جيرار فوريز [(*)]
• مدخل:
“ما علاقة المدرسة بالمجتمع؟ هل لهذا المجتمع سلطة قاهرة على هذه المؤسسة التعليمية بحيث تصبح برامجها وتوجهاتها حبيسة برمجة مسبقة؟ هل هي مجال فقط لإعادة إنتاج هذا المجتمع دون إمكانية الانعتاق ثم التغيير؟ يتطرق الباحث جيرار فوريز لمجموعة من أوجه الهيمنة الاجتماعية على مؤسسة المدرسة؛ قد تكون هذه الهيمنة واضحة المعالم، لكنها في الغالب مستترة وراء كم هائل من الأفكار والتصورات. في هذه الحالة، تفقد المدرسة صفة المؤسسة التعليمية “المحايدة “، إذ هي تدعي اقتصار وظيفتها على تلقين المعارف في الوقت الذي تمرر فيه. عبر شتى الوسائل التعليمية، قناعات فئة أو فئات مجتمعية دون أخرى. في هذا الإطار، ينقلب الطفل التلميذ ضمن فضاء المدرسة إلى طريدة سهلة الاصطياد، ويصبح المتدخلون التربويون المباشرون (خاصة منهم المدرسون) عرضة للتذبذب بين إخضاع تلامذتهم للوضع القائم أو مدهم بأدوات الانعتاق والتحرر في اتجاه التغيير.
لا وجود لمدرسة لا تعرف أزمات “دورية”، كما لا يمكن للمدرسة أن تنجح في جعل التلاميذ “متساوي الحظوظ” عند ولوج أقسامها؛ لكن المسؤولين عن تدبير الشأن التربوي يعرضون لمقترحاتهم في” إطار من الحياد التام وكأن المدرسة ليست مؤسسة اجتماعية كباقي المؤسسات. تولد المدارس وتكبر في حضن مجتمعاتها: ولذلك فإنها مخترقة باستمرار بتصورات ومعتقدات وأزمات هذه المجتمعات. عند هذا المستوى من التحليل، تهدم “مشاكل” المدرسة تلك الأسوار الحصينة بين المؤسسة التعليمية ومحيطها السوسيو- ثقافي.
- المدرسة والفئات الاجتماعية المسيطرة:
من وجهة نظر سوسيولوجية، يعتبر نظام التعليم نظاما معاودا لإنتاج المجتمع؛ ليس بمعنى إعادة إنتاج المجتمع العام أو المجرد؛ ولكن بمعنى “المجتمع الواقعي” الذي ننتمي إليه. لا شك في أن أي مجتمع لا يخلو من تراتبيات اجتماعية ومن علاقات الهيمنة، وهذا ما نلاحظه بداخل مجتمعاتنا الصناعية وما بعد الصناعية. عندما تؤسس الطبقات الاجتماعية لنظام تربوي معين، فإنها تؤسس في الآن نفسه لاستراتيجيات الحفاظ على مصالحها، بل وتطوير هذه المصالح؛ فالطبقات الحاكمة تميل مثلا إلى تشجيع نظام تربوي قادر على ضمان امتيازات الهيمنة عبر تفويتها إلى الأبناء. ليس من المعتاد مثلا أن يوجه أب لابنه الخطاب التالي: “ما نطلبه من المدرسة هو أن تجعل منك عاملا جيدا، من دون أية سلطة اجتماعية
إذا ما شكل نظام تربوي خطرا على مصالح طبقة ما، فغالبا ما تنتفض هذه الطبقة للدفاع عن امتيازاتها في وجه تغيير لا يناسبها.
لا يقتصر النظام التعليمي على حماية الامتيازات، بل إنه يعمد إلى حماية شرعية هذه الامتيازات، كما لا يتعلم التلميذ أشياء “نافدة للحياة “، بل يتعلم الالتزام بخصوصيات العقلية المسيطرة. لا تخلو المدرسة من أساليب التمويه إذن ولذلك فإنها تمارس التربية في شكل ” تربية بريئة “، بريئة في ظاهرها ومليئة في باطنها بمقاصد انحيازية.
تشكل إعادة إنتاج النظام الاجتماعي جزءا من كل نظام اجتماعي، والنظم التعليمية لا تعيد إنتاج قيم المجتمع في بعديها الإنساني والأخلاقي: ولكنها تعيد كذلك إنتاج أشكال الظلم الاجتماعي. خلال حقب ” السلم الاجتماعي ” مثلا، لا تطفو على السطح مبادئ إعادة إنتاج الامتيازات الاجتماعية؛ ولكن عندما تصبح هذه الامتيازات مهددة، تصبح تصرفات السادة أكثر وضوحا. عندما تكون الظروف الاقتصادية جيدة نسبيا (مستوى عيش مقبول)، تصبح الصراعات من أجل إخضاع التعليم لامتيازات الطبقات المسيطرة أقل وضوحا. في هذه الحالة، تترك للنظام التعليمي فرصة تجديد هياكله ومضامينه. على العكس من ذلك، عندما ينقلب الوضع الاقتصادي إلى أزمة خانقة، حيث يصبح من الصعب استفادة الجميع من خيرات البلاد، يعرف التعليم صراعا مستميتا بهدف تحقيق مصالح فئوية. نلمس هنا بالضبط مستوى تحكم البعض في توجهات الحلول المقترحة للأزمة.
يعكس كل نظام تعليمي تصورا للعالم تبعا لثقافة المجتمع، بل وتبعا للتركيبة الفئوية لهذا المجتمع. إنه عنيد في نشر إيديولوجيات بعينها تبعا لرغبة السادة في تحصين امتيازات محددة؛ فنجد النظام التعليمي للقرن التاسع عشر مثلا، في مرحلة بناء الحضارة الصناعية، مختلفا في توجهاته عن النظام التعليمي لمرحلة ما بعد الثورة الصناعية. هكذا إذن، لا يمكن لأي نظام تعليمي إلا أن يعيد إنتاج المجتمع الذي تربى في حضنه. إذا كانت المدرسة في العصر الوسيط معنية كثيرا بالمرجعيات الدينية وتؤطر علومها نفسها بمقولات دينية، فإن المدرسة الحالية لا تزيغ عن القاعدة ولو أنها ترتكز هذه المرة على مرجعيات إنسانوية؛ لكنها تعزز في الآن نفسه الميولات الفردانية المميزة للنظم الليبيرالية.
لكن يبقى من الممكن -وهذه وضعية خاصة في سياق النظم التعليمية لمتدخل في مجال التعليم أن يقوم بنشر أفكاره الخاصة؛ إلا أن هذا المتدخل يخاطر بتصرفه هذا بفقدان عمله التربوي إذا ما ثبت ” تورطه” في “اللعب ” بعيدا عن المرتكزات الإيديولوجية للمدرسة ككل.
يظهر من خلال الأفكار السابقة أن المدرسة ميدان خصب للصراعات الاجتماعية. لا نذهب إلى المدرسة فقط بهدف تعلم “المعارف الصحيحة”؛ ولكننا نلج المدرسة كذلك لنحصل على ” مكان مناسب ” ضمن ثقافة هذه المدرسة.
تميل المدرسة بمجتمعاتنا الحالية إلى نشر صورة المؤسسة المحايدة، بعيدا عن الصراعات الطاحنة بالمجتمع. نوجد هنا أساسا أمام إيديولوجيا تقنوقراطية، همها وضع قناع الحياد فوق الملامح القبيحة لتلك الصراعات، أي أن التقنوقراط غير ملتزمين (سياسيا أو إيديولوجيا) وبالتالي فهم محصنون ضد التوجهات التربوية المنحازة لطرف دون آخر. في هذه الحالة، تقدم اختيارات التعليم وكأنها اختيارات علمية (أو تقنية) غير قابلة للتشاور ” السياسي”، بحكم كونها ذات طبيعة معرفية محضة. يشاع مثلا أن المدرسة محكومة فقط بتعليم العلوم والتقنيات كما هي، أو يقال إن برامج الدراسة محكومة بمضمون المواد التعليمية الملقنة وليس باختيارات مجتمعية. يعمد التقنوقراط كذلك إلى تأطير التوجهات التربوية للمدرسة “بعلوم التربية “، بحجة أن هذه العلوم قادرة على اختيار الأحسن للتلميذ، ولنا أن نركز هنا على كلمة “علوم،) نظرا لما لهذه الكلمة من قوة في طمس توجهات تربوية بعينها دون غيرها.
المؤسف بالنسبة لهذه الإيديولوجيا التقنوقراطية كونها تخفي حقيقة هامة، وهي كون العلوم نفسها عاجزة عن حل مشكلات ذات طبيعة اجتماعية أو سياسية. مجال العلوم، في حقيقته، لا يتجاوز مستوى التنبؤ ببعض نتائج هذه السياسة التعليمية أو تلك، لكن هذه العلوم غير قادرة تماما على تحديد الطريقة التربوية الأمثل في مجال التعليم. لذلك، وخاصة في وضعية الأزمة، يرتكز التقنوقراط على حيادية المعرفة وحيادية علوم التربية كي يعطوا الشرعية لسياستهم التربوية عبر إخفاء حقيقتها، أي طبيعتها السوسيو-سياسية.
من بين الأسباب التي تجعل من المدرسة وسطا مصطنعا وضئيل “الواقعية، طريقة التعامل مع “الصراعات“، أي طريقتها في طمس مرتكزاتها الإيديولوجية.
نسمع كثيرا عن كون المدرسة وسطا اصطناعيا وبعيدا كل البعد عن “الواقع “. لفهم هذا الطابع الاصطناعي بداخل مجتمعاتنا الصناعية وما بعد الصناعية، ينبغي ربطه بمؤسسة المدرسة نفسها وبطريقة اشتغالها. غالبا ما نعني بتعبير “مدرسة مصطنعة” مدرسة غير مدنية تماما بالصراعات القوية داخل المجتمع لكن الأهم هو معرفة طريقة إخفاء المدرسة لتلك الصراعات. نعرف جيدا أن التلاميذ الأقل حظا (من الناحية الاجتماعية) هم الأكثر وعيا بوجود صراعات خفية بداخل المدرسة والأكثر وعيا كذلك بوجود تباينات اجتماعية جائرة. إنهم يعرفون مقدار المجهود المطلوب منهم للنجاح دراسيا، والنجاح ليس بالأمر الهين لديهم بحكم أوضاعهم الاجتماعية المزرية. على العكس من ذلك، يميل التلاميذ الأكثر حظا (من الناحية الاجتماعية دائما) إلى اعتبار المدرسة مجالا لتلقين المعرفة فقط. في وضعية الأزمة، يميل التلاميذ الأقل حظا إلى الوعي أكثر فأكثر بهذه الحقائق ولو في حالة حصولهم على معدلات عالية (يزداد هذا الوعي لدى التلاميذ ” المرمي ” بهم في متاهات التكوين المهني).
أما بالنسبة لرجال التربية والتعليم، فإنهم يخافون باستمرار من استفحال الصراعات الاجتماعية بداخل المدرسة. يرجع هذا الخوف لديهم إلى سببين: إنهم على وعي من ناحية أولى بخطورة وصعوبة تدبير الصراعات ذات الطبيعة الاجتماعية بداخل المدرسة، خاصة إمكانية ظهور هذه الصراعات على السطح ” وهم يشعرون، من ناحية ثانية، بالإحباط حيال مهنتهم حين يمررون بين تلامذتهم صورة المدرس ” المحايد” (” أنا هنا لتعليمكم الرياضيات ولا شيء غير الرياضيات”)، هذا في الوقت الذي يحسون فيه بالدور التعليمي للمدرسة كمؤسسة غير مؤدلجة وغير معنية لا من بعيد ولا من قريب بالصراعات الاجتماعية.
لا شك في وجود القيم والإيديولوجيات والتربية على الحياة بداخل المدرسة. يكفي للكشف عن وجودها أن نقوم بتحليل لمضامين المواد التعليمية الملقنة ولطبيعة العلاقة بين مختلف المتدخلين وتحليل البنيات المؤسساتية نفسها.
تشكل مضامين الدروس وسيلة مثالية لنقل أفكار وتصورات القائمين على شؤون التربية والتعليم. تشكل دروس الأخلاق والدين أمثل القنوات التلقينية في هذ ا المجال، كما تمثل دروس اللغات والتاريخ وسائل هامة أخرى. أما الرياضيات وباقي العلوم فلا تخرج هي الأخرى عن سياق التدجين؛ لكن بدرجة أقل. كما نعتبر مادة التربية البدنية، لكونها تمد التلاميذ بصورة عن ذاتهم وعن جسمهم وعن طبيعة العلاقة مع الآخر، قناة إضافية لإتمام التلقين الخفي لتصورات دون أخرى.
تمرر التصورات كذلك عبر الحوافز المقترحة، خاصة عند بداية الدروس: غالبا ما نلاحظ المدرسين وهم يحثون تلامذتهم على المثابرة بخصوص مواد تخصصهم، مبررين ذلك بأهمية هذه المواد بالنسبة للمجتمع وللمستقبل. لا يخلو هذا النوع من الخطاب، هو الآخر، من مضامين تخص صورة وقيم المجتمع العام حيث تحيى المدرسة (وحيث ينقسم البشر إلى فاشلين أو ناجحين في الحياة).
تعبر العلاقات الشخصية البينية والعلاقات بين المدرسين والتلاميذ، هي الأخرى، عن صورة معينة عن الحياة والعالم، فهذه العلاقات وسيلة هامة لنقل القيم. إنها تكشف عن قوتها من خلال ربط علاقات مباشرة مع التلاميذ، وهي تحجب أحيانا قوة الإشراطات المؤسساتية وتخفف بالتالي من طبيعتها ” القهرية ” (تمثل هيئة التدريس، على الأقل على المستوى النظري، ومسؤولي الإدارة المدرسية ” أدوات ” في يد السلطة القائمة لتمرير أفكارها وتمديد سيطرتها، وهذا ما لا يظهر جليا من خلال العلاقة مع التلاميذ).
تختزن البنيات المؤسساتية، المادية منها والاجتماعية، كما هائلا من الأفكار والتصورات. تكشف البنية الهندسية لمدرسة ما عن تصور محدد للمجتمع وللعلاقات بين مختلف المتدخلين وتسمح لنا البنيات المادية للأقسام مثلا بإدراك أولي لشكل العلاقات المنتظرة من التلاميذ: إن الاختلاف كبير جدا بين قسم ترتب فيه الطاولات على شكل صفوف منظمة بعناية ومتجهة بكاملها نحو المدرس وقسم آخر، حيث تنتشر بضع موائد مستديرة هنا وهناك، دون أن يكون للمدرس مكان محدد سلفا. يسمح لنا هذا الوضع أو ذاك للتلاميذ داخل أقسامهم باستنتاج عدة جوانب إيجابية أو سلبية بخصوص الوضعين. لكننا لا ننكر ارتباط ذلك بنقل قيم بعينها دون غيرها. إن الأخذ ببنيات اجتماعية خاصة كوضع التلاميذ في صفوف منتظمة أو التركيز على وقت الحضور أو نوع العقاب المتبع أو شكل العلاقات الهرمية، كل هذه الأشياء هدفها الدفع بالتلاميذ إلى استيعاب قيم المجتمع أو بالأحرى قيم طبقة اجتماعية خاصة. لربما نجد في البنية المادية للمدرسة وسيلة لا غنى عنها في تمرير الأفكار والتصورات المتحكمة في المجتمع. نظن أن المواد الدراسية الأقوى من حيث حمولتها الإيديولوجية ( كالأخلاق والدين والتاريخ) تسمح، رغم ذلك، للتلاميذ بمقاومة متفاوتة القوة لعملية التدجين؛ وذلك عبر إمكانية إبداء الرأي وعبر مناقشة الأطروحات المقترحة من لدن المدرسين؛ لكن وعلى العكس من ذلك، يظل التلاميذ أضعف بكثير في فك رموز أدوات تدجينية أخرى، حين لا تسمح هذه الأدوات بفتح الحوار أو إبداء الرأي؛ وهذا بالضبط هو شأن ما أسميناه بالبنيات المؤسساتية للمدرسة (قد يسمح لتلميذ ما بمناقشة أفكار مدرس التاريخ، لكنه لا يعتبر نفسه معنيا بمناقشة البنية المادية أو الاجتماعية للمؤسسة في شموليتها).
نظن أن بعض المفاهيم الواسعة الانتشار كمفهوم “بيداغوجيا اليسار، أو “بيداغوجيا اليمين“، مفاهيم غامضة وأحيانا جوفاء. قد تعتبر بيداغوجيا ما “تقدمية“ رغم كونها فردانية التوجه أو انتقائية أو ليبرالية، وقد يستعمل التعبير نفسه بخصوص بيداغوجيا يسارية وذات توجهات اجتماعية.
غالبا ما نصنف البيداغوجيات المختلفة تحت تسميات ثنائية الشكل: بيداغوجيا محافظة أو تقدمية، بيداغوجيا اليمين أو اليسار؛ لكن نظرة متفحصة لهذه التعابير تكشف لنا عن غياب تعريف دقيق لهذا التعبير أو ذاك. ما أن نقر بوجود مدرس سلطوي حتى نضعه في خانة المدرس المحافظ، كما نسارع إلى اعتبار آخر تقدميا حين يعمد إلى تقليص الفوارق الاجتماعية؛ لكن هذا الربط الآلي بين تصرفات المدرسين وتصنيفهم في هذه الخانة أو تلك بعيد عن الصواب (الربط بين ” السلطوي” والرجعي” وكذا الربط بين “الديموقراطي”، و” التقدمي”). في الواقع أن تصرفات المدرس متفاوتة القوة بين هذا السلوك وذاك؛ فليس كل المدرسين ” السلطويين” مقتنعين بالتوجهات الرجعية وليس كل المدرسين” التقدميين ” مقتنعين بتقليص الفوارق الاجتماعية بين الأفراد؛ بل إننا نصادف ضمن الخطابات التربوية تصنيفا لليمين واليسار في الخانة نفسها “للديموقراطيين”.
نصل إذن إلى الحقيقة التالية؛ التمييز بدقة بين (بيداغوجيا تقدمية ” وأخرى “محافظة”، بين ” بيداغوجيا اليسار” وأخرى “اليمين ” تمييز غير ممكن نظرا لتداخل التصورات والمواقف بين الطرفين؛ لكن يمكن تحليل الدلالات “المتداولة” لهذه التصنيفات تبعا لتصنيف ثلاثي القطب: السلطوية أو المشاركة، -تقبل أو محاربة عدم تكافؤ الفرص (اجتماعيا ومدرسيا) وأخيرا التركيز على الفرد (استراتيجيا من طبيعة ليبرالية) أو التركيز على المنفعة العامة (تقبل بعض الإكراهات لتحقيق هذه المنفعة). غالبا ما تميل اللغة المتداولة اجتماعيا إلى استعمال كلمة “محافظ” للدلالة على التسلط وعلى تقبل الفوارق الاجتماعية؛ أما بخصوص التركيز على الفرد من جهة أو على المنفعة العامة من جهة أخرى، فالمعنى هنا أكثر ضبابية. في الحالة الأولى، نتحدث عن الحرية الفردية باعتبارها مقدسة (تماما كما هو الشأن بالنسبة لتعبير المبادرة الفردية ضمن النظام الليبرالي) وفي الحالة الثانية غالبا ما نتحدث عن أهمية الجماعة على حساب الفرد، في إطار من القيم التاريخية المشتركة (أسبقية المنفعة العامة على متطلبات الفرد). نحن هنا أمام نوعين من الإيديولوجيات، لكن الظروف التاريخية والاجتماعية والقناعات المذهبية تجعل من كلتا الإيديولوجيتين ” تقدمية” أو ” محافظة” دون تمييز صارم بين الصفتين.
2- المدرسة والقسم كفضاء اجتماعي:
لا يشكل الفصل الدراسي مكاناً مثاليا للتعلم ولا هو خال من الصراع. الصراع موجود بين مشاريع متباينة تخص التلاميذ والمدرسين والإداريين والآباء. إنه مكان المواجهة بامتياز بين الرغبات والاهتمامات.
تزيح هذه الفكرة جانبا مسألة اعتبار المدرسة مجالا اجتماعيا محايدا، حيث يكون الهم الأساسي هو حماية التلميذ من كل التأثيرات السلبية. نحن على العكس من ذلك في خضم كم هائل من الرغبات (مدركات كل شخص على حدة) ومجال معقد من الاهتمامات (في ارتباطها بمواقف اجتماعية محددة). ليس هدفنا بالضرورة من هذا التحليل هو تعميق الصراع بالمدرسة؛ ولكن هدفنا هو النجاح على قدر كبير من المصداقية في جعل الجو العام للمدرسة هادئا بما فيه الكفاية كي يتحقق التعلم للجميع وتتقلص نسب الفشل. لا ينبغي أن ننسى خطورة ظهور الصراعات على السطح بالنسبة إلى السير العادي للمؤسسة المدرسية. أعتقد أن الأهم، في هذه الحالة، هو تضافر جهود مختلف المتدخلين لمساعدة الطفل -المتعلم على حل مشكلات الصراع عبر الحوار والتفاوض، أي مساعدته على تجاوز الصراع في جو من السلم الاجتماعي، كي لا يتعثر مساره الدراسي. ينبغي خلق نوع من التوازن بين مواقف هادئة في وجه الصراعات ومواقف ملؤها التوترات.
إذا ما ترك الأطفال وشأنهم دون رقيب، فإنهم يميلون إلى إعادة إنتاج النظام الاجتماعي القائم. لذلك، فإن المقاربات اللاتوجيهية تميل إلى تشجيع الوضع القائم والى تعزيز تصورات بعينها دون أخرى. بهذا المعنى، ليس بإمكان المربين والمدرسين التخلص من الطبيعة السياسية لعملهم بالمؤسسات التعليمية.
غالبا ما نعتبر الأطفال مبدعين بطبيعتهم. هذه الفكرة صحيحة إلى حد ما لكون الطفل غير معني بما يميز حياة الراشدين من تعقيدات وقد يساعده ذلك على ابتكار حلول لم نفكر فيها أبدا كراشدين. لكن الأطفال والشبان غير ” ثوريين” بالدرجة التي نتصور بها ذلك. ما نعتبره ” تلقائية” لدى الطفل هو تراكم لإشراطات اجتماعية غارقة في الزمن. عدم وعي الراشد بذلك لا يخدم الطفل -التلميذ بالضرورة، بل إنه يضع حجابا على أشكال متعددة من التطبيع الاجتماعي، ويؤخر بذلك وعي الطفل بوجود إعادة إنتاج لتصورات مجتمعية.
غالبا ما يرجع “الجديد” لدى الطفل إلى “موضة” طارئة في حياة المجتمع. قد يكون الطفل أو الشاب أكثر ” محافظة ” مما نتصور، أي أن الأخذ بآخر الأفكار المتداولة (في شكل “موضة” مثيرة) لا يمثل دليلا على وجود إبداع حقيقي، وقد يشير بكل بساطة إلى نوع من الخضوع الاجتماعي. في غالب الأحيان، لا تظهر على الأشخاص القدرة على إبداع تصورات اجتماعية مجددة إلا عند اكتمال تكوينهم النفسي والفكري. يظهر لدى الأطفال والشبان ميل إلى معانقة الأفكار المتحررة؛ لكن ذلك قد لا يزيد عن أخذهم بأفكار عصرهم.
نعتبر، في السياق نفسه، المقاربات اللاتوجيهية (إعطاء حرية أكبر للطفل والتقليص من دور المدرس) في آخر الأمر أدوات أكيدة لإعادة إنتاج النظام القائم. لكي نغير المجتمع أو العالم، لابد لنا من ” نمذجة نظرية ” مفكر فيها مليا، عوض انتظار التغيير عبر تلقائية الأطفال أو الشباب.
تشكل المنافسة بالوسط المدرسي قناعا يراد منه طمس الاختلافات بين الأفراد والجماعات. إنها تعزز تراتبية بعينها بين البشر. إنها تفترض التساوي في الحظوظ رغم استحالته بداخل مجتمع طبقي. إنها تمرر وهم الديموقراطية متغافلة انكسار أحلام الأقل حظا على حائط الواقع المر.
ترتكز المدرسة في غالبيتها على إعطاء أهمية كبرى للمنافسة بين التلاميذ. منذ الخمسينات، كان شائعا بالمدارس تنظيم “مباريات “، حيث لم يكن الأهم فقط هو النجاح ولكن هو إحراز المراتب الأولى. كان النظام التعليمي يشبه إلى حد كبير المنافسات الرياضية. كان مضمون هذا التوجه أن النجاح لن يكون إلا من نصيب النجباء.
لكن واقع الأمر أن بعض التلاميذ يلتحقون بالمدرسة وهم محرومون من بعض الامتيازات الثقافية، ونجد آخرين مهيئين أكثر من غيرهم لإحراز النجاح. الامتيازات الثقافية والاقتصادية تساعد بالفعل على التميز (كما هو شأن التلميذ القادر ماديا على حل صعوباته التحصيلية بفضل الدروس الخصوصية). لا وجود إذن لمساواة في الحظوظ ضمن مجتمع طبقي بالأساس. عندما تقدم المدرسة نفسها كوسط للمنافسة الشريفة، بحيث “تعطي” لمن يعمل أكثر، فإن التلاميذ الأقل حظا سرعان ما يشعرون، بمرور السنوات الدراسية، بكون هذه المدرسة نفسها تخذلهم بأفكارها الإنسانوية. أغلب الناس يعرفون أن المساواة غير موجودة على كراسي الدراسة، ولا هي موجودة كذلك بالمجتمع ويعرفون كذلك أن “شبكة المعارف ” هي التي تحسم في الحصول على عمل، وليس لنتائج الدراسة قوة الحسم في الحصول على ذلك. هكذا نفهم إلى أي حد تصبح معه إيديولوجيا المنافسة نفقا يتيه بين دروبه بعض التلاميذ. نحن هنا مطالبون بتدبير اختراق الصراعات الاجتماعية للوسط المدرسي.
لا تمثل السلطة التربوية إطارا مقننا لممارسة السلطة، بل إنها تنظيم فقط للعلاقة بالآخر في اتجاه تحقق أهداف تربوية وتعليمية. إنها تهدف بالأساس إلى إحراز استقلالية التلميذ وليس تبعيته.
تشير هذه الأطروحة إلى رؤى مختلفة للسلطة بداخل المدرسة. عندما تكون السلطة مقننة ومرتبطة بإطار خاص، فإنها تحيلنا على ممارسات سلطوية سابقة على الحقبة الصناعية؛ حيث كانت تمارس السلطة فقط لارتباطها بمركز اجتماعي بعينه (سلطة الأرستقراطي مثلا). حينها كانت سلطة المدرس تمارس بهذه الصفة (يسمح التدريس بممارسة السلطة دون أي باعث آخر). مع تطور المجتمعات الصناعية، ارتبطت سلطة المدرس “بالكفاية” وفقدت هذه السلطة كونها إطارا خاصا لتصبح وظيفية في إطار توجه ” عقلاني” فاعل.
ترتبط نماذج السلطة ببواعث سيكولوجية معروفة لدى المحللين النفسيين. كيف يعيش! التلاميذ علاقتهم بمدرسيهم؟ هل يمثل المدرس سلطة مقدسة أم أنه شخص عاد؟ ما هي الحالة النفسية للمدرسين أنفسهم أمام السلطة الموكلة إليهم؟ قد يعمد هؤلاء إلى إعادة إنتاج مشاكلهم الخاصة حين كانوا في وضعية التتلمذ. يمكن لمعاودة الإنتاج هذه أن تكون وفية لماضي المدرس، كأن يعيد هذا الأخير في وجه تلامذته شكل السلطة التي مورست عليه؛ كما يمكن لهذا المدرس أن يتصرف عكس ما تمليه عليه تجاربه السابقة (كأن يمنح لتلامذته الحرية التي لم ينعم بها فيما سبق). تصرفات المدرس إذن تصرفات معقدة وليست محكومة فقط بماضيه أو بإطاره الرسمي.
غالبا ما يرتبط شكل السلطة الممارسة بمرجعية أو مرجعيات محددة. بالنسبة إلى البعض، تستمد السلطة مشروعيتها من وجود مرجعيات قوية. نجد لدى نتشه مثلا تصورا يرجع “مطلقية” السلطة إلى مرجعيات متباينة: تستمد السلطة مشروعيتها من العقل أو من الطبيعة أو من الأخلاق أو من العلم أو كذلك من الدين. بالنسبة إلى البعض الآخر، لا وجود إلا لسلطة نسبية والكائن البشري حر بطبيعته.
ليست وظيفة السلطة التربوية وسيلة لإعادة إنتاج النماذج السلوكية المنتشرة بالمجتمع، ولا تتوخى تحقيق تبعية للتلميذ تجاه المجتمع؛ بل إنها تهدف الاستقلالية لدى المتعلم، أي خلق كائن حر يحيى من أجل إثبات ذاته. لكن هذه اللأهداف مجتمعة غير ممكنة التحقق دون عوائق شتى، خاصة بالمجتمعات المفتقرة لشرعنة السلطة.
تشكل مواجهة التلاميذ لأشكال الظلم بالوسط المدرسي أمرا محمودا ومصدرا للأمل في التغيير؛ لكن ما يشكل خطرا على مستقبلهم هو اجتهاد المدرسة في طمس الصراعات الحقيقية. يخلق هذا التصرف غير المسؤول لدى التلاميذ حالات غامضة من القلق والتشاؤم ويحرمهم من ربط علاقات ملؤها الود والاستقرار النفسي.
يظن أغلب المربين أن الكشف عن مكامن الخلل المجتمعي للتلاميذ غير مجد ومصدر محتمل لإصابتهم بحالات من التشاؤم. تنتشر هذه الفكرة بين المربين ومن خلال التقاليد التربوية بالموازاة مع اعتقاد خاطئ مفاده أن التلاميذ في حاجة فقط إلى تصورات إيجابية حول مجتمعهم ومدرستهم.
إن سكوت المربين عن المآسي التي تنخر المجتمع بصفة عامة والمدرسة بصفة خاصة، لا يعني عدم قدرة التلاميذ على الوعي بوجود تلك المآسي؛ بل إن محاولة طمسها تزيد من خطورتها بمخيلة هؤلاء التلاميذ وتعمق من وعيهم بوجود مخاطر تتربص بمستقبلهم. في هذه الحالة، يصبح هدف المربين معكوسا، بحيث يعمل على نشر حالات من اليأس والتشاؤم وانعدام الثقة عوض حالات التفاؤل والثقة المتبادلة. على العكس من ذلك، يحتاج الأطفال إلى تصرفات مسؤولة وصريحة من لدن الراشدين؛ أي إلى محاورين لا يخافون من الدخول في نقاشات مفتوحة حول مكامن الخلل المجتمعي أو المدرسي.
يتطلب تحليل الوضعيات الصراعية تجاوزا لمستوى العلاقات الخاصة (المسماة أحيانا “بالقصيرة، كما هو شأن العلاقة مدرس. تلميذ أو تلميذ. تلميذ) أي الاقتناع بأهمية تحليل اجتماعي شامل وبنيوي (أو على مستوى علاقات “طويلة، تتجاوز الحيز الضيق للوسط المدرسي أو الأسري).
نعرف أن ما يميز مجتمعاتنا الحالية هو التصرف بفردانية حيال مختلف الوضعيات المعيشية، أي الانغلاق بداخل ما يسميه بعض السوسيولوجيين ” بالعلاقات القصيرة ” (أفراد الأسرة والزملاء والأصدقاء) على نطاق أوسع من العلاقات “الطويلة” (في سياق البنيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الشاملة). نعمد بهذا الشكل إلى تكوين مواطنين لا يعيشون إلا بداخل مجتمعات صغيرة، تاركين بذلك أمر تدبير المجتمع الشامل لجماعة من البيروقراطيين التقنوقراط. إنه لمن الخطير جدا أن تنحصر تضحيات المواطن في إطار أسرته أو جماعة أصدقائه، بعيدا عن المشاكل الكبرى لمجتمعه الواسع.
لاشك في أن المدارس الحالية لا تغفل التطرق لقضايا هامة وشاملة (البيئة وعدم المساواة الاجتماعية والبطالة والعنصرية والجنس والتسابق نحو التسلح والإرهاب وغيرها من القضايا)؛ لكن لهذه المدارس طرقها الخاصة في تناول هذه القضايا. إنها تختار مناقشة جوانب بعينها دون أخرى، أي أنها تكيف القضايا المطروحة مع منظومتها الفكرية والإيديولوجية.
[(*)] جيرار فوريز باحث تربوي وسوسيولوجي. ترجمة الأستاذ عبد الكريم فليو بن عمرو. الترجمة لجزء من مؤلفه:
FOUREZ Gerard: Eduquer, Ecoles, Ethiques, Sociétés; De Boeck – Wesmael, Bruxelles , 1990, PP .- 4761.


