بقلم د. محمد المهدي

أستاذ القانون الخاص

بالكلية متعددة التخصصات بتازة

 

مقدمة:

من الثوابت المعروفة في تراثنا الإسلامي أن الإسلام الحكيم أولي نظام الاسرة الاهتمام الكبير والعناية الكافية، وأرسي قواعد البناء الأسري وحدد أهدافه، لكونه السبيل الشرعي الوحيد للقاء الرجل بالمرأة في عش الزوجية الصحيح، ولكون أن الاسرة تعتبر بحق أولي الوسائط التربوية التي تحتضن الطفل لحظة استقباله للدنيا لتكسبه أساسيات الحياة، ويعرف منها ما له من حقوق وما عليه من واجبات، ومنها تتكون مشاعر الألفة والأخوة الإنسانية، وتبذر البذور الحسنة، ولأن رعاية شأن الأسرة وأمنها هو في الأساس رعاية لشأن المجتمع وامنه، ومتي اختل البناء الأسري اختل بناء المجتمع، ومع هذا الاختلال يصبح غير قادر علي بلوغ غاياته وأهدافه ومواصلة المسيرة التنموية السليمة([1]).

كما رسم الإسلام حدودا واضحة للتعامل بين أفراد الأسرة، وحدد إطارا واضحا للتعايش، قال تعالي: “وعاشروهن بالمعروف”([2])،وقال أيضا: “فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان”([3])، حتي يضمن لهم حياة فاضلة تقوم علي معاني المودة والرحمة والسكن والوئام والسلام، المعبر عنها في قوله تعالي “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون([4])”

ومن جهة أخري شجع الإسلام جميع أفراد الأسرة علي الالتزام بمستوي إنساني وأخلاقي معقول في تعامل بعضهم مع بعض، مؤكدا في الوقت ذاته علي كل فرد منهم تحمل المسؤولية الكاملة تجاه نفسه وتجاه الآخرين، يقول النبي صلي الله عليه وسلم: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته،.. والرجل راع علي أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية علي بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم،…،ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”([5]).

ولكن لما تجاهل الناس تعاليم هذا الدين وقيمه ومثله وجدوا أنفسهم أمام كثير من الأمراض الاجتماعية، التي أخذت تنخر في جسم الأمة الإسلامية وتزيدها ضعفا علي ضعف، ووهنا علي وهن، ولعل في مقدمة هذه الأمراض والمشكلات مشكلة التفكك الأسري التي نحن بصدد مقاربتها.

فالتفكك أو التصدع أو الانحلال الأسري كما يحلو للبعض تسميته([6]) يعتبر بحق من المواضيع التي تثير شغف الباحثين، وذلك لما له من أهمية بالنظر إلي كونه يمس جانب الأسرة، التي تعتبر عماد المجتمع وركيزته، ولهذا كتب حوله الكثير، ومن زوايا متعددة، إلا أنه رغم هذه الكتابات التي حظي بها من طرف الباحثين، ورغم ما كتب عنه وحوله، فإنه ما يزال في حاجة ماسة إلي دراسات معمقة وجادة، بل وإلي مؤتمرات وطنية ودولية تعني بدراسة أسبابه دراسة مستفيضة، وتبحث عن أنجح السبل لعلاجه وأيسر الطرق لاقتلاع جذوره، وتجفيف منابعه، ولا أدل علي ذلك من أن المشكلة ما تزال قائمة ترخي بظلالها علي مجتمعاتنا العربية.

ولعل اختياري لهذا الموضوع الموسوم بعنوان: “التفكك الأسري: الواقع وسبل التجاوز”، يحكمه عندي اعتباران اثنان:

-اعتبار شخصي: ذلك أنه في إطار تدريسي لمادة قانون الأسرة منذ سنوات، واحتكاكي بعدد من الجمعيات التي تهتم بقضايا الأسرة وتفاعلاتها، كنت أتلمس عن كثب مدي المخاطر التي تهدد كيان الأسرة العربية، وذلك بالنظر إلي كثر ضحايا التفكك الأسري، وغيره من الأمراض الاجتماعية التي تنخر في جسد الأمة، من قبيل العنف الأسري، ظاهرة أطفال الشوارع، عمالة الأطفال، …إلخ.

اعتبار أكاديمي: يتمثل في أنه بالرغم من إجراء عدد من البحوث والدراسات التي تهم الأسرة، ومن زوايا مختلفة، فإن الواقع الذي تكشف عنه الكثير من الدراسات والبحوث الميدانية، يعكس تلكم الحقيقة المرة، وهي أن المشكلات المشار إليها لا تزال في استمرار، الشيء الذي ينبغي مسايرتها عن طريق القيام بدراسات متنوعة، وإبداء وجهات نظر مختلفة عساها تسهم في كبح جماح المشكلة، عن طريق رصد الحلول التي من شانها تنقية المجتمع من الآثار الوخيمة لها، واسترداد جو الرحمة والمودة المعبر عنهما في كتاب الله العزيز.

إشكالية أو تساؤلات البحث:

لما كانت مشكلة التفكك الأسري هي مشكلة حقيقية لا مفر من الاعتراف بوجودها في مجتمعاتنا المعاصرة، عربية كانت او غير عربية، وباندراجها ضمن اهم المآسي التي ابتليت بها هذه المجتمعات، ومن أخطر الظواهر التي تهدد كيانها، وذلك بالنظر إلي ما لها من آثار ومخاطر، فإن البحث فيها يعتبر من الضرورات التي يقتضيها واقع الحال.

ولعل الخوض في مقاربة المشكلة والبحث في جوانبها، يكشف لنا عن جملة من الإشكالات ويطرح عددا من التساؤلات الرئيسة، نذكر من أبرزها ما يلي:

  1. ما هي الأسباب المغذية للمشكلة؟
  2. وما هي انعكاساتها السلبية على الأسرة والمجتمع؟ وما مدي خطورتها؟
  3. وكيف يمكن تجاوز مخاطر المشكلة لكي نضمن مجتمعا نقيا يخدم الأمة الإسلامية ويسير بها نحو الرقي والازدهار؟ وما موقع الدولة من كل ذلك ؟

خطة البحث.

للإجابة على التساؤلات المشار إليها نقترح تناول الموضوع وفق مبحثين رئيسين، نتناول في أولهما أسباب التفكك الأسري وآثاره على الأسرة والمجتمع، في حين نقف في ثانيهما على آليات ومتطلبات تجاوز مشكلة التفكك الأسري عبر تصور رؤية استراتيجية شمولية نحو إمكانية الحل، لنختم برصد نتائج البحث واقتراح ما يمكن اقتراحه من توصيات هادفة تخدم البحث.

المنهج المتبع في البحث

إن المنهج الذي نروم إتباعه في مقاربة الموضوع الذي نحن بصدده قصد الإجابة على الإشكالات المثارة هو المنهج الوصفي التحليلي، لأنه من أكثر وأهم مناهج البحث ملاءمة لدراسة الواقع الاجتماعي، لكونه يقوم علي جمع الحقائق والمعلومات التي تصور هذا الواقع وتسهم في تحليل ظواهره، ومعرفة عللها وأسبابها، أملا في تحقيق الفهم الصحيح لهذه الظواهر، ولذلك فهو منهج مناسب لطبيعة موضوع هذه المداخلة .

والله نسأل أن يوفقنا لما فيه الخير والسداد، وأن يجعل أعمالنا الصالحة لوجهه الكريم، ويعصمنا من الخطأ والزلل في القول والعمل، إنه نعم المولي ونعم النصير.

تمهيد: مفهوم التفكك الأسري وصوره.

أولا: مفهوم التفكك الأسري.

حاولت بعض الكتابات وضع تعريف للتفكك الأسري في إطار تحديد معالمه كظاهرة وكمشكلة تقض مضجع المجتمعات، فعرفته بعضها بأنه: “اتجاه التفاعل بين الوحدات التي تتكون منها الأسرة ضد مستويات الاجتماعية المقبولة، بحيث يحول ذلك بين الأسرة وبين تحقيق وظائفها، والتي لابد من القيام بها لتوفير الاستقرار والتكامل بين أفرادها”.

وعرفته دراسة أخري بما يفيد أنه: وهن أو سوء تكيف وتوافق أو انحلال يصيب الروابط التي تربط الجماعة الأسرية كلا مع الآخر، علي أن الوهن لا يقتصر علي العلاقة بين الرجل والمرأة، بل قد يصيب أيضا العلاقة بين الوالدين والأبناء ([7]).

وفي دراسة أشير بالتفكك إلي: انهيار الوحدة الأسرية وتحلل أو تمزق نسيج الأدوار الاجتماعية عندما يخفق فرد أو أكثر من أفرادها في القيام بالدور المناط به علي نحو سليم ومناسب”([8])

وبتأمل هذه التعاريف وغيرها يمكن الخروج بالملاحظات التالية:

أن التفكك الأسري خلل تصير معه الأسرة عاجزة عن القيام بأدوارها الاجتماعية، من قبيل إشباع حاجات أعضائها العاطفية والنفسية والمادية، فيكون من نتيجة ذلك أن الجو العائلي يصير غير ملائم لتكوين سلوك سوري.

  • أن التفكك الأسري لا يعني حتما الفرقة الزوجية، فالفرقة قد تكون أثرا من آثاره ليس إلا، وأن وصول الزوجين في علاقتهما من الشجار والخصام إلى حد تتعطل معه الوظائف كاف للقول بأنهما في حالة تفكك اسري مادام ذلك الخصام والشجار يكتسيان طابع الديمومة ويؤثران علي الوظائف الأسرية.

-ذلك أنه لا توجد أسرة منسجمة ومتحدة في تنظيمها بشكل كامل، بل يمكن أن تحصل تعكرات لصفوها وكبوات لمسيرتها وتحديات مادية وعاطفية أثناء تفاعلاتها مع الأحداث اليومية التي تحيط بها أو التي تواجهها، فتسبب لها التوترات العلائقية والمنغصات الوجدانية والتقلبات المزاجية، إلا أن ذلك لا يستمر بشكل دائم، فهنا لا يمكن القول بأن هذه الأسرة في حالة تفكك خاصة إذا كانت تقوم بأدوارها بشكل مرضي ([9]).

وأن الخلل والوهن المشار إليهما يمكن أن يصيبا الرابطة الزوجية ويمكن أن يصيبا رابطة الآباء بالأبناء، ففي كليهما يصدق القول بأننا أمام تفكك أسري، لأن الأسرة هي في نهاية المطاف: “رابطة اجتماعية تتألف من الزوج والزوجة وأطفالهم أو دون أطفال، كما قد تتكون.. من زوج بمفرده مع اطفاله او بدون اطفال أو زوجة بفردها مع أطفالها، وقد تتسع ..لتضم الأجداد والأحفاد وبعض الأقارب علي أن يكونوا مشتركين في معيشة واحدة وتحت سقف واحد”([10]).

وقد تضم الأسرة أقل من ذلك أو أكثر، فالمسألة فيها الكثير من النقاش واختلاف وجهات النظر، ولكن مهما يكن من تباين في الرؤي حول تحديد نطاق الأسرة، ومن يدخل فيها ومن لا يدخل، فإن هناك خصائص معينة تكاد تكون مشتركة بين الأسر، وهذه الخصائص حسب ما استخلصه أحد الباحثين من خلال سرده لجموع التعاريف التي جادت بها قرائح المختصين في خصوص بيان مكونات الأسرة، هي ([11]):

-وجود مجموعة من الأفراد الذين يرتبطون برباط الزواج (الزوج والزوجة) وبرباط الدم (بين الوالدين والأبناء )

– السكن تحت سقف واحد وفي مسكن واحد

-ارتباط وتفاعل أفراد الأسرة فيما يتعلق بأدوارهم كزوج وزوجة، وكأم وأب، وكابن وابنة، وكأخ وأخت

-الاشتراك في ثقافة واحدة

ثانيا: صور التفكك الأسري.

يتخذ التفكك داخل الأسرة صورا وألوانا مختلفة، الجامع بينهما هو المصلحة النهائية الممثلة في حصول الخلل علي مستوي أداء الأدوار ([12]) ، ونذكر منها: الطلاق، صراع أحد الأبوين أو كلاهما مع الأبناء، حصول فتور في العواطف المتبادلة، ثم الامراض العقلية والعصبية التي يصاب بها أحد أفراد الأسرة.. إلخ، على ان أهمها الذي يحتل الصدارة هو الطلاق

أ: الطلاق

يحدث الطلاق عندما يتعذر مطلقا التفاهم بين الزوجين ويستحيل استمرار حياتهما الزوجية علي أسس المحبة والتعاون والمودة والعطف المتبادل بينهما، ويتم اللجوء إليه لأنه يكون الحل الأمثل الذي لا بديل عنه، ولا شك أن عملية الطلاق هذه يسبقها نوع من الاغتراب والانفصال العاطفي بين الزوجين، قد يطول أمده وقد يقصر بحسب شخصيتها وظروفهما البيئية.

ب: صراع أحد الأبوين أو كلاهما مع الأبناء.

من المعروف أن الشباب في هذه المرحلة العمرية بالذات يبحثون عن قيم جديدة ومواقف حديثة من أجل تحقيق أهدافهم المستجدة، خصوصا مع المتغيرات الاجتماعية، ولذلك نجدهم يرفضون بإصرار القيم التي يحاول الوالدان غرسها فيهم، لأنهم يرونها قديمة لا تتماشي مع المدينة الحديثة، وهنا تكون بداية الصراع مع الآباء، خصوصا وأن هؤلاء لا يقدمون لهم أي دعم لأفكارهم وطموحاتهم.

ولعل ذلك قد يسهم في خلق فجوة كبيرة بين الجيلين تتسع مع تسارع التغير الاجتماعي، غالبا ما ينتج عنها تمرد من جانب الأبناء، ترك المدرسة، اختيار أصدقاء ولو كانوا سيئين ما داموا يشاركوهم أحلامهم ويؤيدونهم في أفكارهم، السهر لساعات متأخرة خارج البيت، شرب الخمر بحجة نسيان الآلام، إلي غير ذلك مما يشكل جوهر التفكك الأسري.

ج: فتور العواطف.

ويعبر عنه البعض بالمأوي الفارغ أو العش الزوجي الفارغ أو أسرة القوقعة الفارغة، وكلها عبارات تعكس ما تصير إليه العلاقة الزوجية من فتور في العواطف، بحيث لا يشعر أحد الزوجين بوجود الآخر أو بأهميته في حياته الوجدانية، أو ينظر إليه علي أنه غريب، ففي مثل هذه الأحوال تصبح خلية الأسرة فارغة في مشاعرها واهية في روابطها العائلية، وتمسي التزامات الزوجين فيها شكلية فارغة من روحها، رغم بقاء الترابط بينهما اسميا.

ولعل مما قد يترتب علي ذلك أن النقاشات التي تهم شؤون الأسرة والمنزل تتأثر هي الأخرى بمآل العلاقة، حيث لا يتم الخوض فيها، وحتي إن تم فإنه ينتهي بالشجار واللجاج، وفي ذات السياق فإن تفاعل الأبناء مع الآباء والحالة هذه لا يحدث إلا عند الضرورة، ويكون حينئذ خاليا هو الآخر من التعابير الودية والمشاعر الحارة.

وبعبارة فإن التواصل العائلي هنا يتم بشكل آلي ميكانيكي بارد، وخال من روح العاطفة والمودة والألفة، مما ينبئ بوجود تفكك أسري، وإن لم يفض إلي طلاق، ذلك أن كثيرا من الأزواج يفضلون البقاء مترابطين شكليا لخوفهم من كلام الناس أو غير ذلك.

د: الأمراض والعاهات الخطيرة

قد يكون الفشل في الأدوار داخل البناء الأسري خارجا عن إرادة الأطراف، كأن يكون بسبب الاضطراب العقلي أو الجسمي لأحد الزوجين، الشيء الذي يؤثر علي كفاءته أو قدرته في استمرار رعاية الأسرة ([13])، ففقدانه البصر مثلا أو السمع أو ذهاب العقل، يجعل من الصعب تكييف أفراد الأسرة معه، خاصة وأنه يصير إنسانا مزاجيا متقلبا في مشاعره وآرائه.

المبحث الأول: أسباب التفكك الأسري وآثاره علي الأسرة والمجتمع

هناك إجماع علي أن التعامل مع مشكلة التفكك الأسري، باعتبارها ظاهرة اجتماعية تهم الجميع، يستلزم التعجيل بتضافر كل الجهود الممكنة من أجل الحد أو علي الأقل التخفيف من غلوائها، لأن من شأن اتساع نطاقها وتنوع تجلياتها ومظاهرها أن يجعلها أقدر علي تثبيت أقدامها، بحيث يصعب احتواؤها والسيطرة عليها.

وكغيرها من الظواهر فإن الفهم الجدي والعميق لها هو الخطوة الأولي الضرورية والمفتاح الأساس للتمكن من علاج ما يرتبط بها من مشكلات وينجم عنها من آثار، وطبعا لا يتأتى فهمها إلا من خلال الوقوف علي أسبابها والظروف المغذية لها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الأسباب ليست ثابتة ولا جامدة، وإنما متحركة في أثرها وتأثيرها حسب الظروف والتغيرات المجتمعية، وهذا مكمن خطورتها.

فما هي هذه الأسباب إذن ؟، ولماذا التخوف من الظاهرة أصلا؟

أولا: أسباب التفكك الأسري: محاولة في التشخيص؟

إن الظاهرة التي نحن بصددها لم تأت اعتباطا ولم تنشأ جزافا، بل لها أسبابها ودواعيها كغيرها من الظواهر الكثيرة في المجتمع، وقد بذلت جهود كبيرة بغية تحديدها لكنها لم تفلح، لعدم اتفاقها علي حصر عوامل وأسباب معينة.

ومن دون شك فإن معرفة تلك الأسباب غاية في الأهمية كما أسلفنا، لأن معرفة السبب تحدد نوع العلاج وصفة الدواء، فلا علاج إلا بعد تشخيص، ولا تشخيص إلا ببيان السبب أو الأسباب، وبالرجوع إلي الدراسات الميدانية والبحوث النظرية التي أنجزت عن الموضوع نجدها تميل في شبه إجماع إلي ربط الظاهرة بعوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية، تتشابك وتتضافر في خلق الظاهرة أو في تأجيجها، كما أنها تتراكب ويدفع بعضها بعضا، فيصبح كل عامل سببا ونتيجة ومؤثرا وانعكاسا في علاقات جدلية متفاعلة.

وبتأمل الواقع حسب كثير من الدراسات، ومن خلال احتكاكي غير المباشر بالمحاكم، يمكن القول بأن ثمة العديد من الأسباب تتضافر فيما بينها لتفضي إلى خلق المشكلة وتضخمها ويمكن ردعها الى نوعين من الأسباب مادية ومعنوية.

أ: الأسباب المادية.

تتجلي هذه الأسباب في تدني الأوضاع الاقتصادية للأسرة، ذلك أن كثيرا ما يكون لهذا الوضع دور كبير في تصدع الأسرة وانهيارها، فالحياة الاجتماعية في المجتمع المعاصر القائم علي الاستهلاك وعلي السوق الدولية المفتوحة، وبخاصة في المدن الكبرى، تنشئ الفرد علي الاستهلاك، وتقحمه في دوامة من المطالب المادية التي لا تنتهي، ومن ثم نجد معظم الأسر تعاني من العجز عن تغطية تكاليف الحياة لأفرادها، الشيء الذي يسهم في العديد من الخلافات والصراعات بين الزوجين ([14]).

وخطورة ذلك لا تكمن في تأثيراته السيئة علي الأسرة وعلي قدرتها في إشباع احتياجاتها الأساسية والضرورية فحسب، وإنما تمتد أيضا إلي شعور الأبناء بالحرمان وإحساسهم بالدونية، وفقدهم للثقة في أنفسهم، وبهذا يؤدي الفقر والعجز إلي تفكك الأسرة ويزعزع استقرارها ([15]) .

ومن جهة أخري، فإن الفارق الاقتصادي بين الزوجين كما يرى علماء الاجتماع يحدث هو الآخر صراعات داخل الأسرة، حيث غالبا ما يرغب الطرف الأقوى في فرض سيطرته علي الطرف الأقل من الناحية المادية، لاسيما وأن المكانة الاقتصادية المتواضعة للزوج تجعل مكانته الاجتماعية أقل في نظر زوجته، وهذه مسألة طبيعية نبه إليها الإمام أبو حنيفة رحمه الله، حينما قال: من كانت لها ولأبيها ثروة عظيمة لا يكافؤها إلا القادر علي المهر والنفقة، لأن الناس يتفاخرون بالغني و يتعيرون بالفقر ([16]).

ب: الأسباب المعنوية.

وهذه الأسباب منها ما يكون قبل إنشاء مؤسسة الزواج، ومنها ما يظهر بعده، وإن كان الارتباط بينهما حاضرا إلي حد كبير.

  1. أسباب قبلية.

من أهم هذه الأسباب: عدم الالتزام بالضوابط والإرشادات الشرعية في اختيار شريك الحياة، وأيضا الانخراط في مؤسسة الزواج مع الجهل الفاحش ببنيتها، ودون أدني معرفة بها.

– عدم الالتزام بالضوابط الشرعية في الزواج.

لعل من أهم صور عدم الالتزام بهذه الضوابط الشرعية أن يتم الزواج وفق معايير زائفة، كالتعويل على الجانب الجمالي فقط، أو المادي فقط، وعدم الاكتراث للجانب الديني، مع أن الإسلام يدعو شباب الأمة إلي التريث وإعمال الفكر والعقل في اختيار زوجاتهم، والتحري الدقيق في ذلك، لأن التسرع والتهور في هذا الموضوع بالذات قد يفضي بصاحبه إلي جني نتائج لا تحمد عقابها، ولهذا يقال: إن الناكح مغترس فلينظر حيث يضع غرسه.

فالزوجة سكن للزوج،” ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها”([17])، وحرث له، “نساكم حرث لكم.. “([18]) ، ولباس له، “هن لباس لكم”([19])، وهي شريكة حياته ، وربة بيته، وأم أولاده، وهي مضجعه وأمينته علي ماله ومنزله([20]).. وهي أهم ركن من أركان الأسرة، إذا هي المنجبة للأولاد، وعنها يرثون كثيرا من المزايا والصفات، وفي أحضانها تتكون عواطف الطفل، وتتربي ملكاته، ويتلقى لغته، ويكتسب كثيرا من عاداته وتقاليده، ويتعرف علي دينه([21])

ولكل هذا فإن الشباب مدعوون إلي انتقاء الزوجات من ذوات الأخلاق الحسنة والصلاح والعفة، وأن تكون هذه الصفات ومثيلاتها هي الدافع الرئيس والباعث الحقيقي علي الزواج بهن، كل هذا من باب الحرص علي تكامل المجتمع المسلم والأسرة المسلمة ([22]).

فالزوجة الصالحة خير متاع ينبغي للراغب في الزواج التطلع إليه والحرص عليه([23])، وليس الصلاح إلا المحافظة علي الدين، والتمسك بالفضائل، واحترام الحقوق وأداء الواجبات، ولذلك يقول عليه السلام: “تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك”([24])، فهذا الحديث يتضمن نصيحة من سيد الخلق تنير الطريق للراغبين في الزواج، ذكورا كانوا أو إناثا، وتدعوهم إلي اتخاذها نبراسا منيرا، يستضيئون به، ويسيرون علي هداه في التخير لنطفهم، حتي تنشأ الأسرة قوية قادرة علي الصمود([25]) .. ونفس الشيء مطلوب من الإناث.

وبعبارة فإن تكامل الأسرة ونسج وحدتها يبدآن من زواج سليم تقدم فيه القيم علي المصالح، والخلق علي المظاهر والمفاتن، والدين علي كل ما عداه ([26])، وأي مخالفة لهذه الضوابط والميل عنها إلي ما هو مادي صرف، يبقي العلاقة الزوجية علي المحك، ذلك أن الأساس الجمالي لا يدوم حتما، لأنه يبلي، وإذا بلي يحصل النفور حتما، ومن ثم ينعكس ذلك علي الترابط الأسري، وما قلناه هنا قد يصدق علي الجانب المادي.

– الصورة الخاطئة في فهم الحياة الزوجية

إن الأسرة العربية عموما أسرة جاهلة أو أمية، وإن كانت متعلمة فإنها تعاني في فكرها وتوجهاتها وقدرتها علي التحضر، ولعل من تجليات ذلك ما يلاحظ في مجتمعاتنا العربية اليوم مع كل أسف شديد من وجود روح عدائية يحملها كل من الزوجين للآخر، حيث منذ لحظة الزواج الأولي تبدأ حالة صراع، مردها إلي أن الرجل يريد إثبات رجولته بالتسلط علي زوجته، وهي بدورها تسعى إلي أن تفوز بإعلاء كلمتها، وتكون هي الآمر والناهي في البيت.

ولا خفاء أن ذلك ينعكس علي المعاملات الأسرية، التي كثيرا ما تصير قائمة علي القسوة والعنف، والإحباط والتأنيب، بل علي الشتم والسب بألفاظ لا تليق بالإنسان الذي كرمه الله، فيظهر نتاج ذلك خارج الأسرة في المدرسة والمجتمع حتي تصبح تلك الأخطاء من الظواهر المميزة للمجتمع، والتي غالبا ما يصعب علاجها.

ولعل سبب كل ذلك راجع إلي التصور الخاطئ لدي كثير من شباب اليوم للزواج والجهل الفاحش بأسسه ومقوماته، إذ يقبلون عليه وفي أذهانهم أفكار مسبقة عنه، وهي كثير ما تكون أفكارا وصورا لزواج معين، خبروه في وسطهم الاجتماعي أو الأسري، أو أفكار اكتسبوها من زملائهم أو من قراءات غير دقيقة في الموضوع، بل إن منهم من يقبل عليه بفكرة إيجاد حل لمشاكله اليومية المتعلقة بالطبخ والغسيل.. أو من أجل حل مشاكله الجنسية إلخ، وهناك في المقابل من يقبل عليه وهو مزود بمنهجية محددة لمعاملة زوجته، بدعوي أن النساء لهن جميعا طبع واحد، والحال أن الأمر ليس كذلك([27]).

وفضلا عن كل ذلك يكون مرده إلي الجهل بما جاء به إسلامنا الحنيف من تعاليم سامية، وموجهات مثالية في مجال السلوك، سواء داخل الأسرة أو خارجها، ذلك أن الزواج ينشئ حقوقا وواجبات متبادلة بين الزوجين، يمكن اعتبارها بمثابة دستور العلاقة الزوجية، قوامه حسن العشرة بمفهومها الشامل الذي يستوعب الحاجات المادية والنفسية علي السواء، والذي يتجاوز عن بعض الهنات، وكل خرق لهذه الحقوق والواجبات، من شأنه أن يهدد الأسرة بالقلق، الذي ينتهي في غالب الأحوال إلي التفكك والتفرق([28]).

  1. أسباب بعدية

تتمثل هذه الأسباب التي تطفو علي السطح بعد الزواج في ضعف قوامة الرجل، وفي خروج المرأة إلي العمل دون ضرورة، وبيان ذلك فيما يلي.

 ضعف قوامة الرجل.

لكي تستقر الأسرة باعتبارها وحدة اجتماعية، ويسود حياتها نوع من الترابط الحميم، لا بد من وضع دستور ضابط، يقضي بقوامة الرجل علي المرأة، وفي هذا يقول الله تعالي: “الرجال قوامون علي النساء بما فضل الله بعضهم علي بعض وبما أنفقوا من أموالهم”([29])، ويقول أيضا سبحانه “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة” ([30])، وهي درجة القوامة والرئاسة البيتية الناشئة عن عقد الزوجية، وقد تم تكليف الرجل بها لأنه أقدر علي القيام بها، بسبب ما أودع الله فيه من قوة في البدن والعزم والعمل.

غير أن كثيرا من الرجال تخلوا عن هذا المنصب، وسلموا المرأة القيادة، لغيابهم الدائم عن البيت، فانهارت الأسرة، لأن المرأة عموما لا تصلح لذلك، لكونها عاطفية بحكم طبيعتها، وتبالغ في الشفقة لما يحويه قلبها من حنان ورقة الأمومة، ولعل هذا يمثل عاملا مدمرا لحياة الأطفال أكثر مما يمثله انسحاب أحد الأبوين من العلاقة الزوجية ([31]).

 خروج المرأة إلي العمل.

لقد بدأت المجتمعات العربية منذ زمن فترة تقر للمرأة بممارسة العمل والغياب عن المنزل، ومن الطبيعي أن غياب المرأة عن البيت لابد أن يترك فراغا كبيرا، تتأثر علي إثره وظائف الأسرة برمتها، بما في ذلك الرعاية والاهتمام بالأطفال، خاصة الأسرة النواتية، التي تشكل الزوجة أحد أقطابها الرئيسة.

ولا غرابة في ذلك، مادامت الرسالة الأولي للمرأة بالنظر إلي خصائص الفطرة التي انفردت بها هي أن تكون أما وربة بيت، وهي لن تنهض بهذه الرسالة علي أحسن وجه إلا إذا تفرغت لها، ولم يشغلها عنها أمر آخر، ولذلك يكون من الخطأ الفادح أن تهجر بيتها، وتهمل رسالتها السامية، بخروجها للعمل خارج البيت ([32])، معتقدة أن هذا العمل ضرورة لمشاركتها الإيجابية في الحياة، لاسيما وأن الدول لا تراعي خصوصية وضعها كزوجه وأما مرضعة عند تسطير مواقيت العمل.

ومادام الرجل هو القيم فإن خروجها من بيتها للعمل وكسب المال من غير ضرورة اجتماعية أو اقتصادية هو خروج علي نظام الأسرة، وزلزلة لكيانها، وانهيار للمجتمع في النهاية، وذلك لما ينطوي عليه من أضرار، سواء من الناحية الخلقية أو الاجتماعية، فإهمالها لشؤون بيتها وأولادها يضعف من دون شك مجال الرقابة عليهم، الشيء الذي تضطرب معه حياة الأسرة، وتتقوض أهم مقوماتها ودعائمها ([33]).

ولسنا بهذا ننتفض قدر المرأة علي العمل، وإنما نقول ذلك لأن الدراسات أظهرت فروقا واضحة بين أبناء المرأة العاملة وغير العاملة، إذا وجد أن الميول العدوانية الجناحية موجودة بنسبة أكبر بين أبناء الأولي، وهي بنسبة أقل بين أبناء الثانية ([34])، وهذا يؤكد أن عملها في البيت هو الأصل، وهو عمل له خطورته وأهميته، أما عملها خارج البيت فهو استثناء من ذلكم الأصل، والإسلام لا يمنعها منه مادام لا يطغي علي عملها في البيت، أو يكون علي حسابه.

ومن جهة أخري فإن خروجها للعمل كشف عن أزمة الاستعاضة بالخادمات، ذلك أن الخادمة أصبحت هي التي تقوم بما يطلبه الأطفال من الأم وما يطلبه الأبناء من الأب من رعاية واهتمام، الشيء الذي يختفي معه غالبا التواصل المباشر بين أفراد الأسرة، ذلك التواصل الذي يعزز الرابطة العائلية بينهم فإذا ظل الخدم يضطلعون بدور الواسطة اهتزت هذه الرابطة وأصابها الوهن وتفككت أوصالها ([35])، وانعكس ذلك سلبا علي الأمن الذي ينشده أفراد الأسرة، كبيرهم وصغيرهم.

كانت هذه بعض الأسباب الكامنة وراء مشكلة أو ظاهرة التفكك الأسري، وقد اقتصرنا عليها نظرا لأهميتها، وأيضا حتي نلتزم بالعدد المطلوب من الصفحات، وإلا فهناك أسباب أخري، كوفاة أحد الوالدين أو كليهما، إجبار الفتاة علي الزواج، كبر حجم الأسرة، العولمة، الغزو الإعلامي، وغيرها، فكل هذه أسباب قد تسهم في خلق المشكلة، بإحداث خلل في أداء الأدوار داخل النسق الاجتماعي بشكل أو بآخر.

ثانيا: آثار التفكك الأسري: محاولة في رصد المخاطر

كثيرة هي هذه المخاطر، بحيث تستعصي علي العد والحصر، ولكن عند تأمله يمكن القول بأن منها ما هو مباشر يمس الأسرة من زوجين وأطفال ، ومنها ما هو غير مباشر يمتد بشرارته إلي المجتمع، فتلسعه بنارها (ب).

أ: المخاطر المباشرة للتفكك الأسري.

نقصد بهذه المخاطر المباشرة تلك التي تنصب رأسا علي أفراد الأسرة بمفهومها المار بنا، علي أننا سنقتصر في رصدها وتباينها علي الزوجين والأبناء دون سواهم، لكونهم الأساس في حلقة الأسرة ومحور رحاها.

1-مخاطر تهم الزوجين:

في مقدمة هذه الآثار نجد الهجر والعنف الأسري، علي أن الأثر الأخطر والغالب هو الطلاق.

الهجر الأسري

لعل مما قد ينتج عن الخلل الذي يحصل داخل البناء الأسري امتناع كل من الزوجين عن الحياة الزوجية الطبيعية، بحيث لا يكلم أحدهما الآخر ولا يلتفت إليه، ولا يقترب منه، يهجره في الفراش هجرا، بل ويقاطع أسرته حتي ولو كان ينتمي إليها بحكم القرابة، فتتحول بذلك الحياة إلي جحيم، وهذا الجحيم بما له من تأثير علي نفسية الإنسان، يولد غلا وكراهية قد تفضي إلي الطلاق، إذا ما رأي الطرفان عن اقتناع أن الحياة أضحت مستحيلة بينهما، وأن الطلاق هو العلاج، أملا في أن يكمل كلا منهما حياته مع طرف آخر يجد عنده الأمن والسكينة، والمودة والرحمة، وقد يفضي الأمر إلي عنف أسري يتخذ من الضرب والشتيمة وغير ذلك أسلوبا للتنفيس عما يخالج النفس من هموم وضيق النفس وإحساس بالفشل وإحباط وخيبة أمل.

العنف الأسري

تناول كثير من العلماء والمفكرين مفهوم العنف بشكل موسع، إلا أنهم لم يتفقوا علي تعريف موحد بسبب ما يكتنف المصطلح من مضامين إيديولوجية وسياسية وثقافية، وإذا كان العنف كلمة ثقيلة علي السمع ويكره سماعها، فإنها تكون أكثر ثقلا عندما يتعلق الأمر بالأسرة.

ورغم ما يثيره العنف داخل الأسرة من جدل واختلاف علي مستوي المفهوم، فإن ثمة بعض المحاولات استطاعت أن تقدم لنا مفهوما واضحا حول مدلوله، من ذلك تعريف أحد الباحثين له بأنه” كل فعل أو قول أو همس أو إشارة أو حركة أو صمت يعكس أي نسبة من الأذى مهما تدنت، سواء كان جسديا أو معنويا، ماديا أو نفسيا”، وفي تعريف آخر: العنف الأسري هو كل”.. تصرف أو فعل يقود إلي العنف البدني أو الإهمال أو إساءة المعاملة بأي شكل كانت، سواء كانت نفسية أو عاطفية أو جنسية، أو بأي شكل آخر، ويصدر من أحد أفراد الأسرة موجها إلي شخص آخر في الأسرة” ([36]).

والعنف بهذا المعني يتخذ أشكالا وألوانا، وقد يمارسه أحد الزوجين علي الآخر، وقد يمارسه أحداهما علي الأبناء، ولعل هذا الأخير –أي العنف ضد الأطفال- يعد من أخطر أشكال العنف الأسري، لأنه يمكن أن يدفع بالأبناء إلي النفور من الأسرة، نتيجة الضغط المسلط عليهم، والقسوة في حقهم، والإحساس بخيبة الأمل في مصدر السلطة وهو الأب ومصدر العطف وهي الأم، وهذه نتيجة أيدتها البيانات الإحصائية ببعض الجمعيات، إذا أشارت بأن النسبة العظمي من أطفال الشوارع لجأوا إليها نتيجة سوء معاملة الوالدين وضعف رعايتهم، والإفراط في تعنيفهم([37]).

الطلاق

الطلاق هو التفكك الكلي للأسرة، والانهيار التام لها، به يتشتت شملها، وعن طريقه تنهدم أركانها، ومن خلاله تنتهي الصراعات الداخلية، فإذا كان الله شرع الزواج ليكون سبيلا إلي السعادة والسكن والمودة، وسببا في بناء الأسرة المتماسكة التي تصلح أساسا متينا، ولبنة قوية في بناء مجتمع صالح خير، وطريقا مشروعا إلي إنتاج الذرية الصالحة والنسل القوي، فإن عوامل الاختلاف وأسباب النزاع وغيرها مما قد يطرأ علي الأسرة كفيلة بتعجيل خرابها، خاصة إذا استحكمت تلك الأمور واستعصت علي الإصلاح، بحيث لم يعد يجزي معها أي محاولة لرأب الصدع.

2-مخاطر تهم الأبناء .

لعل الآثار التي يولدها التفكك الأسري في حق الأبناء، كثيرة ومتعددة، يكفي القول بأنه يؤدي إلي التمزق العاطفي لهؤلاء الأبناء، بسبب الحيرة في الانحياز لأي من الأبوين، فضلا عن فقدهم للشعور بالأمن نتيجة للاضطراب والتفرق الذي حل بالأسرة، التي يعيشون في كنفها، وينهلون من معينها، ولذلك نجدهم ينشأون نشأة غير طبيعية، حيث غالبا ما تترسب في أعماقهم مشاعر الكراهية نحو الحياة والأحياء، والجنوح نحو الانحراف ([38]) والتمرد علي القيم والنظم والقوانين، وإدمان الموبقات والمخدرات، فضلا عن العزوف عن الحياة الزوجية.

وبعبارة قد ينشا الطفل معقدا، يحس بالنقص، ويفقد الثقة بنفسه، لا يبالي ولا يهتم، يسهل التسلط عليه، كما يسهل إغواؤه واستدراجه، وإجراء التجارب فيه، يفقد معاني المروءة والمواطنة، والإحساس بالحق العام، وغير ذلك مما تعاني منه المجتمعات العربية ([39])، ولذلك يقال أن الأسرة هي: أساس صلاح الإنسان أو فساده”([40]).

فالطفل يتعلم الخير والشر من والديه وأسرته في سنوات حياته الأولي، وقد يتعلم في هذه السنوات العنف والجريمة والإرهاب، علي حسب طبيعة العلاقة التي تربط بين هذين الزوجين، فإذا شاهد مثلا عنفا شديدا علي والدته، اختزال هذا المشهد القاسي في عقله الباطن، خاصة إذا كان يتكرر أمامه، ثم يخرجه في فترات متباعدة في حياته، وأحيانا يكون إخراجه بطريق العنف والأعمال الإرهابية.

وفي هذا الصدد أشارت نتائج الدراسات والبحوث التي أجريت في بعض الدول عن جرائم الأحداث والشباب إلي أن أسباب ارتفاع إسهام هذه الفئة في الجريمة تكمن علي وجه الخصوص في أسباب ذات طابع أسري، أهمها ضعف قدرة النسق الأسري على الاضطلاع بدوره الطبيعي الوقائي ([41])، الشيء الذي يؤكد لنا مرة آخري بأن الإنسان لا يكون قويا عزيزا، وفي منعة من الانحراف، إلا إذا كان في أسرة متماسكة، تحصنه وتمنعه، تحميه وتصونه.

ب المخاطر غير المباشرة للتفكك الأسري .

ونقصد بها تلك التي تهم المجتمع، فإذا كان التفكك الأسري يؤثر حسب ما مر بنا بشكل مباشر علي الأسرة من زوجين وأطفال، فإن هذه الآثار قد تتجاوز الحدود الأسرية وتتخطاها لتؤثر علي أفراد آخرين خارج الأسرة في المحيط الاجتماعي، فتتأثر جميع الأنساق الاجتماعية المكونة للبناء الاجتماعي، الأمر الذي يؤثر علي المجتمع كله.

ولا غرابة في ذلك إذا علمنا أن الأسرة هي النواة والمؤسسة الاجتماعية الأولي التي تشكل حجر الأساس للمجتمع بأكمله، فهي خليته الأولى، وهي منه بمثابة القلب النابض في الجسد، واذا صلح صلح الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله، وهي محور حركته ولسانه الصريح، من خلالها يري المجتمع أفراده، وأيضا يري الأفراد مجتمعهم، وبعبارة، هي الجسر الموصل بين الفرد والمجتمع، ومن الطبيعي أن أي انحراف أو مشكلات تعاني منها الأسرة لابد وأن يصل تأثيرها إلي المجتمع، حيث تضطرب أحواله ويختل توازنه ويسوء نظامه.

ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن خسارة المجتمع تكون مضاعفة عندما يحصل تفكك وتصدع في أوصال الأسرة، وذلك من وجوه عديدة، لعل أهمها:

أن تشتت الأسرة قد يجعل أفرادها عالة علي المجتمع، فانعزال الأزواج عن الحياة الاجتماعية خاصة إذا فشلوا في تكوين أسرة مرة أخري يجعلهم منطويين علي ذواتهم، لا يشاركون الآخرين نشاطات الحياة المختلفة، وهذا قد يطرح صعوبات ويفرز إشكالات علي مستوي كيفية الاهتمام بهم ورعايتهم، فضلا عن الخسارة التي تنشأ وتلحق بالمجتمع من جراء عدم الاستفادة منهم ومن طاقتهم، في الوقت الذي كان يمكنهم الإسهام في عملية البناء أو التنمية، لو أنهم حظوا بأسرة متماسكة مستقرة.

ومن جهة أخري، وبالنظر إلي سمات الأطفال المنحدرين من أسرر مفككة، الممثلة في حب المساواة مع الآخرين، والميول العدوانية، والانفعال الشديد، وعدم الثقة بالناس، والنقمة علي المجتمع، نتيجة الإحباط النفسي الذي يصيبهم، يمكننا تصور مدي خطورة الآثار السلبية للمشكلة التي تنعكس علي المجتمع من هذه الزاوية، ويمكن رصد بعضها فيما يلي:

سهولة استغلال الضياع الذي يعيشه الأطفال واستقطابهم من قبل المجموعات الإجرامية والإرهابية، التي يمكن أن تسخرهم في ممارسة الأنشطة غير المشروعة، كأدوات مساعدة في الترويج والتوزيع للممنوعات، أو استغلالهم في الأعمال المتصلة بالدعارة والفسق، وغير ذلك من الموبقات التي تعجل بخراب المجتمعات وزعزعة النظام بها

– يمكن أن يمثل الأطفال المشار إليهم خطرا علي حياة الآخرين، من حيث أنهم عنصر قلق واضطراب يظهر في كل حين لونا من ألوان السلوك المنحرف، كالسرقة أو النصب أو غيرهما، وبذلك سيسهمون لا محالة في إشاعة الفوضى داخل المجتمع، كما سيسهمون في خلق مشاكل قانونية قضائية وسياسية:

قانونية قضائية من جهة أولي، بالنظر إلي ازدياد عدد المخالفات أو القضايا التي يرتكبونها نتيجة الاستغراق في ارتكاب ألوان السلوك المنحرف، الأمر الذي يتطلب مزيدا من الإجراءات الأمنية والقضائية لمواجهة هذه المشكلة، وفي هذا مزيدا من العبء علي السلطات.

وسياسية من جهة آخري، بالنظر إلى أنهم يسهمون في تعرية الوجه الحقيقي لبلدانهم، فوجود طبقة كبيرة منهم بأي دولة يدل علي عجز هذه الأخيرة عن حماية أبنائها، وتملصها من تنفيذ التزاماتها الدولية، وهذا من شأنه أن يؤثر علي علاقاتها السياسية بالمجتمع الدولي.

المبحث الثاني: آليات ومتطلبات تجاوز مشكلة التفكك الأسري:

“رؤية استراتيجية شمولية نحو أمكانية الحل”.

لا يمكن تجاوز المشكلة التي بين أيدينا إلا بوضع أمرين في عين الاعتبار، الأمر الأول داخلي يهم الأسرة نفسها، وهو التغيير، وتحمل المسؤولية التي تعكس علاقة أفرادها بالله أولا، لأن الله عز وجل يقول في كتابه العزيز: “إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم”([42]) ، والأمر الثاني يهم الدولة باعتبارها المخططة الناهجة للسياسة العامة في البلاد، حيث لابد من دعمها، وذلك لما تملكه من إمكانات مادية وبشرية، علي أنه يتعين التسليم بأن الحل لا يمكن تصوره بين عشية وضحاها، وإنما لابد من منهج يقوم علي الاستمرارية في الأداء.

أولا: تحمل الأبوين لمسؤولياتهما داخل البيت.

لعل واجبات الأبوين داخل الأسرة كثيرة، منها ما هو مطلوب تجاه أنفسهما، ومنها ما هو مطلوب تجاه الأطفال، باعتبارهم ضعافا يحتاجون للرعاية بشتي ضروبها، وللتنشئة السليمة بشتي صورها، ويتعلق الأمر بما يلي:

أ: الواجبات المطلوبة تجاههما: دعوة لحل المشكلات الزوجية.

إن العلاقات التي تسود بين الأبوين في الأسرة لها كبير الأثر علي سلوك الفرد، فالتوتر بينهما وما ينتج عنه من خلافات ومشاجرات، وانفصامهما وما يتلوه من أزمات نفسية، ينعكس أثره علي الأولاد جملة وتفصيلا ([43]) كما مر بنا.

ولذلك فإن الأسرة ينبغي أن يكون عمادها حياة زوجية ناجحة، وان تكون العلاقات فيها قائمة علي الود والتراحم والتآلف والتوافق, فالزواج الناجح هز أساس الأسرة الجيدة التي ينتظر منها المجتمع أبناء علي مستوي لائق من الاستقامة والخلق.

ومن هنا تأتي ضرورة أن يحل الزوجان مشكلاتهما بأنفسهما أولا، لأن الوفاق الأسري كما هو واضح عامل مهم في تنشئة الأبناء التنشئة الأسرية السوية، وتشريبهم معايير وقيم المجتمع ([44])، بخلاف ما إذا كان الزوجان غير متوافقين-كما سبق القول-، فإنهما ينتجان في الغالب أولادا لا يعرفون الانتماء، مما يراكم العقد النفسية لديهم، ويمهد لظهور أنماط من السلوك المنحرف، من قبيل التطرف والإرهاب.

وهنا يري بعض الباحثين أن هناك سبلا لحل المشكلات الزوجية، يمكن تمثيلها فيما يلي ([45]):

  • المرونة في التفكير واستخدام المنطق في الحوار، فالمهم أن يتيح كل من الزوجين للآخر الفرصة في التعبير عن رأيه بصراحة وموضوعية بلا هجوم ولا تجريح، بحيث تستهدف المناقشة معرفة أسباب الخلاف والتغلب عليه بعيدا عن العناد والتكبر، الذي يدفع أحدهما للتمسك والتشبث برأيه حتي ولو كان مخطئا فيه.
  • ضبط النفس، وكظم الغيظ، والتحكم في انفعالات، بحيث لا يصطدمان مع بعضهما البعض في طريق بلا عودة
  • تحمل المسؤولية الكاملة من جانب أي منهما فيما يتعلق بسلوكياته الخاطئة تجاه الطرف الآخر، وان لا يتمادى في صب غضبه ولومه عليه، واتهامه بأنه السبب في المشكلات، وتبرئة نفسه منها.
  • الترويح عن النفس، فعندما يشعر أحدهما أو كلاهما بأن الحياة الزوجية بينهما تمر في مرحلة حرجة وخطرة، بصرف النظر عمن تسبب فيها، يجب ان يبادر الى تجميد هذه المشكلات على ما هي عليه لفترة مرحلية دون الخوض فيها ومن ثم يحاول أي منهما أو كلاهما خلال فترة الانتقال هذه أن يبحثا عن وسيلة فعالة ومؤثرة للترويح عن نفسيهما بطريقة جيدة، حتي تصفو النفوس أو تكاد، لتكون مستعدة لخوض نقاش هادئ منتج.

ب: الواجبات المطلوبة تجاه الأبناء: دعوة لحماية الأبناء من آثار التفكك

تعتبر الأسرة بمثابة المؤسسة الاجتماعية الأولي المسؤولة عن تطوير شخصية الطفل من النواحي الجسمانية والاجتماعية والنفسية والعقلية والوجدانية والروحية والأخلاقية ([46]) ومنها يستمد أول الأمر قيمه واتجاهاته.

وبعبارة، فإن تأثير الأسرة في سلوك الطفل أشد من تأثير أي جماعة اجتماعية أخري، تتجسد هذه الحقيقة واضحة في قول الرسول صلي الله عليه وسلم: “كل مولود يولد علي الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه” ([47])، بمعني أن الطفل يولد علي الفطرة السوية التي فطره الله عليها، وأبواه هما اللذان يجعلان هذه الفطرة تستقيم علي طبيعتها السوية، أو يعملان علي انحرافها، وذلك حسب التربية التي يربيانه عليها([48])، ولذلك، وبالنظر إلي ما سبق طرحه، يتعين قيام الوالدين ببعض الواجبات التي من شأنها حماية الأبناء من أي شقوق قد تظهر نتيجة تصدع البناء الأسري، ويمكن رصد أهم تلك الواجبات فيما يلي:

1-الحضور الفعلي داخل البيت.

فالأسرة هي محضن الطفل وسكنه مهما امتد به العمر، وهو حين يفتقدها فإنه يصاب بالخلل ويضطرب توازنه، ولهذا فهو خصوصا في سنواته الأولي- يكون في حاجة ماسة وضرورية إلي الحضور الفعلي لأبويه، ليشعر بالأمن والطمأنينة والحب، باعتبارها أمورا تشكل الأرضية الصلبة لتشكيل أنماط سلوكه وتفاعلاته ونشاطاته مع المحيط بشكل سوي سليم([49])

وهذا الحضور مطلوب من الأب والأم معا، وليس من أحدهما فقط:

ذلك أن واجب الأب نحو أبنائه ليس مقصورا علي الإنفاق المادي فحسب، فالقوامة التي منحها الله له تعني المسؤولية بمفهومها الشامل، ولكي يقوم بهذه المسؤولية كما يجب ينبغي أن يكون له حضور بين أفراد أسرته، وأن يشعر الجميع بقربه منهم، وأنه معهم يشاركهم فيما يهتمون به ويتعرف علي ما يرغبون فيه، ويصحبهم أحيانا خارج البيت في نزهات أو زيارات، ولا تشغله أعماله مهما تكن عن الرعاية التي فرضت عليه كل أفراد أسرته ([50])، وليكن قدوته في ذلك النبي صلي الله عليه وسلم.

فغياب الأب عن البيت وعدم حرصه علي التعرف علي مشكلات أولاده، والجلوس معهم، والوقوف علي احتياجاتهم ومناقشتهم في مختلف القضايا، والتعرف علي أصدقائهم وزملائهم، الذين قد يكونون قرناء السوء، من شأن كل ذلك أن يؤدي بهؤلاء الأبناء إلي هاوية الانحراف ([51])، ولا غرابة في ذلك، فمسؤولية الرجل في الأسرة كمسؤولية ربان السفينة، عليه أن يقودها نحو شاطئ الأمان والسلامة، ويجنبها الأخطار والأضرار، فإذا أهمل في مسؤوليته كان الغرق هو المصير المحتوم للسفينة([52]).

ونفس الشيء يقال بالنسبة للأم، فملازمتها للطفل أشد أهمية من الأب، لاسيما في السنوات الخمس الأولي من عمره، فغيابها في هذه الفترة يسهم إلي حد كبير في اضطراب شخصيته أو عرقلة نموه بشكل صحيح، وقد يؤدي به إلي السلوك الجانح، سيما وأن الاتجاهات المعاصرة في علم النفس تشير إلي أهمية هذه المرحلة العمرية في حياة الطفل، حيث تعتبر بمثابة الفرصة الذهبية لتوجيه قواه واستعداداته المختلفة ([53])

وعلي هذا فأدوار الأبوين تتكامل فيما بينها، ولا يغني حضور أحدهما عن حضور الأخر، فالطفل ينتظر من أمه العطف والحنان، في حين ينتظر من أبيه السلطة والردع ([54])، وكلاهما يشكلان ركيزتين أساسيتين وضرورتين لتوازن شخصيته ([55])، وبالتالي لقيام البناء الأسري أحسن قيام.

  1. توفير المناخ العاطفي.

يري علماء النفس أن الأسرة المتكاملة ليست تلك التي تكفل لأبنائها الرعاية الاقتصادية والاجتماعية والصحية فحسب، بل هي الأسرة التي تهيء لهم الجو النفسي الملائم أيضا، فوجود الطفل في أسرة يسودها الحب والرحمة، والتعاطف والقيم الأخلاقية الكريمة، يشعره بالأمن والطمأنينة والاستقرار، مما يهيئ له البيئة الصالحة ليصبح في المستقبل شخصا قويا قادرا علي مواجهة أكثر الصدمات النفسية قوة وشدة، وليكون إنسانا في ذاته وإنسانا في مجتمعه([56])، أما إذا كانت الأسرة لا تهتم بمشاعر أطفالها وبسعادتهم وبؤسهم، نتيجة ما تعيشه من تفكك، كليا كان أو جزئيا، فإنها تهيئ لهم بذلك الفرصة ليصبحوا أشخاصا ضعفاء مستسلمين، أشبه ما يكونوا بريشة في مهب الرياح، وفريسة سهلة للانحراف.

فالمناخ النفسي ونوع العلاقات والتفاعلات الاجتماعية التي تسود بين أفراد الأسرة تعد من العوامل الأساسية في تطبيع سلوك الطفل وتوجيه حياته في المستقبل، وعليه فإن رابطة الحب للأشخاص الذين تربطهم بالطفل أصول اسرية كالوالدين او غيرهما، أو من يلازمهم في حياته، ويشعر منهم بقرب عاطفي، ويحرص علي إرضائهم، هي من أهم معوقات الانحراف، وكلما كانت هذه الروابط قوية كلما أخذها الطفل بعين الاعتبار إذا فكر بسلوك منحرف ([57])، ولا غرابة في ذلك إذا علمنا أن الحب الذي يمنح للطفل في سنواته المبكرة ينمي فيه مشاعر الإحساس بالثقة في ذاته، مما يضاعف لديه قوة الإرادة ويجعله يحس بأهميته وكفاءته.

3-الحرص علي التنشئة السليمة للأبناء.

إن قيام الأسرة بدورها المطلوب في تربية ([58]) الأبناء التربية الصالحة وتنشئتهم التنشئة السليمة، بمختلف ألوانها وصورها، الأخلاقية والإيمانية الروحية والاجتماعية، من شأنه أن يحميهم ويحصنهم من الانجراف نحو بعض الممارسات السلوكية المنحرفة، وأن يجعلهم سواعد قوية تعمل علي بناء المجتمع وخدمة ثقافته، وتسهم في توفير استقراره وأمنه باعتبارهم جزءا من هذا المجتمع، ولذلك فهذا الدور قد يفوق في أهميته أحيانا دور المؤسسات التربوية والتعليمية الأخرى التي سينضم إليها الأبناء بعد ([59]).

ثانيا: الدعم الراشد للدولة.

قد رأينا ما للأبوين من دور في تفادي مشكلة التفكك الأسر، سواء عن طريق علاج مشاكلهما الشخصية، أو الحرص علي تنشئة الأطفال بما يحصنهم من إي سلوك منحرف، إلا أن ذلك لا يكفي في نظرنا ما لم تتدخل الدولة بما تملكه من قدرات ثقافية واقتصادية وإعلامية ([60])، إذا الأمر يتطلب مشاركة كل الأجهزة والمؤسسات صاحبة العلاقة في ذلك، والتي يناط بها مسؤولية حفظ أمن المجتمعات فكريا وأخلاقيا وسلوكيا، كي تصب الروافد كلها في الاتجاه المرغوب فيه، وحتي لا يصل الأمر إلي ما أشار إليه الشاعر بقوله:

متي يبلغ البنيان تمامه
 
إذا كنت تبني وغيرك يهدم؟ ([61])
 

ونقترح أن يكون تدخل الدولة باعتماد خطة تساعد من خلالها الأسرة علي أداء وظائفها كما ينبغي، علي أن تستهدف تلك الخطة القيام بثلاث مهمات أساسية، يتعين البدء فيها بشكل متوازي.

1-وضع سياسة للتوعية الأسرية.

2-تحريك الآلة القانونية وتفعيلها

3-تحسين الظروف الاجتماعية

أ: وضع سياسة للتوعية الأسرية

يتفق الباحثون في مجال الإرشاد والتوعية الأسرية علي ضرورة تعاون جميع المتهمين بالدراسات الأسرية، من علماء الاجتماع وعلماء الدين وعلماء النفس وعلماء الاقتصاد ورجال القانون ورجال السياسة في وضع خطط التوعية الأسرية ([62])، ويمكن للدولة أن تستعين في تطبيق هذه الخطة بكافة المؤسسات المتاحة، سواء تعلق الأمر بالمؤسسات الدينية، أو المؤسسات التربوية، أو الإعلامية، أو الخيرية، أو الصحية، أو غيرها من مراكز التنمية الاجتماعية

المؤسسات الدينية.

يقصد بها كل المؤسسات الدينية المتاحة في المجتمع، كالمساجد والعلماء وهيئات الإفتاء، فالمسجد مثلا يضطلع كما هو معلوم بدور بارز في التوجيه وغرس القيم الإسلامية وتنميتها، لما لها من أهمية في استقرار المجتمع وتماسكه وتقدمه، ولذلك يتعين علي الأئمة والخطباء من خلال خطب الجمعة، والمناسبات الدينية والندوات والحلقات النقاشية التي تعقد بها، أن يعملوا علي تأكيد تلك القيم وتعزيزها في نفوس الناس، وذلك إلي بدعوتهم إلي إقامة الفرائض والتمسك بالقيم الدينية والعمل الصالح لخدمة المجتمع والتقرب من الله سبحانه وتعالي، وان يحثوهم علي الترابط العائلي وما يفضي إليه.

علي أنه لكي تؤدي المساجد تلك الرسالة بالشكل المرضي الذي يكسب ثقة الأمة، يتعين حسب بعض الباحثين جعلها:” مؤسسات مستقلة تعمل للإسلام علي هدي وبصيرة، حتي تكون مشاعل هدي، توجه المسلمين عامة”، كما يتعين الاهتمام بها، عن طريق تزويدها بالإمكانات البشرية المادية التي تساعد في إنجاز وظائفها، علي أن يتم:” إعداد الأئمة للقيام بواجب الدعوة والتوجيه والتعليم ممن تزودوا بعلوم القرآن والسنة، والعربية وآدابها، وممن درسوا المذاهب الفكرية والملل والتيارات السياسية الموجهة والمؤثرة في العالم، .. وأن يكون الأمام مسلما عاديا يعيش عصره بعلومه ومعارفه، ويفقه دينه بتعاليمه وأحكامه ويخشي ربه ويتقيه..” ([63]) .

ونفس الشيء بالنسبة لعلماء الشريعة، فمن خلال تفاعلهم مع مشكلات الأسر التي تصلهم عن طريق الإذاعة أو التلفاز أو الصحافة، وعرضهم لرأي الإسلام في تلك المشكلات، يمكن أن يقدموا خدمة للأسر هم بأمس الحاجة إليها، كما أن لقاءاتهم المباشرة مع الأفراد أو عبر الهاتف لها أثر كبير في حل العديد من المشكلات الأسرية قبل تفاقمها وتسببها في تفكك الأسرة، وما وراء ذلك من ضياع للنشء ([64]).

 المؤسسات التربوية.

وهي مؤسسات التربية والتعليم في المجتمع، كالمدارس والجامعات، فالمدرسة هي البيت الثاني، وهي أخطر مؤسسات التربية أثرا في حياة الناشئة ([65]) بعد الأسرة، لأنها أول نموذج للمجتمع يواجهه الطفل في مساره وحياته خارج البيت، فيها يتعلم أن هناك سلطة غير سلطة الأب، وقوانين غير قوانين البيت، وأن هناك معلومات مكملة لما يتلقنه في بيته، فضلا عما تضطلع به من دور عظيم في مجال التنشئة، سيما على عقيدة التوحيد وحسن الأخلاق، ومحاربة الجهل والغباء والتقليد الأعمى.

فدورها إذن له مكانته في توجيه الطفل والسير به في الطريق السليم، ومن ثم فهي مطالبة بتزويده بالفكر الديني السليم، تدرجا مع مراحل نموه، وحثه على أن يكون فكره واعيا لا ينخدع ولا ينقاد انقياد أعمي، وذلك من خلال ربطه بالملاحظة والتحليل، كما أنها مطالبة بتوثيق الصلة بينه وبين البيت الذي ينشأ فيه، بأسلوب ممهد، تحاول من خلاله أن تزيل العقبات، وتحل مشكلاته النفسية إذا كان يعاني من اضطرابات في هذا الشأن نتيجة تفكك أسرته أو غياب أحد والديه ([66]).

وبالنسبة للجامعات ومؤسسات التعليم العالي، فبالنظر إلي ما يتوفر لديها من كفاءات علمية عالية التأهيل، فإنها تستطيع توفير برامج موجهة للأسر في المجتمع، لإيضاح السبل نحو حياة زوجية سعيدة وكيفية مواجهة المشكلات الأسرية، أو توفير عيادات إرشادية لأفراد الأسر يقابلون فيها المختصين، فيعرضون عليهم المشكلات ويتلقون منهم سبل العلاج المناسبة ([67]).

ومن جهة أخري يمكن استثمار الجامعة كفضاء لعقد دورات تربوية تثقيفية للأمهات والآباء بشكل دوري علي أساليب التربية الحديثة، قصد زيادة الوعي الأسري في المجتمع، كما يمكن إمداد الأسرة وبصفة مستمرة بالدوريات والكتب الثقافية والمجلات التي تساعدها علي الارتقاء بدورها الوظيفي في تنفيذ وتحسين منهجها في تربية الأبناء.

وحبذا لو تم أدخال مناهج التربية الأسرية في مناهج التعليم المتوسط والثانوي والجامعي، والتركيز في هذه المناهج علي أسس التنشئة السليمة، وكيفية تعامل الآباء والأمهات مع سيكولوجية الطفل، وتعليمهم كيفية إدارة شؤون الأسرة، والتغلب علي الصعوبات، وتحديد المسؤوليات المترتبة علي كل منهما ([68]).

وحبذا أيضا لو تم جعل الدين مادة أساسية في مراحل التعليم كلها، يتطور تدريسه بمستوي المرحلة، على أن يكون عنصرا ومنطلقا لدراسة المواد كلها علمية وإنسانية،ـ حتي يتعمق مفهوم ارتباط الدين بالحياة، وحتي لا يكون الدين مادة روحية منفصلة عن الحياة بعيدة عن مجال العلوم الأخرى([69]).

المؤسسات الخيرية ومؤسسات التضامن

يمكن لهذه المؤسسات أن تعين في حل مشكلات لها دور في التفكك الأسري الذي ينعكس علي الأداء الوظيفي للأسرة، وذلك مثل المساعدات المادية والعينية للأسر الفقيرة، فالوضع الاقتصادي المتردي يؤدي إلي تصدع الأسرة وتفككها كما مر بنا.

كما تستطيع هذه المؤسسات تبني مشاريع عديدة تساعد الأسر علي مواجهة متطلبات الحياة المعاصرة المتزايدة، ورعاية ضحايا الأسر المتفككة، خصوصا صغار السن منهم، عن طريق دور مهيأة بكل الوسائل المعينة لعيش حياة مستقرة وسعيدة.

المؤسسات الصحية.

وهي المؤسسات التابعة لوزارات الصحة، حيث يمكنها توفير برامج متعددة تهتم بالجانب الصحي للأسر، سواء ما تعلق منها بالأمراض الجسمية أو النفسية، ولا شك أن معالجة هذه الأمراض تساعد علي تماسك الأسرة، وتخفف عنها المعاناة من تدهور الوضع الصحي لأحد أفرادها ([70])، والتي قد تحدث خللا علي مستوي الأدوار.

 وسائل الإعلام

يعتبر الإعلام سواء علي المستوي الوطني أو الدولي سلطة شديدة التأثير علي المتلقين، قادرة علي حملهم علي التصرف بالطريقة التي يبتغيها المسيطرون علي الأعلام ([71])، بل ولها من الخطورة في عصرنا ما قلل من دور البيت والمدرسة في تربية النشء وتوجيه الشباب، وذلك بما تملكه وسائل الاتصال المختلفة التي تقتحم البيوت والمؤسسات، سواء كانت إذاعة أم تلفاز أم صحافة، وكل هذه الوسائل تفرض نفسها علي الناس، وتؤثر عليهم تأثيرات مباشرة ([72]).

ولذلك, فإن ما يقدمه التلفاز من برامج متعددة وما تقدمه الصحف والمجلات والكتب وما تقدمه الإذاعة المسموعة من برامج وموضوعات في شأن قضايا المجتمع والإنسان، يمكن أن يكون وسيلة لغرس القيم الإسلامية في نفوس الناس، وتنشئة الأسر التنشئة السليمة التي تضمن استقرارها، وأن توفر رصيدا مهما من المعرفة الاجتماعية يتأثر به كل أفراد المجتمع، ولعل هذا يتطلب إعدادا مدروسا للرسائل الإعلامية التي تبث للجمهور، من حيث شكلها ومضمونها ([73])، مع ضرورة توسيع مساحة البرامج التربوية في وسائل الإعلام، وإعطاء الفرصة للأمهات والآباء لطرح المشكلات التي تهدد كيان الأسرة وعرضها للمناقشة الجادة والتحليل المعمق([74])،.

ب: تحريك الآلة القانونية وتفعيلها: عرض حالة المغرب“.

يقصد بالآلة القانونية مجموعة القواعد التي تضعها السلطة التشريعية في الدولة لتنظيم أمرا ما فيقال علي سبيل المثال القانون الجنائي وقانون الأسرة وقانون البيئة إلي غير ذلك، وفي معني آخر يقصد بها مجموعة القواعد العامة المنظمة لسلوك الأفراد في المجتمع، والتي تحملهم السلطة العامة علي احترامها مع إمكانية استعمالها للقوة حين الضرورة ([75]).

فوظيفة القانون عامة تتمثل في خدمة الجماعة وسد حاجاتها، ومهما اختلفت أنواع القوانين فإنها تهدف جميعا لخدمة الجماعة وإسعادها، فالقانون الذي يفرض التعليم الإجباري وظيفته خدمة الجماعة عن طريق نشر التعليم ومحاربة الأمية، والقانون الذي يعاقب علي الجرائم وظيفته خدمة الجماعة عن طريق حفظ الحقوق الفردية وتوزيع العدالة وبث الطمأنينة بين الأفراد وهكذا ([76])، وهي كلها وظائف سبق إليها الشرع الإسلامي الحكيم.

والقانون طبعا لا يمكن أن يحقق أهدافه الإنسانية العليا إلا إذا صيغ في نصوص ومواد، مع توافر عنصر الإلزام المقرون بالجزاء، والجزاء هو ما يرتبه القانون علي مخالفيه كالعقوبة والتعويض والرد والفسخ والبطلان وما أشبه ذلك، فالقانون بلا سلطان كالجسم بلا روح، ونصوص لا قيمة لها.

وفي سياق الموضوع الذي نحن بصدده يمكن القول بأن المقنن الوضعي يمكن أن يضع نصوصا قانونية تسهم في جعل الأسرة في منأى عن التصدع، ومحمية إلي حد ما من مخاطر التفكك (1)، بل وتسهم في دفع الأبوين إلي تجاوز المشكلات في اتجاه الاضطلاع بدورهما في تربية النشء وتحصينه من الآثار الوخيمة (2)، وللتجربة المغربية في هذا الباب محاولة تشريعية لا بأس بها رغم ما عليها من مؤاخذات.

1-بالنسبة لدور القانون في حماية الرباط الزوجي.

حاول المقنن المغربي من خلال قانون الأسرة ([77]) أن يضع دستورا للزوجين يسيران عليه، تفاديا لوقوع مشكلات تعصف بالحياة الزوجية، وذلك بفرض عدد من الواجبات المشتركة في المادة 51، ويتعلق الأمر ب:

-“المساكنة الشرعية بما تستوجبه من معاشرة زوجية وعدل وتسوية عند التعدد، وإحصان كل منهما وإخلاصه للآخر، بلزوم العفة وصيانة العرض والنسل.

– المعاشرة بالمعروف، وتبادل الاحترام والمودة والرحمة والحفاظ علي مصلحة الأسرة.

– تحمل الزوجة مع الزوج مسؤولية تسيير ورعاية شؤون البيت والأطفال.

-التشاور في اتخاذ القرارات المتعلقة بتسيير شؤون الأسرة والأطفال وتنظيم النسل”.

كما حاول في نفس السياق تقييد الفرقة الزوجية، واعتبارها استثناء لا ينبغي اللجوء إليه إلا في حالة الضرورة، جاء في المادة 70 أنه:” لا ينبغي اللجوء إلي حل ميثاق الزوجية بالطلاق أو بالتطليق إلا استثناء، وفي حدود الأخذ بقاعدة أخف الضررين، لما في ذلك من تفكيك الأسرة والإضرار بالأطفال”، وفي المقابل أسند للمحكمة إجراء جميع التدابير واتخاذ كل ما يمكن أن يؤدي إلي الإصلاح بين الطرفين وتفادي إنهاء العلاقة الزوجية، بل وألزمها بإجراء محاولة الصلح في جميع حالات الطلاق والتطليق باستثناء حالة التطليق للغيبة-، وأكثر من ذلك أوجب إجراء محاولتين للصلح إذا كان بين الطرفين أبناء.

وقد حدد المقنن ثلاث مؤسسات-يمكن اختيار أي منها، وربما اعتمادها كلها في نفس الملف، حسب السلطة التقديرية للمحكمة-للوصول إلي الصلح بين الطرفين، وبالتالي رأب الصدع، وإعادة المياه إلي مجاريها بينهما، وهذه المؤسسات هي المحكمة نفسها، أو الحكمان، او مجلس العائلة ([78]).

  2بالنسبة لدور القانون في حماية الأبناء.

لقد أفرد المقنن المغربي ولأول مرة في قانون الأسرة المشار إليه مادة بأكملها للأطفال تحت رقم 54، خاصة بحقوقهم الواجبة علي أبويهم، مستوحاة من النصوص الشرعية والمواثيق الدولية، وقد جاء ضمن هذه الحقوق:”

-حماية حياتهم وصحتهم منذ الحمل إلي حين بلوغ سن الرشد

-العمل علي تثبيت هويتهم والحفاظ عليها

-النسب والحضانة والنفقة

-إرضاع الأم لأولادها عند الاستطاعة

-اتخاذ كل التدابير الممكنة للنمو الطبيعي للأطفال بالحفاظ علي سلامتهم الجسدية والنفسية والعناية بصحتهم وقاية وعلاجا

-التوجيه الديني والتربية علي السلوك القويم وقيم النبل المؤدية إلي الصدق في القول والعمل، واجتناب العنف المفضي إلي الإضرار الجسدي والمعنوي، والحرص علي الوقاية من كل استغلال يضر بمصالح الطفل.

-التعليم والتكوين الذي يؤهلهم للحياة العلمية وللعضوية النافعة في المجتمع، وعلي الآباء أن يهيئوا لأولادهم قدر المستطاع الظروف الملائمة لمتابعة دراستهم حسب استعدادهم الفكري والبدني”.

والجدير بالذكر أن هذه المادة في فقرتها الأخيرة حملت الدولة مسؤولية اتخاذ كل التدابير اللازمة لحماية الأطفال ورعايتهم، وكلفت النيابة العامة بالسهر علي مراقبة تنفيذ المقتضيات السالفة.

كما أننا وفي ذات السياق نجد في القانون الجنائي ([79]) عددا من الفصول تجرم إهمال الأسرة، وهكذا نجد في الفصل 479 أنه:” يعاقب بالحبس من شهر إلي سنة وبالغرامة من مائتين إلي ألفي درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط الأب أو الأم إذا ما ترك أحدهما بيت الاسرة دون موجب قاهر لمدة تزيد عن شهرين وتملص من كل أو بعض واجباته المعنوية والمادية الناشئة عن الولاية الأبوية أو الوصاية أو الحضانة..”.

وفي الفصل 482 نجد أنه:” إذا تسبب أحد الأبوين في إلحاق ضرر بالغ بأطفاله أو بواحد أو أكثر منهم، وذلك نتيجة المعاملة أو إعطاء القدوة السيئة في السكر أو سوء السلوك أو عدم العناية أو التقصير في الإشراف الضروري من ناحية الصحة أو الأمن أو الأخلاق، يعاقب بالحبس من شهر واحد إلي سنة وغرامة من مائتين إلي خمسمائة درهم، سواء حكم عليه بالحرمان من السلطة الأبوية أم لا..”.

وغير خاف أن مثل هذه النصوص الرادعة قد تكون دافعا قويا يجعل الآباء يقومون بواجبهم تجاه أبنائهم، من حيث الرعاية بشتي ضروبها، وان يحرصوا علي حماية الأسرة من التصدع والتشتت، حتي لا يتعرضوا للجزاءات المشار إليها.

ج: تحسين الظروف الاجتماعية.

إن كثيرا من تصدع الأسر وتفككها يأتي لأسباب خارجية، من هذه الأسباب نذكر انعدام فرص العمل، التي تضطلع الدولة فيها بدور كبير، فانتشار البطالة في المجتمع داء وبيل، وأيما مجتمع تكثر فيه البطالة وتنضب فيه فرص العمل، يكون مهددا بكثير من المخاطر، من قبيل التفكك المشار إليه، فضلا عن فشو الجرائم، كالإرهاب وتعاطي المخدرات والاعتداء والسرقة، وما إلي ذلك.

ولذلك فإن تدخل الدولة عن طريق إيجاد فرص الشغل للناس من شأنه أن يعين الأسر علي تجاوز أزماتها التي تفضي إلي انحلالها، سيما وأن الحق في الشغل هو حق دستوري، فقد جاء في الفصل 13 مثلا من الدستور المغربي لسنة 1996 أن:” التربية والشغل حق للمواطنين علي السواء”، وليس ذلك بصعب عليها إذا ما هي التزمت العدالة في توزيع الثروات، وعززت آليات المراقب الشديدة علي كل من تسول له نفسه نهب خيرات البلاد التي هي من حق المجتمع برمته.

خاتمة: نتائج وتوصيات   

من خلال هذا العرض تبين بجلاء أنه لكي تتفادي الاسرة الوقوع في مخلب التفكك وبالتالي الإفلات من عواقبه التي تنعكس سلبا علي الأبناء ومن بعدهم علي المجتمع، يتعين أولا تحصين نفسها من المشاكل والاضطرابات الداخلية، وان يقوم أفرادها بكامل مسؤولياتهم، بشتي ضروبها، بهذا ستكون متماسكة، قادرة علي البناء والعطاء، بإمكانها العناية بالنشء وتربيتهم التربية السليمة، التي تحصنهم من أي انحراف، كما ستغذو واحة أمن وأمان، وستصير بمثابة العملاق الممتص للصدمات في المجتمع، وبعبارة ستكون بمثابة الرحم الاجتماعي الذي يعود إليه الأفراد لتضميد جراحهم، والتداوي من جراء آلام العالم ومعاناته وضغوطه وصدماته، ليجدوا تحت سقفها مناخا عاطفيا متميزا ومليئا بالدفء.

وقد تبين أيضا أن الأسرة في ظل العولمة وفي ظل التغيرات العالمية أصبح من الصعب عليها القيام بدورها التربوي الوظيفي في تنشئة الأبناء التنشئة السليمة علي الوجه الأكمل ما لم تتدخل الدولة بكل ثقلها لكي تساعدها علي أداء دورها، عن طريق المؤسسات التي تنطوي تحت مظلتها وتخضع لسلطانها.

ولعل أهمية تفعيل دور الأسرة في هذا الباب تبرز في كون أن الأجيال المتعاقبة إذا كان مصدرها أسر سليمة ومحصنة فإنها تكون أجيالا نافعة وقادرة علي الدفع بالأمة نحو الرقي والازدهار، يصعب استغلالها في عمل مجرم، لأنها تكون حينئذ محصنة بالتربية السليمة التي تقوم بها الأسرة.

وفي هذا السياق نقترح التوصيات التالية مع إلحاحنا الشديد علي الأخذ بها وإعطائها الأهمية اللازمة:

  1. العمل علي نشر الوعي الأسري، وذلك من خلال تكثيف البرامج المتعلقة بالأسرة والمجتمع عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، وذلك لما لها من تأثير بالغ علي المخاطب، مع فرض الرقابة عليها علي نحو من شأنه خدمة القضية، وفي ذات الوقت العناية بالبرامج التي تشرح مضمون الدين الإسلامي وجوهره من عقيدة وعبادات وسلوك وأخلاق، وتوضح ما استغلق علي الناس فهمه من نصوص القرآن والسنة، علي أن يكون الخطاب بلغة العصر.
  2. قيام وزارة التربية الوطنية والتعليم بدورها التربوي في إرشاد وتوعية الأجيال الصاعدة بالمسائل المتعلقة بنظام الاسرة، وذلك من خلال وضع بعض الفقرات التعليمية المتعلقة باختيار شريك الحياة، وأسس الحفاظ علي سلامة البناء الأسري.
  3. إنشاء مراكز الاستشارات الأسرية والتكثير منها، والعمل علي تفعيل دورها وتطويره بما يتماشى مع المتغيرات في مجال الأسرة والمجتمع.
  4. تنشيط عمل هيئات المجتمع المدني، خاصة الجمعيات الخيرية، لتقديم المساعدات الممكنة للأسر المهددة بالتفكك، رأبا للصدع، وتفاديا لانهيار الأسرة مع ضرورة الاستعانة بذوي الخبرة من علماء النفس وغيرهم في مناقشة المشاكل العالقة ووضع سياسات وأساليب للتصدي.

-منع كل من يفسد العقائد والسلوك، بما في ذلك إخضاع المادة الخارجية لرقابة شرعية، فضلا عن إيقاف المظاهر المنافية لآداب وسلوكيات المسلم، كالتبرج وإظهار العورات في التلفاز أو في الجرائد والمجلات، فهذا من شأنه أن يخلق تصدعا أخلاقيا داخل الاسرة.

-دعوة الخبراء العرب وحثهم علي عقد المزيد من المؤتمرات والندوات، وإنجاز العديد من الدراسات العلمية من زوايا متعددة في موضوع التفكك الأسري، قصد استجلاء خفاياه، والخروج بتوصيات علمية وعملية في شأنه، وحث الدول علي الإسهام في تفعيلها.

وفي الختام، فإني لا أدعي في هذه المقالة الوجيزة الإحاطة بكل جوانب هذا الموضوع العريض الشائك، بل أنا أول المعترفين بما يشوبها من مواطن النقص والخلل، وأول المدركين لما يعتريها من مكامن الخطأ والزلل، شفيعي في ذلك أن الكمال مستحيل المنال، وأن الخطأ صفة ملازمة للعمل البشري، وحسبي أني اجتهدت قدر ما وسعني الجهد والوقت، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المراجع المحال عليها

مرتبة حسب ورودها في المداخلة

***

*محمد أبو زهرة محاضرات في عقد الزواج وآثاره، دار الفكر العربي بالقاهرة، دون تاريخ.

* جعفر عبد القادر الياسين: أثر التفكك العائلي في جنوح الأحداث، عالم المعرفة، بيروت، الطبعة الأولي 1981.

* الشيخة العنود بنت ثامر بن محمد آل ثاني: التفكك الآسري.. العلاج والحلول، مشاركة ضمن كتاب الأمة، العدد 83، السنة 21.

*علياء شكري: الاتجاهات المعاصرة في دراسة الأسرة، طبعة دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الثانية، 1981.

* عبد العزيز الشثري: الأسرة ودورها في التوحيد السلوكي للأحداث، مقال منشور بمجلة المنهل، الرياض ذو القعدة 1420 هـ

* معن خليل العمر: التفكك الاجتماعي، دار الشروق للنشر والتوزيع، الطبعة الأولي 2005.

* أحمد أوزي: الطفل والعلاقات الأسرية، تقديم د. مصطفي حجازي، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولي 2002.

* أمينة جابر: التفكك الأسري.. الأسباب والآثار، ضمن كتاب الأمة، العدد السابق.

* عبد المنعم محمد حسين: الأسرة ومنهجها التربوي لتنشئة الأبناء في عالم متغير، مكتبة النهضة المصرية، دون طبعة أو تاريخ.

* سعود بن عبد العزيز التركي: التصور الإسلامي لمواجهة مشكلات الأسرة، مقال منشور بمجلة الأمن، الرياض/ المملكة العربية السعودية، العدد 5 جمادي الآخر 1412 هـ.

* الصنعاني: سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام، تحقيق ابراهيم عصر، دار الحديث بالقاهرة، الطبعة 7، دون تاريخ.

* السيد سابق: فقه السنة، دار الفكر، الطبعة 4، دون تاريخ.

* محمد المهدي: الضوابط الشرعية في اختيار الزوجات: رسالة إلي الرجال، مقال منشور في مجلة الوعي الإسلامي، العدد 495، السنة 43، 2006.

* أسعد السحمراني: المرأة في التاريخ والشريعة، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولي 1989.

*مصطفي السباعي: المرأة بين الفقه والقانون، الطبعة 6، طبعة المكتب الإسلامي، 1984.

* مها عبد الله عمر الأبرش: الأمومة ومكانتها في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة، مطابع جامعة أم القرى، طبعة 1996.

* جبرين علي الجبرين: العنف الأسري خلال مراحل الحياة، إصدارات مؤسسة الملك خالد الاخيرية، الطبعة الأولي 2005.

*محمد سيد فهمي: أطفال الشوارع، مأساة حضارية في الألفية الثالثة، المكتب الجامعي الحديث بالإسكندرية، الطبعة الأولي 2000.

*وليد حيدر: جنوح الأحداث، بحث اجتماعي ميداني، نموذج القطر العربي السوري، وزارة الثقافة بسوريا، 1987.

*حسون تماضر: البيت، المدرسة، وسائل الإعلام وانحراف الأحداث في الوطن العربي، مقال منشور بالمجلة العربية للدراسات الأمنية، دار النشر بالمركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض/السعودية، 1409 هـ.

*عباس محجوب: مشكلات الشباب: الحلول المطروحة والحل الإسلامي، منشور ضمن كتاب الأمة، الطبعة الثانية 1406 هـ.

* عبد الله بن عبد العزيز اليوسف: الأنساق الاجتماعية ودورها في مقاومة الإرهاب والتطرف “دراسة تحليلية للمجتمع السعودي”، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، الطبعة الأولي 2006.

* عدمان الدوري: جناح الأحداث “المشكلة والسبب”، الطبعة الأولي، الكويت، 1985.

*أحمد خليل جمعة: الطفل في ضوء القرآن والسنة والأدب: اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق-بيروت، الطبعة الأولي، 2001.

*محمد بن شاكر الشريف: نحو تربية إسلامية راشدة: من الطفولة حتى البلوغ، الأولي، 2006.

* محمد بلتاجي: مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الأولي، 2000.

*الحسيني سليمان جاد: وثيقة مؤتمر السكان والتنمية: رؤية شرعية، ضمن سلسة كتاب الأمة، العدد 53، السنة 16، مطابع النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولي 1471 هـ.

*صالح بن ابراهيم الصنيع، التفكك الأسري.. الأسباب والآثار، ضمن كتاب الأمة، العدد السابق.

*محمد آيت عزيزي: دور الأسرة في تربية المجتمع وتنميته، مشاركة ضمن ندوة” مبادئ تربية الأسرة ومناهجها في ظل تعاليم الإسلام”، المنعقدة بجامعة أم القرى من 30 ماي إلي 2 يونيو 1999، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة- إيسيسكو- 2004.

* محمود كرم سليمان: التخطيط الإعلامي في ضوء الإسلام، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، (المنصورة بمصر) الطبعة الأولي،1988.

*عباس الصراف وجورج حزبون: المدخل الى علم القانون، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2005

*الشهيد عبد القادر عودة: الإسلام وأوضاعنا القانونية، مؤسسة الرسالة، 1977.

*عبد السلام زوير: شرح مدونة الأسرة، رئيس قسم قضاء الأسرة بالمحكمة الابتدائية لبولمان، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الدراسات والأبحاث، العدد 7، نونبر 2008


[1]_محمد أبو زهرة: محاضرات في عقد الزواج وآثاره، دار الفكر العربي بالقاهرة، دون تاريخ، ص:45-46

[2] سورة النساء، من الآية 19.

[3] سورة البقرة، من الآية 229

[4] سورة الروم، الآية 21

[5] أخرجه البخاري في كتاب العتق .

[6]-وهناك إطلاقات أخري من قبيل تعبير البيوت “المحطمة”، “الأسرة المحطمة”، العائلة المتداعية”(انظر مثلا: جعفر عبد القادر الياسين: آثر التفكك العائلي في جنوح الأحداث، عالم المعرفة، بيروت، الطبعة الأولي 1981، ص: 22-23).

[7] الشيخة العنود بنت ثامر بن محمد أل ثاني: التفكك الأسري.. العلاج والحلول، مشاركة ضمن كتاب الأمة، العدد83، السنة 21، ص: 123-124

[8]8– علياء شكري: الاتجاهات المعاصرة في دراسة الأسرة، طبعة دار المعارف بالقاهرة الطبعة الثانية، 1981، ص:229

[9] عبد العزيز الشثري: الأسرة ودورها في التوحيد السلوكي للأحداث، مجال منشور بمجلة المنهل، الرياض، ذو القعدة 1420 هـ، ص: 208.

[10] عبد العزيز الشثري: المرجع السابق، ص:103-وانظر: معن خليل العمر: التفكك الاجتماعي، دار الشروق للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2005، ص:204.

[11] جعفر عبد القادر الياسي: المرجع السابق، ص: 15.

[12] وبهذا تكون الأسرة غير سوية، أما إذا كانت تقوم بوظائفها علي أحسن وجه، سواء في ذلك الزوجان أو الأبناء، بحيث يؤدي كل فرد منهم دوره بالشكل المطلوب لخلق وحدة متكاملة ذات أهداف مرسومة، فإنها تكون حينئذ عائلة سوية ولا يمكن وسمها بعائلة مفككة

[13] –د. معن خليل العمر : المرجع السابق، ص: 216 وما بعدها-الشيخة العنود : المرجع السابق، ص: 127-128-د. أحمد أوزي : الطفل والعلاقات الأسرية، تقديم د. مصطفي حجازي، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولي 2002، ص: 122.

[14] د. أحمد أوزي : المرجع السابق، ص: 125

[15] د. أمينة الجابر: التفكك الأسري.. الأسباب والآثار، ضمن كتاب الأمة، العدد السابق، 68- وانظر : د. عبد المنعم محمد حسين: الأسرة ومنهجها التربوي لتنشئة الأبناء في عالم متغير، مكتبة النهضة المصرية، دون طبعة أو تاريخ، ص:42.

[16] د. سعد بن عبد العزيز التركي: التصور الإسلامي لمواجهة مشكلات الأسرة، مقال منشور بمجلة الأمن، الرياض/ المملكة العربية السعودية، العدد 5 جمادي الآخر 1412 هـ، ص: 99.

[17] سورة الروم، من الآية 21

[18]سورة البقرة من الآية 223

[19] سورة البقرة، من الآية 187

[20] –الصنعاني: سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام، تحقيق ابراهيم عصر، دار الحديث بالقاهرة، الطبعة 7، ج3/ص: 988.

[21]السيد سابق: فقه السنة، دار الفكر، الطبعة 4، دون تاريخ، 2/16

[22] -د. محمد المهدي: الضوابط الشرعية في اختيار الزوجات: رسالة إلي الرجال، مقال منشور في مجلة الوعي الإسلامي، العدد 495، السنة43، 2006، ص: 69.

[23] –جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: “الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة”(رواه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب استحباب نكاح البكر).

[24] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، وقوله “وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا”(الفرقان: 54)، رقم: 5090.

[25] محمد المهدي: المرجع السابق، ص: 69,

[26]– د أسعد السحمراني: المرأة في التاريخ والشريعة، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولي 1989، ص: 238.

[27] د_. أحمد أوزي: المرجع السابق، ص: 128

[28] د. امينة الجابر: المرجع السابق، ص: 55.

[29] –سورة النساء، من الآية 34

[30] سورة البقرة، من الآية 228.

[31] الشيخة العنود: المرجع السابق، ص: 139

[32] د. مصطفي السباعي: المرأة بين الفقه والقانون، الطبعة 6, طبعة المكتب الإسلامي، 1984، ص: 175، ولعل مما تجدر الإشارة إليه أن هناك تخطيطا دوليا يهدف إلي خروج المرأة للعمل خارج البيت، بحجة حقها في مشاركة الرجل في معترك الحياة، ومازالت المؤتمرات الدولية والندوات ومختلف اللقاءات تنشر هذه المفاهيم وتروج لها، ولا يخفي ما لهذه الأفكار من تأثير علي الأسرة (د. سعد بن عبد العزيز التركي: المرجع السابق، ص: 99)

[33](33)- د أمينة الجابر: المرجع السابق، ص: 99)

[34]– مها عبد الله عمر الأبرش : الأمومة ومكانتها في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة، مطابع جامعة أم القري، طبعة 1996، 2/841

[35](35)- د. امينة الجابر: المرجع السابق، ص: 60، نقلا عن كتاب: ظاهرة المربيات الأجنبيات “الأسباب والآثار”، لمجموعة من الأساتذة، العدد 10 من سلسلة الدراسات الاجتماعية والعمالية، مكتب المتابعة لمجلس وزراء العمل والشؤون الاجتماعية بالدول العربية الخليجية، الطبعة 1، البحرين، 1987، ص: 64-65

[36] –د. جبرين علي الجبرين: العنف الأسري خلال مراحل الحياة, إصدارات مؤسسة الملك خالد الخيرية, الطبعة الأولي 2005، ص: 24.

[37] د. محمد سيد فهمي: أطفال الشوارع، مأساة حضارية في الألفية الثالثة، المكتب الجامعي الحديث بالإسكندرية، الطبعة الأولي 2000، ص54-55.

[38] –لقد أثبتت العديد من الدراسات العلاقة الوطيدة بين التفكك الأسري والانحراف، نذكر من ذلك الدراسة التي أجراها الباحث وليد حيدر في سوريا، وقد وصل فيها إلا أن 55% من أفراد العينة البالغ عددهم 113 حدثا يعيشون في أسر مفككة ( انظر مؤلفة: جنوح الأحداث، بحث اجتماعي ميداني، نموذج القطر العربي السوري، وزارة الثقافة بسوريا، 1987، ص: 209)، وفي دراسة أخري اتضح أن 78% من أفراد العينة المنحرفة انحدروا من أسر تتمز علاقتها بالاضطراب والتوتر (حسون تماضر: البيت، المدرسة، وسائل الإعلام وانحراف الأحداث في الوطن العربي ، مقال منشور بالمجلة العربية للدراسات الأمنية، دار النشر بالمركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض/ السعودية، 1409 هـ، ص:49و73.

[39] –د. عباس محجوب: مشكلات الشباب الحلول المطروحة والحل الإسلامي، منشور ضمن كتاب الأمة، الطبعة الثانية 1406 هـ، ص: 118-119.

[40] –د أسعد السحمراني: المرجع السابق، ص: 225

[41]-د. عبد الله بن عبد العزيز اليوسف: الأنساق الاجتماعية ودورها في مقاومة الإرهاب والتطرف” دراسة تحليلية للمجتمع السعودي”، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، الطبعة الأولي 2006، ص: 129.

[42] –سورة الرعد، من الآية 11.

[43] – عدمان الدوري: جناح الأحداث” المشكلة والسبب”، الطبعة الأولي، الكويت، 1985، ص:244.

[44] – د. عدمان الدوري: جناح الاحداث” المشكلة والسبب”، الطبعة الأولى، الكويت، 1985، ص:244 ولذلك نجد أن الإسلام حرص علي بناء الأسرة واستقرارها منذ اختيار الزوجة وحتي إنجاب الأطفال، وحدد واجبات وحقوق كل من الزوجين حتي لا يدب الخلاف داخل الأسرة (د. عبد الله بن عبد العزيز اليوسف: المرجع السابق، ص: 138).

[45] – الشيخة العنود: المرجع السابق، ص:146-147.

[46] د. عبد الله بن عبد العزيز اليوسف: المرجع السابق، ص:124

[47] من حديث أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، رقم 1385، ولعل هذا ما عناه الشيخ محمد أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، باب: الطريق في رياضة الصبيان في أو نشوهم ووجه تأديبهم وتحسين أخلاقهم، عالم الكتب، دون تاريخ، 3/26 بقوله: “الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلي كل ما يمال به إليه، فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه،…. وإن عود الشر وأهمل.. شقي وهلك”.    

[48] أحمد خليل جمعة: الطفل في ضوء القرآن والسنة والأدب: اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق – بيروت، الطبعة الأولي، 2001، ص: 338.

[49] – مها الأبرش: المرجع السابق، 2/839.

[50]– إن انشغال العديد من الآباء وتغيبهم عن البيت وإن كانوا من أجل السعي نحو تحسين الأوضاع المادية للأسرة، إلا انه كثيرا ما يقودهم إلي هدم ما يعتقدون أنهم قد ربحوه، إن بيوتهم تنتظر منهم شيئا آخر غير تحسين دخلهم وميزانيتهم المادية، تنتظر منهم السعادة والتوافق العاطفي بين أفراد الأسرة، تلك الحاجة التي لا يمكن تعويضها بأي حال من الأحوال  

[51] أحمد أوزي: المرجع السابق، ص: 130.

[52] د. أمينة جابر: المرجع السابق، ص:62.

[53] – د أسعد السحمراني: المرجع السابق، ص: 226.

[54] – ليس المقصود بالسلطة الشدة والقسوة المرضية، وإنما المقصود نوع من الانضباط والحزم والنظام الذي يؤدي بالطفل إلي تجمل المسؤولية وكبح النوازع الفطرية للذات (د. أحمد أوزي: المرجع السابق، ص: 79)

[55] لكن هذا لا يعني تجريد الأم من التحلي بقدر من السلطة والأب بقدر من العاطفة تجاه أبنائهما، وإنما يعني ترتيب الأدوار وتنظيمها بشكل يفترض معه الاحترام الدائم لدور كل واحد من أجل مصلحة الطفل.

[56]_ د. عدمان الدوري: المرجع السابق، ص: 244- د. أحمد أوزي: المرجع السابق، ص:11.

[57]– مها الأبرش : المرجع السابق، ص: 82

[58]– التربية عند التربويين المسلمين لا تخرج عن تنشئة الفرد وإعداده علي نحو متكامل في جميع الجوانب العقدية والعبادية والأخلاقية والعقلية والصحية، وتنظيم سلوكه وعواطفه في إطار كلي يستند إلي شريعة الإسلام من خلال الطرق والإجراءات التي تقبلها الشريعة (محمد بن شاكر الشريف: نحو تربية إسلامية راشدة: من الطفولة حتي البلوغ، الطبعة الأولي، 2006، ص: 13).، وعند البعض هي: ما يتلقاه الذكر والأنثى اساسا من أبويهما وبيئتهما من أخلاق وأعراف وتقاليد وآداب”(د. محمد بلتاجي: مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الأولي، 2000، ص: 307). 

[59] – د. أحمد أوزي: المرجع السابق، ص:61.

[60] – د. الحسيني سليمان جاد: وثيقة مؤتمر السكان والتنمية: رؤية شرعية، ضمن سلسلة كتاب الأمة، العدد 53، السنة 16، مطابع النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولي 1471 هـــــ، ص: 46.

[61] – محمد بن شاكر الشريف: المرجع السابق، ص: 81، ورغم أهمية مثل هذه المؤسسات فإن دورها ثانوي بالمقارنة مع دور الأسرة، لأنه يأتي في مرحلة زمنية لاحقة علي تلك السنوات التكوينية التي يعيشها الطفل داخل أسرته.

[62]– الشيخة العنود: المرجع السابق، ص: 140.

[63] -د. عباس محجوب: المرجع السابق، ص: 129-130.

[64] -د. صالح بن ابراهيم الصنيع، التفكك الأسري… الأسباب والآثار، ضمن كتاب الأمة، العدد السابق، ص: 98-99.

[65] – د. عباس محجوب: المرجع السابق، ص: 146.

[66] – محمد آيت عزيزي: دور الأسرة في تربية المجتمع وتنميته، مشاركة ضمن ندوة مبادئ تربية الأسرة ومناهجها في ظل تعاليم الإسلام، المنعقدة بجامعة أم القري من 30 مايو إلي 2 يونيو 1999، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة-إيسيسكو- 2004، ص: 159 وما بعدها. 

[67] – د. الصنيع، المرجع السابق، ص:100؟

[68] –د. عبد الله بن عبد العزيز اليوسف: المرجع السابق، ص: 140.

[69] –د. محجوب: المرجع السابق، ص: 125

[70] – د. الصنيع: المرجع السابق، ص: 102,

[71] – محمود كرم سليمان: التخطيط الإعلامي في ضوء الإسلام، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع (المنصورة بمصر)، الطبعة الأولي، 1988، ص: 60.

[72] –د. محجوب: المرجع السابق، ص: 70.

[73] –الشيخة العنود: المرجع السابق، ص: 151.

[74] عبد الله بن عبد العزيز اليوسف: المرجع السابق، ص: 140.

[75] –الأستاذان: د. عباس الصراف ود. جورج حزبون: المدخل إلي علم القانون، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولي، 2005، ص: 8-9.

[76] الشهيد عبد القادر عودة: الإسلام وأوضاعنا القانونية، مؤسسة الرسالة، 1977، ص: 20-21.

[77] – قانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة، الصادر في الجريدة الرسمية عدد 5184، بتاريخ 14 ذو الحجة 1424، موافق 5 فبراير 2004.

[78] – د. عبد السلام زوير: شرح مدونة الأسرة، رئس قسم قضاء الأسرة بالمحكمة الابتدائية لبولمان، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الدراسات والأبحاث، العدد 7، نونبر 2008، ص: 5.

[79] – القانون رقم 07.03 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 413-59-1

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://omg10.com/4/10825527
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading