيع…إلخ، التي تتم على مستوى المؤسسات المصرفية المختلفة من بنوك وبريد وغيرهما، بالاعتماد على البطاقة الممغنطة التي تصدرها هذه المؤسسات للزبون، والتي أسفر عليها التطور التكنولوجي في مجال التجارة الالكترونية([17]).
وتتم هذه العملية عن طريق إدخال البطاقة الممغنطة في الآلة المخصصة لذلك، المسماة ماكينة الصراف الآلي المتصلة بشبكة البنك، والتي تطلب تلقائياً من المستخدم الزبون رقمه السري، وبعد إدخاله يتم في ظرف قياسي جدا وبسرعة متناهية التأكد من صحته، فإن كان كذلك يسمح له بالقيام بجميع العمليات التي تتيحها المؤسسة المصرفية([18]).
وفي رأيي فإن هذه البطاقة الممغنطة قد تسبب بعض المشاكل، في حالة سرقتها، ومعرفة الرقم السري، إذا لم يتم التفطن لذلك من قبل صاحبها في الوقت المناسب، للقيام بالإجراءات القانونية التي تحول دون ذلك، كالتبليغ بالضياع أو السرقة لدى مؤسسات الأمن المختصة والمطالبة بتعليق جميع العمليات التي تتم عبرها…إلخ.
الفرع الثالث: تطبيقات التوقيع الالكتروني
سيقسم هذا الفرع إلى أهم تطبيقات التوقيع الالكتروني على النحو الآتي.
للتوقيع الالكتروني تطبيقات كثيرة ومتعددة، سنكتفي بأهمها ضمن ما يلي:
أولاً: بطاقة الائتمان: بطاقة بلاستيكية ومغناطيسية يصدرها البنك لصالح عملائه، بدلاً من حمل النقود تصدر باسم المؤسسة المصدرة لها، تتميز برقم خاص، تحمل اسم الزبون وتوقيعه، وتاريخ نهاية صلاحيتها([19]).
يستعملها صاحبها في المعاملات التجارية المختلفة من شراء وبيع، دون حمله للنقود عن طريق الائتمان التابعة للمؤسسة المصرفية، باستخدام التوقيع الرقمي([20]).
ثانياً: بطاقة الصراف الآلي: تستعمل هذه البطاقة في القيام بجميع العمليات المرتبطة بحسابه الجاري على مستوى المؤسسة المصرفية، دون الحاجة للولوج إلى الشبابيك والاستعانة بالعون العامل، كالسحب والإيداع للمبلغ النقدي وفق حدود متفق عليها، الاستعلام عن الرصيد، إصدار كشوف عن العمليات السابقة المتصلة بحسابه، التحويل من رصيده إلى رصيد آخر…وغير ذلك([21]).
ثالثاً: بطاقة الدفع (بطاقة الوفاء): تعتمد على وجود الرصيد الكافي للزبون في حسابه الجاري لدى المؤسسة المصرفية المقدمة للخدمة، من خلالها يستطيع المستخدم تسديد مشترياته من المحلات التي تقبل الدفع الكترونيا، وذلك عن طريق التحويل من حساب صاحب البطاقة إلى حساب البائع…وغيرها من الخدمات التي تتطلب مقابل عن أدائها([22]).
من هذه البطاقات البطاقة الزرقاء في فرنسا، بطاقة الفيزا إلكترون في مصر والأردن..وغيرها([23]).
ويجب لكي تكون لديها الصبغة الالكترونية وتتصل بالتوقيع الالكتروني، أن تكون هذه البطاقة متصلة بالخط On-line، لكي يقوم المستخدم بتنفيذ عملية تحويل الأموال يومياً حسب الخدمة المقدمة. وتتم هذه العملية عن طريق تسليم المشتري بطاقته للبائع الذي يتأكد من مصداقية البطاقة واحتوائها على الرصيد الكافي لتسديد المستحقات، ثم يقوم المشتري بإدخاله رقمه الخاص وإبراز موافقته على تحويل المبلغ المتفق عليه([24]).
رابعاً: البطاقة الذكية: بطاقة بلاستيكية تحتوي على شريحة صغيرة، تستخدم في استخراج وتخزين ومعالجة ونقل البيانات الرقمية كالنقود الالكترونية([25]).
وقد أنشئت شركات متخصصة في برمجة هذا النوع من البطاقات، حيث تتم عن طريق إدخال المعلومات الأساسية الخاصة بالزبون، ثم برمجة دالة جبرية، فيتولد الرقم السري، ويجب على المستخدم إدخال هذا الرقم السري عند كل استعمال([26]).
المحور الثاني: حجية التوقيع الالكتروني.
يشترط في التوقيع الالكتروني ليحوز حجيته في الإثبات، أن يكون موثقاً، وأن يتم التأكد من ذلك من خلال التحقق من الجهات التي صدر منها.
الفرع الأول: شروط التوقيع الالكتروني الموثق: تتمثل هذه الشروط فيما ما يلي:
أولاً_ قدرة التوقيع الالكتروني على تحديد شخصية المحرر:
يشترط في التوقيع الالكتروني أن يكشف على هوية الشخص الموقع، بحيث يستطاع من خلاله التعرف على صاحبه، وهو ما نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 3/417 ضمن قانون الالتزامات والعقود المغربي والتي نصت على ما يلي: “يعتبر التوقيع الالكتروني مؤمناً إذا تم إنشاؤه وكانت هوية الموقع مؤكدة…”
كما نصت المادة 7/3 من القانون 15/04 المتعلق بالقواعد العامة المتعلقة بالتوقيع والتصديق الالكترونيين الجزائري على نفس الشرط بقولها: “التوقيع الموصوف هو التوقيع الالكتروني الذي تتوفر فيه المتطلبات التالية…أن يمكن من تحديد هوية الموقع…”
من هنا نستشف بأن أهم شرط لإزالة التخوف من الإقبال على التوقيع الالكتروني، ومنح ثقة أكبر للمتعاملين لاعتماده في تصرفاتهم القانونية والتزاماتهم هو تبيين مدى قدرته على تحديد هوية محرره، وتمييزه عن غيرة بدقة كبيرة، ويعتبر هذا الشرط ضروري لاتصاف التوقيع الالكتروني بأنه توقيع مؤمن (موصوف).
ثانياً_ التعبير عن إرادة الموقع:
أشار المشرع المغربي إلى هذه الخاصية ضمن قانون 05/53 المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية، بقوله: “يجب أن يستوفي التوقيع الالكتروني المؤمن، المنصوص عليه في الفصل 3-417 من الظهير الشريف المعتبر بمثابة قانون الالتزامات والعقود الشروط التالية: أن يكون خاصاً بالموقع…([27])”
وقد تطرق المشرع الفرنسي أيضاً إلى هذا الشرط بمقتضى المرسوم رقم 2001/272، بقوله: “أن يكون التوقيع الالكتروني خاصا بالموقع ويعبر عن إرادته([28]).”
ويتحقق مقصود التعبير عن هذا الرضا من خلال استخدام الموقع مفتاحه الخاص، وبعد الانتهاء من بيانات إنشاء التوقيع، تتجه الإرادة إلى الالتزام بما تم التوقيع عليه. وهو ما يجري عمليا حين تستخدم بطاقات الائتمان، حيث أنه بمجرد إدخال البطاقة من جانب صاحبها في الفتحة المخصصة لذلك في جهاز الصراف الآلي، ثم قيامه بإدخال الرقم السري الذي يحتفظ به شخصيا على وجه الانفراد، ثم يبدي موافقته عن سحب المبلغ الذي يريده من خلال زر الموافقة على شاشة الجهاز، يكون قد أبدى عن إرادته الصريحة من خلال توقيعه المترجم في شكل أرقام أو رموز مشفرة عن طريق تعامله مع جهاز الصراف الآلي([29]).
وهو ما يجعلنا نستنتج أن التعبير عن الإرادة يتحقق في التوقيع الالكتروني بصورة أكبر من التوقيع التقليدي أحياناً، لأن بعض أشكال التوقيع العادي كالختم والبصمة تدل على صاحبها، لكن لا تعبر عن موافقته بمضمون السند، خاصة وأن الإمضاء التقليدي قابل للتزوير، أما التوقيع الالكتروني بجميع أشكاله ورموزه، يوحي بالتعبير عن رضا الشخص بمضمون السند الالكتروني بصفة الكترونية تلقائية.
ثالثاً_ اتصال التوقيع الالكتروني بالسند:
هو ما ذكره المشرع المغربي في المادة 6/3 من قانون 05/53 المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية بقوله: “…أن يضمن وجود ارتباط بالوثيقة المتصلة به، بكيفية تؤدي إلى كشف أي تغيير لاحق ادخل عليها…”
ووافقه المشرع الفرنسي حسب ما ورد ضمن المرسوم 2001/272، في المادة 1/3 بقوله: “أن يضمن التوقيع العلاقة بينه وبين مضمون المحرر الذي لحق أو ارتبط به، بحيث كل تعديل لاحق في المحرر قابل للاكتشاف.”
وتبعاً لهذا فإن اتصال التوقيع الالكتروني بالسند يقصد به: “سلامة التوقيع الالكتروني والمعلومات التي يتم التوقيع عليها من قبل الشخص الملتزم، بحيث يجب أن يكون هذا التوقيع مرتبطاً، لا يقبل أي تعديل على القيد من إجرائه([30]).”
وفيما إذا لحق السند الالكتروني تعديل بعد التوقيع عليه، فلا بد حينئذ أن يعدل حتى التوقيع الالكتروني المرتبط به، بصورة ظاهرة يكتشف من خلالها، في إطار ضمان سلامة المعلومات الواردة على السند الموقع عليه([31]).
رابعاً_ أن يتم إنشاء التوقيع الالكتروني بوسائل خاصة بالموقع وتحت سيطرته:
أشار المشرع المغربي ضمن نص الفصل 2/417 الفقرة الثالثة من قانون الالتزامات والعقود على ما يلي: “عندما يكون التوقيع الكترونياً، يتعين استعمال وسيلة تعريف تضمن ارتباطه بالوثيقة المتصلة به.”
كما تضمنت المادة 6 من قانون 05/53 المغربي هذا الشرط ضمن الفقرة الثانية، حيث جاءت كالآتي:”….أن يتم إنشاؤه بوسائل يمكن للموقع الاحتفاظ بها تحت مراقبته الخاصة بصفة حصرية…”
واعترف ضمن الفقرة الأولى من الفصل الذي يليه 3/417 من نفس القانون بمصداقيتها ما لم يثبت خلاف ذلك، بشرط أن تتيح استخدام توقيع الكتروني مؤمن.
وهو ما نوه إليه المشرع الفرنسي في المادة 2/1 من المرسوم الفرنسي 2001/272 بقوله: “أن يؤسس بوسيلة تكفل السيطرة الفعلية للموقع…”
يتضح من هذه النصين أن المشرعين المغربي والفرنسي قد ألزما التقيد بالوسيلة الضامنة لارتباطه في الوثيقة المتصلة به.
ويقصد بالوسائل الخاصة الأدوات المادية والمعدات أو البرامج الحاسوبية المخصصة في استحداث وخلق التوقيع الالكتروني، أي مجموعة العناصر التشفيرية الشخصية أو المعدات المعدة خصيصاً لإحداث التوقيع الالكتروني، ولابد أن تكون هذه الوسائل تحت سيطرة الشخص وهو من يتحكم فيها([32]).
ويتحقق هذا الشرط عن طريق عملية ملأ بيانات إنشاء التوقيع الالكتروني من طرف الموقع، ثم وضعها تحت سيطرته لوحده ويتم ذلك أثناء وقت الإنشاء([33]).
الفرع الثاني: قيمة التوقيع الإلكتروني في الإثبات.
نص المشرع المغربي ضمن الفقرة الثالثة من نص الفصل 417/3 من قانون الالتزامات والعقود المغربي، على ما يلي: “تتمتع كل وثيقة مذيلة بتوقيع الكتروني مؤمن، والمختومة زمنياً بنفس قوة الإثبات التي تتمتع بها الوثيقة المصادق على صحة توقيعها والمذيلة بتاريخ ثابت([34]).”
كما أن المشرع الجزائري اعتد بالتوقيع الالكتروني، وذلك ضمن نص المادة 327/2 من القانون المدني الجزائري، والتي جاءت كالآتي: “يعتد بالتوقيع الالكتروني وفقاً للشروط المذكورة في المادة 323 مكرر 1 من نفس القانون([35]).”
وجاء نص المادة 323 مكرر 1 التي أحال إليها المشرع الجزائري بمقتضى المادة 327/2 المذكور أعلاه، كما يلي: “يعتبر الإثبات بالكتابة في الشكل الالكتروني كالإثبات بالكتابة على الورق، بشرط إمكانية التأكد من هوية الشخص الذي أصدرها، وأن تكون معدة ومحفوظة في ظروف تضمن سلامتها([36]).”
وأكد ذلك ضمن المادة 8 من قانون 15/04 المتعلق بالتوقيع والتصديق الالكترونيين، حيث جآءت كالآتي: “يعتبر التوقيع الالكتروني الموصوف مماثلا للتوقيع المكتوب، سواء كان لشخص طبيعي أو معنوي([37]).”
يتضح من هذه النصوص أن المشرعين المغربي والجزائري قد منحا نفس القيمة للتوقيع الالكتروني مع التوقيع التقليدي، في حالة ما إذا تحققت فيه الشروط القانونية.
وقد بين المشرع المغربي شروط التوقيع الالكتروني المؤمن في الفقرة الثانية من نفس الفصل 3/417 بقوله: “يعتبر التوقيع الالكتروني مؤمناً إذا تم إنشاؤه، وكانت هوية الموقع مؤكدة، وتمامية الوثيقة القانونية مضمونة، وفق النصوص التشريعية والتنظيمية المعمول بها في هذا المجال([38]).”
ثم أضاف قانون 05/53 الخاص بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية، وأشار بدوره أيضا إلى شروط التوقيع الالكتروني المؤمن، ضمن المادة 6 منه بقوله: “يجب أن يستوفي التوقيع الالكتروني المؤمن، المنصوص عليه في الفصل 3/417 من الظهير الشريف المعتبر بمثابة قانون الالتزامات والعقود الشروط التالية([39]):
_ أن يكون خاصا بالموقع،
_ أن يتم إنشاؤه بوسائل يمكن للموقع الاحتفاظ بها تحت مراقبته الخاصة بصفة حصرية.
_ أن يضمن وجود ارتباط بالوثيقة المتصلة به، بكيفية تؤدي إلى كشف أي تغيير لاحق أدخل عليها._
_ يجب أن يوضع التوقيع بواسطة آلية لإنشاء التوقيع الالكتروني، تكون صلاحيتها مثبتة بشهادة المطابقة.
_ يتعين أن يشار إلى معطيات التحقق من التوقيع الالكتروني المؤمن في الشهادة الالكترونية المؤمنة المنصوص عليها في المادة 10 من هذا القانون.”
كما أن المشرع الجزائري ذكر شروطا للتوقيع الالكتروني ضمن المادة 323 مكرر 1 ق م ج، والمتمثلة في: إمكانية التأكد من هوية الشخص الذي أصدرها، وأن تكون معدة ومحفوظة في ظروف تضمن سلامتها، واشترط شروطاً إضافية، أشار إليها ضمن المادة 7 من قانون 15/04 المتعلق بالتوقيع والتصديق الالكترونيين، والتي نصت على أن: “التوقيع الالكتروني الموصوف هو التوقيع الالكتروني الذي تتوفر فيه الشروط الآتية([40]):
_ أن ينشأ على أساس شهادة تصديق الكتروني موصوف.
_ أن يرتبط بالموقع دون سواه.
_ أن يكون مصمماً بواسطة آلية مؤمنة خاصة بإنشاء التوقيع الالكتروني.
_ أن يكون منشأ بواسطة وسائل تكون تحت التحكم الحصري للموقع.
_ أن يكون مرتبطاً بالبيانات الخاصة به، بحيث يمكن الكشف عن التغييرات اللاحقة بهذه البيانات.”
وهي نفسها الشروط التي أشرت إليها سابقاً، وقد اتفق حولها التشريعان المغربي والجزائري إلى حد بعيد.
وطالما أن التوقيع الالكتروني تم توثيقه بين الأطراف واستوفى شروطه القانونية، فإنه مقبول لإضفاء الحجية على المحرر الالكتروني، فإذا كان التوقيع الالكتروني يحقق الغاية المرجوة التي يؤديها التوقيع التقليدي، فليس مهما أن يكون هذا التوقيع قد ورد على محرر مادي أو دعامة غير مادية، فالمهم هنا الغاية وليست الوسيلة([41]).
وتبعا لهذا فإنه في حالة تحقق هذه الشروط سواء عند المشرع المغربي أو عند المشرع الجزائري أو الفرنسي، فإن التوقيع الالكتروني يكون قد استوفى الشروط القانونية، ويصبح بذلك مكتسبا لقوة الحجية في الإثبات مثله مثل التوقيع التقليدي.
خاتمة:
بعدما للموضوع، نتوصل للنتائج الآتية:
1_ من خلال النصوص القانونية التي أصدرها المشرع المغربي نستنتج أنه قد امتثل للنداءات الدولية التي حثت الدول على تشريع قوانين لتنظيم التجارة الدولية، ونفس الشيء لاحظناه بالنسبة للتشريعين الجزائري والفرنسي.
2_ التوقيع الالكتروني يتخذ أشكالاً عديدة، فقد يكون في شكل أرقام أو رموز أو إشارات..وغيرها، بينما التوقيع التقليدي يقتصر على الإمضاء أو الختم أو البصمة عن طريق اليد، وهذا باتفاق التشريعات.
3_ التوقيع أنسب للتعاملات الالكترونية الحديثة التي تعتمد على وسائل الاتصال المتقدمة والتكنولوجيات الحديثة خاصة الانترنيت، وما تتيحه من خدمات، وهذا ما لا يتناسب مع طبيعة التوقيع التقليدي.
4_ تتعدد صور التوقيع الالكتروني وهذا ما يدل على تنوع استخدامه وتعدد وظائفه.
5_ التوقيع الالكتروني تمكن من القضاء على ركن جد مهم في العقود المدنية، والذي كانت صحتها مرتبطة به، والمتمثل في الحضور المادي للأطراف بمجلس العقد، بعدما أصبح لا يتطلب ذلك.
6_ التوقيع الالكتروني المؤمن أو الموصوف يتطلب شروطاً أوردها المشرع المغربي وكذا التشريعين الجزائري والفرنسي لابد من توافرها، والمتمثلة في امتلاكه القدرة على تحديد شخصية المحرر، والتعبير عن إرادة الموقع، بالإضافة إلى اتصال التوقيع الالكتروني بالسند، وكذا إنشاؤه بوسائل خاصة بالموقع وتحت سيطرته،
7_ في حال ما إذا تحققت الشروط القانونية بالنسبة للتوقيع الموصوف وصدوره بصفة قانونية أي موثق وفق الأسس القانونية، المحددة لشخصية المحرر والمعبرة عن إرادته، مبرزة للصلة التي تربط التوقيع بصاحبه، بشهادة مؤمنة مصادق عليها من قبل مختص، فإنه يعد توقيع قانوني يملك صاحبه القيام بجميع التعاملات بواسطته، من تجارة وتسويق وغيرها من الخدمات الالكترونية الأخرى، كما يعد وسيلة للإثبات أمام القضاء في حالة النزاع.
وتبعا لهذا نقترح التوصيات الآتية:
1_ العمل من قبل المشرع الجزائري خاصة على تعديل القانون الخاص بالتوقيع الإلكتروني بما يسمح من توطيد الثقة بين المتعاملين، ومنحهم ضمانات قانونية أكبر للإقبال على هذه الوسائط الالكترونية. وإطلاق العنان لهذا النوع من التعاملات، وفي هذا الإطار نشير إلى أن الدولة المغربية أتاحت هذا النوع من التعامل بصفة كبيرة . مقارنة مع الدولة الجزائرية التي ما زالت متحفظة نوعا ما.
2_ ضرورة عقد اتفاقيات دولية وإقليمية خاصة فيما بين دول المغرب العربي، والتي من شأنها أن توفر السبل الملائمة لحماية مستخدمي التوقيع الالكتروني في حالة الاستخدام الدولي أو الإقليمي، تبعاً للمخاطر التي تنجم عن التعاملات الدولية، وكذا الإقليمية لتي تتم عن طريقه، والقرصنة التي يتعرض لها.
3_ العمل على توفير الآليات المناسبة للتنسيق بين الأجهزة الأمنية المختلفة، خاصة فيما بين الدول العربية عن طريق تفعيل دور جامعة الدول العربية وغيرها من الهيئات الإقليمية، من أجل حماية التوقيع الالكتروني وردع المجرمين، وذلك بالنظر إلى طبيعة هذا النوع من الجرائم، حيث تصنف ضمن الجرائم الدولية العابرة للحدود.
الهوامش والمراجع المعتمدة:
[1] قانون الأنسيترال النموذجي بشأن التوقيعات الالكترونية. (يونيو، 2001م). للجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي المنعقد بفينا. منشوارت الأمم المتحدة، نيويورك، 2002م.
[2] منتدى كلية الحقوق _ أكادير، كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية والعلوم الاجتماعية، الموقع الالكتروني: http://fsjes-agadir.info/vb/showthread.php?p=65915، تاريخ النشر: 4 فيفري2016، تاريخ الاطلاع: 20 مارس2020م.
[3] قانون الالتزامات والعقود المغربي المعدل والمتمم، ظهير 9 رمضان 1313هــ الموافق لــ: 12 أغسطس1913م.
[4] القانون رقم 05/53 المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية، الصادر بتنفيذه ظهير شريف رقم: 129. 07. 1، بتاريخ: 19 ذي القعدة 1428هــ الموافق لــ: 30 نوفمبر 2007م. الجريدة الرسمية، عدد5584، بتاريخ: 25 ذي القعدة 1428هــ الموافق لــ: 6 ديسمبر 2007م، ص3879.
[5] قانون 15/04 مؤرخ في: 11 ربيع الثاني 1436هــ الموافق لـــ: 01 فبراير 2015م، يحدد القواعد العامة المتعلقة بالتوقيع والتصديق الالكترونيين، الجريدة الرسمية لسنة 2015، عدد6، بتاريخ: 20 ربيع الثاني 1436هــ الموافق لــ: 10 فبراير 2015م.
[6] loi n 2000/230 ; portant adaptation du droit d la preuve aux technologies de l’information et relative a la signature électronique ; du 30 mars 2000.http://www.legifrance.gouv.fr ; a 29/8/2019
[7] décret n=2001-272 du 30 mars2001 pris pour l’application de l’article 1316-4 du code civil et relatif à la signature électronique. Abrogé par : décret n=2017-1416 du 28septembre 2017. http://www.legifrance.gouv.fr ; a 11/04/2020.
[8] قانون رقم 15 لسنة 2004م، يتعلق بتنظيم التوقيع الالكتروني وإنشاء هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات. الجريدة الرسمية لسنة 2004م، عدد 17 تابع (د)، صادرة في: 22 أفريل 2004م.
[9] عبد الفتاح بيومي حجازي، النظام القانوني للتوقيع الالكتروني، د ر ط، دار الكتب القانونية مصر، 2007، ص 399.
[10] لزهر بن سعيد، النظام القانوني لعقود التجارة الالكترونية.، د ر ط، دار هومة، الجزائر، 2012، ص189.
[11] زينب غريب، إشكالية التوقيع الالكتروني وحجيته في الإثبات، رسالة مقدمة لنيل شهادة الماستر في القانون الخاص، الموسم الجامعي: 2009/2010، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الخامس، الرباط، المغرب، ص37.
[12] عبد الفتاح بيومي حجازي، النظام القانوني للتوقيع الالكتروني، د ر ط، دار الكتب القانونية، مصر، 2007م، ص46.
[13] لورنس محمد عبيدات، إثبات المحرر الإلكتروني، د ر ط، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن، 2005م، ص ص 141، 142.
[14] منتدي كلية الحقوق أكادير، مرجع سابق, http://fsjes-agadir.info/vb/showthread.php?p=65915، تاريخ الاطلاع: 05/7/2020م.
[15] نفس المرجع، http://fsjes-agadir.info/vb/showthread.php?p=65915، تاريخ الاطلاع: 09/07/2020.
[16] عبد الفتاح بيومي حجازي، النظام القانوني للتجارة الالكترونية، د ر ط، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية_مصر، 2002م، ص190.
[17] مسعودي يوسف وأرجيلوس رحاب، مدى حجية التوقيع الالكتروني في الإثبات في التشريع الجزائري (دراسة على ضوء القانون رقم 15/04). مقال منشور ضمن مجلة الاجتهاد للدراسات القانونية والاقتصادية ، عدد 11، جانفي 2017، ص 88.
[18] محمد فواز المطالقة، الوجيز في عقود التجارة الالكترونية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2006، ص183.
[19] محمد أمين الرومي، التعاقد الالكتروني عبر الأنترنيت، دار المطبوعات الجامعية، الاسكندرية_مصر، 2004م، ص130.
[20] مسعودي يوسف وأرجيلوس رحاب، مرجع سابق، ص85.
[21] لوصيف عمار، استراتيجيات نظام المدفوعات للقرن الحادي والعشرين مع الإشارة إلى التجربة الجزائرية، مذكرة ماجستير في العلوم الاقتصادية (2008/2009)، كلية العلوم الاقتصادية والعلوم التجارية وعلوم التسيير_جامعة منتوري، قسنطينة، الجزائر، ص42.
[22] حامد هند محمد، التجارة الالكترونية في المجال السياحي، مطبعة هند محمد حامد، القاهرة، 2003، ص103.
[23] غريب زينب، مرجع سابق، ص52.
[24] مسعودي يوسف وأرجيلوس رحاب، مرجع سابق، ص86.
[25] نوال بن عمارة، manifestation scientifique، الموقع الالكتروني: hplllhttp://www.manifest.univ-ourgla.dz، تاريخ النشر: 14 فيفري2020، تاريخ الاطلاع: 25/7/2020.
[26] مسعودي يوسف وأرجيلوس رحاب، مرجع سابق، ص87.
[27] الفقرة الأولى ضمن المادة 6 من قانون 05/53 المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية.
[28] الفقرة الأولى من المادة 1، المرسوم 2001/272.
[29] موسى خليل متري، مقال بعنوان: التوقيع الالكتروني، مشور على الموقع الالكتروني: hp/// www.bibliotdroit.com، بتاريخ: 23/12/2017، تاريخ الاطلاع: 07 07, 2020.
[30] مصطفى موسى العجارمة، التنظيم القانوني للتعاقد عبر شسكة الأنترنيت. دار الكتب القانونية، مصر، 2010، ص178.
[31] عبد الله أحمد عبد الله غرايبة، حجية التوقيع الالكتروني في القانون الاردني_دراسة مقارنة_ رسالة ماجستير في الحقوق، 2005، الجامعة الأردنية، الأردن، ص110.
[32] عبد الفتاح شادي، التوقيع الالكتروني وحجيته في القانون الأردني. منشور على الموقع الالكتروني: www.mohamah.net، 12/06/2017، تاريخ الاطلاع: 22/08/2020.
[33] نفس المرجع.
[34] الفقرة الثالثة من الفصل 417 من قانون الالتزامات والعقود المغربي.
[35] الفقرة الثانية من نص المادة 327 من القانون المدني الجزائري.
[36] الفقرة الأولى من نص المادة 323 مكرر من القانون المدني الجزائري.
[37] المادة 8 من قانون 15/04 المتعلق بالتوقيع والتصديق الالكترونيين.
[38] الفقرة الثالثة من الفصل 3/417 من قانون الالتزامات والعقود المغربي.
[39] المادة 6 من قانون 05/53 المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية.
[40] المادة 7 من قانون 15/04 المتعلق بالتوقيع والتصديق الالكترونيين.
[41] عبد الله غرايبة، مرجع سابق، ص115.


