من أجل ممارسة بيداغوجية قائمة على الإبداع

ذ. محمد آيت موحى

مركز تكوين المعلمين والمعلمات بالجديدة

  • مقدمة:

يعالج هذا المقال فكرة تجديد المدرسة المغربية من خلال التركيز على تجديد الممارسة البيداغوجية. ويجد اختيار هذه الفكرة مسوغه في كون معظم مشاريع الإصلاح التي عرفتها المنظومة التربوية ببلادنا، قلما أولت الاهتمام الكافي لما يحدث داخل القسم الدراسي. والحال أن أي إصلاح لا يدرج هذه المسألة ضمن اهتماماته، ولا يجعلها مطلبا أساسا من مطالبه، قد لا يتمكن، في المنظور المتوسط والبعيد، من تحقيق المرامي والأهداف التي يصبو إلى تحقيقها.

يتحدد مطمحنا، إذن، في تناول فكرة تجديد الممارسة البيداغوجية باعتبارها جزءا لا ينبغي أن يفصل عن عملية تجديد المدرسة المغربية في كليتها – من منظور بيداغوجيا الإبداع -، وسندنا في ذلك ملاحظة عامة مضمونها أن ممارساتنا
التعليمية ماتزال، بطبيعتها وبحكم المبادئ التي تقوم عليها، ممارسة تهمش التربية على الإبداع. صحيح أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين يذهب إلى التأكيد على ضرورة خلق “مدرسة مغربية وطنية جديدة – مفعمة بالحياة – بفضل نهج تربوي
نشيط، يجاوز التلقي السلبي والعمل الفردي إلى اعتماد التعلم الذاتي، والقدرة على الحوار والمشاركة في الاجتهاد الجماعي” (ص 11)، ويشدد على “جعل المتعلم بوجه عام، والطفل على الأخص، في قلب الاهتمام والتفكير والفعل خلال العملية التربوية التكوينية” (ص 10)، بيد أن الأمر الملحوظ هو عدم قدرة الممارسة البيداغوجية اليومية على مسايرة هذا الطموح النبيل.

ينبغي من هذا المنظور التأكيد على أهمية انفتاح ممارساتنا البيداغوجية على أشكال وصيغ أخرى من الممارسة التربوية، بمقدورها السير في اتجاه تجديد المدرسة المغربية. ومن أبرز هذه الأشكال والصيغ التربية على الإبداع.

تتطلب معالجة الموضوع المقترح، بالضرورة، التعريف بالإبداع وبعلاقته بالتعلم المدرسي، كما تتطلب التعريف ببعض تقنيات الإبداع الممكن توظيفها داخل القسم، وصولا إلى تقديم أمثلة لتقنيات بسيطة تطبق في مادة دراسية محددة أو مواد متعددة.

  1. ما الإبداع وما خصائصه؟

الإبداع لغة هو الخلق والابتكار، أما اصطلاحا فتتعدد تعريفاته وتتنوع؛ غير أنها تتفق جميعها على تأكيد الطابع المعقد لأي سيرورة إبداعية. والملحوظ أن الطابع العام المميز لمعظم تعريفات الإبداع هو التركيز، لا على السيرورة الإبداعية ذاتها، بل على نتاج العملية الإبداعية ومواصفات هذا النتاج. إن العملية الإبداعية، بما هي سيرورة نفسية، عملية داخلية غير ملحوظة؛ وانها بتعبير آخر مظهر داخلي للنشاط الإبداعي الذي يتضمن اللحظات والآليات والديناميات النفسية بدءا من ولادة المشكلة أو صياغة الافتراضات الأولية وانتهاء بتحقيق النتاج الإبداعي. وتندرج ضمن هذه العملية نشاطات التفكير والقدرة على نقل المعلومات وإيجاد العلاقات بين العناصر المعرفية، كما تندرج ضمنها أيضا دينامية الحياة العاطفية والانفعالية والعوامل الشخصية بكاملها.

وإذا ما تجاوزنا الصعوبات المتعلقة بتحديد ماهية الإبداع وانطلقنا إلى النظر في نتاج هذه العملية، بدا لنا أن لهذا النتاج مواصفات عامة هي، في الوقت نفسه، خصائص التفكير المبدع. تتمثل هذه المواصفات في ما يلي:

  • الطلاقة: ومعناها سيولة الأفكار وانسيابها، وتتجسد في مقدرة الفرد المبدع على إنتاج أكبر عدد من الأفكار بخصوص موضوع معين في وحدة زمنية ثابتة.
  • المرونة: والمقصود بها قدرة الفرد على تغيير وجهته الذهنية، أي قدرته على التحرر من القصور الذاتي والأفكار النمطية، والقدرة على الالتفاف على العوائق الداخلية (المزاجية والعقلية) والخارجية (الاجتماعية والبيئية).
  • الأصالة: وتعني قدرة الفرد المبدع على إنتاج حلول جديدة وطريفة للمشكلات. فتكرار الأفكار ومعاودتها والتقليد أمور لا تمت إلى الإبداع بصلة.
  1. الإبداع والتعلم المدرسي:

من بين الإشكاليات التي تطرح عند تناول التربية على الإبداع إشكالية العلاقة بين الإبداع والتعلم المدرسي، وتتفرع عن هذه الإشكالية العديد من الأسئلة الجوهرية من قبيل: أي منهما له الأفضلية في إطار التعلم المدرسي: هل هو المتعلم الذكي أم المتعلم المبدع؟ وما الصيغة الأفضل لتوزيع المتعلمين داخل القسم من أجل إثارة قدرتهم على الإبداع، أهي صيغة العمل الفردي أم صيغة العمل الجماعي (أو في مجموعات) ؟ هل هناك نماذج بيداغوجية – ومن ثمة طرائق وأنشطة – تشجع أكثر من غيرها على تنمية القدرة على الإبداع لدى المتعلمين؟

حاولت العديد من الدراسات الإجابة عن هذه الأسئلة وعن غيرها، وتوصلت إلى العديد من النتائج نعرضها هنا، وباختصار شديد، بعضا منها، ولعل من شان هذه  النتائج أن تساعد – إن تم أخذها بالاعتبار – على إدماج مبادئ التربية على الإبداع في الممارسة البيداغوجية لتسهم، ومن تم، في تجديد المدرسة المغربية.

1.2 أيهما الأنسب للتربية على الإبداع: العمل الفردي أم العمل الجماعي؟

يستمد هذا السؤال أهميته من كون الممارسة البيداغوجية السائدة توظف أشكالا متعددة ومتنوعة لتوزيع المتعلمين داخل فضاء التعلم. فقد يتم اعتماد العمل الجماعي Travail collectif أو العمل في مجموعات travail en groupe أو العمل الفردي travail individuel ؛ بيد أن الإشكال الذي يطرحه هذا التنوع – عندما يتعلق الأمر بعلاقة التربية على الإبداع بأشكال توزيع المتعلمين – هو التالي: ما شكل توزيع المتعلمين الأكثر مناسبة لإثارة الإبداع، هل هو العمل الجماعي أو العمل بالمجموعات أم هو العمل الفردي؟ وهل العمل الجماعي مثلا يشجع على الإبداع أم يعوقه؟ وما العوامل المحددة لإبداعية الجماعة ؟ وما علاقة ذلك بالإبداع داخل جماعة القسم على وجه التحديد؟

توصلت عدد من الأبحاث التجريبية التي أجريت على الإبداع داخل الجماعات إلى أنه من الصعب المفاضلة، بكيفية مطلقة، بين الإبداع الجماعي (داخل الجماعة) والإبداع الفردي. ويشير ألان بودو (A. Beaudot)، في هذا السياق، إلى أنه إذا كانت أبحاث أسبورن (Osborne) (انظر العصف الذهني لاحقا) مثلا توحي أن إبداعية الجماعة تكون دائما أعلى من إبداعية أي فرد من أفرادها، فإن أبحاث تورانس (Torrance) تكشف عن نزوع أي جماعة إلى إقصاء المبدعين ورفضهم، أو خنق ميولهم الإبداعية.

ويقود هذا الأمر إلى التساؤل عن مكانة المتعلمين المبدعين داخل جماعة القسم وعن موقف هذه الأخيرة منهم؟. ويسجل الدارس نفسه، أنه إذا كان تطبيق إحدى تقنيات الإبداع الأكثر شهرة، أي العصف الذهني، متمشيا مع روح التعليم المعاصر، فإنه قد لا يكون ذا فائدة كبرى بالنسبة لجماعة القسم ة إذ تسمح هذه التقنية للفرد بممارسة الإبداع على مرأى ومسمع من الأفراد الآخرين، وهذ ا ما قد يؤدي بسهولة إلى عدد من المشكلات خاصة بالنسبة إلى الأفراد الخجولين، الذين قد لا ينتجون بأقصى ما يمتلكونه من إمكانات.

تتوقف إبداعية الجماعة – على عكس الفرد – على عدد من العوامل التي قد تؤثر سلبا أو إيجابا على إنتاج الجماعة، من بينها المناخ السائد داخل الجماعة، وحجمها، ومدى تجانس أفرادها أو تمايزهم، وطبيعة المشكلة المطروحة للعلاج، وأسلوب القيادة الذي تخضع له. وقد بيثت بعض الدراسات ذات الصلة ببحث العلاقة بين إبداعية الجماعة وحجمها أن إنتاجية الجماعة تنمو اطرادا مع عدد الأفراد الذين يشتركون في هذه الإنتاجية.

أما بخصوص التطرق إلى الإبداعية داخل جماعة القسم، فيبدو أنه لا يمكن أن يتم بدون الانتباه إلى بحث عدد من العوامل، مثل دور المدرس داخل هذه الجماعة، والكفايات التي يتوفر عليها، والتي تمكنه من إدماج المتعلمين فيها (خلق جماعة متماسكة)، وجعلهم يحسون بالأمن والطمأنينة، والمواد الدراسية المدرسة، وخصائص النموذج البيداغوجي المعتمد.

  1. الإبداع والذكاء والطرق البيداغوجية:

هل يفضل المدرسون داخل أقسامهم (ومن ثمة المدرسة ككل) التعامل مع المتعلم الذكي أم مع المتعلم المبد ؟ وما النماذج والطرق البيداغوجية الأكثر إثارة لإبداع المتعلمين؟

بينت أبحاث توارنس Torrance على الخصوص (وكذلك أبحاث جتزلس وجاكسون Getzels et Jackson) أن المدرسين يكونون، في معظم الأحيان، أقل ميلا إلى المتعلمين المبدعين، وأكثر تشجيعا للمتعلمين الأذكياء. إن المتعلم الأقل إبداعية متعلم مقل في السؤال، مسالم في مواقفه وميال إلى الانصياع. وكشف الدارس نفسه
أنه عندما توظف الأشكال البيداغوجية التقليدية يكون التفوق حليف المتعلمين ذوي الذكاء المرتفع، وبالمقابل ينجم عن اعتماد أشكال العمل البيداغوجي الحديث والمفتوح، الذي يحث المتعلمين على البحث والاكتشاف والتدبير بحرية، ازدياد واضح في عدد المبدعين منهم.

إن النماذج البيداغوجية التقليدية نماذج خانقة للإبداع إذن، وبالنتيجة فإن اعتماد طرائق وأساليب التدريس المرتبطة بها (أساليب العرض والإلقاء مثلا) ليس من شأنه أن يوقظ في المتعلمين جذوة الإبداع. فالبيداغوجيا التقليدية بيداغوجيا ضد الإبداع لأنها تقوم على التقليد والمحاكاة، والمحاكاة انتحار كما يقول إميرسون Emerson لأنها تقتل الخيال، وتربي على الصمت، وتعود على التكرار، فيغدو صوت المتعلم مجرد صدى لما يقوله الآخرون.

وإجمالا، يجوز القول إن التحريض على الإبداع وإثارة القدرات الإبداعية لدى المتعلمين يتوقفان محلى استقامة عدد من العوامل والشروط لدل أبرزها اعتماد المدرس لطرائق وتقنيات ملائمة تمكن المتعلمين من الانطلاق بخيالهم بحرية بعيدا عن قيود المقرر والمادة.. من بين هذه التقنيات (والطرائق) تقنية العصف الذهني.

ما النتائج التي يمكن استخلاصها من كل ما سبق؟

يبدو من خلال ما سبق أن ثمة أمران أساسيان ينبغي التشديد عليهما، وتجوز صياغتهما كالتالي:

  • يميل المدرسون، في الغالب الأعم، إلى التعامل مع المتعلمين الأذكياء مقارنة بالمتعلمين المبدعين، مما يفيد، من جهة، أن للمدرسة ذاتها موقف – غير معلن عنه – من الإبداع، ومن جهة ثانية ونتيجة لذلك، أنها تعتمد ممارسات بيداغوجية تساير موقفها ذاك وتجمل العلاقة بين الذكاء علاقة تقابل لا علاقة تكامل.
  • إن النموذج الأفضل لتمرين المتعلمين على الإبداع هو النموذج البيداغوجي غير التقليدي، أي نموذج البيداغوجيا الحديثة القائم على مركزية المتعلم، أي الذي يجعل “المتعلم بوجه عام والطفل على الأخص، في قلب الاهتمام والتفكير والفعل خلال العملية التربوية التكوينية” كما ورد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين – ويعتمد، بالتالي، طرائق بيداغوجية منفتحة على التعلم الذاتي والمشاركة والحوار والإبداع.

يدفع هذان الأمران إلى نتيجة أساس ذات صلة بالفكرة محور هذ ا المقال، مضمونها أن تجديد الممارسة البيداغوجية، يتم – من بين ما يمكن أن يتم بواسطته – من خلال تجاوز التقابل بين الذكاء والإبداع بفضل تبني نماذج بيداغوجية عملية أكثر تمحورا حول المتعلم وعملية التعلم. وهذا أمر غير ممكن إلا إذا أفسح المجال لعمليات التجديد لكي تقتحم فضاء القسم لتشمل الممارسة التعليمية اليومية بكافة أبعادها وتستقطب، في الوقت نفسه، كافة الأطراف المعنية بالعملية التربوية التكوينية.

  1. بعض تقنيات إثاره الإبداع داخل جماعة التعلم:

ثمة تقنيات عديدة ومتنوعة يمكن اعتمادها – في سياق تجديد الممارسة التربوية – لإرساء دعائم العمل التربوي المنفتح على الإبداع، ويحتاج معظم هذه التقنيات لأن تكيف ومتطلبات العمل المدرسي؛ ومرد ذلك إلى أن استحداثها لم يتم، في المنطلق، من أجل تحقيق أغراض مدرسية صرفة – كما أن توظيفها يتطلب الانتقال، على مستوى التصور، من نموذج يشكل المدرس والمعرفة قطباه الرئيسيان إلى نموذج يهتم أكثر بفاعلية المتعلم ويثق في مقدرته على التعلم المستقل وعلى الاكتشاف والإبداع.

ونقدم فيما يلي تعريفا مختصرا لبعض هذه التقنيات.

3.1. العصف الذهني:

تنسب هذه التقنية إلى أ.ف. أوسبورن A. F. Osborne (وضعها بصيغة عملية عام 1938 وطورها عام 1957)، وتجد أصولها النظرية في النظرية الفرويدية على اعتبار أن هذه الأخيرة تقوم على أساس التحرر من القيود الكابحة للتفكير وتتخذ الترابطات والتداعيات الحرة أساسا لعملية التفكير. لهذا، فإن تقنية “العصف الذهني” تسير على المبدأ نفسه، فعلى الرغم من اختلاف أهدافها وأصولها عن تلك التي تقوم عليها نظرية فرويد، فإنها تستند مثلها على الترابطات الحرة فضلا عن كونها تشكل نموذجا من نماذج معالجة الجماعة.

وتعد تقنية العصف الذهني من طرائق العمل في مجموعات صغرى أساسا رغم أنها قد تستعمل في إطار مجموعات أخرى ذات أحجام مختلفة، وتبدو أهميتها في كونها تبرهن على القدرة الخلاقة التي قد تتوفر عليها جماعة مسيرة تسييرا جيدا؛ فمعدل إنتاج الأفكار يتراوح ما بين 150 و 200 فكرة في الساعة بالنسبة إلى مجموعة تتألف من عشرة أفراد. ويتم الاحتفاظ، من بين هذه الأفكار، بنسبة تتراوح ما بين 10% و 30% بالنظر لأصالتها، وواقعيتها وفعاليتها باعتبارها حلا للمشكلة المطروحة، زيادة على قابليتها للتطبيق المباشر.

يستهدف استعمال تقنية العصف الذهني تحقيق مجموعة من الأهداف العامة قد تصلح أهدافا يسعى المدرس لأن يحققها لدى متعلميه. من هذه الأهداف ما يلي:

  • تمرين المتعلمين على التفكير بطلاقة وبكيفية انسيابية،
  • إكساب القدرة على التفكير المتفرع،
  • القدرة على مقاربة المواضيع (المشاكل) من زوايا نظر متعددة ومتنوعة.

وفضلا عن ذلك، تمكن هذه التقنية المدرس مما يلي:

  • استكشاف الإمكانيات الحدسية والمفاهيمية وقدرات التداعي لدى المتعلمين.
  • اكتشاف العوائق الخانقة للإبداعية، والأفكار المسبقة، والعوائد، والمقيدات…
    3.2. تقنية السنيكتيك أو الترابطات:

السينيكتيك أو الترابطات تقنية من تقنيات إثارة الإبداع وضعها جوردون Gordon عام 1944 وطورها برنس GM. Prince بعد ذلك. والسينيكتيك Synectics كلمة يونانية تفيد “الجمع بين العناصر المختلفة” وجعل المألوف غريبا والغريب مألوفات لذا فإن قوام تقنية (أو طريقة) الترابطات هو العمل على إبراز جميع الأشكال الممكنة للترابط حين نتناول موضوعا من الموضوعات.

تماثل تقنية الترابطات تقنية “العصف الذهني” في الجوانب المتعلقة بتوليد الأفكار الجديدة داخل مناغ حر؛ غير أنها تتميز عنها باستعمال الكنايات والتماثلات.

ويرى إ. روشكا أنها طريقة “تقوم على آليتين أساسيتين هما: جعل الغريب مألوفا وجعل المألوف غريبا. ففي البداية يتم التعرف على الجديد، أي على المشكلة التي ينبغي أن تتخذ طابعا مألوفا، عبر تحليلها والوقوف على الأجزاء التي تشملها، ومن تم تحديدها تحديدا دقيقا، وهناك من جهة أخرى مشكلات قد تكون بسيطة أو مألوفة، وعند ذلك ينبغي إدخال الآلية المعاكسة، أي أن تصبح المشكلة غريبة وغير عادية، ومن تم يتم النظر فيها من زوايا مختلفة بحيث يتم التوصل إلى حل سهل وإبداعي”.

3.3. تقنيات الإسقاط المستقبلي:

تقنية من تقنيات العلم الجماعي – أو في مجموعات – أساسها دعوة الجماعة أو مجموعات صغرى محددة ذات صلة بتلك الجماعة، ثم مطالبتها بعد ذلك، بالمقارنة بين الإسقاطات المستقبلية والمشكلات الحالية.

وقد تستعمل هذه التقنيات لدراسة موضوعات عديدة بالبحث عن صيغ جديدة لها أو التنبؤ بما ستكون عليه في المستقبل القريب أو المتوسط… كما يمكن أن تطبق في مجالات عديدة ومتنوعة.

يمكن للمدرس أن يستعمل تقنيات الإسقاط المستقبلي لتحقيق عدد من الأغراض؛ غير أن الهدف الأساس يضل هو إثارة القدرات الإبداعية لدى المتعلمين من خلال تناولهم لموضوع من الموضوعات تتصل باهتماماتهم المباشرة أو غير المباشرة.

وتستعمل التقنيات المذكورة، على وجه العموم، لتحقيق أهداف مثل:

– إقدار المتعلمين على اتخاذ مسافة تجاه الهموم والانشغالات الآنية وما قد ينجم عنها من آثار.

– إفساح المجال لعملية توجيه التخيل نحو حلول مستقبلية.

– خلق وعي لدى المتعلمين ليتبينوا طموحاتهم وسبل تحقيقها من خلال التعاون.

– التحسيس بآثار الرقابة التي تعوق تصوراتهم وقدراتهم على التكيف.

– تجديد الروابط بينهم من خلال تخيل المستقبل.

– إظهار منهجيات جديدة أو حلول عملية بالنسبة إلى جهاز ما.

تحدد الغرض من تقديم هذه التقنيات في مجرد التعريف بها، لذلك لم يتم التفصيل في إجراءاتها العملية أو القواعد العامة التي تحكم تنفيذ هذه الإجراءات.

ومما لا شك فيه أن اعتماد إحدى هذه التقنيات، مرهون بعوامل عديدة منها، طبيعة المادة المدرسة، ومؤهلات المدرس نفسه، ومدى مرونة التنظيم الذي يتم فيه التدريس، والشروط السياقية التي ينجز ضمنها… بيد أنه من المفيد الإشارة إلى بعض المبادئ العامة التي ينبغي أن توجه اعتماد المدرس لهذه التقنيات كما يلي:

– يتحدد عمل المدرس عند توظيف مثل هذه التقنيات في تنظيم شروط التعلم وتسهيله وتدبير العلاقات والتفاعلات بين المتعلمين؟

– ينطلق المدرس من مبدأ أن المعرفة غير مهمة في حد ذاتها بقدر ما تهم العمليات التي تتم بفضلها والمسار – الشخصي في الغالب – الذي يمكن من الوصول إليها؛

– ينظر المدرس إلى الخطأ على أنه جزء لا يتجزأ من عملية المعرفة ذاتها لأنه دليل على وجود معرفة – وان كانت غير سليمة – ومظهر من مظاهر الرغبة في المعرفة، ومن ثمة لا يمكن تجاهله أو إقصاؤه.

4. تقنيات إثارة الإبداع، مثال عملي؛ تقنيات المحاجة:

نقدم فيما يلي تقنية من التقنيات التي تآلف بين الذكاء والإبداع، وتفتح، في الوقت ذاته، باب هذا الأخير أمام المتعلم. إنها تقنية المحاجة Argumentation.

إنها مجموعة من تقنيات العمل في المجموعات التي تفيد في إكساب المتعلمين كفايات الحجاج والدفاع عن الرأي وإقناع الآخرين به. ويمكن أن تستعمل في عدد من المواد الدراسية التي تقتضي طبيعتها وأهدافها مقدرة على مقارعة الحجة بالحجة، وحسن عرض الرأي، والقدرة على الإفحام مثل الفلسفة. الأساس في تقنيات المحاجة المواجهة بين مجموعتين أو فردين حول موضوع معين. أما الأهداف التي يرجى تحقيقها من خلال توظيف تقنيات المحاجة فتتمثل بعضها كما يلي:

– تعويد المتعلم على مقارعة الأفكار وعرضها بموضوعية وعلى التسامح.

– إكساب المتعلمين حسن الإصغاء إلى الآخرين.

– إقدارهم على التحكم في الانفعالات أثناء تبادل وجهات النظر.

– تعويدهم على الدقة والفعالية والصرامة في المحاجة والبرهنة.

– إكسابهم مقدرة على استكشاف التعارضات التي ينطوي عليها رأي أو موضوع معين.

تنفذ تقنيات المحاجة من خلال مجموعة من الإجراءات العملية يمكن توضيحها كما يلي:

  • المشاركون:
  • مجموعتان من المتعلمين أو متعلمان اثنان للدفاع عن الفكرة.
  • مجموعتان من المتعلمين أو متعلمان اثنان لمعارضة الفكرة.
  • منظم للنقاش يسهر على توزيع عادل لأدوار الكلام.
  • ملاحظان أو أكثر (من واحد إلى أربعة ملاحظين).
  • متتبعون للمناقشة يتكونون من باقي أفراد جماعة القسم.
  • الوقت اللازم للمناقشة:
  • من ساعة إلى ثلاث ساعات مسترسلة أو مكونة من فترات تدوم من 10 إلى 15 دقيقة.
  • خطوات التنفيذ العملي وإجراءاته:

+ اختيار الأطروحة أو موضوع المحاجة:

يختار المشاركون أطروحة أو موضوعا مثيرا للجدل تتطلب معالجته التعبير عن آراء متعارضة (مشكل البيئة – مساعدة العالم الثالث…).

يوضح المدرس مبادئ تقنية المحاجة ويطلب من المتعلمين الانقسام إلى طرفين، واحد مساند للفكرة ومدافع عنها وآخر معارض لها.

يعين متعلما (أو يطلب من أحد المتعلمين التطوع لذلك) لتنظيم المناقشة، ويقترح على آخرين القيام بأدوار الملاحظين.

يعين المدرس مقررين تتحدد مهمتهما في تسجيل الأفكار والملاحظات.

+ تنظيم تبادل الآراء والحجج:

تقف كل مجموعة في مكان محدد (أمام طاولة مثلا)، وتبدأ المناقشة والمحاجة. ويسهر المنشط على التوزيع العادل لأدوار الكلام بين المجموعتين. أما المتابعون، فعليهم البقاء واقفين وعدم التدخل في سير المحاجة.

  • التعليمات المنظمة لأنشطة المحاجة:

يحث المدرس المتعلمين على إتباع التوجيهات التالية:

  • يقف المتتبعون، في البداية، في مكان محايد.
  • عند بداية المحاجة ينتقل الواحد منهم، بحسب درجة اقتناعه بالحجج التي تقدمها هذه المجموعة أو تلك وانطلاقا من اتفاقه معها ليقف خلفها. وقد يقرر الانتقال ليقف خلف المجموعة الأخرى إذا بدت له حججها أكثر إقناعا وإفحاما، وهكذا دواليك.

اختتام المحاجة:

  • يطلب المدرس من المشاركين في المحاجة ارتساماتهم. ويعبر الملاحظون كذلك عن آرائهم بخصوص الحجج المقدمة. ويطلب من المشاركين بدورهم الإفصاح عن أحاسيسهم. وتتم، بعد ذلك مناقشة جماعية بقصد الوصول إلى خلاصة عامة وتركيبية.

ينبغي أن يسهرا لمدرس على أن ينخرط المتابعون للمحاجة بالفعل في النقاش من خلال التعبير عن موافقتهم أو معارضتهم لما يطرح من آراء ويقدم من حجج؛ وذلك بالانتقال من الوقوف وراء مجموعة إلى أخرى، مع احترام التعليمات التي تقضي بأن لا يتم هذا الانتقال إلا بعد انتهاء المجموعة من عرض حجتها. وقد يتدخل ليسأل أحد المتعلمين عن سبب انتقاله من مجموعة إلى أخرى، مما يسهم في تحديد أدق للأهداف ولكيفية إنجاز النشاط.

  • خلاصة:

انطلقنا في هذا المقال من فكرة محورية مفادها أن تجديد الممارسة البيداغوجية من خلال فتحها على التربية على الإبداع سبيل أساس من سبل تجديد المدرسة المغربية، وحاولنا، خلال الفقرات التالية، تبيان جدوى هذه الفكرة وصلاحيتها من خلال استعراض مجموعة من المناصر المتعلقة بالتعريف بالإبداع وإثارة بعض الإشكاليات التي تطرحها علاقته بالتعلم المدرسي، والتعريف ببعض تقنياته القابلة للاستثمار داخل حجرات الدراسة بعد تكييفها ومتطلبات العمل المدرسي، وعززنا ذلك كله بمثال أردناه عمليا.

والواقع أن ما لامسناه من أفكار لا يشكل سوى مدخل عام لإشكالية كبرى، هي إشكالية العلاقة بين إصلاح هياكل المنظومة التربوية المغربية وتجديد الممارسة البيداغوجية التي يقتضيها هذا الإصلاح.

فمآل الإصلاح التربوي يتوقف، بالضرورة، على توفر إرادة تجديد ما يحدث داخل الحجرات الدراسية يوميا (السلوك البيداغوجي للمدرسين، السلوك التعليمي للمتعلمين، أساليب التدبير والمراقبة والإشراف…). ومن المفيد التأكيد على أن الربط العضوي بين هذين الملمحين من ملامح الإصلاح أمر جوهري للذهاب بأي عملية تجديد إلى المنتهى الذي حدد لها.

المراجع:

  1. Baudot : Alain, le créativité à l’école, PUF 3e édition 1980.
  2. De Peretti, A Legrand, J.N. Boniface, y. Techniques pour communiquer, Hachette 1994.
  3. Gérard de vecchi, Aider les élèves à apprendre Hachette, 1992.
  4. Monti, Roger, des méthodes pour mieux S’organiser, Hachette 1981.
  5. Paquette, Claude, vers une pratique de le pédagogie ouverte , ed. N.H.P 2ème édition 1989.
  6. André Paré – Créativité et Pédagogie ouverte, V.ll. Editions NHP 1977.
  7. Paré, André, Créativité et Pédagogie ouverte V.l pédagogie encyclopédique et pédagogique ouverte éd., N.H.P. 1977.

1- روشكا، الكسندر، الإبداع العام والإبداع الخاص (مترجم) ترجمة غسان عبد الحي أبو فكر، عالم المعرفة 1989، المملكة المغربية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading