القضائية والمصالحة الجمركية
عبد اللطيف بو علام
باحث في سلك الدكتوراه
كلية الحقوق مراكش
يخول القانون الجمركي لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة صلاحيات واسعة في حل المخالفات والجنح الجمركية التي تثبت لديها عن طريق محاضر الحجز أو البحث، فالإدارة الجمركية كما لها الحق في تحريك الدعوى العمومية فلها كذلك اللجوء إلى المصالحة إذا وفق عليها المخالفين.
المبحث الأول: الدعوى العمومية
يتولد عن ارتكاب الجريمة الجمركية تحريك دعوى عمومية من طرف إدارة الجمارك والضرائب غير المباشر أمام المحكمة المختصة. لذلك سنقسم هذا المبحث إلى مطلبين أحدهم يخص تحريك ومتابعة الدعوى العمومية والمطلب الثاني يخص المحكمة المختصة.
المطلب الأول: تحريك ومتابعة الدعوى العمومية
أسند المشرع المغربي مهمة ممارسة الدعوى العمومية للنيابة العامة فهي المدعي الأصلي في الدعوى حيث تقيم وتمارس الدعوى في نفس الان. ([1])
إلا ان القانون قد فوض استثناءا لبعض الإدارات نفس الامتيازات التي تتمتع بها النيابة العامة ومن بين هذه الإدارات نجد إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، حيث نص الفصل 249 على مايلي:
أ – في حالة ارتكاب جنحة من الجنح الجمركية المنصوص عليها والمحددة في الفصلين 279 المكرر مرتين و 281 بعده يتولى تحريك الدعوى العمومية النيابة العامة أو الوزير المكلف بالمالية أو مدير الإدارة أو أحد ممثليه المؤهلين لذلك.
ب- لا يمكن في حالة ارتكاب المخالفات الجمركية المنصوص عليها والمحددة في الفصل 285 و 294 و 297 بعده، تحريك الدعوى العمومية إلا بمبادرة من الوزير المكلف بالمالية أو مدير الإدارة أو أحد ممثليه المؤهلين لذلك”.
والملاحظ إذن أن الاختلاف في حق تحريك الدعوى العمومية يختلف بين ما إذ كانت الجريمة مخالفة أو جنحة جمركية فبالنسبة للمخالفات خولت الفقرة 2 من الفصل 249 تحريك الدعوى العمومية للوزير المكلف بالمالية أو مدير الإدارة أو أحد ممثليه المؤهلين لذلك، وبالنسبة للجنح أعطت الفقرة الثانية من الفصل 249 الحق في تحريك الدعوى العمومية للنيابة العامة أو الوزير المكلف بالمالية أو مدير الإدارة او أحد ممثليه المؤهلين لذلك. ([2])
يتبين من هذا النص إذن أن المشرع حاول جاهدا أن يوفق بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة لإدارة الجمارك وذلك بإشراك النيابة العامة مع وزير المالية ومدير إدارة الجمارك ومن ينيبه في تحريك الدعوى العمومية فى الجنح لأنها تتضمن عقوبات مدنية ومالية، نظرا لخطورة هذه الجنح الجمركية على الاقتصاد الوطني لأنها ترتبط بالتهريب الجمركي كما لها آثار وخيمة على الصحة العامة (المخدرات).
في حين ظلت المخالفات الجمركية حكرا على وزير المالية أو مدير الإدارة أو من ينيبه لأن عقوبتها أغلبها مالية فهي ترتبط بالمصلحة الخاصة.([3])
وهذا ما سار عليه كذلك المشرع الفرنسي أو كان سباقا إليه بالأحرى في الفصل 343 من القانون الجمركي الفرنسي([4]). في حين نجد المشرع المصري أعطى الحق في الفصلين 124 و 125 من القانون الجمركي تحريك الدعوى العمومية المتعلقة بالجرائم الجمركية لمدير الإدارة أو من ينيبه في بعض الجرائم ولوزير المالية أو من ينيب في جرائم أخرى.
أما تحريك ومتابعة المخالفين فتتم انطلاقا من المحاضر الذي أعدها أعوان الجمارك حول المخالفات المرتكبة، فهذه الوثائق ترسل بعد إنجازها إلى الهيئة القضائية المختصة قصد فتح متابعة بشأن الأشخاص المرتكبين أو المتورطين في الوقائع التى أثبتها. والمطالبة بإصدار الحكم في القضية، وبين المتابعة وإصدار الحكم لابد من سلوك عدة إجراءات. تنطلق من وضع الشكاية مع المحضر للنيابة العامة ([5]) وتقديم ملتمسات وتبادل المذكرات وممارسة كل طرق الطعن العادية وغير العادية إلى حين اكتساب الحكم قوة الشيء المقضي به ([6]). ولابد أن نشير في الأخير بأن المتابعات تقوم بها المصالح الخارجية للإدارة المركزية، أما دور هذه الأخيرة يقتصر فقط على التوجيه وإبداء الآراء في بعض الملفات الشائكة التي تطلب المصالح الخارجية رأي الإدارة فيها أو تتدخل الإدارة المركزية مباشرة فيها بناءا على شكايات أو غير ذلك.
ومن خصوصيات هذه الدعوى أنه في حالة قيام النيابة العامة وحدها بتحريك المتابعة وصدور الحكم الابتدائي في غياب إدارة الجمارك فإنه يخول لهذه الأخيرة أن تنتصب كطرف مدني أمام محكمة الاستئناف.
وشكلت هذه الدعوى جدلا فقهيا وقضائيا بخصوص طبيعتها واعتبار أن إدارة الجمارك ليست مجرد طرف مدني يهدف من خلال الإجراءات التي يقوم بها والطلبات التي يتقدم بها إلى تحصيل الحقوق والرسوم الجمركية، بل هي فوق هذا جهة أو طرف يسعى إلى تحقيق أهداف أخرى تتمثل في حماية الاقتصاد الوطني والمحافظة على النظام العام والصحة العامة ومكافحة التهريب والجريمة العابرة للحدود حفاظا على المصلحة العامة ككل وليس من أجل المصلحة الخاصة فحسب كطرف خاص. مما جعل القضاء يرفض إضفاء الطابع المدني للنقص على دعوى إدارة الجمارك معتبرا إياها دعوى من نوع خاص وكلا الدعويين مستقلتين عن بعضهما ([7])، كما قضت محكمة النقض الفرنسة فى قرار آخر بأنه ليس من الجائز تشبيه دعوى إدارة الجمارك لتطبيق العقوبات المالية في الدعوى المدنية المنصوص عليها المادتين 2 و 3 من القانون الجمركي أو الخلط بينهما، هذا بصرف النظر عما تنعت به إدارة الجمارك خطأ بصفة الطرف المدني([8]).
بل واتجهت في قرارات أخرى إلى اعتبار الدعوى الجنائية دعوى عمومية ذات طبيعة خاصة وعلى هذا الأساس قضي بقبول استئنافها في أوامر قاضي التحقيق ضمن نص نفس الشروط ونفس الآجال المقررة للنيابة العامة باعتبار أن إدارة الجمارك تمارس الدعوى الجنائية بالدرجة الأولى وليست بصفتها طرف مدني.
المطلب الثاني: المحكمة المختصة
نص الفصل 214 على أنه “مع مراعاة أحكام الفصل 257 مكرر بعده تغلب على الغرامات الجنائية المنصوص عليها في هذه المدونة صبغة تعويضات مدنية، غير أنها تصدر عن المحاكم الزجرية ويجب الحكم بها في جميع الحالات ولو لم تلحق الافعال المرتكبة أي ضرر مادي بالدولة.”
إذا كانت القضية معروضة أمام المحكمة العسكرية جاز للإدارة أن تقدم طلب التعويض إلى محكمة مدنية. وينص الفصل 252 على انه “ترفع الجنح والمخالفات الجمركية إلى المحاكم وفقا للقواعد العادية، غير أن المحاكم المرفوعة إليها الدعوى قبل فاتح ماي 1984 تضل مختصة وفقا للنصوص المطبقة قبل هذا التاريخ.”
انطلاقا من هذين النصين يتبين بأن الاختصاص ينعقد للمحاكم العادية حيث ترفع إليها الجرائم الجمركية وفق القواعد العامة([9]). وطبقا للقواعد الاختصاص المكاني فالمحكمة المختصة هي محكمة محل ارتكاب الجريمة أو محل إقامة المتهم أو إلقاء القبض عليه.
وقد أثير إشكال أثناء قيام إدراك الجمارك ببعض أعمال الحجز وضبط الجرائم حيث في هذا الصدد صدرت عدة قرارات عن المحاكم الإدارية وأبقته للمحاكم الزجرية العادية ومنها:
حكم المحكمة الإدارية بوجدة صرح بعدم اختصاص المحكمة الإدارية في طلب يهدف إلى الحكم برفع الحجز عن السيارة التي قامت بحجزها إدارة الجمارك بعلة أن صاحبها ضبط وهو يحاول استيرادها بدون تصريح بعد أن كان قد غادر التراب الوطني وحرر له محضر وأقيمت ضده دعوى معللة حكمها بكون هاته الأعمال تدخل في إطار الضبط القضائي وتخضع لمراقبة النيابة العامة. ([10])
امر استعجالي صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء مفاده أن القاضي الإداري لا يكون مختصا بمراقبة أعمال الإدارة التي تدخل في نطاق الشرطة القضائية وأن تقديم الطلب لرفع الحجز الذي قامت به مصلحة الجمارك في هذا النطاق مقدم إلى جهة غير مختصة. ([11])
وتبقى المحاكم الإدارية مختصة في المنازعات ذات الطابع المدني والمتمثلة في مجموع المنازعات الناشئة عن تطبيق الإدارة للقوانين التي لا تنص مقتضياتها على عقوبة زجرية فهي تضم منازعات تحصيل ديون الدولة والمتمثلة في الرسوم الواجب تحصيلها من طرف الإدارة ثم منازعات المسؤولية ثم منازعات المسؤولية وهي تضم منازعات مسؤولية الإدارة عن أعمال موظفيها ومصالحها. ([12])
المبحث الثاني: المصالحة ومدى انسجامها مع العدالة القانونية
تحتل المصالحة صدارة أسباب انقضاء الدعوى الزجرية حيث أولى لها قانون الجمارك عناية خاصة، نظرا لما تترتب عليها من نتائج بالغة. فهي لا تعتبر بديل وسبب من أسباب انقضاء الدعوى بل تكون فيه إدارة الجمارك طرفا وقاضيا في أن واحدا بعيدا عن أي رقابة قضائية لذلك نتساءل حول أحكام المصالحة التي تنظمها من جهة وما مدى تأثر الأحكام على العدالة القانونية من جهة أخرى.
المطلب الأول: أحكام المصالحة الجمركية
يقتضي الحديث عن أحكام المصالحة التطرق لمفهومها وأطرافها من جهة وأثارها من جهة ثانية.
الفقرة الأولى: مفهوم المصالحة الجمركية وأطرافها
أولا: مفهومها
يعرف الصلح وفق الفصل 1098 من ظهير قانون الالتزامات والعقود بأنه” عقد بمقتضاه يحسم الطرفان نزاعا قائما أو يتوقعان قيامه وذلك بتنازل كل منهما للآخر جزءا مما يدعيه لنفسه أو بإعطائه مالا معينا او حقا”. ومدونة الجمارك بقدر ما نظمت المصالحة في الفصول من 273 إلى 277 فهي لم تعط تعريفا لمعنى المصالحة. ونجد بعض الفقه يعرفها “بأنها عقد يحسم به الطرفان بموجبه النزاع القائم بينهما أو يمنعان حصوله بالتساهل والدافع هو تحاشي الخصومة أمام القضاء توقيا لإجراءاتها الطويلة وما يلحقها من نفقات أو العزوف عن التقاضى خشية خسارة الدعوى أو تفاديا من العلانية والتشهير”([13]). وعرفها بعض الباحثين “بأنها وسيلة تمنح للإدارة فض النزاع سواء قبل الحكم أو بعده”([14]). ورغم توحد التعريفات في هدف المصالحة الذي هو إنهاء النزاع، إلا أنه اختلف في طبيعتها القانونية حيث اعتبرها بعض الفقه عقد إداري كون أحد عناصرها شخص عام في حين اعتبره اتجاه ثاني بأنه عقد ملزم للجانبين فضعف مركز الملزم لا ينفي عن التصرف صفة العقد لأنه يشبه عقد الإذعان فهو ملزم للجانبين فمقابل التزام المتابع بأداء مبلغ معين فإن الإدارة تتنازل عن المتابعة ([15]). ولمنع إثارة الإشكالات في هذا الجانب فقد تدخل المجلس الأعلى بقرار اعتبر فيه أن العقد المبرم بين الإدارة والأغيار هو عقد رضائي خاضع للقانون المدني([16]).
ثانيا: أطراف المصالحة
تنص الفقرة الأولى من الفصل 273 من القانون الجمركي على “أن الإدارة قبل حكم نهائي أن تصالح الأشخاص المتابعين من أجل أفعال مخالفة للقوانين والأنظمة الجمركية”.
من هذه الفقرة يتبين بأن أطراف المصالحة هما الإدارة والأشخاص المتابعين وبالإطلاع على بعض عقود المصالحة نجدها تبرم بين الامر بالصرف كممثل للإدارة على مستوى المصالح الخارجية، ولا تصبح المصالحة نهائية إلا بعد المصادقة عليها من طرف الوزير المكلف بالمالية أو من طرف مدير الإدارة ([17]). إلا انه على مستوى الواقع العملي نجد مدير إدارة الجمارك يفوض التوقيع لبعض الأطر في المصالح الخارجية تجنبا للبطء والتعقيدات المسطرية ([18]). وتعد المصالحة بمثابة تنازل عن الطلب وتتمتع إدارة الجمارك بسلطتها الواسعة في استعمال المصالحة بعيدا عن أي رقابة قضائية، إضافة إلى الإدارة هناك طرف آخر وهو المتابع أو الأشخاص المتابعين وقد يكونوا فاعلين أصليين أو مساهمين أو مشاركين. ([19])
هذا ولابد أن نشير إلى أنه اختلف الفقه في المتابع الذي يجب أن يتمتع بحق المصالحة فبالنسبة للأشخاص الذين صاروا محترفين وتنطبق عليهم حالة العود فبعض الفقه ([20]) أجاز لهم الحق في الصلح وذلك لزيادة الموارد المالية لدولة في حين يعارض هذا الرأي فقه آخر([21]).
ويرى بأن العائد المادي لجرائم التهريب مثلا يحقق أرباح كبيرة نتيجة التملص من أداء الرسوم الجمركية ومادام أن المتهم مصر على الإضرار بمصالح الدولة الاقتصادية بالعود إلى ارتكابه الجريمة فيجب الا يستفيد من نظام الصلح. إلا أنه يجب الإشارة إلى أن الإدارة الجمركية ممثلة في المصلحة الخاصة من المصالحة سواء على مستوى المصالح الخارجية أو المركزية ووفق نصوص تطبيقية فسقف المصالحة يرفع في حالة العود وذلك باختلاف نوع الجريمة ([22]). كما يرفع سقف المصالحة بين ما إذا تمت المصالحة قبل رفع الدعوى أو بعد رفعها أو وصولها لمحكمة الاستئناف ([23]).
الفقرة الثانية: آثار المصالحة
يميز في آثار المصالحة بين آثارها على طرفيها وعلى الغير.
أولا: آثار المصالحة على أطرافها
يجب التمييز بين حالتين وهما آثار المصالحة قبل صدور الحكم النهائي وبعد صدوره ففي حالة إجراء المصالحة قبل صدور حكم نهائي فالأثر المترتب هو انقضاء الدعوى سواء الجبائية أو العمومية وهذا ما تنص عليه الفقرة الثانية من الفصل 276([24]) والفقرة الثانية من الفصل 273.
وعليه يتمتع القرار المكرس للمصالحة بحجية الشيء المقضي به وذلك قبل صدور حكم نهائي أي حكم غير قابل للطعن فيه. لذلك فالشخص المتابع لا يمكن متابعته، وفي حالة عرض القضية أمام جهة من جهات الحكم فيصدر في شأنها حكما بانقضاء الدعوى العمومية بفعل انعقاد المصالحة الأمر الذي يختلف عن الحكم بالبراءة. ([25])
وفي حالة إجراء مصالحة بعد صدور حكم نهائى فإنه وحسب الفقرة الأولى من الفصل 273 فلا تسقط عقوبة الحبس والتدبير الوقائي الشخصي المنصوص عليه في الفقرة 1 من الفصل 220 أعلاه وهذا بخلاف المشرع المصري الذي ينص في الفصل 124 من قانون الجمارك المصري على أنه:“ يترتب على التصالح انقضاء الدعوى العمومية أو وقف تنفيذ العقوبة الجنائية وجميع الآثار المترتبة على الحكم حسب الحال“.
ومقابل الصلح الذي يستفيد منه المتابع يلتزم هذا الأخير بدفع مقابل مالي الذي يتوقف عليه الأثر الناقل للمصالحة. ([26])
ثانيا: آثار المصالحة بالنسبة للغير
للمصالحة الجمركية أثر نسبي حيث تقتصر آثارها على أطرافها وعليه لا ترتب أي أثر على الغير فلا يستفيد مها الأشخاص الذين شاركوا المتهم في ارتكاب المخالفة ولا تشكل المصالحة التي تتم مع أحد المخالفين حاجزا أمام متابعة الأشخاص الاخرين الذين ساهموا معه في ارتكاب المخالفة أو شاركوه هذا من جهة، ومن جهة ثانية فالمصالحة لا ترتب ضرر لغير عاقديها فإذا أبرم أحد المتهمين مع إدارة الجمارك مصالحة فإن شركاؤه لا يلزمون بما يترتب على هذه المصالحة من آثار في ذمة المتهم الذي أبرمها. ولا يمكن لإدارة الجمارك أن تحتج باعتراف المتهم الذي تصالحت معه بارتكاب المخالفة لإثبات إذناب شركائه.
المطلب الثاني: تقييم المصالحة من زاوية علاقتها بالعدالة القانونية
لم تحظ آلية المصالحة بإجماع الباحثين القانونيين بل تعرضت لانتقادات مختلفة والأمر لا يتعلق بالمصالحة في حد ذاتها بل بكيفية تنظيمها لذلك ارتأينا في هذا المطلب الحديث عن مبررات الفريق المدافع على هذه الآلية ثم المأخذ التي تعرضت إليها من طرف الفريق المنتقد لها.
الفقرة الأولى: مبررات المدافعين عن آلية المصالحة
يرى هذا الفريق ([27]) إ. ج. ض. غ. م تستفيد من عدة منافع ومزايا أكيدة من إجراء المصالحة مع مرتكب الجريمة الجمركية فهي تسمح بتخفيف الأعباء التي تقع على عاتق الإدارة كما يخفف على المحاكم كثرة الملفات المعروضة عليها. ويسمح لإدارة الجمارك تحصيل حقوقها بأكثر فعالية مقارنة بالطرق القضائية، فهي بإمكانها أن تصدر أوامر بالإكراه قصد تحصيل الرسوم والغرامات والمبالغ الأخرى المستحقة لها، وهي النجاعة والفعالية التي لا تتوفر في طرق التقاضبى التي تتسم بالبطء في الفصل في النزاعات ولا تضمن استرجاع هذه الحقوق نتيجة لانتشار ظاهرة عدم تنفيذ الأحكام القضائية.
كما أن جرائم الاقتصاد بصورة عامة والجريمة الجمركية على وجه الخصوص لا تماتل جرائم القانون الجنائي، حيث لا تعتبر انتهاك للنظام الاجتماعي بل تقتصر على مصالح الدولة وذمتها المالية وعلى هذا الأساس فتتميز غرامة المصالحة بطابع نقدى.
لهذه الأسباب وجدت المصالحة ترحيب المشرع الذى قام بتكريسها في القانون الجمركي وقانون الصرف وفي كثير من القوانين ([28]).
الفقرة الثانية: المآخذ التي انتقدت على أساسها المصالحة
يعاب على المصالحة على أساس أنها تسمح للإدارة التصرف بأساليبها الخاصة وذلك بالمقارنة مع أساليب وشفافية الجهاز القضاني التي تضمن طرق الطعن في قراراته وأحكامه وهناك من يرى أن المصالحة تحريض غير مباشر على انتهاك القانون بسبب أن الوفاء بمبلغ المصالحة يمثل مجرد تسديد رسم التحايل على القانون. كما يتساءل بعض الباحثين أن كثير من الجرائم لا يتم إبرازها إلى الوجود فكيف يمكن معرفة نسبة هاته الجرائم المتصالح شأنها وأين حق الدولة في العقاب ([29]). إضافة إلى ذلك فالعدالة تنبع من حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة وهذا ما يغيب في المصالحة، فالإدارة هيئة غير متخصصة في المادة القانونية وهي جهاز لا ينتمي إلى القضاء، فهي غير ملزمة بالشكلية المتطلبة قانونا كقرينة البراءة وحقوق الدفاع. إن إدارة الجمارك سلطة تنفيذية وتقوم بفرض العقاب وتكييفه وفقا لظروف المخالف، كما أن المصالحة تتم في مكاتب مغلقة مما يضرب مبدأ العلانية([30]) وبعكس المشرع الفرنسي الذي نص بضرورة تولي هينة قضائية لمراقبة هاته الإجراءات بالإضافة إلى استيفائها لجميع شكلياتها. ومفهوم الردع العام لا يحقق في هاته الجرائم الجمركية مادام الجاني يعرف مسبقا أنه سوف يتصالح مع الإدارة وهذا يمس بحق الدولة في العقاب.
إن نظام المصالحة لا يحقق المساواة بين الناس إذ يستطيع الأثرياء دفع ثمن لحريتهم ولا يكون للفقراء من وسيلة لتجنب الم العقوبة، فالمصالحة لا تعتبر بديلا حقيقيا في المادة الجنائية الجمركية كما أنها لا تعتبر آلية لفض المنازعات الجمركية بل هي تعبر عن ظهور وسيلة جديدة لتنظيم اجتماعي ربما يؤول الأمر إلى إعادة الهيكلة القائمة بين المجتمع وإدارة الجمارك فهاته الأخيرة لا ترتكز مشروعيتها عن الدفاع عن الحق العام ولا على أي منطق قانوني كما أنها لا تحقق التوازن بين الطرفين المتنازعين الفرد وإدارة الجمارك ولم تلق إجماعا في عالم القضاء باعتبارها تمس أهم المبادئ الأساسية في السياسة الجنائية هي مبدأ المحاكمة العادلة.
[1] الفصل 3 من ق م ج.
[2] انظر الفصل 249 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة.
[3] عبد الوهاب عافلاني: مرجع سابق، ص: 189 حكم جنائي عدد 442 – 19 مارس 1990 اعتبر ان إدارة الجمارك حكم مدني غير عادي منشور بمجلة المحاكم المغرية عدد 88 ص 36.
انظر بهذا الصدد احسن بوسقيعة: الطبيعة القانونية للدعوى الجنائية مجلة الجمارك عدد خاص مارس 1992.
[4] Art 343 – 1 L’action pour l`application des peines et exercée par le Ministre Public.
a – L’action pour 1`application des sanctions fiscales est exercée par 1’administration des douanes : le ministere public peut l’exercer accessoirement à I`action public.
[5] يرى بعض الباحثين أن تحريك الدعوى بواسطة شكاية فهم خاطئ للقانون، بل بجب استعمال عبارة طلب كتابي في تحريك الدعوى العمومية في الجرائم الجمركية نظرا لطابعه الإلزامي ونظرا لأنه يصدر عن جهة إدارية ويتعلق بمصلحة عمومية وإن كان في الظاهر مصلحة خاصة بتلك الإدارة فقط، لكنها ترتبط بالاقتصاد الوطني ككل. عبد الوهاب عافلاني، م.س. ص: 191.
[6] لمعرفة هذه الإجراءات: نظرا الجيلالي القددومي، إشكالية دعوى الجمارك، المجلة الالكترونية لندوات محاكم فاس عدد خاص عن مدونة الجمارك العدد الثالث يناير 2000، ص:54.
– أحسن بوسقيعة، م س، ص : 202 وما بعدها.
[7] Cass crim 20 novembre 1978 Bull crim n° 319قرار محكمة النقض الفرنسية أشار إليه حسن بوسقيعة: المنازعات الجمركية، مرجع سابق، ص: 212.
[8]cass crim 15 janvier 1981 Doc cont n° 1697 قرار محكمة النقض الفرنسية أشار إليه احسن بوسقيعة: المنازعات الجمركية، مرجع سابق، ص: 212.
[9] الفصل251 من قانون المسطرة الجنائية المغربي.
[10] حكم المحكمة الإدارية بوجدة عدد 841/96 ملف رقم 207/95 صادر بتاريخ 02/10/1996.
[11] أمر استعجالي صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بالبيضاء، ملف رقم 325 بتاريخ 28/11/1995 منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية، والتنمية عدد21 للمحاكم الإدارية.
[12] للمزيد من التوسع حول الاختصاص الادارى في القضايا الجمركية انظر محمد الأعرج: الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية في المنازعات الجمركية مقال منشور بمجلة المعيار عدد 33 يونيو، 2005، ص: 81 وما بعدها.
[13] محمد الأعرج مقال بعنوان: الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية في المنازعات الجمركية، م .س. ص 84.
[14] Moulay Larbi El Arbi El Alaoui, op.cit.Tl,p:296.
للتوسع انظر في هذا الصدد عبد الرحمان عده السياسة الجنائية الجمركية رسالة لنيل دبلوم الدراسات المعمقة، جامعة عبد المالك السعدي، طنجة، 2005 – 2006، ص 131 وما بعدها.
[15] نتيجة نغار: المصالحة الجمركية في القانون الجزائرى مقالة منشورة، مجلة المدرسة الوطنية للإدارة العدد 24، 2002، ص: 14 -15.
[16] قرار المجلس الأعلى عدد 8/1002 بتاريخ 20/03/2003 غير منشور
” وتتلخص وقائع هذا القرار أنه بتاريخ 13/02/1997 قامت مصلحة الشرطة بمطار المسيرة بضبط المسمى (ع.غ) أثناء تأهبه لمغادرة التراب الوطني وبحوزته ثلاث شيكات معبر عنها بالدرهم كان يحاول تصديرها. وقبل إحالة القضية على المحكمة المختصة تم إنهاء النزاع عن طريق إبرام صلح مع السيد (ع غ) إلا ان الإدارة فوجنت بالمعني بالأمر يرفع دعوى الإلغاء للصلح المذكور أمام المحكمة الإدارية بأكادير مدعيا الشطط في استعمال السلطة. وكان منطوق الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية باكادير تحت رقم 34 بتاريخ 20/05/1999 (في الملف دعوى الإلغاء عدد 35/97). رد الدفع بعدم الاختصاص والتصريح بانعقاد الاختصاص لهذه المحكمة للبث في الدعوى وبإرجاع الملف للمقرر لمواصلة الإجراءات نسخة من هذا الحكم للأطراف. وقضى المجلس الأعلى بإلغاء الحكم المستانف وتصديا بعدم الاختصاص للمحكمة الإدارية للبث في الطلب. حيث علل بأن عقد الصلح المبرم بين المستأنف عليه والمستأنفة هو عقد رضاني تخضع النزاعات المتعلقة بإبرامه وتنفيذه لمقتضيات القانون المدني ولا يعتبر في شيء قرار إداري قابلا للطعن بالإلغاء كما ذهبت على ذلك خطا المحكمة الإدارية الشىء الذي يعني أنها غير مختصة للبث في الدعوى الحالية.”
[17] الفصل 275 من مدونة الجمارك
[18] أنظر الملحق رقم 2 يتضمن إحدى نماذج عقود المصالحة وأطرافها.
[19] إبرام عقد المصالحة يتم بين الأب أو الوصي إذا كان المتابع قاصر، ويبرم مع السنديك إذا كانت المقاولة تعاني من صعوبات وإذا كان الشخص المتابع أمي يتوجب حضور شاهدين والممثل القانوني للشركات. كما يجوز حضور وكيل ينوب عنهم بمقتضى عقد مكتوب
La loi n°02-93promulgée par le dahir ,° 1-00-222 du 05 juin 2000
Note n° 444/421 du 08/01/08 fixant le barème des règlements transactionnels tel que modifié et complète
[20] أحمد فتحي السرور : الجرائم الضريبية والنقدية، ص 264
[21] نبيل لوقابياوي: الجرائم الجمركية، ص: 479
[22] 100% à la 2ème fois et en cas de délit de contrebande
50% à la 2ème fois et 10% à la 3ème fois, en cas d’importation ou d’exportation sans ou avec support déclaratif
[23] لمعرفة السقف الذي تشتغل وفقه الإدارة في تسوية المنازعات عن طريق المصالحة، انظر الملحق رقم 3.
[24] تنص الفقرة الثانية من المادة 276: “إذا أوقع الصلح وصار نهائيا قبل الحكم النهائي تترتب عليه بالنسبة للأطراف المتعاقدة انقضاء دعوى النيابة العامة ودعوى الإدارة”.
تنص الفقرة الثالثة من الفصل 276: “إذا وقع الصلح وصار نهائيا قبل الحكم النهائي تترتب عليه بالنسبية للأطراف المتعاقدة انقضاء دعوى النيابة العامة.
[25] فتيحة النغار: المصالحة الجمركية في القانون الجزائري، م.س. ص :24 ومايليها.
[26] أحسن بو سقيعة : المنازعات الجمركية، م .س. ص : 297.
[27] أحسن بو سقيعة: المصالحة في المواد الجزائية بوجه عام وفي المادة الجمركية بوجه خاص الديوان الوطني للأشغال التربوية الجزائر ” 2001، ص : 12.
– Gassin Raymond : Transaction «encyclopédic Dalloz Répertoire de Droit Penal, p . 2.
[28] محمد أو هروش، عبد اللطيف بو علام : الآليات البدلية في التشريع المغربي عرض في مادة التحكيم الداخلى، قانون الأعمال والمقاولات، كلية الحقوق السويسي، الموسم الدراسي، 2007-2008.
[29] عبد الرحمان عدة: السياسة الجنائية الجمركية، م. س. ص : 124 .
نفس المرجع
[30] عبد الرحمن عدة: السياسة الجنائية الجمركية، م.س. ص :128.