ذ. أحمد بويحياوي
باحث في القانون العام
مقدمة
تكتسي سياسة إعداد التراب، أو سياسية تهيئة المجال – في عالم أصبح نصف سكانه يعيشون بالمدن – أهمية بالغة بل ودعامة أساسية للتنمية الشمولية والمتوازنة لكل مجتمع من خلال الاستخلاص العقلاني للمجال ([1]).
ولا يختلف اثنان في أن موضوع إعداد التراب أصبح محط اهتمام معظم الدول لما ينتج عنه من مشاكل وتعقيدات يستوجب حلها ضرورة التدخل عن طريق مجموعة من الإجراءات التي تشكل ما يصطلح عليه بالتعمير، باعتباره مجموع القواعد التي من خلالها يتعين على الجماعة باسم المنفعة العامة، وعلى الملاك باسم الدفاع عن المصالح الخاصة أن ينسقوا مواقفهم وأنشطتهم من أجل تهيئة الحاضرة ([2]).
وقد عرف المغرب أول تشريع له في التعمير مع صدور ظهير 16 أبريل 1914 والذي تم تعديله وتتميمه بعدة نصوص قانونية أبرزها ظهير 30 يوليوز 1952 المتعلق بالتعمير والذي تم تعديله وتغييره بظهير 17 يونيو 1992 الصادر بتنفيذه القانون 12/ 90.
ونظرا لشساعة الموضوع وتشعبه ارتأينا معالجته من زاوية رخص البناء وكذا وقف الأشغال والهدم ،، باعتبارها من أهم القضايا التي عرضت على القضاء الإداري بخصوص النزاعات المتعلقة بتطبيق قانون التعمير.
وقد كرست قرارات وأحكام القضاء الإداري وخصوصا أحكام المحاكم الإدارية منذ إحداثها مجموعة من القواعد والمبادئ بخصوص تطبيق مقتضيات قانون التعمير، ومن ثم حاول المشرع المغربي من وراء إحداث محاكم الأستئناف الإدارية توسيع نطاق الحماية القضائية للمتقاضين في هذا المجال. وبناء على كل ذلك، كيف تفاعلت محاكم الاستئناف الإدارية مع قرارات رخص البناء وقرارات وقف الأشغال والهدم؟ هل كرست نفس توجه المحاكم الإدارية، أم خلقت توجها ذاتيا يتماشى مع روح ومغزى إحداثها؟
هذه التساؤلات وغيرها سوف نحاول الإجابة عليها من خلال محورين اثنين، يتناول الأول الطعن في قرارات رفض الترخيص بالبناء، فيما يتناول المحور الثاني الرقابة القضائية على قرارات وقف الأشغال والهدم.
المبحث الأول: الطعن في قرارات رفض الترخيص بالبناء
تعتبر رخصة البناء من القرارات الإدارية التي تسمح للسلطات العمومية بالتوفر على المعلومات الضرورية حول كل مشروع بناء وذلك من أجل السهر على مطابقة البناء للقواعد القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل، وإذا كان قانون 12.90 المتعلق بالتعمير يخول لرؤساء الجماعات المحلية صلاحية تسليم رخص البناء، فإن طلبات الترخيص هاته قد لا يستجاب لها أحيانا إما صراحة (المطلب الأول) أوضمنا (المطلب الثاني).
المطلب الأول: حالة الرفض الصريح لطلب الترخيص بالبناء
يمكن للسلطات المختصة منح رخصة البناء بدون أي قيد أو شرط أو تحفظ بعد التأكد من أن الملف يحترم جميع النصوص والقوانين الجاري بها العمل غير أن الإدارة المحلية أحيانا قد تفسر تلك القوانين والنظم تفسيرات غير تلك التي أرادها المشرع فيكون مصير قراراتها الإلغاء.
ففي قضية الحسين العثماني ومن معه رفض رئيس المجلس البلدي لتمارة منح رخصة البناء معللا الرفض الصريح لطلب الترخيص بالبناء بكون القطعة الأرضية للطاعن تتواجد داخل تجزئة عقارية لم تنتهي بها الأشغال بعد، ذلك أن تسليم رخصة البناء متوقف أساسا على حصول تسليم التجزئة. وأنه ليس من المنطق أن يتم الترخيص بشكل انفرادي لكل من تقدم بطلب الترخيص بالبناء قبل أن تسلم رخصة التسليم لصاحب التجزئة.
غير أن محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط ([3]) ، قضت بتأييد الحكم المستأنف الصادر عن إدارية الرباط ([4]) والقاضي بإلغاء القرار الإداري الصادر عن رئيس المجلس البلدي لتمارة، بعد أن تم تجهيز التجزئة بكاملها وشيدت عدة منازل فوقها باستثناء المستأنف عليه.
نفس التوجه أقرته محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط ([5]) بين المستأنف رئيس المجلس الجماعي لمدينة الجديدة والمستأنف عليهما أحمد خليل ومن معه، حيث يعيب المستأنف الحكم المستأنف بعدم ارتكازه على أساس لما قضى بقبول الطلب رغم خرقه مقتضيات الفصل 48 من قانون التعمير، كما يعيبه بمجانبته للصواب لما قضى بإلغاء القرار المطعون فيه باعتبار أن المنطقة والرسم العقاري موضوع النزاع أصبح محطة طرقية والتي تم توسيعها لتشمل عقار المستأنف عليهما، غير أن محكمة الاستئناف قضت بعدم قبول الطلب بعلة أن المادة 27 من قانون التعمير تقضي بأنه إذا لم يتم نشر النص القاضي بالمصادقة على مشروع تصميم التهيئة خلال أجل 12 شهرا يبتدئ من تاريخ اختتام البحث العلني المتعلق به فإن أحكام المشروع تصير غير لازمة التطبيق، إلا أنه لم يتم الإدلاء بالنص القانوني المتعلق بالمصادقة على تصميم التهيئة داخل الأجل المنصوص عليه في المادة 27 أعلاه مما يبقى القرار المطعون فيه قد بني على سبب لا وجود له أساسا ويبقى متسما بتجاوز السلطة لعيب السبب، ويكون السبب المعتمد في هذا الصدد غير جدير بالاعتبار والحكم المستأنف لما قضى بإلغائه صائبا وواجب التأييد.
مما سبق يتضح أن القاضي الإداري لا يسلط رقابته على الوقائع من الناحية المادية البحتة فقط وإنما تكون رقابته من الوجهة القانونية كذلك عن طريق إجراء مقابلة بين السبب المادي والقاعدة القانونية، ويعمل أيضا للوصول إلى التفسير الحقيقي الذي تقدمه الإدارة للقاعدة القانونية من الأسلوب الذي اتبعته في تطبيقها، وينتهي بعد التحقق من الوجود المادي للواقعة إلى البحث عن مدى قانونيتها وهل يصح أن تتخذها أساسا لقرارها المطعون فيه ([6]).
المطلب الثاني: حالة الرفض الضمني لطلب الترخيص بالبناء
من المسلم به أن سكوت الإدارة عن الطلب الموجه إليها من أجل الحصول على قرار إداري معين كقاعدة عامة يعتبر رفضا ضمنيا بعد مرور أجل شهرين، إلا أن الأمر ليس كذلك في قرارات الترخيص بالبناء.
ويتجلى ذلك أساسا من خلال منطوق المادة 48 من قانون 12.90 والذي تنص صراحة على أنه “في حالة سكوت رئيس مجلس الجماعة تعتبر رخصة البناء مسلمة عند انقضاء شهرين من تاريخ إيداع طلب الحصول عليها”.
كما أن المادة 7 من ظهير 25 يونيو 1960 المتعلق بتنمية العمارات القروية نصت على أنه “في حالة سكوت الإدارة فإن رخصة البناء تعتبر ممنوحة بعد انصرام أجل شهرين يبتدئ من تاريخ إيداع طلب الحصول على رخصة البناء وتسليم وصل بذلك”.
إلا أنه إذا كان غرض المشرع من هذا المقتضى القانوني هو البت في طلبات الترخيص بالبناء بسرعة، قصد تشجيع الاستثمار، فالواضح أن هناك عدم فهم لهذا المقتضى سواء من جانب الإدارة المكلفة بالتعمير، أو من جانب حتى الأفراد، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته على مستوى الأحكام والقرارات القضائية التي صدرت في الموضوع.
ففي قضية عرضت على إدارية مراكش بين المحجوب هضمي وجماعة أسفي الداودية حيث لم يجب رئيس هذه الأخيرة على طلب البناء المقدم له داخل أجل شهرين فما كان من المدعي إلا أن تقدم بطلب تعويض عن الضرر اللاحق به من جراء ما اعتبره رفضا ضمنيا لطلبه، بينما اعتبرت المحكمة الإدارية أن مرور أجل شهرين على تقديم الطلب المذكور يعتبر ترخيصا ضمنيا بالبناء وليس رفضا له، الشيء الذي رفضت معه الطلب ([7]).
نفس التوجه أقرته محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط ([8]) بين عبد الحي اليسيني ضد الجماعة الحضرية بفاس ومن معها، “حيث إن المشرع تكفل بالتسليم الضمني للرخصة طبقا للمادة 48 من قانون التعمير 12.90، فكان على المعني تفعيل هذا المقتضى ولا يراجع القضاء إلا بعد إيقاف أشغاله من الجهة المختصة، وهو الشيء الذي لم يسلكه المستأنف مما تكون دعواه الحالية غير مقبولة، وحيث يتعين تأييد الحكم الابتدائي بهذه العلة”.
إلا أنه من الناحية العملية يتوجب على صاحب الرخصة أن يشهر رخصته في لوحة خاصة تعلق على العقار المعني، وبالتالي فإذا كانت الرخصة الضمنية لا تمنح بموجب قرار أو رسالة فإنه يصعب على المستفيد من هذه الرخصة تقديم الحجة لمراقبي البناء عند قيامهم بمراقبة الأوراش والبنايات الذين عادة ما يكونوا لا يفقهون شيئا في حالة الرخصة الضمنية، بل يعتبرون البناء بدون رخصة.
المبحث الثاني: الرقابة القضائية على قرارات وقف الأشغال وقرارات الهدم
يواجه الفضاء الحضري تحديات متزايدة ترتبط أساسا بالانفجار العمراني والنمو الديمغرافي المتزايد وبظاهرة التمدن السريع الذي أدى إلى استفحال وانتشار البناء غير القانوني (العشوائي) بسبب مخالفة قوانين التعمير، لذلك فإن صلاحيات السلطة الإدارية واسعة النطاق في هذا المجال، إذ يحق لها هدم البناية الغير مستوفية للشروط القانونية أو الأمر بإصلاحها أو ترميمها ([9])، إذن فملامستنا لهذا المبحث ستكون مقتصرة على دور القاضي الإداري في مراقبة مشروعية قرارات وقف الأشغال والهدم.
المطلب الأول: الرقابة القضائية على قرارات وقف الأشغال
لقد حدد المشرع الإجراءات المسطرية التي يجب على الإدارة إتباعها خلال معاقبة المخالف حتى لا تخرج قرارات الهدم عن إطارها الشرعي، وذلك بإصدار قرار وقف الأشغال من طرف الجهة المختصة وهو بمثابة إنذار للمخالف بإعادة الأمور إلى حالتها الأولى أو إنذاره بتعديل البناء حتى يصبح قانونيا طبقا للرخصة المسلمة إليه.
ويجب الإشارة إلى أن هناك فرق بين قرارات وقف الأشغال التي يصدرها رؤساء المجالس الجماعية طبقا للمواد 65 و 67 من قانون 12.90 – خاصة عندما يتعلق الأمر بالأبنية التي تتم إقامتها بدون ترخيص قانوني أو بدون أي احترام لمقتضيات هذا الترخيص في حالة وجوده – وبين تلك التي يصدرها عامل العمالة أو الإقليم في إطار الضوابط المنصوص عليها في المادة 71 من قانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم الأراضي.
وإذا كانت أهمية هذه القرارات تتمثل في زجر المخالفات في بداية البناء فإن التساؤل الذي يطرح نفسه هل هي قرارات ممهدة لاتخاذ الإجراء الملائم أو لنوعية المخالفة المرتكبة والتي قد تؤدي إلى صدور قرار بالهدم؟ وهل هي قابلة في حد ذاتها للطعن فيها بالإلغاء للتجاوز في استعمال السلطة؟
لقد أصدرت محاكم الاستئناف الإدارية عددا من القرارات التي بتت في مشروعية هذه القرارات ومدى سلامتها القانونية، حيث ذهبت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط ([10]) في دعوى بين شركة سوكوديم البناء والتنمية ضد الجماعة الحضرية لمدينة الجديدة بإلغاء حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء والتصدي بالحكم بالإلغاء في قرار وقف الأشغال عدد 3356 المؤرخ في 15/ 8/ 2007 القاضي بإيقاف تنفيذ مشروع سياحي ياسمين، وذلك لتعسف المصالح الإدارية وعدم ارتكاز القرار المطعون فيه للتجاوز في استعمال السلطة على أي أساس. “وحيث إنه من جهة ثالثة فإن قرار إيقاف البناء المطعون فيه جاء محصورا في الأشغال موضوع الرخصة رقم 376/ 07 بتاريخ 24/ 4/ 2007 المتعلق ببناء إقامة سياحية ياسمين دون البناء موضوع الرخصة الثانية 375/ 07 بتاريخ 24/ 4/ 2007 المتعلق ببناء الفندق بينما إيقاف الأشغال شمل المشروع برمته حسب ما يستفاد من وثائق الملف وإفادة البحث المجرى في القضية مما يبقى معه القرار المطعون فيه غير مرتكز على سبب صحيح وجاء متسما بالتجاوز في استعمال السلطة وواجب الإلغاء والحكم المستأنف لما قضى خلاف ذلك كان في غير محله ويتعين إلغاؤه”.
وبالتالي نخلص إلى أن القاضي الإداري له دور ذو طبيعة مزدوجة، فمن جهة يقوم بحماية الأفراد من شطط الإدارة في استعمال السلطة باعتبار أن القاضي الإداري هو ضامن حقوق الأفراد في اتجاه الإدارة، ومن جهة ثانية فهو يعتبر كرادع للمخالفين والخروقات التي يعرفها مجال التعمير والبناء من خلال التصريح بشرعية بعض قرارات وقف الأشغال.
وهذا يقودنا إلى التساؤل عن كيفية تعامل القاضي الإداري على مستوى محاكم الدرجة الأولى مع قرارات وقف الأشغال؟
لقد سارت محاكم الدرجة الأولى على نهج محاكم الاستئناف الإدارية، ذلك أن كل مخالفة للضوابط المقررة قانونا يؤدي إلى إيقاف الأشغال، فإذا كانت إدارية أكادير ([11]) قد اعتبرت أن إيقاف الأشغال من القرارات الممهدة وبالتالي لا تقبل الطعن، فإن أغلب المحاكم الأخرى كالمحكمة الإدارية بالرباط ([12]) اعتبرت أن قرارات إيقاف الأشغال وإن كانت مجرد إجراء احترازي الهدف منه تفادي التمادي في المخالفة المرتكبة من طرف المخالف في انتظار اتخاذ القرار الملائم فإنه بالنظر لخطورة هذه القرارات وما يمكن أن يترتب عنها من مساس واضح بالمراكز القانونية والمادية للأطراف فإنها تبقى ذات صبغة تنفيذية، وبالتالي مستجمعة لعناصر ومقومات القرار الإداري وقابلة من تم للطعن فيها بالإلغاء اعتبارا للآثار الخطيرة التي يمكن أن تترتب عنها.
ومن جهة ثانية فإنه إذا تبين أن القرار الإداري القاضي بإيقاف الأشغال جاء معللا ومبينا للمخالفات المرتكبة فإن القاضي الإداري لا يتوانى عن رفض طلب إلغائه، وبذلك فقد قضت إدارية البيضاء ([13]) برفض طلب المدعية الذي يرمي إلى الحكم بإلغاء قرار عامل عمالة مقاطعة الحي الحسني عين الشق القاضي بإيقاف أشغال البناء لعدم ارتكازه على أي أساس قانوني، “وحيث إنه واستنادا لما ذكر تكون الطاعنة في موضع المخالف لقانون التعمير والبناء حسب الثابت من تقرير الخبرة، الأمر الذي يكون معه طلبها غير مرتكز على أساس قانوني وواقعي سليم مما يناسب التصريح برفضه”.
ومن تم نخلص إلى أن القاضي الإداري على مستوى درجتي التقاضي موضوع الدراسة وبالخصوص على مستوى هذا النوع من القضايا لا يخرج عن التطبيق الحرفي للنصوص الموجودة لاغير، فكيف تعامل إذن مع قرارات الهدم؟
المطلب الثاني: الرقابة القضائية على قرارات الهدم
إذا كانت المخالفة المرتكبة تتمثل في القيام ببناء من غير الحصول على ترخيص سابق أوفي منطقة غير قابلة للبناء طبقا للضوابط المعمول بها قانونا أو كان البناء غير مطابق للترخيص الممنوح للمعني بالأمر، سواء من حيث عدم تقيده بالعلو المسموح به أو بالأحكام أو المواقع المأذون فيها أو بالمساحة المباح بناءها أو بالضوابط المتعلقة بالبناء واستقراره أو بالأحكام التي تحضر استخدام بعض المواد أو استعمال بعض الطرق في البناء أو بالغرض المخصص له البناء حسب المادة 68 من قانون 12.90، فإن قرار الهدم قد يكون ذو طابع قضائي يصدر عن القضاء الجنحي المتابع أمامه مرتكب المخالفة المنصوص عليها في المادة 66 من قانون 12.90، وقد يكون ذو طابع إداري يصدر مباشرة من والي الجهة أو عامل العمالة أو الإقليم، إما بصفة تلقائية أو بطلب من رئيس الجماعة، وإذا كان القرار أو الأمر لا يقبل في الحالة الأولى الطعن بالإلغاء أمام جهة القضاء الإداري – استنادا لمبدأ الفصل بين السلطات الذي لا يجيز لجهة قضائية أن تبث في اختصاص جهة قضائية أخرى -، فإنه في الحالة الثانية كافة القرارات التي تصدر في هذا الصدد إلا وتكون قابلة للطعن أمام المحاكم الإدارية المختصة.
وقد أثيرت في هذا الخصوص العديد من القضايا الإدارية كان موضوعها الطعن في مشروعية قرارات الهدم التي تصدرها السلطة الإدارية المكلفة بالتعمير، اتخذت أوجه متعددة وجاءت مؤسسة على عدة وسائل واختلفت الدفوع بحسب معطيات وظروف كل نازلة معروضة على أنظار محاكم الاستئناف الإدارية، وبالتالي ارتبطت جل الطعون حول ما إذا كانت الجهة التي أصدرت القرار مختصة أصلا باتخاذه أم لا، وكذا مدى مشروعية هذا القرار وكونه جاء قائما على سبب صحيح يبرره.
وفي هذا الإطار جاء في قرار لمحكمة الاستئناف الإدارية بمراكش ما يلي “وحيث لما كان من الثابت من ظاهر مستندات القضية فالشركة المستأنفة تعتمد كوسائل الطعن في قرار الهدم المطعون فيها هدم البنايات المأمور بهدمها وكذا خرق الشكليات الواجبة بمقتضى قانون التعمير وهو ما يعتمده بتوفر عنصر الجدية المطلوب للحكم استثناءا بوقف تنفيذ القرار المذكور فانه بالرجوع إلى ظاهر وثائق الملف ولاسيما محضر المعاينة المخالفة والوسائل المذكورة المعتمدة في دعوى الإلغاء يتبين أنها لا تتسم فعلا بالجدية المطلوبة مادام يبدو انه لا يوجد ما يفيد أن هناك ترخيصا مسبقا بالبناء من قبل مما تنتفي معه الظروف الاستثنائية التي تبرر الاستجابة لطلب إيقاف تنفيذ القرار الإداري”.
ومن خلال هذا القرار يتضح أن محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش قد استبعدت إيقاف تنفيذ القرار الإداري نظرا لخرق الشركة لشكليات قانون التعمير ومن تم سيتم تنفيذ قرار الهدم عليها.
وفي قرار آخر لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط ([14]) والتي قامت بتأييد حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بإيقاف تنفيذ قرارا الهدم “حيث يعيب المستأنف الحكم المستأنف بمجانبته للصواب ذلك أن المحكمة قضت بإيقاف تنفيذ قرار الهدم رغم أن البناء المراد هدمه تم خرقا لقانون التعمير ولتصميم التهيئة لمدينة أبي الجعد، هذا فضلا عن عدم توفر الجدية في الطلب للاستجابة لطلب إيقاف تنفيذ القرارات الإدارية. .. توافر عنصر الاستعجال الذي يتمثل في الضرر الذي لا يمكن تداركه استقبالا وكذا عنصر جدية الوسائل المعتمدة في الطعن بالإلغاء والتي يرجح معها احتمال الحكم بإلغاء القرار المطعون فيه فإنه يكفي للاستجابة لطلب إيقاف تنفيذ قرار الهدم توفر عنصر الاستعجال لما قد يترتب عنه من أضرار ونتائج يصعب تداركها وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه إذا صدر الحكم بإلغاء القرار المطعون فيه”.
بيد أن ما تجب الإشارة إليه أنه بالرغم من وضع مقتضيات قانون 12.90 المتعلق بالتعمير بخصوص الجهة المختصة بإصدار قرار الهدم فإننا لازلنا نجد في بعض الحالات أن بعض الجهات الأخرى لا تزال تعمد إلى ممارسة هذا الاختصاص، حيث جاء في قرار لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط ([15]) “لا ينعقد اختصاص رئيس المجلس الجماعي لإصدار قرار الهدم وإنما يرجع في اتخاذه إلى عامل العمالة أو الإقليم طبقا للمادة 68 من القانون 12.90 المتعلق بالتعمير وإصدار قرار الهدم من طرف رئيس المجلس الجماعي يجعل هذا القرار متسما بعدم المشروعية ويشكل خطأ من جانب الجماعة يرتب مسؤوليتها عن الضرر اللاحق لصاحب المشروع الذي تشاركها بالتضامن الدولة المغربية باعتبار أن قرار الهدم كان بحضور السلطة المحلية وبأمر منها”.
وفي قرار أخر صادر عن محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط والذي أقر نفس المبدأ واعتبر أن القرار الصادر عن رئيس الجماعة المحلية الذي يهدف إلى هدم البناء متسما بتجاوز في استعمال السلطة لعيب عدم الاختصاص وجدير بالإلغاء على اعتبار أن الجهة المختصة بإصدار قرار الهدم هو عامل العمالة أو الإقليم أو والي الجهة أو بموجب حكم قضائي بناءا على شكوى يقدمها رئيس الجماعة إلى وكيل الملك بعد تحرير محضر إثبات مخالفة البناء وذلك عملا بمقتضيات المواد 686970 من قانون 12.90 المتعلق بالتعمير.
خاتمة
إن رقابة القاضي الإداري في مجال التعمير لن يخفي مجموعة من المثالب والثغرات لعل أبرزها حالات تداخل الاختصاص، مما يدفع البعض إلى اقتراح إحداث محاكم متخصصة في النزاعات العقارية بمختلف تصنيفاتها، أو على الأقل تحديد دقيق لاختصاص كل جهة وإحداث شعب أو غرف عقارية داخل المحاكم يتولاها قضاة ذوي خبرة ودراية بمواد التعمير.
كما يجب التفكير وبجدية في زيادة عدد محاكم الاستئناف الإدارية مما يسهل مأمورية المدعين.
[1]عبد السلام المصباحي “محضرات في إعداد التراب الوطني والتعمير” ط. الأولى 1997 ص: 1.
[2]نفس المرجع ص 46.
[3]قرار عد د 736 بتاريخ 26/ 4/ 2010. ملف عدد 413/ 08/ 6. غير منشور.
[4]حكم عدد 266 بتاريخ 10/ 3/ 1998. ملف عدد 169/ 96.
[5]قرار عدد 242 بتاريخ 11/ 2/ 2009. ملف عدد 51/ 08/ 5.
[6]الشريف البقالي “رقابة القاضي الإداري على مشروعية القرارات الصادرة في مجال التعمير”، ص 205.
[7]حكم عدد 48 بتاريخ 16/ 2/ 2000 ملف عدد 35/ 95 أورده محمد محجوبي في كتاب “قراءة عملية في قوانين التعمير المغربية”. ط 2006.
[8]قرار عدد 875 بتاريخ 5/ 6/ 2009 ملف عدد 251/ 08/ 05 غير منشور.
[9]الشريف البقالي. “رقابة القاضي الإداري على مشروعية قرارات وقف الأشغال والهدم” م . م . ا. م . ت. عدد مزدوج 62 – 63. ص 71.
[10]قرار عدد 775 بتاريخ 28/ 04/ 2010 ملف عدد 169/ 08/ 05. غير منشور.
[11]حكم عدد 35/ 95 بتاريخ 28/ 04/ 2005 ملف عدد 50غ / 94.
[12]حكم عدد 873 بتاريخ 02/ 11/ 2001 ملف عدد 394 غ / 99.
[13] حكم عدد 07 بتاريخ 02 / 01 / 2008 ملف عدد 528 / 2005 غ.
[14]قرار عدد 2565 بتاريخ 19/ 11/ 2008. غير منشور.
[15]قرار عدد 798 بتاريخ 11/ 06/ 2008. ملف عدد 48/ 7/ 6. غير منشور.


