قراءة تحليلية نقدية من الداخل

إدريس طهطاوي

كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة

 

صدر مؤخرا سنة 2009 للباحث عبداللطيف الجابري كتابا تحت عنون “إدماج وتقييم الكفايات الأساسية” يقع في 247 صفحة من الحجم المتوسط، منشورات عالم التربية راجعه وقدم له: أ. عبد الكريم غريب؛ وبعد قراءتنا المتأنية لهذا المؤلف، تبادر إلى ذهننا السؤال التالي: ما الذي يمكن أن يضيفه هذا الكتاب إلى باقي الكتابات التربوية المغربية الأخرى التي انصبت على معالجة قضايا تربوية وتكوينية ومواضيع بيداغوجية وديداكتيكة أساسية؟

الجواب عن هذا السؤال يدعونا إلى استحضار بعض الملاحظات التي سجلناها عبر قراءتنا لمجموعة من الأعمال والكتابات التربوية المغربية التي حاولت أن تقارب قضايا الممارسة التربوية والتكوينية ببلادنا وإشكالاتها الجوهرية، وتنحصر هذه الملاحظات فيما يلي:

أولا: ضرورة المساهمة في المزيد من تراكم الدراسات والأعمال التربوية والتكوينية المغربية التي تهتم بالمقاربات البيداغوجية والديداكتيكية، المتعلقة بمساعدة التلاميذ على بناء وإدماج كفاياتهم الأساسية وتقييمها في مختلف الأسلاك التعليمية، بالكيفية التي تساهم في تحسين وتطوير الممارسة التربوية والتكوينية وجعلها تحقق الأهداف المتوخاة منها.

ثانيا: المساهمة في تطعيم محاور معظم هذه الكتابات التربوية استجابة لحاجات ومطالب الممارسين والفاعلين التربويين، حتى تنسجم مع تطلعاتهم وانتظاراتهم وتستجيب لقضاياهم ومشاكلهم المهنية الجوهرية.

ثالثا: تتراوح كذلك، معظم هذه الكتابات التربوية التي حاولت مقاربة النموذج الكفائي، بين رغبة أصحابها في ترجمة وتعريب أعمال ومؤلفات الغير وبين إرادة آخرين في إعداد وإنجاز أبحاث ودراسات تتصل بواقعنا التعليمي والتكويني.

هذه الملاحظات وغيرها، التي استخلصناها من خلال اطلاعنا على مختلف الأعمال والكتب التربوية المغربية، اتخذناها كأرضية انطلقنا منها لإبراز أهم الخصائص التي سوف ينفرد بإضافتها مؤلف الأستاذ عبداللطيف الجابري إدماج وتقييم الكفايات الأساسية إلى غيره من الكتابات التربوية الأخرى، والمتمثلة فيما يلي:

  1. تحديد أهم النماذج والتطبيقات التي طرحت التصورات والمفاهيم والمقاربات الخاصة ببناء كفايات التلاميذ وتقييمها في مختلف الأسلاك التعليمية.
  2.  فسح المجال أمام المدرس لانتقاء من بين النماذج البيداغوجية المطروحة، النموذج الذي يساعده على بناء وإعداد الوضعيات والأنشطة التعلمية المناسبة لتنمية كفايات تلاميذه الأساسية.
  3. تمكين المدرس من العدة التقنية والأدواتية والإجرائية التي يمكن أن يعتمدها في عملية بناء تعلمات وكفايات التلاميذ وتقييمها، وتحسين ممارسته التدريسية والمهنية.
  4. تمكين الممارس والفاعل التربوي من معرفة مختلف النماذج والاتجاهات التربوية والبيداغوجية، ومساعدته على إدراك الاختلافات والائتلافات الموجودة بينها.

هذه الخصائص وغيرها، كانت كافية لأن تدفع بنا إلى أن نعتبر هذا الكتاب إدماج وتقييم الكتابات الأساسية إضافة أخرى، تنضاف إلى باقي المحاولات الجادة التي تروم تحسين الممارسة التربوية والتكوينية المغربية وتجديدها لتحقق الأهداف المتوخاة منها. ورغبة منا في مساعدة القارئ على أخذ فكرة شاملة عن هذا الكتاب نورد مختصرا لأهم محتوياته وفق ما يلي:

بالإضافة إلى تقديم أ. عبد الكريم غريب ومقدمة المؤلف، سيجد القارئ في الفصل الأول من هذا المؤلف، تحديدا لأهم المفاهيم التي ارتكزت عليها المقاربة بالكفايات، إضافة إلى الإجراءات المعتمدة في صياغة كفاية أساسية وإعداد وضعية مشكلة.

في الفصل الثاني، تم التعرض بالتفصيل للنموذج الثلاثي الدرجات الذي اقترحه رأي Rey ومساعدوه في إطار المقاربة بالكفايات.

وقد خصص الفصل الثالث، لإبراز أهم الممارسات التعليمية التعلمية التي تستجيب أكثر لمقتضيات المقاربة بالكفايات، كما حرص المؤلف على أن يبين ضمن فقراته، الكيفية التي يمكن أن تنجز بها هذه الممارسات، تنظيما وتطبيقا وتقييما.

أما الفصل الرابع، فقد حلل ضمنه التوجهات الإدماجية التي تنظمها المقاربة بالكفايات، وبين أن هذه المقاربة لا يمكن أن تمارس فعليا، إلا في إطار إدماجي يقتضي اللجوء إلى أنشطة تعلمية متنوعة ومتمفصلة، وفي سبيل توضيح هذه الأنشطة وإبرازها اتخذ أعمال كزافيبي ودوكتيل Xavier et De Ketele  كمرجعية أساسية.

من خلال الفصل الخامس، حاول الكاتب أن يكون براجماتيا؛ بحيث عمل أساسا، على تبيان نمط التدخل البيداغوجي المنسجم مع المقاربة بالكفايات، معتمدا في ذلك على أعمال بيداغوجية معاصرة، فضلت التركيز على الأبعاد العملية التي تسمح بتجديد أهم الممارسات والأفعال والأنشطة التي ينبغي أن تتشكل من لدن المتدخل البيداغوجي، الطامح لبناء كفايات رفقة المتعلمين داخل الفصل الدراسي.

وبخصوص الفصل السادس، ركز فيه على بسط ستة نماذج لتقييم تعلمات وكفايات تلاميذ مختلف الأسلاك التعليمية، متنوعة الاتجاهات الفكرية والبيداغوجية، ويتعلق الأمر، بنموذج كزافييي البلجيكي، الذي أبرز فيه أهم الإجراءات المتبعة في عملية بناء وإنجاز أنشطة ووضعيات تقييم كفايات التلاميذ الأساسية، بكيفية تساعد على تحقيق نوع من الموضوعية في التقييم والتصحيح، ونموذج بيرنار راي الذي أظهر فيه مختلف الخطوات الإجرائية المعتمدة في إعداد الوضعيات المناسبة لتقييم كل درجة من درجات الكفايات الثلاث: الكفاية الأولية، الكفاية الأولوية المؤطرة والكفاية المعقدة، ونموذج بييرديشي الباحث الكندي، الذي حدد الطريقة المنهجية المتبعة في بناء أنشطة ووضعيات تتعلق بتقييم كفاية درس ما، تم الانتهاء من إنجاز كل أجزائه وحصصه، والنموذج الرابع الذي خصه الباحثان: مييروسيمونارد لإظهار اللحظات الثلاث المعتمدة في تقييم كفاية معينة: لحظة التقييم التشخيصي، لحظة التقييم التكويني ولحظة التقييم الإجمالي. والنموذج الخامس، حاول من خلاله الباحث دولاكوت، إبراز الصعوبات والتعثرات التي تعترض عملية إنجاز أي نشاط أو مهمة مرتبطة بوضعية تتضمن المكونات التالية: المعرفي، والحركي والوجداني؛ وعمد الباحث إلى تحديد العمليات التقييمية المرتبطة بالممارسة التعليمية التعلمية الرامية إلى التأكد من مدى تمكن أو عدم تمكن المتعلم من اكتساب الكفايات الإنسانية، أما النموذج السادس والأخير للباحث المغربي محمد فاتحي، فلقد اعتمد في تقييم كفايات المتعلمين مقاربة شمولية، تضع في اعتبارها أهم مكونات وإجراءات الفصل التعليمي التعلمي بفرض تقييم موضوعي للكفايات الأساسية لدى المتعلمين.

في حين خصص الفصل السابع للوقوف عند أهم الأشكال والصيغ والتصورات المعتمدة في بناء وتنمية الكفايات الأساسية، التي تساعد الطاقم الإداري التربوي بمختلف مؤسساتنا التعليمية على تحقيق تدبير فعال وناجع، يساهم في الرفع من جودة منتوجنا التعليمي والتكويني، بينما اشتمل الفصل الثامن على الكفايات العشر التي حددها بيرنو Perrenoud للمدرسين واعتبر امتلاكهم لها وتحكمهم فيها، تجعلهم قادرين على ممارسة تدريسية فعالة وفاعلة تروم تحقيق الأهداف المتوخاة منها. واختتم هذا المؤلف، بالفصل التاسع والأخير، الذي حاول فيه إبراز أهم الأدوات والإجراءات التي يمكن اللجوء إليها لتحقيق نوع من الموضوعية والفعالية، في عملية تقييم كفايات مدرسين بمختلف الأسلاك التعليمية.

وبناء على ما سبق، يتضح أن هذا المؤلف “إدماج وتقييم الكفايات الأساسية” يستحق أن يعتمد كمرجع من المراجع الأساسية التي تضيء طريق الممارس التربوي والمدبر الإداري وغيرهما، نحو مساعدة التلاميذ على تنمية كفاياتهم الأساسية والرفع من جودة المنتوج التعليمي والتكويني، بالشكل الذي يجعله يكسب الرهانات ويواجه التحديات المطروحة على المدرسة المغربية.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading