الأستاذ الدكتور/ محمد رفعت عبد الوهاب

أستاذ القانون العام

كلية الحقوق جامعة الإسكندرية

 

مقدمة عامة

نرى أنه من الملائم قبل الدخول في جوهر البحث عن العلاقة الجدلية والعضوية بين التحكيم والعقود الإدارية، أن نعرض نظرة موجزة عن كل من الاصطلاحين على انفراد وسنبدأ بنظرة على مفهوم العقد الإداري، ثم نظرة على فكرة التحكيم.

أولاً: مفهوم العقد الإداري

هو نظام قانوني ينتمي إلى القانون العام، فهو – أي العقد الإداري – أحد الموضوعات الجوهرية في القانون الإداري الذي يمثل قلب وجوهر القانون العام، بوصفه قانون السلطة وتحقيق احتياجات المرافق العامة مع احترام الضوابط والقيود الدستورية والتشريعية والقضائية لضمان احترام حقوق وحريات الأفراد.

ويمكن أن نقدم تعريفاً للعقد الإداري – رغم عدم تحديده في معظم كتابات الفقه بصفة تعريف لنظام قانوني معين – بأنه “الاتفاق المبرم بين شخص من أشخاص القانون العام وبين أفراد أو شركة خاصة، يصطبغ بطابع السلطة العامة، ولأجل تحقيق احتياجات المرافق العامة”.

والعقد الإداري بهذا التعريف يختلف عن نظام العقد المدني المبرم بين الأفراد والهيئات الخاصة، وقد ساهم القضاء الإداري في فرنسا ومصر بدور إنشائي جوهري في تحديد النظام القانوني للعقد الإداري في شروطه وآثاره، بحيث لا يكاد يتعدى دور التشريع إلا مجرد بيان إجراءات وأساليب إبرام العقد كقواعد شكلية وهو ما يعرف بقانون المناقصات والمزايدات. وحتى هذه الإجراءات التشريعية في إبرام العقد ليست لها في الجوهر خصوصية قانون عام بالمعنى الدقيق، لأنها قواعد واجبة التطبيق على كل عقود الإدارة وليست العقود الإدارية الخاضعة للقانون العام القضائي بل أيضاً عقود الإدارة التي تخضع للقانون الخاص ولاختصاص المحاكم العادية.

ومن خلال التعريف السالف عرضه للعقد الإداري، نجد أن هناك شروطاً ثلاثة يتطلبها القضاء الإداري في مصر ـ وأيضاً في فرنسا حتى 1956 حيث تطور اجتهاد القضاء الإداري الفرنسي كما سنرى ـ وهي:ـ

  1. أن يكون أحد طرفيه شخصاً معنوياً عاماً، أي سلطة إدارية تمثل أحد هذه الأشخاص العامة. وقبل وأقر القضاء الإداري في فرنسا([1]) وفي مجلس الدولة المصري([2]) استثناء ظاهرياً في الواقع، وهو أنه يمكن إقرار الصفة الإدارية للعقد المبرم أحياناً بين شخصين من أشخاص القانون الخاص، بشرط أن يثبت أن أحد طرفيه أبرم العقد بصفته وكيلاً عن شخص معنوي عام بأن يكون قد أبرمه لحساب الشخص العام بحيث تتصرف آثار العقد سلباً وإيجاباً له. بل أن القضاء الإداري الفرنسي ـ مجلس الدولة ومحكمة تنازع الاختصاص ـ افترض هذه الوكالة افتراضاً رغم عدم وجودها الحقيقي بشأن قيام شركات الاقتصاد المختلط وهي أشخاص خاصة بإبرام عقود أشغال عامة مع مقاولين من الباطن بشرط أن تكون أشغالاً عقارية كبرى تقع مسئولية إجرائها تقليدياً على عاتق الدولة مثل الطرق الهامة والطرق السريعة في إنشائها وتسييرها([3]).
  2. أن يتصل موضوع العقد باحتياجات المرافق العامة، والمرفق العام عموماً هو كل نشاط أو مشروع تديره سلطة إدارية عامة أو تهمين على إدارته بهدف تحقيق إشباع حاجة عامة للمواطنين. وتكفي أي صورة من اتصال العقد بالمرفق العام سواء في أقوى صورها وهي المساهمة المباشرة بأعمال وخدمات لازمة أو مفيدة في تسييره ونشاطه كعقود التوريد والأشغال العامة أو تقديم الخدمات الاستثمارية والفنية.
  3. أن يتضمن العقد بعض الشروط غير المألوفة في عقود القانون الخاص. ولا يشترط أن تكون هذه الشروط محرمة أو باطلة في القانون المدني، بل يكفي أن تكون غريبة على عقود القانون الخاص وغير معتادة أن تتضمنها هذه العقود. مثل اشتراط بنود أو كراسة العقد حق الإدارة في توقيع غرامات تهديدية أو إكراهية في حالة تأخير المتعاقد توقع بدون حكم قضائي بل بقرار من الإدارة، أو حق الإدارة في فسخ العقد للتقصير الشديد او تنفيذه بواسطة الإدارة أو الغير على حساب المتعاقد عند تقاعسه أو إنهاء العقد للمصلحة العامة بقرار منفرد من الإدارة. ولا يشترط تلك الشروط كلها لو تعددها بل يكفي مجرد شرط واحد منها يكون مميزاً على صفة القانون العام.

وحكمة هذه الشروط هي إثبات إرادة الإدارة في استخدام أسلوب السلطة العامة التي هي روح القانون العام. ويمكن أيضاً واستثناء أن تكون هذه الشروط لصالح المتعاقد في بعضها بشرط أن تكون غير كألوفة كضمان الإدارة لحمايته مالياً في حالة الظروف الطارئة أو اختلال التوازن المالي للعقد عموماً أو منح المتعاقد بعض سلطات ضبطية كتوقيع بعض الغرامات المالية كما في عقد امتياز المرفق العام.

وقد تطور اجتهاد مجلس الدولة الفرنسي على خلاف الوضع في مصر بشأن الشرطين الثاني والثالث في معيار العقد الإداري المشار إليه أعلاه.

فمنذ عام 1956 صدر حكمان هامان من مجلس الدولة الفرنسي([4]) تضمنا تغييراً جوهرياً في معيار تحديد العقد الإداري، فلم يعد مجلس الدولة في فرنسا يتطلب توافر شرطي تعلق العقد بمرفق عام وتضمن شروطاً غير مألوفة مجتمعين (بجانب الشرط البديهي الأول وهو إبرام العقد بواسطة شخص معنوي عام)، بل أصبحا شرطين تخييريين أي يكفي احدهما لتحقيق الصفة الإدارية للعقد. ولكن في حالة عدم وجود شروط غير مألوفة في العقود، يتطلب مجلس الدولة الفرنسي أن تكون علاقة العقد بالمرفق العام على درجة وثيقة وقوية للغاية بحيث يساهم المتعاقد مباشرة في تنفيذ المرفق العام في جوهره “l’execution meme du service” .

ثانياً: مفهوم التحكيم:ـ

يعني التحكيم ” اتفاق طرفي النزاع (أو أطرافه عند تعددهم) على طرح ذلك النزاع على شخص معين أو أشخاص معينين، ليفصلوا فيه دون المحكمة المختصة”([5]). وهو ذات التعريف الذي أخذت به المحكمة الإدارية العليا([6]). وقد أضافت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع في تعريف التحكيم بعدا هاماً وأساسياً وهو إلزامية قرار أو حكم المحكم للخصوم الذين اتفقوا على التحكيم، وهكذا عرفت الجمعية العمومية التحكيم بأنه “الاتفاق على عرض النزاع أمام محكم أو أكثر ليفصلوا فيه بدلاً من المحكمة المختصة به، وذلك بحكم ملزم للخصوم”([7]).

فالتحكيم يقوم على اتفاق الأطراف على إحلال محكم أو محكمين للفصل في منازعتهم بديلاً عن قضاء الدولة، وبحيث يقوم حكم المحكم محل حكم المحكمة المختصة إدارية كانت أم مدنية حسب طبيعة المنازعة. كما يتأسس التحكيم بجانب إرادة أطراف النزاع واتفاقهم على أساس آخر ضروري هو إجازة المشروع في الدولة لهذا الاتفاق على التحكيم أي إجازة هذا الأسلوب البديل. لأن الأصل هو أن حق الالتجاء إلى القضاء وهو دستوري متعلق بالنظام العام، ومن هنا أيضاً تترتب نتيجة هامة هي أن المحتكمين الأطراف لا يتنازلون عن هذا الحق الدستوري لأن مثل هذا التنازل غير جائز، ومن ثم إذا لم ينفذ عقد التحكيم لأي سبب من الأسباب عادت سلطة الفصل في النزاع إلى المحكمة المختصة أصلاً، فالتحكيم لم يسقط أو ينزع الاختصاص نهائياً لهذه المحكمة وإنما يمنعها فقط من سماع الدعوى طالما بقي شرط التحكيم قائماً([8]).

وهكذا من نتائج عقد التحكيم أنه يؤدي أولاً إلى منع عرض النزاع على القاضي المختص أصلاً بنظره، ومن ناحية مقابلة يخول المحكمين سلطة القضاء في المنازعات موضوع التحكيم بأحكام تتمتع بقوة الأحكام القضائية ومنهية للمنازعات نهائياً كأصل عام، إلا إذا طعن فيه بالبطلان لإخلال حكم التحكيم للضمانات الأساسية كحق الدفاع واتخاذ الإجراء في مواجهة الخصم مثل أي حكم نهائي. وأخيراً عقد التحكيم يترك المجال لطرفي الخصومة سلطة تحديد القواعد الموضوعية والإجرائية التي تطبق في المنازعات الخاضعة للتحكيم([9]). وربما هنا أساساً تبدو خطورة التحكيم لو أحال منازعة عقد إداري مع طرف أجنبي إلى قانون أو نظام العقد المدني حيث تتساوى السلطة الإدارية الوطنية مع الشركة الأجنبية في عقد هو أصلاً عقد إداري دولي([10])، وتكون السلطة الوطنية مضطرة عملاً لذلك لاحتياجات التنمية والمشروعات الضرورية للبنيات الأساسية للاقتصاد الوطني.

مبررات الالتجاء إلى شرط التحكيم:ـ

وقد يكون هذا الاعتبار العملي في نظام التجارة الدولية هو أحد المبررات الهامة في اضطرار الدولة الوطنية لقبول شرط التحكيم عملاً برغم ماله من بعض المخاطر والتأثير السلبي على المصالح العامة، ولكن هناك وسائل سنشير إليها فيما بعد للإقلال من هذا الخطر. وهناك بالطبع اعتبارات ومبررات أخرى للتحكيم من أبرزها سرعة الفصل في المنازعات لتلافي بطء إجراءات قضاء الدولة وطول أمد الفصل في المنازعة، وقلة التكاليف، وميزة الطابع السري لأهميته في نطاق التجارة الدولية، وقد يكون التحكيم مفيداً للدولة لتشجيعه للشركات الكبرى وطنية وأجنبية للتقدم للمناقصة أو المزايدة، بالإضافة إلى أن شروط التحكيم في العقود الكبرى تسمح لتحقيق رغبة الشركات الأجنبية في إدراج شرط الثبات التشريعي كما في عقود البترول وغيرها من مصادر الطاقة، وأخيراً الصفة الفنية التي تتطلب خبرات تخصصية متميزة مما يكون من الأوفق نظام التحكيم لحسم المنازعات ذات الصلة بالمقارنة بالقضاء الوطني([11]).

شروط التحكيم ومشارطة التحكيم:ـ

شرط التحكيم هو نص وارد ضمن نصوص عقد معين، يقر فيه الأطراف اللجوء إلى التحكيم كأسلوب لحل المنازعات المستقبلية التي قد تثور بينهما حول تفسير العقد أو تنفيذه. أما مشارطة التحكيم فهو اتفاق لاحق على إبرام العقد الأصلي، ويتفق فيه الطرفان على الالتجاء إلى التحكيم لفض نزاع معين وبذاته قام بينهما أثناء تنفيذ العقد، فهو قاصر أصلاً على هذه المنازعة التي حدثت([12]).

وفي كل الأحوال يجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوباً وإلا كان باطلاً لجذب اهتمام طرفي النزاع إلى خطورة التحكيم كوسيلة لحل خلافات العقد دون قضاء الدولة الأصلي بالإضافة إلى سهولة إثبات مبدأ التحكيم([13]). ونص قانون التحكيم المصري رقم 27 لعام 1994 على اشتراط كتابة التحكيم سواء في محرر موقع منهما داخل العقد الأصلي أو خارجه، أو حتى إذا ورد صراحة الإشارة إليه فيما يتبادله الطرفان من رسائل أو برقيات.

تقسيم البحث

وفيما يلي نقسم هذه الدراسة إلى مبحثين لعرض الاختلافات التي ثارت في كل من فرنسا ومصر، حول مشروعية الالتجاء إلى التحكيم في العقود الإدارية سواء وطنية أو داخلية وسواء عقود إدارية دولية. وذلك حتى تطور الوضع التشريعي الفرنسي نحو الاستثناء من الحظر التشريعي، أي بإجازة التحكيم في العقود الإدارية بشروط محددة. وفي مصر ثار خلاف أكثر شدة في الفترة السابقة على القانون الجديد رقم 27 لسنة 1994 الذي أجاز التحكيم في العقود الإدارية، إلا أن الاختلاف استمر رغم ذلك في الفقه والقضاء الإداري المصري إزاء بعض الغموض حول صياغة قانون 1994، لأنه لم يتضمن إجازة واضحة وصريحة. واستمر الوضع حتى أصدر المشرع المصري القانون رقم 9 لسنة 1997 ونص صراحة على خضوع العقود الإدارية للتحكيم.

ولاشك أن هذا الاختلاف مبعثه وسببه الأساسي هو خطورة الالتجاء إلى التحكيم في العقود الإدارية التي تستهدف تحقيق المصلحة العامة للمرافق العامة، وأداء الخدمات الضرورية للمواطنين. سيما وأن القضاء الإداري ممثلاً في مجلس الدولة الفرنسي أساساً ومجلس الدولة المصري قد  شيدا نظاماً قانونياً متكاملاً للعقود الإدارية في ظل مبادئ قضائية متكاملة تستهدف دوام سير المرافق العامة، مع عدم إهدار حقوق المتعاقدين مع الإدارة من شركات وأفراد. ففي مقابل كل ذلك هناك الخطر من أي يؤدي التحكيم إلى تطبيق نظام قانوني أجنبي لدولة أخرى أو نظام قانوني دولي لا يعرف التفرقة بين القانون العام والقانون الخاص وهو أمر وارد حيث أن نظم القضاء المزدوج لا تمثل أغلبية في دول العالم، وبالذات لا يعترف بها في ظل نظم التحكيم الدولية واتفاقيات التجارة العالمية.

ولعرض الخلاف الذي ثار في فرنسا ثم في مصر إزاء عدم وجود نصوص صريحة تجيز التحكيم في العقود الإدارية إلا حديثاً، فإننا سنعرض هذا الخلاف في مبحثين كما يلي:ـ

  • المبحث الأول: التحكيم في العقود الإدارية في فرنسا.
  • المبحث الثاني: التحكيم في العقود الإدارية في مصر.

المبحث الأول

التحكيم في العقود الإدارية في فرنسا

تميز موضوع التحكيم في العقود الإدارية في النظام الفرنسي باتجاه عام نحو مشروعيته على مستوى التشريع والقضاء، فيما عدا بعض الحالات الاستثنائية. ثم تدخل المشرع الفرنسي مؤخراً لإجازته ومشروعيته بضوابط محددة. ونعالج هاتين المرحلتين في المطلبين التاليين.

المطلب الأول

الاتجاه العام نحو عدم مشروعية التحكيم الإداري عدا بعض الاستثناءات

أولاً: المبدأ العام بعدم مشروعية التحكيم الإداري:

ظل الوضع العام على مستوى التشريع الفرنسي في اتجاه عدم مشروعية التحكيم في المنازعات الإدارية، وبالذات العقود الإدارية التي غالباً ما تثور مشكلة التحكيم بشأنها. فقد نص قانون الإجراءات المدنية الفرنسي لعام 1806 في المادتين 83، 1004 منه على حظر التحكيم في المنازعات التي تكون فيها الدولة والأشخاص المعنوية العامة الأخرى طرفاً فيها. واستقرت أحكام مجلس الدولة الفرنسي منذ العشرينات من القرن التاسع عشر على البطلان المطلق لشرط التحكيم في منازعات العقود الإدارية استناداً للنصين المشار إليهما من قانون الإجراءات المدنية لعام 1806 معتبراً أن اختصاصه بنظر منازعات الأشخاص العامة من النظام العام([14]).

وفي معرض تأكيد الحظر على مخالفة ولاية مجلس الدولة في المنازعات الإدارية، نجد أن مفوض الحكومة الشهير Romieu يقول في تقريره عن أحد القضايا في نهاية القرن التاسع عشر “إن الوزراء لا يستطيعون أن يتركوا إلى المحكمين حل منازعة تتعلق بسلطة إدارية، لأنهم لا يستطيعون الإفلات من ولاية الهيئات القضائية القائمة”([15]). ويلاحظ إشارة مفوض الدولة إلى تعلق الاختصاص بالقضاء وحدة كمسألة تعتبر من النظام العام لا تقتصر على المنازعات الإدارية الخاضعة للقانون العام، بل حتى تلك المتعلقة بعقود مدنية للإدارة خاضعة للمحاكم المدنية والتجارية. كذلك للدلالة على تأصل عدم مشروعية التحكيم في العقود الإدارية، نجد أن مفوض الدولة “Gazier” وهو أيضاً ذا شهرة عالمية هو الآخر يقول في أحد القضايا المعروضة على مجلس الدولة أن تحريم التحكيم في منازعات أشخاص القانون العام يمثل في ذاته مبدأ قانونياً عاماً ملزماً، وبغير حاجة إلى إسناده إلى نصوص المادتين 83، 1004 من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي([16]).

ويلاحظ أن حظر التحكيم في المنازعات الإدارية ومنها منازعات العقود الإدارية، قد أكدته لاحقاً المادة 2060 المعدلة في القانون المدني الفرنسي بناء على القانون الصادر في 5 يوليو 1972. واستقر قضاء مجلس الدولة الفرنسي بإصرار على تحريم وبطلان أي شرط تحكيمي في العقود الإدارية، باعتبار ذلك يمثل مبدأ قانونياً عاماً وكأصل عام.

ولكن في مقابل ذلك، نجد أن محكمة النقض الفرنسية بالنسبة لعقود الإدارة الخاصة لم تساير التحريم المطلق من جانب مجلس الدولة  كقضاء إداري، فنجدها قد اعترفت للدولة وللمؤسسات العامة الفرنسية بإمكانية التحكيم في منازعات العقود المتصلة بعلاقات التجارة الدولية، وذلك في حكمين متتاليين([17]). واستندت محكمة النقض الفرنسية في الحكم الأول على اعتراف القانون الأجنبي بصحة شرط التحكيم([18]). وفي حكمها الثاني استندت على أساس أكثر عمومية، فأكدت استقلالية عقود الإدارة ذات الطابع الدولي وعدم تطبيق مبدأ حظر التحكيم عليها، وهي تعني بذلك بالطبع عقود الإدارة الخاضعة للقانون الخاص ولاختصاص القضاء العادي([19]).

وكان من الممكن لمجلس الدولة الفرنسي أن يأخذ بنفس الحل الذي اعتنقته محكمة النقض الفرنسية بإجازة التحكيم لاحتياجات التجارة الدولية، سيما وأن نظام العقد الإداري لا يتعارض مع الصفة الدولية للعقد مع وجود طرف أجنبي متعاقد مع شخص معنوي عام وطني بما يستتبعه ذلك من ضرورة مراعاة أعراف ونظم التجارة الدولية. ولكن بقي مجلس الدولة على موقفه المتحفظ الرافض للتحكيم([20]).

ودليل ذلك أنه قضى ببطلان شرط التحكيم في عقد أشغال عامة أبرم بين شركة اقتصاد مختلط تتولى امتياز أشغال عامة لأحد الطرق السريعة، وبين مجموعة من المشروعات. وهو يعتبر عقداً إدارياً بناء على اجتهاد حكم Peyrot بناء على وكالة مفترضة من صاحب الامتياز عن الدولة. ولكن مجلس الدولة أبطل العقد لوجود شرط تحكيم استناداً إلى المادة 2060 المعدلة من القانون المدني الفرنسي التي تحظر التحكيم في المنازعات الإدارية([21]). أيضاً عندما طلبت الحكومة استشارة مجلس الدولة في اختصاصه الإفتائي بشأن إمكانية الموافقة على شرط التحكيم في مشروع عقد إنشاء مدينة “ديزني لاند” في ضواحي باريس، بقي المجلس على تحفظه وجاءت فتواه بتاريخ 6 مارس 1986 ضد صحة شرط التحكيم في العقود الإدارية كمبدأ عام. وسنرى أن مشروع هذا العقد وهذه الفتوى كانا المناسبة التي استصدرت فيها الحكومة من البرلمان الفرنسي قانوناً في ذات عام 1986، لإجازة التحكيم في العقود الإدارية كما سنرى فيما بعد.

ثانياً: بعض الاستثناءات على مبدأ حظر التحكيم في العقود الإدارية:

قبل قانون 1986 الذي أجاز التحكيم في العقود الإدارية ذات الصفة الدولية بشروط خاصة كما سنرى، عرفت فرنسا تشريعين أجازاً التحكيم بصورة استثنائية محدودة بمجال معين كما يلي:ـ

  1. قانون 17 ابريل عام 1906 الذي أجاز التحكيم في المنازعات المتعلقة بتصفية عقود الأشغال العامة والتوريد تحديداً. وهذا هو الاستثناء الأول، وهو محدود من عدة نواحي: فمن ناحية أولى كان مجاله قاصراً على تصفية نفقات الأشغال العامة والتوريد وحدهما، ومن ناحية ثانية لم يجز التحكيم في كافة منازعات هذين العقدين بل بتصفية نفقاتهما فقط، ومن ناحية ثالثة فإن تطبيقه كان قاصراً على الدولة والإدارة المحلية (المحليات) دون المؤسسات العامة.
  2. قانون 9 يوليو عام 1975 سمح أيضاً من قبيل الاستثناء المحدود بالالتجاء للتحكيم فقط لبعض طوائف المؤسسات العامة الصناعية والتجارية، في شأن عقودها الخاضعة لأحكام القانون الخاص دون العقود الإدارية. وواضح أن هذا الاستثناء محدود: أولاً فهو قاصر على المؤسسات العامة التجارية والصناعية دون المؤسسات العامة الإدارية، وحكمة ذلك أن تلك الأخيرة عقودها عادة إدارية ولهذا لم يشملها الاستثناء. ومن ناحية ثانية الاستثناء لا يشمل كل المؤسسات العامة التجارية أو الصناعية بل بعض مجموعاتها ويناط ذلك بمرسوم حكومي يحددها. ومن ناحية ثالثة الاستثناء قاصر على عقودها العادية المدنية والتجارية، وليس عقودها الإدارية التي قد تتولى إبرامها أحياناً . ومن الناحية العملية فلما لجأت هذه المؤسسات لاستخدام التحكيم([22]).

وهكذا، الاستثناءات التشريعيان السابقان محدودان في الإطار والنطاق، فهما يؤكدان في الحقيقة الأصل العام وهو حظر التحكيم في العقود الإدارية. وظل الوضع هكذا حتى صدور قانون 1986 الذي نعالجه في المطلب الثاني الذي سجل التحول نحو إجازة التحكيم في العقود الإدارية ولكن كما سنرى بشروط محددة.

المطلب الثاني

إجازة التحكيم في العقود الإدارية الدولية( قانون1986)

أخيراً حدث التحول في التشريع الفرنسي من الاتجاه العام لحظر التحكيم في العقود الإدارية إلى الاتجاه العام العكسي نحو إجازة التحكيم في العقود الإدارية. ولكن يجب أن نشير فوراً أن هذا الاتجاه الجديد للسماح قاصر على العقود الإدارية الدولية. وهي لها أصلاً سمات وخصائص العقد الإداري من إبرامه بواسطة شخص معنوي عام؛ واتصاله بخدمة مرفق عام وتضمنه بعض الشروط غير المألوفة في العقود المدنية([23]). وصفتها الدولية تأتي حسب المعيار الراجح، وهو ما يسمى المعيار الاقتصادي، بأنها تبرم مع طرف أجنبي عادة شركات كبرى أجنبية وتتضمن انتقالاً للخبرات والخدمات وبالذات انتقال رأس المال([24])، مثل عقود الـB.O.T وغيرها. وهذه العقود إدارية عادة لو تضمنت شروطاً استثنائية غير مألوفة، كما هو المفروض وإلا صارت مدنية خاضعة لنظام القانون الخاص، فهي في الجانبين أي بعضها لصالح الدولة المتعاقدة والمرفق العام وأيضاً لصالح المستثمر الأجنبي لتشجيعه على المشاركة الإيجابية([25]). ويطول المجال إذا خضنا في النظام القانوني للعقود الدولية سواء كانت إدارية، وأحياناً وربما غالباً غير إدارية وإنما تخضع لنظم قانونية تنتمي للقانون الخاص.

ما يهمنا هو هذا التطور الأخير في التشريع الفرنسي الجديد الصادر بتاريخ 19 أغسطس 1986، والذي أجاز التحكيم في العقود الإدارية ذات الطابع الدولي أي التي أبرمتها سلطة عامة وطنية مع شركات أجنبية وتبدو فيها اعتبارات مصالح التجارة الدولية.

الخلفية التاريخية للقانون الجديد:

لفهم روح وأبعاد هذا القانون الجديد الذي أجاز من حيث المبدأ التحكيم في العقود الإدارية وإن كانت الدولية وليس الوطنية الخالصة، لابد من عرض المناسبة التاريخية لتوجه فكر الحكومة الفرنسية نحو تحقيق هذا التطور التشريعي:

فقد حدث في بدايات عام 1986 أن أرادت الحكومة الفرنسية أن تتعاقد مع شركة أمريكية كبرى لإقامة مدينة ملاهي، على نسق “والت ديزني” الشهيرة في الولايات المتحدة الأمريكية. وجرياً على نظام التجارة العالمية الذي بدأ يغزو العالم ويكرس أسلوب التحكيم في العقود الدولية لتسويات منازعاتها أصرت الشركة الأمريكية على تضمين العقد شرط التحكيم كوسيلة لفض المنازعات التي يمكن أن تنشأ عن هذا العقد. وعرضت الحكومة الفرنسية المشكلة أمام قسم الفتوى بمجلس الدولة الفرنسي، الذي رفض أقرار شرط التحكيم في العقد واعتبره مخالفاً للنظام العام([26]).

مضمون قانون 19 أغسطس 1986:

وهكذا سعت الحكومة لاستصدار قانون من البرلمان الفرنسي يجيز التحكيم في العقود الإدارية، وكانت هذه الخلفية التاريخية السابق عرضها ـ كما ذكرنا ـ مجرد مناسبة لتحقيق ذلك. وأسفرت مناقشات البرلمان عن إقرار القانون الذي صدر في 19 أغسطس 1986 والذي أجاز للأشخاص المعنوية العامة (الدولة والمقاطعات والمؤسسات العامة) أن تقبل شرط التحكيم في العقود الإدارية المبرمة مع شركات أجنبية، وذلك بالشروط التالية([27]):ـ

  1. أن يكون العقد مبرماً مع شركة أجنبية، أي يكون للعقد صفة العقد الدولي ومتصلاً بالتالي بنظام التجارة الدولية. ومن ثم فإن إجازة التحكيم لا تشمل العقود الإدارية الوطنية حيث يكون المتعاقد معه شركة فرنسية.
  2. أن يحقق العقد مصلحة مشروع ذا نفع قومي.
  3. يجب في كل حالة على حدة صدور مرسوم من مجلس الوزراء للموافقة على تضمين العقد شرط التحكيم. وهذا يعني أن التحول الجديد نحو إجازة التحكيم هو نسبي في الواقع بالنظر لهذا القيد أو الشرط، سيما وأن شرط موافقة السلطة المركزية على كل عقد على حدة يجب أن يكون في المستوى الأعلى وهو مرسوم من الحكومة أي مجلس الوزراء، وليس مجرد الوزير المختص كما سنرى في مصر بشأن القانون 9 لسنة 1997 بإجازة التحكيم في العقود الإدارية.

وهكذا في خاتمة نظام التحكيم في العقود الإدارية في فرنسا، نستطيع أن نلمس أن الاتجاه الأخير بالقانون الصادر 19 أغسطس 1986 جاء نحو إجازة التحكيم في العقود الإدارية. ولكن يجب أن نعترف في ذات الوقت أنه بالنظر لهذه الشروط، وبالذات الشرط الأول وهو أن يكون العقد الإداري دولي الطابع، وكذلك الشرط الثاني وهو اشتراط الاتصال بمنفعة قومية، والشرط الثالث وهو مرسوم حكومي لكل عقد على حدة بإجازة شرط التحكيم. نجد أن الوضع الفرنسي بالنظر لهذه الشروط الشديدة لا يمثل في رأينا المرحلة النهائية في التطور، وأن المبدأ العام بإجازة التحكيم في العقود الإدارية مازال يحتاج إلى تدعيم أفضل وأقوى. ويكفي أن هذا القانون لعام 1986 استبعد تماماً بصورة مؤكدة من نطاق التحكيم العقود الإدارية الوطنية التي مازال حظر التحكيم يبقى قائماً بالنسبة إليها. وسنرى أن الوضع المصري سيفوق التطور الفرنسي، حيث انتهى منذ عام 1994 بإصدار قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية وتكملته بالقانون رقم 9 لسنة 1997، انتهى إلى إجازة التحكيم في عموم العقود الإدارية ليست الدولية فقط بل أيضاً الوطنية.

المبحث الثاني

التحكيم في العقود الإدارية في مصر

وسنعالج الموقف في مصر ـ على غرار ما فعلناه بالنسبة للوضع الفرنسي ـ في مطلبين حيث نبين في المطلب الأول اختلاف الفقه والقضاء الإداري حول مشروعية التحكيم في العقود الإدارية، ثم في المطلب الثاني نعالج تدخل المشرع المصري لإجازة التحكيم في العقود الإدارية.

المطلب الأول

اختلاف الفقه والقضاء الإداري المصري حول مشروعية التحكيم

في العقود الإدارية

حينما صدر قانون المرافعات المصري الحالي لعام 1968 نظم التحكيم عموماً في الباب الثالث منه، ونصت المادة 501 من هذا القانون على إجازة الاتفاق على التحكيم في العقود بقولها “يجوز الاتفاق على التحكيم في نزاع معين بوثيقة تحكيم خاصة كما يجوز الاتفاق على التحكيم في جميع المنازعات التي تنشأ عن تنفيذ عقد معين….”. ولكن لم يشر النص إلى العقود الإدارية  تحديداً ولم يجز بشأنها الالتجاء إلى التحكيم لفض منازعاتها. ولا يمكن القول بأن عموم النص على إجازة التحكيم في العقود يتضمن نظرياً أيضاً العقود الإدارية لسببين: الأول هو أن عنوان قانون المرافعات يبين بوضوح أنه خاص بالمسائل المدنية والتجارية، رغم إحالة قانون مجلس الدولة كقضاء إداري لقواعد قانون المرافعات عند عدم وجود نص إجرائي خاص في قانون المجلس. لأن مثل هذه الإحالة إجرائية ولا تتصل بموضوع وجوهر القواعد، ثم إن أحكام المحكمة الإدارية العليا استقرت واطردت باستمرار على أن إحالة قانون مجلس الدولة إلي قانون المرافعات المدنية والتجارية مشروطة بعدم تعارض مثل هذه القواعد الإجرائية مع طبيعة المنازعات الإدارية بين الإدارة والأفراد في إطار نشاط المرافق العامة. والسبب الثاني لعدم إمكانية امتداد جواز التحكيم في قانون المرافعات للعقود الإدارية هو أن نظام ومبادئ هذه العقود الإدارية المتصلة بالقانون العام هي من صنع مجلس الدولة كقضاء إداري، ولم يكن ممكناً له وهو قضاء المصلحة العامة والسلطة ولم يكن ممكناً أيضاً لفقهاء القانون العام أن يقبلوا التحكيم في العقود الإدارية مثل المدنية تحت ستار العبارة العامة للمادة 501 مرافعات.

وهكذا إزاء عدم وجود نصوص صريحة في مصر تجيز التحكيم في العقود الإدارية الخاضعة لنظام القانون العام، اختلف الفقه المصري بين معارض ومؤيد للتحكيم الإداري كذلك تعارضت اتجاهات مجلس الدولة القضائية أو على مستوى الفتوى  في مدى جواز التحكيم في العقود الإدارية. وهو ما نعالجه في الفرعين التاليين:ـ

الفرع الأول

اختلاف الفقه المصري

أولاً: الفقه المعارض للتحكيم في العقود الإدارية:ـ

استند الفقه المعارض للتحكيم إلى حجتين أساسيتين كما يلي:ـ

  1. الحجة الأولى ـ التحكيم يتعارض مع سيادة الدولة: وذلك من ناحيتين:ـ

الناحية الأولى أن التحكيم يعتبر في حقيقته سلباً وعدواناً على اختصاص القضاء الوطني الذي يمثل مظهراً أساسياً لسيادة الدولة. ومن ناحية ثانية أن التحكيم يستبعد تطبيق القانون الوطني ويؤدي إلى تطبيق القانون الأجنبي.

ويمكن الرد على هذه الحجة بأن سيادة الدولة ليست حاسمة في هذا المجال، لأن أمر السماح بالتحكيم دون اختصاص قضاء الدولة وتحديداً القضاء الإداري مرده في النهاية إلى المشرع الوطني لأن إجازة التحكيم في العقود الإدارية يعود إلى نص القانون الصريح، وهو ما حدث في مصر فيما بعد كما سنرى. كذلك إنه مع إجازة المشرع للتحكيم فإن صلة القضاء الوطني تبقى قائمة، لأن المشرع يحرص على تدخل القضاء الوطني في عدد من الأمور المتصلة بالتحكيم كالمساعدة في اختيار المحكم عند عدم ذكره في شرط التحكيم أو اتخاذ إجراءات تحفظية بناء على طلب الأطراف المتنازعين، والرقابة على احترام الضمانات الأساسية للتقاضي وفي تنفيذ حكم المحكم.

ومن ناحية أخرى، فإن الأشخاص العامة عند إبرامها للعقود الإدارية مع أدراج شرط التحكيم تستطيع أن تشترط تطبيق القانون الوطني أو مبادئه العامة([28]).

  1. الحجة الثانية ـ جواز التحكيم في العقود الإدارية يمثل عدواناً على اختصاص القضاء الإداري بنظر منازعات هذه العقود.

وتدعيماً لتلك الحجة يشير الفقه المناهض للتحكيم في العقود الإدارية إلى أمرين: من ناحية أولى المادة 172 من دستور 1971 نصت على اختصاص مجلس الدولة “بالمنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية، ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى”. ومن ناحية أخرى نص قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 في مادته العاشرة على اختصاص محاكم مجلس الدولة دون غيرها في المسائل الآتية: (حادي عشر) المنازعات الخاصة بعقود الالتزام أو الأشغال العامة أو التوريد وبأي عقد إداري آخر.

وللرد على ما سبق يمكن للقول من ناحية أولى أن نص المادة 172 من الدستور لا تمنع المشرع المصري ولم تمنعه بالفعل من النص على جواز التحكيم في العقود الإدارية، كما حدث بصورة صريحة في القانون رقم 9 لسنة 1997 كما سنرى. وأن الغاية الحقيقة من هذا النص هي ضمان استقلال مجلس الدولة كقضاء إداري، حتى لا تسعى السلطة التنفيذية لدى السلطة التشريعية لإصدار قانون يهدم أو يمس استقلاله([29]).

ومن ناحية ثانية، كذلك نص المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة حكمته وغايته تحديد اختصاص محاكم مجلس الدولة مستقلاً عن القضاء العادي بالمنازعات الإدارية، ومن ضمنها العقود الإدارية. ولكن لا يمكن تحميلها إلى أبعد من ذلك.

ثانياً: الفقه المؤيد للتحكيم في العقود الإدارية:

يمكن القول أيضاً بأن هناك حجتين رئيسيتين أيضاً لهذا الفقه المؤيد للتحكيم:ـ

  1. الحجة الأولى: أن التحكيم في العقود الإدارية ليس فيه تعارض أو مساس بسيادة الدولة من أي وجه كما أدعى المعارضون للتحكيم. فمن ناحية أولى ليس في قبول التحكيم سلب واعتداء على قضاء الدولة، لأنه كما سبق القول وكما يقول المؤيدون للتحكيم أن التحكيم لا يقطع الصلة تماماً بقضاء الدولة قضاء عادي أو إداري، لأنه تبقى عدة مواضع للرجوع له، إما في مساعدة أطراف العقد في اختيار المحكم أو المحكمين وإما في اتخاذ إجراءات تحفظية وقتية للحفاظ على المال وفي تنفيذ حكم المحكمين بل وفي الطعن ببطلان التحكيم لمخالفة قواعد أساسية في التقاضي أو أصول التحكيم. ومن ناحية ثانية التحكيم لا يتضمن بالضرورة استبعاد القانون الوطني دائماً، فكما سبق القول يمكن للدولة وغيرها من الأشخاص العامة أن تشترط بموافقة المتعاقد تطبيق القانون الإداري، أو بعض المبادئ الأساسية التي ترعى المصلحة العامة، ويضاف لذلك في مجال المعاملات الدولية لا تستطيع الدولة كطرف في العقد الإداري الدولي استبعاد القانون الأجنبي أو الاتفاقيات التي تحكم العلاقات التجارية الدولية([30]).
  2. حجة أخرى للدفاع عن التحكيم في العقود الإدارية أضافها الفقه المؤيد، وهي أن المادة 58 من قانون مجلس الدولة نفسه رقم 47 لسنة 1972 أشارت ضمناً إلى إمكانية وجود تحكيم في العقد الإداري حينما نصت على أنه “ولا يجوز لأية وزارة أو هيئة عامة أو مصلحة من مصالح الدولة أن تبرم أي عقد أو صلح أو تحكيم أو تنفيذ قرار محكمين في مادة تزيد قيمتها على خمسة آلاف جنيه بغير استفتاء إدارة الفتوى المختصة”.

الفرع الثاني

تضارب أحكام مجلس الدولة وفتاوى الجمعية العمومية للفتوى والتشريع

تضاربت واختلفت أحكام القضاء الإداري في مصر، وكذلك فتاوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريعي في مشكلة إجازة أو عدم إجازة التحكيم في العقود الإدارية.

أولاً: بالنسبة لأحكام مجلس الدولة كقضاء إداري:

  1. ففي حكم لمحكمة القضاء الإداري بتاريخ 18/5/1986([31]) قضت بجواز التحكيم في العقود الإدارية، وقد تعلق النزاع بعقد مبرم بين وزارة الإسكان والتعمير وبين الشركة المصرية المساهمة للتعمير والإنشاءات السياحية (عقد امتياز هضبة الأهرام)، ونص العقد المبرم بتاريخ 14 أبريل 1955 في أحد بنوده على أن كل خلاف بين الطرفين على تفسير أو تنفيذ الأحكام التي تضمنها الاتفاق يفصل عن طريق التحكيم، وتؤلف هيئة التحكيم من ثلاثة أعضاء يختار كل من الطرفين عضواً عنه ويتولى هذان العضوان اختيار العضو الثالث. إلا أن وزارة الإسكان والتعمير امتنعت عن إحالة النزاع الذي حدث بينهما وبين الشركة إلى هيئة التحكيم المشار إليها، مما أدى بالشركة إلى رفع دعوى أمام محكمة القضاء الإداري مطالبة بوقف تنفيذ وإلغاء القرار السلبي الصادر من الوزارة بالامتناع عن أحالة النزاع إلى هيئة التحكيم. وقد أجابت محكمة القضاء الإداري في الحكم طلب الشركة وأوقفت تنفيذ القرار السلبي، مما يوجب على الوزارة إحالة النزاع مع الشركة إلى هيئة التحكيم احتراماً لأحد بنود العقد. فالحكم إذن أجاز شرط التحكيم في هذا العقد الإداري.
  2. ولكن عندما طعن في حكم محكمة القضاء الإداري المشار إليه أعلاه بواسطة هيئة قضايا الدولة أمام المحكمة الإدارية العليا ألغت الحكم، وقضت على العكس ببطلان شرط التحكيم في العقد المبرم بين وزارة الإسكان والشركة مستندة على أن البند الذي أجاز التحكيم في العقد يجب تفسيره بما لا يهدم خصائص العقد الإداري ولا بما يزيل اختصاص مجلس الدولة بالمنازعات المتعلقة بذلك العقد([32]).


ثانياً: على مستوى فتاوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع:

  1. في اتجاه إجازة التحكيم في العقود الإدارية، صدرت في تاريخ 17/5/1989([33]) فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة تجيز التحكيم في العقود الإدارية. ونظراً لأهمية هذه الفتوى فإننا نذكر فقرات مطولة منها كما يلي:ـ

“أن التحكيم هو اتفاق على عرض النزاع أما محكم أو أكثر ليفصلوا فيه ـ بدلاً من المحكمة المختصة به ـ وذلك بحكم ملزم للخصوم ….. والتحكيم يقوم على أساسين هما: إرادة الخصوم، وإقرار المشرع لهذه الإرادة”.

“لأن التحكيم استثناء من الأصل العام في التشريع وبالتالي فلا يجوز إجبار شخص على سلوكه وحرمانه من الالتجاء إلى القضاء إلا عن رضا واختيار، كما أنه لا تكفي إرادة الخصوم وحدها للفصل في منازعاتهم عن طريق التحكيم، بل لابد أن يتم ذلك في حدود القواعد التي يضعها المشرع لتنظيم التحكيم وإجراءاته. وقد أجاز قانون المرافعات المدنية والتجارية الاتفاق على التحكيم بالمفهوم السالف إيضاحه مبيناً شروطه وإجراءاته وكيفية تنفيذ أحكام المحكمين والطعن فيها في المواد من 501 وما يليها. كما أن المادة 58 من قانون مجلس الدولة ورد بها ما يقطع صراحة بجواز لجوء جهة الإدارة إلى التحكيم في منازعاتها العقدية (إدارية أو مدنية) حينما نص بالفقرة الثالثة من المادة المذكورة على إلزام أية وزارة أو هيئة عامة أو مصلحة من مصالح الدولة أن لا تبرم أو تقبل أو تجيز أي عقد أو صلح أو تحكيم أو تنفيذ قرار محكمين في مادة تزيد قيمتها على خمسة آلاف جنيه، وذلك بغير استفتاء إدارة الفتوى المختصة بمجلس الدولة. فلو أن الاتفاق على التحكيم أمر محظور على جهة الإدارة ما كان المشرع ألزمها أصلاً بعرض هذا الاتفاق أو تنفيذ قرار (حكم) المحكمين على مجلس الدولة للمراجعة. بيد أن إزاء عدم وجود تشريع خاص ينظم التحكيم في العقود التي تكون الإدارة أحد أطرافها سوءا المدنية أو الإدارية فإنه يتعين الرجوع في ذلك إلى الشروط العامة للتحكيم وإجراءاته الواردة بقانون المرافعات والتي لا تتعارض مع طبيعة الروابط الإدارية. ولا وجه للقول بأن محاكم مجلس الدولة هي المختصة بالفصل في منازعات العقود الإدارية دون غيرها ـ طبقاً للمادة 10 من قانون مجلس الدولة ـ وبالتالي فإن الاتفاق على حسم تلك المنازعات بطريق التحكيم مؤداه سلب الولاية المعقودة للقضاء الإداري في هذا الشأن، ذلك لأن المقصود من نص المادة 10 هو بيان الحد الفاصل بين الاختصاص المقرر لمحاكم كمجلس الدولة ومحاكم القضاء العادي ولا يجوز أن نتجاوز في تفسير هذا النص قصد المشرع والقول بحظر الالتجاء إلى التحكيم في منازعات العقود الإدارية”.

وهذا القول من الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع هو دفاع جيد لصالح التحكيم في العقود الإدارية، فيما عدا حجة الاستناد إلى قواعد قانون المرافعات المدنية والتجارية باعتبارها قواعد عامة تجيز التحكيم وتضع قواعده وقابلة للتطبيق على العقود الإدارية مثل العقود المدنية. وقد سبق لنا تفنيد هذه الحجة على اعتبار عدم وجود نص صريح للتحكيم تحديداً في العقود الإدارية لأن مجال قانون المرافعات بحكم عنوانه المنازعات المدنية والتجارية، ولأن مبادئ النظام القانوني للعقود الإدارية التي شيدها القضاء الإداري بغاية إعلاء المصلحة العامة لسير المرفق العام بانتظام يجب أن تعلو على المصالح الخاصة للمتعاقدين مع الإدارة. بالإضافة إلى أن نظام العقد الإداري الذي نظمه القضاء الإداري في أحكامه يتضمن أيضاً التوازن المالي للمتعاقد مع الإدارة بنظريات اجتهادية خلاقة أبرزها نظرية الظروف الطارئة ونظرية عمل المير ونظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة([34]).

  1. ولكن مما يدل على تذبذب فتاوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع ذاتها، أنه بعد فتوى 1989 المشار إليها أعلاه، عادت ذات الجمعية العمومية في فتوى تالية لها بتاريخ 27/2/1993 لتضع قيوداً على التحكيم([35]). وفي الحقيقة في هذه الفتوى الثانية لم تعدل تماماً الجمعية العمومية عن فتواها السابقة، فاستعرضتها في الفتوى الثانية لعام 1993 وأيدت المبدأ الذي سبق أن أعلنته وهو جواز الالتجاء إلى التحكيم في العقود الإدارية. إلا أن الفتوى الثانية هذه أتت بقيد هام على إعمال هذا المبدأ فقالت الجمعية العمومية إن المادة 10 من قانون مجلس الدولة لم تنكر حق الأطراف في عرض مثل هذه المنازعات على هيئة التحكيم ثم أضافت القيد الجديد بقولها “إذا كان العرض على هذه الهيئة (أي هيئة التحكيم) في مثل الحالة المعروضة لا يستبعد عند نظر المنازعة إعمال القواعد الموضوعية التي تطبق على العقود الإدارية”. وخطورة هذا القيد أنه عاد وربط بين شرعية التحكيم وضرورة تطبيق القواعد الموضوعية التي ترسم النظام القانوني للعقود الإدارية التي وضعها القضاء الإداري من خلال أحكامه (مثلما كان متحققاً في الحالة المعروضة عليها لأخذ الفتوى). مما يعني بمفهوم المخالفة لو أن شروط التحكيم استبعدت بعض هذه القواعد الموضوعية لصالح المتعاقد مع الإدارة وبما يمس مصلحة الإدارة في علو كفتها في ميزان العقد، من الممكن أن يكون التحكيم باطلاً، أو كما في حالة ما إذا كان في قبول الإدارة شروط التحكيم إمكانية تطبيق نظام قانوني أجنبي ومختلف.
  2. ونضيف أخيراً بشأن فتاوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع إلى فتوى صدرت منها لاحقة بعد صدور قانون التحكيم في مصر رقم 27 لسنة 1994 الذي أجاز التحكيم في عموم المنازعات أياً كانت طبيعتها، بما يتضمن إمكانيته في العقود الإدارية. إلا أن هذا النص ـ كما سنرى في الفقرة التالية ـ قد عابه عدم الصراحة والوضوح المباشر في إجازة التحكيم في العقود الإدارية، مما فتح الباب للخلاف من جديد حول المشكلة من أساسها. لذلك في هذا الإطار نشير إلى فتوى ثالثة جديدة من الجمعية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة المصري أعادت التشكيك في صحة التحكيم في العقود الإدارية، من منظور الطبيعة القانونية للعقد الإداري ومدى تلاؤمها مع نظام التحكيم أو تنافرها معه، وقد صدرت هذه الفتوى الجديدة في 30 أكتوبر 1996([36]). وسنعود إليها في المطلب التالي الأخير.

المطلب الثاني

إجازة المشرع المصري للتحكيم في العقود الإدارية

( القانون رقم 27 لسنة 1994 وتعديله بالقانون رقم 9 لسنة 1997)

أولاً: القانون رقم 27 لسنة 1994 والإجازة الضمنية للتحكيم في العقود الإدارية:

بقى اختلاف الفقه والقضاء الإداري حول مشروعية التحكيم على النحو الذي رأيناه، إلى أن أصدر المشرع القانون رقم 27 لسنة 1994 في شأن التحكيم في المواد المدنية والتجارية. وكانت عقيدة المشرع المصري كما كشفت عنها مواد القانون وبالذات المادتان الأولى والثانية وكذلك مذكرته الإيضاحية، هي أن يتسع نطاق تطبيقه إلى كل تحكيم سواء في القانون الخاص أو القانون العام وسواء كانت المنازعة مدنية أو إدارية، وبهدف تدعيم التنمية الوطنية التي تحتاج إلى الاستثمار الأجنبي في إطار العلاقات الاقتصادية الدولية التي أصبح نظام التحكيم هو الوسيلة الأساسية التي تلبي احتياجات هذه العلاقات، وتطمئن الشركات الكبرى بقدراتها المالية والاقتصادية والتكنولوجية للمساهمة في عمليات التنمية والتطوير، وهو ما يصب في تحقيق المصالح العامة القومية بالذات لمصر كدولة نامية .

ويؤكد ذلك ـ كما أشرنا ـ ما نصت عليه المادة الأولى من هذا القانون إذ نصت على أنه “مع عدم الإخلال بأحكام الاتفاقيات الدولية المعمول بها في جمهورية مصر العربية تسرى أحكام هذا القانون على كل تحكيم بين أطراف من أشخاص القانون العام أو القانون الخاص أيا كانت طبيعة العلاقة القانونية التي يدور حولها النزاع” وهي عبارات تتضمن منطقياً منازعات التحكيم في العقود الإدارية فأصبحت التحكيمات بشأنها إذن جائزة([37]).

كذلك نصت المادة الثانية من القانون على تعداد لأمثلة عديدة لعمليات وعقود ينتمي كثير منها لحقل القانون العام والعقود الإدارية، إذ نصت هذه المادة على أن “يكون التحكيم تجارياً في هذا القانون إذ نشأ النزاع حول علاقة قانونية ذات طابع اقتصادي، عقدية كانت أو غير عقدية. ويشتمل ذلك على سبيل المثال توريد السلع أو الخدمات والوكالات التجارية، وعقود التشييد والخبرة الهندسية أو الفنية، ومنح التراخيص الصناعية والسياحية وغيرها ونقل التكنولوجيا، والاستثمار، وعقود التنمية وعمليات البنوك، والتأمين والنقل وعمليات تنقيب واستخراج الثروات الطبيعية وتوريد الطاقة ومد أنابيب الغاز أو النفط وشق الطرق والإنفاق واستصلاح الأراضي الزراعية وحماية البيئة وإقامة المفاعلات النووية”.

وجاءت المذكرة الإيضاحية للقانون لتؤكد خضوع منازعات العقود الإدارية للتحكيم – بجانب تلك التأكيدات الضمنية التي لا شك فيها من خلال المادتين الأولى والثانية سابق الإشارة إليهما – فتقول المذكرة الإيضاحية في ذات الغاية أن المادة الأولى بالذات قضت بسريان أحكام القانون” على كل تحكيم تجاري دولي يجرى في مصر، سواء كان أحد طرفيه من أشخاص القانون العام أو أشخاص القانون الخاص، فحسم المشرع بذلك الشكوك التي دارت حول مدى خضوع بعض أنواع العقود التي يكون أحد أطرافها من أشخاص القانون العام للتحكيم فنص على خضوع جميع المنازعات الناشئة عن هذه العقود لأحكام المشروع أياً كانت طبيعة العلاقة القانونية التي يدور حولها النزاع” وواضح من هذه العبارات للمذكرة الإيضاحية لقانون 1994 أن المشرع أراد حسم مشكلة النزاع حول مشروعية التحكيم في العقود الإدارية نحو الإجازة والمشروعية كأصل عام. ولكن يبقى تساؤل: وإذا كانت هذه عقيدة المشرع كما عبرت عنها مذكرته الإيضاحية ونصوص القانون بالذات المادتان الأولى والثانية، فالتساؤل هو ولماذا لم يذكر المشرع إذن وبصراحة وبوضوح كامل العقود الإدارية باللفظ الصريح وشمول خضوع منازعاتها للتحكيم الذي نظمه هذا القانون؟

نحن نرى أن ما سبق يدل بوضوح منطقي على حسم مبدأ الجواز، ولكن عدم التصريح فتح الباب للخلاف الفقهي والقضائي على الأقل لدى البعض كما سنرى الآن.

استمرار الخلاف رغم نصوص قانون 27 لسنة 1994 ومذكرته الإيضاحية:

عاد الشك والاختلاف حول مشروعية التحكيم في العقود الإدارية رغم نص المادة الأولى من القانون رقم 27 لسنة 1994 ومادته الثانية التي أعطت أمثلة تدخل معظمها في دائرة العقود الإدارية كما رأينا. والسبب في ذلك هو عدم صراحة نص المادة الأولى من قانون التحكيم الجديد رقم 27 لسنة 1994 في جواز التحكيم في العقود الإدارية بعبارة صريحة مباشرة.

ولذلك رأينا من قبل كيف أن الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة في فتواها الصادرة بعد قانون 1994، فتوى بتاريخ 18 ديسمبر 1996، عادت وتشككت في مشروعية التحكيم في العقود الإدارية سواء بشرط تحكيم أو مشارطة تحكيم، بسبب عدم اشتمال قانون 27 لسنة 1994 على حكم صريح بخضوع العقود الإدارية لهذا القانون المجيز والمنظم للتحكيم. وأكدت الجمعية العمومية في هذه الفتوى أن الطبيعة القانونية للعقد الإداري لكي تتوافق مع نظام التحكيم يجب توفير الشروط اللازمة لتحقيق هذا التوافق، ومن هذه الشروط وأولها أن يأتي نص صريح بإجازة التحكيم في العقود الإدارية وهو ما لم يأت به قانون رقم 27 لسنة 1994، كذلك من شروط هذا التوافق بين العقود الإدارية والتحكيم أن يأتي التشريع بضوابط محددة تحقق اكتمال إرادة الشخص العام في إجراء التحكيم في هذه العقود التي تتعلق بالمصلحة العامة والمال العام كان يفوض القانون جهة عامة عليا للإذن بالتحكيم في أية حالة خاصة. أما بدون هذه الشروط لا يكون التحكيم جائزاً ويبطل شرط التحكيم([38]).

ونعتقد أن تلك الضوابط التي أشارت إليها هذه الفتوى الهامة هي التي أوحت للمشرع المصري بتعديل المادة الأولى من قانون 27 لسنة 1994 بالقانون رقم 9 لعام 1997 كما سنرى الآن.

تعديل المادة الأولى من القانون رقم 27 لسنة 1994 بالقانون رقم 9 لعام 1997:

هذه هي الحلقة الأخيرة في موضوع التحكيم في العقود الإدارية، إذ استشعر المشرع المصري والحكومة عودة الخلاف في المسألة، وكانت فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع ماثلة في ذهن الحكومة والمشرع لوضع اللمسة الأخيرة الضرورية لحسم الخلاف. ومن هنا جاء القانون رقم 9 لعام 1997 في مادته الأولى ليعدل المادة الأولى من القانون رقم 27 لسنة 1994، بإضافة فقرة ثانية إلى المادة الأولى من قانون 1994 تنص على ما يلي: “وبالنسبة إلى منازعات العقود الإدارية يكون الاتفاق على التحكيم بموافقة الوزير المختص أو من يتولي اختصاصه بالنسبة للأشخاص الاعتبارية العامة، ولا يجوز التفويض في ذلك”.

ونصت المادة الثانية من القانون على أن “ينشر هذا القانون في الجريدة الرسمية ويعمل به من اليوم التالي لتاريخ نشره”.

ويلاحظ على نطاق تطبيق هذا القانون أنه أقر صراحة مبدأ جواز التحكيم في العقود الإدارية بصورة نهائية، وهذا يتضمن كافة العقود الإدارية وطنية أم ذات طابع دولي، كما يشمل جميع منازعات العقود الإدارية سواء حدثت في تفسير العقد أو مرحلة إبرامه أو تنفيذه، وأخيراً جواز التحكيم يشمل وسيلة شرط تحكيم في العقد الأصلي أو مشارطة تحكيم مستقلة في مرحلة لاحقة خاصة بأحد أو بعض منازعات العقد.

يبقى أنه من خلال نص القانون نجد أنه وضع شرطاً هاماً لتطبيق التجاء الأشخاص المعنوية العامة للتحكيم في عقودها الإدارية لضمان تحقيق المصلحة العامة، هذا الشرط هو ضرورة الموافقة المسبقة من الوزير المختص أو من يملك سلطاته. ومنع القانون الوزير المختص تفويض سلطته في الموافقة على التحكيم في العقود الإدارية. وحكمة ذلك خطورة هذه الموافقة لاتصالها بالمصلحة العامة للدولة التي لا يقدرها بالأهمية الواجبة إلا الوزير المختص أو من يملك سلطاته.

كلمة ختامية

وهكذا وصل المشرع المصري إلى أبعد من المشرع الفرنسي في إجازته للتحكيم في العقود الإدارية. فإذا كان في الحالين يجب موافقة سلطة مركزية على التحكيم هي في فرنسا مجلس الوزراء بمرسوم والوزير المختص بقرار منه في مصر، إلا أن جواز التحكيم من حيث المبدأ أوسع مدى، في مصر عنه في فرنسا طبقاً لقانون 19 أغسطس 1986 الفرنسي: فالقانون الأخير لا يسمح بالتحكيم إلا في العقد الإداري الدولي المبرم مع شركة أجنبية، كما أنه يشترط أن يحقق العقد مصلحة مشروع ذي نفع قومي. بينما في التشريع المصري الحديث جواز التحكيم يشمل كل العقود الإدارية الوطنية أو ذات الطابع الدولي، كما لا يشترط أن يتصل العقد بمشروع العقد بمشروع ذي نفع قومي. والواقع أن هذا الشرط الأخير الفرنسي لا معنى له في رأينا لأنه لا يتصور أن يبرم عقد إداري سيما وله طابع دولي ويكون مجرداً عن المصلحة أو المنفعة القومية.


[1] C.E.18 dec. 1936,prade, Dalloz 1938 P.370, C.E. 2 juin 1967, Leduc, Rec. P.365, Act. Jur.1961, p 345.

[2] حكم المحكمة الإدارية العليا بتاريخ 7 مارس 1964، مجموعة المبادئ لهذه المحكمة، السنة التاسعة ص 762.

[3] T.C. 8 Juill. 1963, soc. Enterprise peyrot, Gr. Arrest, 1974, p.527.

[4] C.E.20 avril 1956, EP. Bertin; C.E.20 avril 1956, Ministre de l’agriculture c/consorts Grimouard, Les Grands arrets 1974, p.442 et s.

(وواضح أن الحكمين صدرا في ذات اليوم)

[5] الدكتور أحمد أبو الوفا، التحكيم الاختياري والاجباري، منشأة المعارف، الإسكندرية 1987 ص 15.

[6] المحكمة الإدارية العاليا، حكم بجلسة 18/1/1994 في الطعن رقم 886 لسنة 30 ق.

[7] الفتوى رقم 661 في 1/7/1989 ص 138، مجموعة المبادئ في العقود الإدارية في أربعين عاماً ص 143.

[8] أنظر حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 886 – 30 بتاريخ 18/1/1994، سابق الأشارة إليه، انظر الدكتور ماجد الحلو، العقود الإدارية 2007، دار الجامعة الجديدة ص 247.

[9] راجع: الدكتور ماجد الحلو، العقود الإدارية، 2007، المرجع السابق ص 249-250.

[10] انظر: الدكتور جابر جاد نصار، العقود الإدارية، دار النهضة العربية ص 185 وما بعدها.

[11] راجع: الدكتور عصمت عبد الله الشيخ، التحكيم في العقود الإدارية ذات الطابع الدولي، دار النهضة العربية، عام 2000 ص 41 وما بعدها.

[12] الدكتور عصمت عبد الله الشيخ، المرجع السابق ص 26-27. وقد اقر قانون التحكيم المصري الجديد رقم 27 لسنة 1994 هاتين الصورتين للتحكيم في الفقرة الثانية من المادة العاشرة.

[13] الدكتور ماجد الحلو، المرجع السابق ص 254.

[14] أنظر الأحكام المشار إليها في كتاب الدكتور عصمت عبد الله الشيخ، المرجع السابق ص 167 هامش (1).

[15] conclusions Romieu, sous C.E.27 mars 1893 chemins de fer du  Nord, sirey 1894. P.119 et suiv.

[16] Conclusion Gazier. Sous C.E. 13 dec. 1957. Societe nationale de vente des surplus, Dalloz 1958, P.517.

[17] الدكتور ماجد الحلو، المرجع السابق ص 262.

[18] Cass. Civ. I. 14 Avril 1964, Capitaine de San Carlo, Dalloz 1964, P. 637

[19] Cass. Civ.1.2 Mai 1966, Galloz 1966, P.575.

[20] راجع الدكتور ماجد الحلو، المرجع السابق ص 262.

[21] C.E.3 Mars 1989. Rec. P.69 ذكره الدكتور ماجد الحلو ص 262.

[22] أنظر: الدكتور ماجد الحلو، العقود الإدارية، 2007، المرجع سالف الذكر ص 264، الدكتور عصمت عبد الله الشيخ، التحكيم في العقود الإدارية، المرجع السابق ص 168.

[23] الدكتور عصمت عبد الله الشيخ، ص 150-151.

[24] انظر: الدكتور عصمت عبد الله الشيخ، المرجع السابق ص 113-114.

[25] المرجع السابق ص 150 – 151.

[26] أنظر: الدكتور جابر جاد نصار، المرجع سالف الذكر ص 156.

[27] الدكتور جابر جاد نصار، المرجع السابق ص 156 – 157.

[28] أنظر في كل ذلك وغيره: الدكتور جابر جاد نصار، العقود الإدارية، المرجع السابق ص 164 – 165.

[29] الدكتور جابر نصار، المرجع السابق ص 166.

[30] أنظر: الدكتور عصمت عبد الله الشيخ، التحكيم في العقود الإدارية ذات الطابع الدولي، المرجع سالف الذكر ص 159.

[31] في الدعوى رقم 486 لسنة 39 ق.

[32] حكم المحكمة الإدارية العليا بتاريخ 20/2/1990 في الطعن رقم 3049 لسنة 32 ق، مجموعة المبادئ التي قررتها هذه المحكمة والجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع في العقود الإدارية في أربعين عاماً من أول أكتوبر 1955 إلى آخر سبتمبر 1995 ص 146. وانظر في ذات المعنى الرافض لشرط التحكيم في العقود الإدارية حكم المحكمة الإدارية العليا بجلسة 20/2/1990 في الطعن رقم 397 لسنة 19ق، وحكمها الصادر بجلسة 13/3/1990 في الطعن رقم 1675 لسنة 30 ق.

[33] فتوى رقم 661 في 1/7/1989 (جلسة 17/5/1989)، مجموعة مبادئ العقود الإدارية في أربعين عاماً ص 138.

[34] أنظر: الدكتور محمد رفعت عبد الوهاب، النظرية العامة للقانون الإداري، 2009 دار الجامعة الجديدة، ص 610 وما بعدها.

[35] فتوى رقم 211 في 11/3/1993 ـ جلسة 27/2/1993، مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا والجمعية العمومية لقسمي الفتوى والترشيح في العقود الإدارية، سابق الإشارة إليها ص 141.

[36] انظر: الدكتور عصمت عبد الله الشيخ، التحكيم في العقود الإدارية ذات الطابع الدولي، المرجع السابق ص 173-174.

[37] راجع: الدكتور جابر جاد نصار، المرجع السابق ص 171، الدكتور عصمت عبد الله الشيخ، المرجع السابق ص 177 وما بعدها.

[38] أنظر: الدكتور جابر جاد نصار، المرجع السابق ص 181 وما بعدها، والدكتور عصمت الشيخ، المرجع السابق ص 177 وما بعدها.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading