تقييم الأداء الوظيفي وعلاقته بتحسين جودة الخدمات بالقطاع العام

Written by

·

أحمد ميساوي

دكتور في الحقوق

ملخص

إن تطور الدولة من حارسة إلى أخرى اقتصادية فاجتماعية حتم عليها تطوير أدوارها التي أخذت تتسع باتساع رقعة الحاجات العامة. أدوار لآدائها كان لا بد للدولة من أن تجد لنفسها الوعاء المادي ،البشري و التنظيمي الذي ستمارس فيه هذه المهام الجديدة.

لذلك لم يكن بالإمكان الرهان على نماء أي دولة حديثة بمعزل عن جودة مرافقها العامة، جودة يتم قياسها من خلال المؤشرات التالي بيانها :

– فعالية الموارد البشرية

– جودة و ملاءمة الإطار القانوني

– تطور و مرونة الفكر الإداري المسير

فالعلاقة التناسبية بين هذه المكونات الثلاث لا تجعل من عملية تقييم الإنتاج الوظيفي عملية تقنية صرفة تتلخص في أداء مهام الموظفين فقط. بل تجعل منه عملية تسلسلية تقيم الموارد البشرية (قيميا و سيكولوجيا) من طرف فكر إداري مسير  ملتزم بإطار قانوني و تنظيمي .

ليكون بذلك التقييم الوظيفي مجموعا من التقنيات المعتمدة لقياس كل من كفاءة الموظف (المعرفية ،التقنية و المهاراتية )، قابليته لتقلد مهام أصعب  و مدى توفره على الصفات التي يتطلبها منصبه الوظيفي.

تبعا لهذا تكمن أهمية هذه العملية كمكون من مكونات الدورة الوظيفية في رفع مستوى الأداء العام للجهاز الإداري ، تحقيق الرضا الوظيفي  و كذا الالتزام المهني الذي يعود بالنفع على الفرد و الإدارة على حد سواء ، كما تمكن من التقرير في تخويل المترشح مهام إدارية أو أخرى قيادية.

و جدير بالإشارة إلى أن التقييم الذي يتم غالبا من خلال قناة السلطة الرئاسية التسلسلية يرتكز على تقييم ما يلي من عناصر : إنجاز الأعمال المرتبطة بالوظيفة،المردودية،القدرة على التنظيم،السلوك المهني،البحث و الابتكار،تطور المسار المهني للموظف من حيث الترقي و الحركية و كذا مؤهلاته المهنية .

ليكون بذلك عملية ممنهجة ذات أسس و معايير من جهة و ذات أهداف و نتائج من جهة أخرى. تتلخص أسسه في المواكبة،الشمول،الشفافية ثم الموضوعية و الفاعلية و تتراوح معاييره بين ما هو مرتكز على  النتائج و ما هو شخصي وسلوكي . ليصبو بذلك إلى قياس أحقية مكافأة الموظف أو تناسب الجزاء المراد توقيعه عليه و كذا تعريف الموظف بدرجة كفاءته على المستوى القصير أو المتوسط و تجويد تخطيط الموارد البشرية على المستوى البعيد.

يتضح مما سبق أن الموارد البشرية تشكل الحجر الأساس في دورة التقييم الوظيفي لذلك كان التفكير في تأهيلها و إصلاحها من جهة و ملاءمة الإطار القانوني المنظم لها من جهة ثانية فرض عين على الدولة و هي تنشد تحقيق الجودة الشاملة، جودة لا يتأتى تحقيقها  بجزئية الإصلاح أو قطاعيته- كما هو الحال في المغرب كدولة أنموذج مذ محاولات تقنينها للوظيفة العمومية و التخلي عن تركيز إدارتها إلى محاولات رقمنتها للإدارة – بل تتحقق بالرهان على مقاربة الكفاءات كمدخل أساسي يعتمد على التدبير السليم و التشاركي و على استقلالية قرار المسؤولين عن الموارد البشرية في إعداد و اختيار الاستراتيجية المتبعة. ما سيساهم لا محالة في تجويد الموارد البشرية ، الارتقاء بالمستويين الاقتصادي و الاجتماعي و تطوير الجانب التنظيمي.

Évaluer la performance au travail et sa relation avec l’amélioration de la qualité des services dans le secteur public

AHMED MISAOUI  

Resumé

L’évolution de l’état de son statut état gendarme à un état économique puis sociale lui a imposé le développement de ses rôles qui s’élargissent en fonction des besoins publics. Cependant, l’état était contraint à trouver des formules matériels , humaines et organisationnelles adéquates pour assurer ses nouvelles résolutions.

Par conséquent, il était inconcevable de juger la qualité de développement de n’importe quel état moderne en excluant le calibre de ses  services publiques mesurés via les indicateurs suivants :

– efficience des ressources humaines

– qualité et pertinence du cadre juridique

– développement et flexibilité de la pensée managériale

La relation proportionnelle entre ces trois composantes ne fait pas du processus d’évaluation de la production des tâches un processus purement technique qui se résume uniquement à l’exécution des tâches des employés. Il en fait plutôt un processus séquentiel  qui évalue les ressources humaines ( en matière de valeurs et de psychologie) par une pensée managériale engagée dans un cadre légal et réglementaire.

Sur ce , l évaluation est un ensemble de techniques approuvées permettant de mesurer les compétences (cognitive et techniques) de chaque salarié, sa capacité à assumer des tâches plus difficiles et sa disponibilité sur les qualités requises par son travail.

En conséquence, l’importance de ce processus en tant que composante du cycle de travail réside dans l’élévation du niveau de performance générale de l’appareil administratif, la satisfaction au travail et l’engagement professionnel qui porte profit  -à la fois -à l’individu et à la direction, et le rapport a été en mesure de responsabiliser le candidat avec des tâches administratives ou d’autres tâches de direction.

Il est à noter que l’évaluation, qui se fait souvent via le canal Serial Presidential Authority, est basée sur l’évaluation des éléments suivants: achèvement des travaux liés à l’emploi, rentabilité, capacité d’organisation, comportement professionnel, recherche et innovation, évolution du parcours professionnel du salarié en termes de promotion et de mobilité. Ainsi que ses qualifications professionnelles.

L’évaluation est donc un processus systématique avec des fondements et des normes d’une part et avec des objectifs et des résultats  visés d’autre part. Ses fondements sont la synthèse, l’exhaustivité, la transparence, l’objectivité et l’efficacité, et ses critères vont de ce qui est basé sur les résultats à ce qui est personnel et comportemental. A cette fin, elle vise à mesurer l’éligibilité de la récompense du salarié ou la proportionnalité de la sanction à signer, ainsi que faire savoir au  salarié son degré de compétence au niveau court ou moyen et améliorer la planification des ressources humaines au niveau long.

Il ressort clairement de ce qui précède que les ressources humaines constituent la pierre angulaire du cycle d’évaluation des emplois, donc penser à le qualifier et à le réformer d’une part et à l’opportunité du cadre juridique qui le régit d’autre part en imposant un œil à l’État et en cherchant à atteindre une qualité globale, qualité qui ne peut être atteinte par la partie réforme ou son secteur. – Comme c’est le cas au Maroc en tant que pays modèle depuis ses tentatives de le légaliser pour l’emploi public et d’abandonner le focus de sa gestion pour tenter de le numériser pour le management – il est réalisé en misant sur l’approche par compétences comme intrant de base qui dépend d’une gestion appropriée et participative et de l’indépendance de la décision des responsables des ressources humaines dans l’élaboration et le choix de la stratégie Suivi. Ce qui contribuera inévitablement à l’amélioration des ressources humaines, à la mise à niveau des niveaux économique et social et au développement de l’aspect organisationnel.

مقدمة:

تعتمد الإدارة للقيام بنشاطها على مجموعة من الوسائل، قد تكون هذه الوسائل قانونية تتمثل في القرارات الإدارية والعقود الإدارية، وقد تكون وسائل مادية تتجلى في الأموال العمومية، كما يمكن أن تكون وسائل بشرية تتجسد واقعيا وفعليا في الموظفين. ذلك ان الوظيفة العمومية هي مجال مرتبط بتطور الدولة، فبقدر اتساع الوظائف التي تقوم بها الدولة بقدر احتياجها إلى المرافق العامة، واحتياجها إلى إطار قانوني فعال لتنظيم هذه المرافق وخاصة ما يتعلق بالعنصر البشري.

فالدولة الحديثة أصبحت هي المسؤولة عن التخطيط للتنمية بأبعادها المختلفة، لذا يتعين عليها تنمية الإدارة عبر تطوير أجهزتها وتبسيط إجراءات العمل، والاهتمام بالعنصر البشري الذي هو الأداة الفاعلة والمتحركة داخل الجهاز الإداري برمته. لذا يجب أن يتضمن النظام القانوني للوظيفة العمومية القواعد التي تكفل حسن اختيار الموظفين عند التعيين وأثناء العمل، وأن تضمن لهم مستوى معيشي جيد حتى يقدموا الخدمة العامة للمرتفقين بطريقة فعالة.

إن الوظيفة العمومية بهذا المعنى، تعتبر من أهم المرافق التي تقدم الخدمة للمواطنين باسم الدولة، وذلك في صورة نشاط إداري يقوم به الموظفون على مستوى مختلف الإدارات العمومية والجماعات الترابية مركزيا وجهويا ومحليا. حيث تغدو الوظيفة العمومية أداة أساسية في يد الدولة لدعم التنمية وإشباع حاجيات المواطنين.[1]

وفي هذا الإطار، نجد بأن مبدأ التسلسل الرئاسي هو الغالب وذلك للحفاظ على الالتزام التام بسلطة الدولة،  وهو ما لا يترك إلا هامشا ضيقا لمبدأ المشاركة في اتخاذ القرار. وقد أدى هذا إلى وجود اختلال وظيفي في بنية الوظيفة العمومية، كما ساهم تعدد الأنظمة الأساسية الخاصة إلى ظهور العديد من السلبيات التي تقف في وجه تدبير عقلاني للموارد البشرية، وعدم التوازن بين مختلف الهيئات الشيء الذي ترتب عنه ما يسمى بالطائفية المهنية.

وفي هذا السياق يحتل تقييم الأداء الوظيفي مكانة متميزة في تقييم مردودية الموظف العمومي لكن التفكير في معالجة  هذا الأمر باستقلالية عن باقي مكونات تدبير منظومة الموارد البشرية كالتكوين والترقية والحركة ومختلف العناصر المكونة لعملية تدبير المسار المهني أو الوظيفي. أمر صعب نظرا لكون تقييم الأداء الوظيفي رهين باستقطاب جيد للموارد البشرية وتقييم موضوعي لأداء الموظفين وعلى أساسه يمكن منحهم تعويضات إما مادية أو معنوية.

ويشكل تقييم الأداء الوظيفي، مجال للتساؤل موازي لمجال تدبير الموارد البشرية والتسيير الإداري، وذلك بحجم التطلعات التي ترتسم في أفق استثمار للرأسمال البشري، قصد الرفع من الإنتاجية سواء داخل المنظمة الاقتصادية أو الإدارية أو الصحية أو الأمنية…الخ، حيث يولي الباحثون والمسؤولون عن تدبير الشأن الإداري عادة اهتماما رئيسيا لتقييم الأداء الوظيفي، لما له من وقع على مستقبل الجهاز الإداري للدولة عامة.

وتقييم الأداء الوظيفي يستمد أهمية جوهرية من أنه نظام أساسي للتغذية المرتدة التي تتخذ على ضوئها قرارات شؤون الموظفين كالترسيم في الوظيفة والترقية والنقل والحوافز التشجيعية والاستثنائية والتدريب، وهو عامل حيوي في إيجاد ودعم علاقة حجية بين الإدارة والموظفين، بالإضافة إلى أنه حافز هام لتحسين مستوياتهم في الأداء وتنمية قدراتهم الذاتية ومهاراتهم المهنية[2]

إن تقييم الأداء عملية وأسلوب استراتيجي وجزء لا يتجزأ من التخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية للعمل الإداري والإدارة، لكونه يشكل معايير واضحة ووضع شروط سليمة وشفافية لتدبير المسار المهني للموظفين. 

والتقييم الموضوعي والسليم يساهم في رفع مردودية العمل الإداري، حيث يساهم في شعور العامل أو الموظف أنه جزء لا يتجزأ من هذه المؤسسة، وتنمية روح الانتماء الوظيفي لديه. كما ان اقتناع كل موظف في المؤسسة أو الإدارة أنه عضو مهم في هذه المؤسسة، ويساهم في بناء أهدافها وتحقيق خدمة للمصلحة العامة، وأنه من الواجبات الأخلاقية والمهنية ضرورة التفاني في العمل بأمانة وإخلاص.

و يحظى موضوع تقييم الأداء الوظيفي داخل الإدارة بأهمية كبرى، ويعتبر آلية لقياس إنتاجية الموظفين و مردوديتهم، ومدى تحقيق أهداف وتطلعات الإدارة.

المبحث الأول: تقييم الأداء الوظيفي : المفهوم والأسس

تعتبر عملية تقييم الأداء الوظيفي من العمليات الهامة التي تمارسها الإدارة على جميع مستوياتها ، ابتداء من أعلى الهرم إلى أسفله، ولكي تحقق العملية الأهداف المرجوة منها، يجب التعامل معها بشكل نظامي ودقيق، وبمشاركة جميع الأطراف التي من الممكن أن تستفيد من النتائج، كما يجب مواكبة تلك العملية حتى تتلاءم والظروف التي تفرزها التغيرات على مستوى محتوى العمل وأساليب أدائه، والتغير في المهارات و الخصائص المعرفية للموظفين، والتغير في العوامل الطبيعية التي تنعكس على طبيعة أعمال الإدارات، ويخلق تبني هذه العملية من قبل الإدارة نوعا من الثقة لدى العاملين بجدية المؤسسة مما يرفع ولاءهم لها، فهي وسيلة تدفع الإدارات للعمل بحيوية ونشاط نتيجة مراقبة أداء الموظفين بشكل مستمر من قبل رؤسائهم، وتدفع المرؤوسين للعمل بنشاط وكفاءة ليظهروا بمظهر الموظفين المجدين أمام رؤسائهم، وليحققوا مستويات أعلى في التقييم لينالوا الحوافز المقررة لذلك.

إن تنمية الالتزام بالمثل والقيم الأخلاقية والاعتبارات القانونية والسلوكيات الايجابية من الفلسفات الرئيسية التي ينبغي وضعها في المقام الأول لتسير في فلكها جميع الفلسفات الأخرى المنشودة التي توصل جميعاً نحو تحسين الأداء، وبالتالي نحو رفاهية المجتمع، ذلك أن فاعلية الإنسان وكفاءته ترتبطان وتتأثران بإيمانه العميق واقتناعه بالقيم الأصيلة، والمثل الأخلاقية العالية التي تدفعه إلى تنمية معارفه

العلمية، ومهاراته السلوكية والعلمية نحو تحسين الأداء ، ومن ثم فإن القيم الأخلاقيات تؤثر في السلوك تماماً كما تمثل المفاهيم العلمية والنظريات، وأن التحدي الكبير لإدارتنا لا يكمن فقط في القدرة على استيعاب المعرفة والتكنولوجيا بقدر ما يكمن في القدرة على صياغة قيم أخلاقية وحضارية ومؤسسية جديدة في إطار تراثنا وثقافة المجتمع وشرائعه السماوية ولا يتأتى ذلك إلا من خلال دراسة الواقع وما يرتبط به من ظواهر إيجابية أو سلبية في الوحدات الإدارية[3].

إن التعرف على وثبتي القيم والمثل الأخلاقية الإيجابية التي تمكن من دعم الظواهر الإيجابية ودحر الظواهر السلبية، واتساقاً مع ما ورد، نجد أن أخلاقيات الوظيفة العامة تتمثل بمدى التزام الموظف بواجباته الوظيفية، ويعتبر الموظف مقيداً بقواعد العمل وتعليماته.

ويمثل تقييم الأداء تعريف الموظف بكيفية أدائه لعمله، وعمل خطة لتحسين وتطوير أدائه في كثير من الأحيان، وعندما يطبق تقييم الأداء بصورة صحيحة، فانه يوضح للموظف مستوى أدائه الحالي، وقد يؤثر في مستوى جهد الموظف واتجاهات المهام المستقبلية وتدعيم الجهود المبذولة لتحسين الأداء بطريقة صحيحة.  

وتبعا لما تقدم، فتقييم الأداء، هي عملية إدارية يتم من خلالها تحديد كفاءة الموظفين ومدى إسهامهم في انجاز الأعمال المنوطة بهم، وكذلك الحكم على سلوك الموظفين وتصرفاتهم أثناء العمل ومدى التقدم الذي يحرزونه أثناء عملهم.

   وللإحاطة الشاملة لتقييم الأداء الوظيفي، سنعمل على تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين : نتناول في الأول: تقييم الأداء الوظيفي: مفهومه وأهميته، أما الثاني فسنخصصه، لأسس ومعايير ومجالات استخدام تقييم الأداء الوظيفي،

المطلب الأول: تقييم الأداء الوظيفي: مفهومه وأهميته

إن التقييم وسيلة غير مباشرة للنهوض بمستوى الأداء الوظيفي، وهو أمر يحقق إذا ما علم الموظفون بصفة عامة والقادة بصفة خاصة، أن تقييمهم يتم من خلال درجة كفاءتهم في العمل سواء من حيث أسلوبهم في العمل وطريقتهم في استغلال ما تحت أيديهم من إمكانات بشرية ومادية، وما يسعون إليه من زيادة مهارتهم في هذا المجال عن طريق التدريب والتعليم، وهي الأمور التي في جملتها إذا ما تحققت لابد وأن تنعكس إيجابياً على رفع معدلات الأداء، وبالتالي فإن اهتمام الجهاز الإداري بقياس درجة كفاءة موظفيه يؤدي بطريقة غير مباشرة إلى ارتفاع مستوى الأداء العام بالجهاز الإداري وتحقيق الأهداف   المرسومة، الأمر الذي يساهم في تحقيق الرضا الوظيفي من جهة والالتزام المهني من جهة ثانية. وفي هذا السياق سوف نتطرق إلى مفهوم تقييم الأداء الوظيفي في الفرع الأول، ثم سنعالج في الفرع الثاني أهمية تقييم الأداء الوظيفي، وفي الفرع الثالث نتطرق فيه إلى  كيفية إجراء التقييم.

الفرع الأول: مفهوم تقييم الأداء الوظيفي

وقد عرف علماء الإدارة تقييم الأداء الوظيفي، بأنه: ” الإجراء الذي يتم به تقييم كفاءة الموظف بصفة دورية، خلال فترة زمنية معينة هي السنة التي تسبق مباشرة وضع التقييم”[4]. ويرى البعض أن تقييم الأداء الوظيفي يعني قياس مدى توافر الصفات اللازمة لحسن أداء وظيفة ما في شاغليها[5]. كما يعرف بأنه: ” قياس كفاءة الموظفين ومدى مساهمتهم في إنجاز الأعمال المنوطة بهم، وكذلك الحكم على سلوكهم وتصرفاتهم أثناء العمل”. كما يعرف بأنه قياس كفاءة الأداء الوظيفي لفرد ما، وحكم على قدرته واستعداده للتقدم[6].

ومن التعاريف كذلك ما أورده ” الفقيه رسلان ”  ما يراه البعض من أنه “يعني قياس أداء الموظف بالنسبة لإنتاجه وسلوكه ومعارفه، وتقدير مدى توافر مهارات وصفات معينة لديه”.

إلا أن رسلان يميل إلى الأخذ بالرأي الذي يعرف تقييم أداء الموظفين بأنه ” تحليل وتقييم أداء الموظفين لعملهم ومسلكهم، وتقدير مدى صلاحيتهم وكفاءتهم في النهوض بأعباء الوظائف الحالية التي يشغلونها وتحملهم لمسؤولياتهم وإمكانيات تقلدهم مناصب وأعمال ذات مستوى أعلى[7].

ومن أجل ضمان أكبر قدر من الفعالية أو الموضوعية للتقييم، توضع برامج خاصة لتقييم الأداء، سواء في الإدارات الحكومية أو المؤسسات أو الشركات، هذه البرامج تتبع عادة عدة خطوات لتحقيق أهدافها، تتمثل في رسم أغراض تقييم الأداء، ثم تختار الأشكال الملائمة من طرق التقييم لتحقيق هذه الأغراض، ثم تضع القواعد الكفيلة بإدارة برنامج التقييم على نحو سليم وأخيراً تراجع نتائج التقييم للتحقيق من صحتها وثباتها[8].

وقد لاحظنا أن في معظم الإدارات الحكومية والمؤسسات العمومية، لا يتبعون الطريقة الصحيحة في إعداد التقييم ، حيث إن من ضمن بنود التقييم، هي المتابعة المستمرة من قبل هذا المسؤول، على أقل تقييم بشكل أسبوعي دقيق ومن ثم تدوين ما تمت ملاحظته في دفتر المتابعة اليومي والذي من المفترض أن يكون أمام كل مسؤول شاملاً لما دون فيه من إيجابيات وسلبيات تجمعت لديه على مدار عام كامل، ولأجل المصلحة العامة ومصلحة الموظف الخاصة يجب إطلاعه عليها لكي يتجنب السلبيات ويحافظ على الإيجابيات ويطورها حتى يكون موظفاً مثالياً وهذا مطلب الموظف الناجح والمدير الناصح والإدارة المتابعة لسير العمل.

الفرع الثاني: أهمية تقييم الأداء الوظيفي

إن التقييم وسيلة غير مباشرة للنهوض بمستوى الأداء الوظيفي وهو أمر يحقق إذا ما علم الموظفون بصفة عامة والقادة بصفة خاصة أن تقييمهم يتم من خلال درجة كفاءتهم في العمل سواء من حيث أسلوبهم في العمل وطريقتهم في استغلال ما تحت أيديهم من إمكانات بشرية ومادية، وما يسعون إليه من زيادة مهارتهم في هذا المجال عن طريق التدريب والتعليم وهي الأمور التي في جملتها إذا ما تحققت لابد وأن تنعكس إيجابياً على رفع معدلات الأداء، وبالتالي فإن اهتمام الجهاز الإداري بقياس درجة كفاءة موظفيه يؤدي بطريقة غير مباشرة إلى ارتفاع مستوى الأداء العام بالجهاز الإداري وتحقيق الأهداف   المرسومة الأمر الذي يساهم في تحقيق الرضا الوظيفي من جهة والالتزام المهني من جهة ثانية. وتزداد أهمية تقييم الأداء الوظيفي، متى ما تم تصميمه بطريقة سليمة وتطبيقه بدقة واتساق وموضوعية، في تحقيق فوائد عديدة للفرد والإدارة. وهكذا يتخذ معيار الكفاءة وسيلة ناجحة للمفاضلة بين المتقدمين لشغل الوظائف الإدارية العامة والوظائف القيادية بصفة خاصة، حيث من خلال التحقق من درجة الكفاءة لدى المتقدم، يتم اختيار أنسب العناصر المتاحة، أي تلك العناصر التي تتوافر فيها القدرة على الإنجاز في كافة الظروف وبما يحقق مستوى كفاءة أعلى في أداء العمل، مما يطبع أسلوب الاختيار بالفعالية والجدية[9]. هذا وإذا كان معيار الكفاءة السالف الذكر استخدم للحكم على أسلوب الاختيار للعاملين أو القادة، فإنه يستخدم أيضاً لقياس مدى نجاح هؤلاء الموظفين الجدد وخاصة القادة منهم في الاضطلاع بالمهام الموكلة إليهم خلال فترة اختبارهم، الأمر الذي تشير كفاءتهم في الأداء إلى صلاحية استمرارهم لشغل المنصب القيادي وإلا تعرضوا للنقل إلى وظائف غير قيادية أو الاستغناء عنهم كلياً. إلى جانب هذا كله، يستخدم معيار الكفاءة أيضاً كوسيلة غير مباشرة للنهوض بمستوى الأداء الوظيفي وهو أمر يتحقق إذا ما علم الموظفون بصفة عامة والقادة بصفة خاصة أن تقويمهم يتم من خلال درجة كفاءتهم في العمل سواء من حيث أسلوبهم في العمل وطريقتهم في استغلال ما تحت أيديهم من إمكانات بشرية ومادية، وما يسعون إليه من زيادة مهارتهم في هذا المجال عن طريق التدريب والتعليم، وهذه الأمور التي في جملتها إذا ما تحققت لابد وأن تنعكس إيجابياً على رفع معدلات الأداء، وبالتالي فإن اهتمام الجهاز الإداري بقياس درجة كفاءة عامليه يؤدي بطريقة غير مباشرة إلى ارتفاع مستوى الأداء العام بالجهاز الإداري. إلى جانب هذا، يؤدي اهتمام الجهاز الإداري بقياس درجة الكفاءة في العمل إلى إبراز العديد من المؤشرات التي تظهر توافر هذه الكفاءة ودرجتها لدى الموظفين المنفذين، وهذه المؤشرات يسعى القادة الميدانيون إلى تحديدها من خلال التعمق في مراحل إنجاز العمل التنفيذي، مما يؤدي إلى زيادة فهم هؤلاء القادة بطبيعة العمل التنفيذي والجزئيات التي يتضمنها هذا العمل وما يرتبط بها من قياس لدرجة الكفاءة لدى الموظفين وكل ذلك يسهم مباشرة في ارتفاع مستوى القيادات الميدانية بالصورة التي تحقق فعاليتها ورفع مستوى أدائها.

إن الكفاءة باعتبارها مقدرة إنسانية ترتبط بشدة بالعديد من القدرات الشخصية والذهنية والنفسية للموظفين ولن يستطيع القادة الميدانيون تقدير درجة كفاءة مرؤوسيهم إلا من خلال المعرفة الجيدة لهذه القدرات ومدى توافرها لدى مرؤوسيهم، الأمر الذي يدفعهم إلى ضرورة التقرب منهم والاتصال بهم والتعامل معهم لكي يستخلصوا درجة كفاءتهم، ولاشك أن القيام بهذه الأمور يوثق الصلة بين القادة ومرؤوسيهم ويقوي العلاقة بينهم، الأمر الذي ينعكس على صالح العمل ويكون له الأثر الواضح في رفع مستوى الكفاءة في الأداء. كما يوفر تقييم الأداء أداة مناسبة للتغذية العكسية للموظفين، تمكنهم من معرفة مستوى أدائهم لأعمالهم، والإلمام بجوانب القوة والضعف فيها. ولمساعدتهم في تصحيح ما قد يكون لديهم من مواطن الضعف، وتعزيز مواطن القوة بالإضافة إلى زيادة الإحساس بالمسؤولية، متى ما أدرك الموظف أن أداءه يخضع للتقييم، وأن نتائج التقييم سيكون لها تأثير مباشر عليه، فإن ذلك يدفعه إلى بذل الجهد اللازم لأداء العمل على الوجه الصحيح، وإلى تحسين مستوى أداءه. كما أن لتقييم أداء الموظفين دور جوهري في تزويد الجمهور بمستوى عال من الخدمات العامة. والإدارات عموما أصبحت تدرك أهمية تقييم الأداء الفاعل في تنفيذ الأهداف الاستراتيجية لها، ووسيلة لتحسين الاتصالات بين الرؤساء والمرؤوسين، من حيث شعور الموظفين باهتمام الرؤساء بأدائهم وتقديم المشورة لهم للتغلب على مواطن الضعف في الأداء. وشعورهم بالعدالة متى ما اتصف التقييم بالموضوعية.

أما بالنسبة للموظفين، فان عملية تقييم الأداء بمثابة اختبار لمدى سلامة ونجاح الطرق المستخدمة في الاختيار والتعيين. إلى جانب هذا ، تستخدم نتائج التقييم في تطوير الأفراد من خلال ما توفره من معلومات حول نقاط الضعف والقوة لدى الموظفين، ومعرفة مدى قدرة هؤلاء على القيام بأعمالهم، ويساعد ذلك الإدارة في اعتماد الأسس السليمة في تدعيم نقاط القوة وتصميم البرامج التدريبية والتطويرية فضلاً عن الكشف عن مدى سلامة ونجاح برامج التدريب المتبعة[10]. كما يساهم تقويم الأداء في رفع دوافع الأفراد، حيث إن الموظفين يتطلعون دوماً إلى معرفة تطورات الإدارة عنهم وعن أدائهم بهدف السعي إلى تحسين أدائهم ذاتيا[11]. و يرى أحد الفقهاء أن إدراك الموظف بأن أدائه يخضع للتقييم وان نتائج هذا الأخير سوف يكون لها تأثير مباشر عليه، يدفعه إلى بذل الجهد اللازم لأداء العمل على الوجه الصحيح، وإلى تحسين مستوى أدائه. كما أن ذلك يعزز من شعور الرؤساء بالإحساس بالمسؤولية بمتابعة أداء موظفيهم والإحاطة بانتظام سير العمل بوجه عام والعمل الجاد على معالجة مشكلات الأداء[12].

الفرع الثالث:  كيفية إجراء تقييم الأداء الوظيفي

إن المسؤولية الأولى لتقييم أداء الموظف تعود في الواقع إلى رئيسه المباشر، ولذلك قد يكون هناك تأثير للاعتبارات الشخصية في عملية التقييم، ولهذا برز اهتمام كبير في التفتيش عن طريقة تحد من تأثير الاعتبارات الشخصية وتجعل التقييم موضوعياً وموثوقاً به بقدر الإمكان، ولا توجد خطوات محددة يمكن إتباعها عند إعداد برنامج تقييم الموظفين  في كل الظروف. ويتم التقييم بمقارنة كل موظف برفاقه ممن يؤدون نفس نوع العمل ويتم ترتيب العاملين المقدرة كفايتهم في تسلسل متدرج حسب درجة كفايتهم بالنسبة لكل صفة، وبذلك فقد يكون ترتيب موظف متقدماًّ على آخر بالنسبة لدرجة كفايته في إحدى الصفات ومتأخراً عنه بالنسبة لدرجة كفاءته في صفة أخرى. وهذا يتم تحديده عن طريق نقطة عددية والتي تتحكم بشكل ملحوظ في الترقية النظامية للموظفين، لكنه لوحظ أن النقطة تمنح الموظفين دون مراعاة المعايير المعتمدة في النصوص التنظيمية الجاري بها العمل والمتعلقة بالتقييم الفردي لأداء الموظفين، وفي هذا الإطار صدر منشور[13] يؤكد على الحرص بأن تمنح النقطة العددية للموظفين على أساس تقدير شامل لأدائهم ومراعاة لقيمتهم الحقيقية من حيث المردودية والسلوك والانضباط. كما صدر في هذا الإطار مرسوم رقم 1367-05-2 [14] الذي جاء بالمقتضيات المتعلقة بترشيح الموظفين للترسيم والترقي حيث يتم خضوعهم لتقييم يتم مرة واحدة على الأقل كل سنتين، يتضمن مقابلة مع الرئيس المباشر. وتنصب هذه المقابلة أساسا على: إنجاز الأعمال المرتبطة بالوظيفة – المردودية – القدرة على التنظيم – السلوك المهني – البحث والابتكار – والنقط الممنوحة للموظف ومؤهلاته المهنية بالنظر للمهام الموكولة إليه، وكذا تطور مساره المهني من حيث الترقي والحركية.

يعد الرئيس المباشر على إثر هذه المقابلة تقريرا يبرز مدى حاجة الموظف للاستفادة من إعادة التأهيل والحركية لممارسة مهام مناسبة لمؤهلاته، وكذا مدى استحقاقه للترسيم والترقي في الدرجة.

و بالنسبة للموظفين الملحقين فإنهم يخضعون فيما يتعلق بتقييمهم لنفس المسطرة المتبعة لتنقيطهم، حيث تتولى الإدارة التي ألحقوا بها مهمة تقييمهم وإعداد تقارير وبذلك وتوجههما مع النقطة العددية إلى إدارتهم الأصلية.

وقد أسند المشرع أمر تحديد نموذج لتقرير التقييم المذكور إلى قرار من السلطة الحكومية المكلفة بتحديد القطاعات العامة شأنه في ذلك شأن نموذج بطاقة التنقيط المعتمدة لترقية الموظفين. غير أن الشروط الحالية للتقييم والمقابلة السنوية لا تسمح بالتقييم الحقيقي للأعوان، فممارسة التنقيط مغالى فيها، ومقابلات التقييم غالبا ما تبقى شكلية، مما يجعل التقييم كما هو معمول به حاليا، لا يمكن من التعرف على الحاجيات بفعالية، ولا يمكن تبعا لذلك استعماله لتحديد التكوينات الضرورية لملائمة العون مع مهامه.[15]

المطلب الثاني: أسس ومعايير ومجالات استخدام تقييم الأداء

يعتبر الأداء المحور الرئيسي الذي تنصب حوله جهود المدراء، كونه يشكل بامتياز أهم أهداف الإدارة، حيث تتوقف كفاءة أداء أي إدارة وفي أي قطاع كانت على كفاءة أداء مواردها البشرية، والتي يفترض أن تؤدي وظائفها التي تسند إليها بكل فعالية، وحتى تضمن الإدارات ذلك، يقوم المسؤولون فيها بممارسة وظيفة مهمة ومعقدة في نفس الوقت من وظائفها، ألا وهي وظيفة تقييم أداء الموظفين، وهي وظيفة قديمة تستعمل فيها مقاييس رسمية توضع على أساس علمي وموضوعي، وهي وظيفة تتوسط وظائف إدارة الموارد البشرية، حيث تزودهم جميعا بالمعلومات الضرورية لأداء أدوارهم في الاتجاه الذي يحقق أهداف هذه الأخيرة ومن خلالها أهداف الإدارة. هذه الوظيفة ترتكز على أسس ومعايير مهمة  ومجالات متنوعة. كل هذه الأفكار سنعمل على تحليلها في الفروع وذلك على الشكل الآتي :

الفرع الأول: أسس تقييم الأداء الوظيفي

إن تقييم الأداء الوظيفي يرتكز على أسس لتقييم الموظف، سواء في أدب الإدارة أو في الواقع التطبيقي، بعض هذه الأسس توفر مجموعة من البيانات، يهم الموظفين التعرف عليها للوقوف على تقدمهم في الأداء ولكنها لا توفر مجموعة البيانات اللازمة لمتخذي القرارات في مجال شؤون الأفراد، والبعض الآخر تعتمد عليه الإدارة في تنمية العنصر البشري. هذا وتتلخص أهم أسس التقييم الفعال في أربعة أسس رئيسية وهي[16]:

– المواكبة: وتعني مواكبة عناصر التقييم لرؤية أهداف وخصوصية عمل الإدارة، فلكل إدارة أهدافها الخاصة بها التي تسعى لتحقيقها، مما يتطلب التركيز على نواحي معينة وإعطاءها قدر ووزن نسبي أكبر من الاهتمام والمتابعة.

– الشمول : ويقصد به، أن يشمل تقييم الأداء جميع العاملين في الإدارة رؤساء ومرؤوسين في كافة المستويات الإدارية، ومن قمة الهيكل التنظيمي حتى قاعدته، وتمتد محاور التقييم لتشمل مجموعة الجوانب الأساسية لقياس كفاءة وأداء استعداد الموظف للعمل والإنتاج والتطوير.[17]

– الشفافية: والتي تتحقق من خلال توفر مجموعة أدوات رئيسية، المعرفة المسبقة للعاملين بالمهام الوظيفية المكلفين بها، وبمعدلات الأداء المطلوبة منهم وبمعايير التقييم التي سيتم تقييمهم عليه، ثبات معايير ومحاور التقييم لكل العاملين بالمؤسسة[18] .

– الموضوعية والفاعلية: وحتى نضمن لتقييم الموظفين الموضوعية والفاعلية الكافية لابد من توفر عدة شروط هي مبدأ استمرارية التقييم وتعدد أساليب التقييم، تعدد الأهداف والثمرات.

إلى جانب هذا كله، يجب تحديد الأهداف المطلوب تحقيقها من التقييم والتي تشمل:

– تقدير المكافئة التي يستحقها الموظف أو الجزاء الذي يجب أن يوقع عليه وفي هذه الحالة يكون للعوامل التي تؤثر في إنتاج الموظف وفي كفاءة الإنتاج الاعتبار الأول في التقييم، ومن أهم هذه العوامل كمية إنتاج الفرد، درجة الجودة، مدى تأثير زملائه في العمل، مدى تأثيره على المرتفقين والزبائن.

– تعريف الموظف بدرجة كفاءته ونواحي الضعف فيه، وفي هذه الحالة يؤخذ بعين الاعتبار العوامل المتعلقة بالشخص نفسه، ومن أهمها الشخصية، الأمانة، القيادة، الطموح. كما يجب أن تكون الجهات المسؤولة عن التقييم متنوعة حسب الطرق الآتية:

– الطريقة الأولى: وهي قيام الرئيس بتقييم مرؤوسيه، وهي الطريقة الأكثر شيوعا، وهي التي تتماشى مع مبادئ الإدارة، وعلى الأخص مبدأ وحدة الأمر، كما أن هذه الطريقة يمكن تفويتها غالبا من خلال قيام الرئيس الأعلى من الرئيس المباشر باعتماد التقييم، ويجب أن يلاحظ أن المسؤولية الرئيسية في التقييم هي للرئيس المباشر، وان مسؤولية الرئيس الأعلى هي في ضبط وموازنة تقديرات الرؤساء المباشرين ببعضهم بعضا، وفي التأكد من إتباعهم للتعليمات بشكل سليم.

– الطريقة الثانية: وهي قيام المرؤوسين بتقييم الرؤساء، وهي تفيد في الإدارات والمواقف الحرجة، ويتم ذلك في المستشفيات والجيش مثلا، إلا أن ذلك يتم في النادر. وكتطوير لهذه الطريقة يقوم الموظفين بتطوير أنفسهم.

– الطريقة الثالثة: وهي تقييم الزملاء، وهي من أدوات التقييم النادرة ولا مخاطرة في استخدامها لأنها قد تفسد العلاقات الاجتماعية بين الزملاء لاعتمادها على عناصر شخصية في التقييم.

– الطريقة الرابعة: وهي تعني وجود لجنة من الرؤساء يقومون بوضع تقييم مشترك من بينهم لكل مرؤوس على حدة.

الفرع الثاني: معايير تقييم الأداء الوظيفي[19]:

يشمل تقييم الأداء على ثلاثة جوانب أساسية في ضوئها تتحدد أنواع معايير لتقييم هذه الجوانب أو الأنواع تصف الأداء الجيد في ثلاث نواح[20]:

– معايير تصف الخصائص الشخصية: ويقصد بها المزايا الشخصية الإيجابية مثل الأمانة، الإخلاص، الولاء، الانتماء، ولا شك أنها تنعكس إيجابيا على أدائه.

– معايير تصف السلوك[21]: يقصد بالسلوك، السلوكيات الإيجابية التي تصدر عن الموظف الخاضع للتقييم، فتشير إلى نواح جيدة في أدائه مثل، التعاون، المواظبة على العمل، المبادرة، تحدي الصعاب والمشاكل، التعامل مع الزبائن.

– معايير تصف النتائج[22]: توضح معايير النتائج ما يراد تحقيقه من قبل الفرد الذي يقيم أداءه من إنجازات يمكن قياسها وتقييمها من حيث الكم، الجودة، التكلفة، والزمن، والعائد، حيث تمثل هذه الإنجازات الأهداف المطلوبة منه.

الفرع الثالث: مجالات استخدام نتائج تقييم الأداء الوظيفي

إن معرفة المجالات التي تستخدم فيها نتائج تقييم الأداء لخير برهان وإثبات على مدى جدوى وأهمية التقييم، لأن نتيجته تستخدم في المجالات الآتية: تخطيط الموارد البشرية، الاستقطاب، الاختيار والتعيين، التدريب والتنمية، التعويضات المالية، الترقية، النقل الوظيفي، إنهاء الخدمة. وسنعمل على توضيح هذا كله في النقط الآتي:

– تخطيط الموارد البشرية:  يقدم نتائج تقييم الأداء معلومات مفيدة لتخطيط الموارد البشرية، وذلك عندما تشير نتائج تقييم الأداء إلى وجود مستوى عالي في كفاءة الموارد البشرية أو مستوى منخفض من هذه الكفاءة، والذين سوف يستغنى عنهم، ووجوب الاستعاضة عنهم بموارد بشرية جديدة من خارج المنظمة، وهذا يمثل صلب عملية تخطيط الموارد البشرية[23].

– الترقية: نتائج التقييم المستمر توضح إمكانات الموارد البشرية التي على أساسها يتم تحديد الوظائف التي يمكن أن يتدرج فيها الفرد عن طريق الترقية على مدى حياته الوظيفية المستقبلية في المنطقة.

– الاستقطاب والاختيار: عندما تظهر نتائج تقييم الأداء ضعفا في مستوى كفاءة الموارد البشرية التي جرى تعيينها مؤخرا في الإدارة من خلال إدارة الموارد البشرية فيها، هذا يقودنا في نهاية المطاف للقول: بأن نتائج تقييم الأداء تكون بمثابة المعيار الذي يشير إلى مدى نجاح هاتين الوظيفتين في أداء مهمتها المطلوبة.

– تحديد ماهية ونوع البرامج التعليمية والتدريبية: تبين نتائج تقييم أداء الموظفين عادة مواطن الضعف والقصور في أدائها، وبالتالي فإن نتائج التقييم تكشف الاحتياجات التدريبية في الإدارة، وتحديد نوعية وماهية برامج التعليم والتدريب التي تحتاجها.

– تحديد الحوافز التشجيعية: يمكن للمنظمة من خلال نتائج التقييم أن تقرر من يستحق من الموارد البشرية التي تعمل لديها الحصول على الحوافز التشجيعية بأنواعها، كالمكافآت والعلاوات…الخ[24].

– النقل الوظيفي: تعتبر نتائج تقييم الأداء معيارا هاما ووسيلة فعالة لمعرفة العاملين الذين هم بحاجة إلى نقل لوظائف أخرى تلاءم قدراتهم أكثر، بحيث يمكنه إظهارها في الوظيفة الجديدة المنقول إليها، ليزيد من كفاءته وإنتاجه في العمل.

– إنهاء الخدمة: تأخذ إنهاء خدمة الموارد البشرية من قبل المنظمة شكلين هما: الأول: الفصل أو الطرد من العمل الذي يعتبر أقسى عقوبة تفرض بحق من يعمل لديها، والسؤال الذي يطرح نفسه هما: من الذي سوف يستغنى عنه من الموظفين، الإجابة واضحة بلا شك وهي أن غالبية من يستغنى عنهم من أصحاب الأداء العادي الذي يوضحه تقييم الأداء.

المبحث الثاني: بوادر الدولة في تطوير الأداء الوظيفي

من أجل ضمان الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والمالية المتاحة، تبنت الدولة المغربية مجموعة من الإجراءات لتطبيق أفضل التطبيقات والممارسات الإدارية الناجحة، بالإضافة إلى فكر وثقافة الجودة باعتباره أحد مداخل تطوير الأداء الحكومي، إلا أن هذه السياسات اصطدمت بجملة من المعوقات تمثلت في عدم وجود رؤية ورسالة واستراتيجية واضحة للعمل تتناسب واختصاصات بعض القطاعات والمهام المكلفة بها وتكون موضع توافق من قبل الموظفين بالإدارة، وإن وجدت فإنها تكون بعيدة كل البعد عن البناء التنظيمي، كازدواجية الدور وتداخل بعض الاختصاصات بين الوحدات الحكومية[25]، وعدم استقرار الهياكل التنظيمية وتضخمها، وغياب آليات قياس معدلات الأداء الحكومي ومستويات تقديم الخدمات، وعدم وجود معايير لتقييم الأداء ومستوى الخدمات العمومية، حيث لا يمكن التعرف على مستوى الأداء أو الخدمة، ولا يمكن معرفة مدى تحقق الأهداف المخططة، وضعف كفاءة الموارد البشرية، وعدم وجود تخطيط سليم للموارد البشرية داخل الوحدات الإدارية، وضعف خطط التدريب والعائد منها، ونقص في الكفاءات المتخصصة، وتعطيل بعض الكفاءات لأسباب غير موضوعية، وعدم التوازن بين التقليد والحداثة، حيث توجد في بعض الوحدات جوانب وممارسات تقليدية وفي نفس الوقت يوجد بها جوانب حديثة متمثلة في التكنولوجيا المستخدمة وفي طموحات بعض العاملين. وتخلق هذه الازدواجية حالة من عدم الفعالية داخل هذه الوحدات، وارتفاع مستوى وإمكانات التكنولوجيا المستخدمة في بعض المؤسسات والأجهزة الحكومية عن مستوى وإمكانات العاملين عليها والمتعاملين معها، فمن الملاحظ وجود قصور على سبيل المثال: استخدام أجهزة الحاسب الآلي إذ يتوقف معظم تعامل الموظفين مع هذه الأجهزة عند حدود إدخال البيانات، ومن المعوقات القانونية والتشريعية عدم مرونة بعض القوانين والقرارات المنظمة للخدمات الحكومية وقصورها في معالجة المستجدات في عالم الإدارة وتركيزها على المخالفات والعقوبات وليس الدعم والتشجيع وتبسيط الإجراءات وغير ذلك من المضامين التي تتسق مع مفهوم التطوير الإداري، وضعف التنسيق بين الأجهزة المختصة حول التشريعات المنظمة لسير المرافق العامة بالدولة وتعدد واختلاف الأنظمة المعمول بها في وحدات الجهاز الإداري بالدولة وان تشابهت الأهداف بين مختلف المتدخلين.

هذه الأفكار سنعمل على التعمق فيها من خلال مطلبين، نتناول في الأول، إصلاح الموارد البشرية كعامل لتحقيق الجودة. أما الثاني فيكون تحت عنوان: الدولة وسعيها إلى جودة الخدمات و تدبير الكفاءات

المطلب الأول: إصلاح الموارد البشرية كعامل لتحقيق الجودة

إن الجودة ترتكز على سياسة تهيئة وتحريك كل الموارد البشرية داخل الإدارة، وقد ازداد الاقتناع بأن المورد البشري أصبح المورد الاستراتيجي الذي تتمحور حوله كل موارد الإدارة، وهو ما يفرض تنمية قدرات الموارد البشرية عن طريق الاستماع، الثقة، المشاركة، والاستقلالية، فوظيفة التدبير لم تعد التسيير والإدارة، ولكن الإبداع والتغيير والتعبئة البشرية، فالإدارة بأكملها معنية بمسلسل الجودة من القاعدة إلى القمة، فهي كل متكامل يتكون من مجموعة من الأنظمة الفرعية من خلال الوظائف والأنشطة والأهداف والهياكل والعلاقات المختلفة، وهي كذلك كل لا يتجزأ بل هي متكاملة متفاعلة في بيئة متغيرة، فالجودة كمفهوم شامل هي جزء أساسي من عمل الإدارة اليومي وهذا يتطلب ضرورة وجود دوافع داخلية لدى جميع الموظفين لتحسين الجودة وتدريبهم على استخدام الأساليب الإحصائية للرقابة على الجودة العملية والإنتاجية في كافة المجالات.

إن اعتبار الإدارة كنظام للتدبير يعود إلى القول: بأن الإدارة مجموعة مكونة من غايات وتنظيم معد لتحقيقها ووسائل مخولة وإكراهات ترتبط بالمميزات الخاصة بهذه الغايات.

وككل تنظيم لابد وأن تتوفر الإدارة على عدة وسائل منها: الوسائل البشرية والتي هي الوظيفية العمومية التي تزود الإدارة بالوسائل البشرية، فالإنسان يعتبر محور العملية الإنتاجية داخل مؤسسة عمومية، ويؤثر بشكل على مستوى أدائها، لذا فإن أهم محور لعقلنة المؤسسة العمومية ينطلق من تنمية مواردها البشرية.

واستنادا إلى كل هذا سنتطرق إلى إصلاح الموارد البشرية كمقدمة الإصلاحات (الفرع الأول) في حين ان انحراف هذا العنصر على طريقه يأتي بانحراف السلوك الوظيفي (الفرع الثاني)وأخيرا مراجعة نظام الوظيفة العمومية لتأمين خدمة عمومية (الفرع الثالث )

الفرع الأول: إصلاح الموارد البشرية

تعتبر إدارة الموارد البشرية ركيزة أساسية من ركائز إدارة الجودة الشاملة، وتأتي أهمية هذه الركيزة من منطلق أن تحقيق مستوى عال من الجودة يعتمد على الاستخدام الأمثل لمهارات وقدرات الموظفين في الإدارة، ولتحقيق إنجاز ذا مستوى عال، فمن الضروري أن تعمل الإدارات على تدريب وتثقيف وتعليم موظفيها، وتعمل على الاستفادة من كل القوى الكامنة للموارد البشرية فيها وتطويرها، وأن توفر البيئة التي تؤدي إلى المشاركة الكلية

إن الاهتمام بالموارد البشرية يرجع أساسا إلى اعتبار العنصر البشري الذي يمثله الموظف بالنسبة للإدارة بمثابة المحور الجوهري في نجاح أية إدارة، والعامل الأساسي في كسب الميزة التنافسية والحفاظ عليها، وفي ظل تحديات التحول الاقتصادي وتحديات التنمية التي يشهدها العالم، وهذا بالضبط ما مكن دولا عديدة من أن تبرز كقوة اقتصادية مؤثرة وفاعلة على المستوى العالمي[26].

وحتى تتحقق الإدارة الفعالة للموارد البشرية، فإن ذلك يتطلب البحث المستمر عن أفضل الأساليب لاختيار هذه الموارد واستخدامها ومراقبتها لتحقيق أهداف الإدارة، وفي نفس الوقت يتطلب قيام الإدارة بتحقيق أهداف العنصر البشري المتنوعة والمتعددة والمختلفة من خلال التعريف على حاجات ورغبات الموظفين والعمل على إشباعها، مما يولد لديهم الحافز على المزيد من العطاء والمثابرة.

ويزداد دور العنصر البشري في إدارة أهمية وتعقدا خاصة إذا عملنا أن كل العناصر غير البشرية هي عناصر شبه ثابتة لا تتغير، حيث يمكن الاستفادة منها بشكل كامل ودقيق وواضح، بينما الإنسان يعتبر عنصرا متغيرا نظرا لتأثره بالتحولات الظروف المادية والمعنوية في العمل، وبالتالي فإن مردوديته تتغير إما زيادة أو نقصانا تبعا للعديد من العوامل الداخلية المحيطة أو الخارجية.

ولاشك أن هذه الأهمية وهذا الدور الكبير الذي يحتله الموظف داخل الأجهزة الإدارية سواء كان رئيسا أو مرؤوسا، يدفع إلى البحث عن وسائل وسبل تحقق رضاه وتلبية حاجياته الأساسية، وكذا تجنب بعض المظاهر المحيطة به والتي تؤثر على الأداء الوظيفي له، وبالتالي تتراجع جودة الخدمات الشيء الذي يجعل المواطن ينفر من الإدارة.

ويعتبر التحفيز كأحد الدعامات الأساسية للتغيير التنظيمي، ويدل على مسار مركب من عناصر فردية وأبعاد تنظيمية بهدف بلوغ لها غايات محدد. وهو مطلبا هام وضروري للتصدي لمجموعة الممارسات السلبية التي تسود داخل الإدارة العمومية باعتباره يساهم في رفع دافعية الأفراد للعمل بشكل جدي ومسئول مما ينعكس إيجابا على الإنتاجية والمردودية الإدارية.

إلى جانب التحفيز يجب على المؤسسة العمومية أن تهتم بالتكوين المستمر لمستخدميها للرفع من كفاءتهم، فتكون المستخدمين يعتبر وسيلة من وسائل التدبير التي تكتسي أهمية بالغة، خاصة مع التطورات التي يعرفها الاقتصاد العالمي.

وينقسم التكوين إلى تكوين مهني، وتكوين تقني، ويمكن أن يتم في مجموعة من المراحل المهنية التي يمر بها المستخدم، سواء عند الحصول على عمل لدى المؤسسات أو عند الانتقال أو الترقية أو عند الحاجة إلى إتقان استخدام وسائل حديثة.

إلى جانب ذلك يجب تشجيع العاملين على الخلق والإبداع والمبادرة والمشاركة في تطوير العمل داخل مؤسساتهم.[27]

واستنادا إلى ما سبق يمكن القول: إن العنصر البشري هو من أهم العناصر التي لها دور أساسي في نجاح تطبيق مفهوم إدارة الجودة الشاملة، فمن خلال العنصر البشري يحقق رضا الزبناء أو متلقي الخدمة، وبالتالي فمن الضروري تحفيز العنصر البشري ومعاملته باحترام وتقدير، وذلك لإيجاد نوع من الالتزام بداخله تجاه تطبيق إدارة الجودة الشاملة.

إن ضرورة العصر الحديث تفرض مسايرة مختلف التطورات المجتمعية، فتقدم الإدارة العامة وتطور أساليبها، وامتدادها إلى مجالات كثيرة ومتعددة، جعل هذه الإدارة تتعامل مع جمهور عريض وواسع ومتنوع المستويات من مرتفقين ومتعاملين ومستفيدين ومكلفين، الأمر الذي يحتم ضرورة الاعتناء بمسألة استقبال هذا الجمهور عبر إنشاء مصالح مختصة، ورصد الإمكانيات المتطورة والكافية لذلك، وكذا العمل على تنمية وتدريب الأفراد الأكفاء والصالحين لعملية الاستقبال والإرشاد والتوجيه لأن هذا الأمر يساعد على حل بعض المشاكل الإدارية والتخفيف من حدة معاناة الجمهور المتعامل مع الإدارة.

فمعظم القادة الإداريين لا يولون لمهمة استقبال المواطنين وتوجيههم الاهتمام اللائق بها، إذ يعتبرون ذلك الكماليات والجزئيات الثانوية، متجاهلين لما لموضوع الاستقبال من تأثير مباشر على علاقة الإدارة بالمواطنين، إذ أن انطباعهم عن الجهاز الإداري يبقى في غالب الأحيان رهينا بجودة الاستقبال الذي يخصص لهم عند تعاملهم مع الإدارة[28].

الفرع الثاني: إصلاح انحراف السلوك الوظيفي

تؤكد نتائج إحدى الدراسات الحديثة والتي أجراها المعهد الوطني للعلوم الإدارية في سنة 2008، بعدم ملائمة المستوى الجديد للأجور والجهد المبذول في العمل والاحتياجات المعيشية، وعدم مراعاة نظام الأجور الجديدة لمستوى خط الفقر إذ أن الحد الأدنى للأجور لا يتجاوزه، ولم يراع كذلك الاختلافات الفردية بين الموظفين، مما يدفع الكثير منهم إلى ممارسة سلوكيات غير أخلاقية بغرض سد الاحتياجات الأساسية. ويعتقد تأثير الحوافز على مفاضلة الأفراد بين الخيارات السلوكية على أساس التكلفة والعائد من ناحية ونظرة المحيطين بالفرد وإدراكهم لنتائج ذلك السلوك، أو العلاقة المدركة بين السلوك والحوافز المادية والمعنوية المستلمة مقابل ذلك السلوك. ولهذا وجب توجيه الأفراد والجماعات نحو السلوك الأخلاقي المرغوب، ودفع الموظفين في الإدارة أن يسلكوا السلوك الذي يكافؤون عليه، ويتجنبون السلوك الذي يعاقبون عليه، وغالبا ما يسأل الفرد نفسه أثناء المفاضلة بين السلوك الأخلاقي وغير الأخلاقي عن النتائج المتوقعة الإيجابي منها والسلبي. ويفترض عدم انتظار وتوقع الفرد مكافأة نظير فاعلية أداء واجباته الوظيفية، وسلوكه الأخلاقي لأن ذلك واجبه، ولكن يكافأ في حالة تميزه الأخلاقي في تعامله مع المستفيدين من خدمات الإدارة. ويسود اعتقاد خاطئ لدى أغلب موظفي الإدارات المختلفة، بضرورة الحصول على مكافأة مقابل أداء الواجبات الوظيفية، وأن ما يتلقاه الفرد من مرتب شهري ما هو إلا نوع من الضمان الاجتماعي والذي يجب أن تمنحه الحكومة لمواطنيها.

إن الدولة اليوم ومن خلال الإدارة العامة لا تزال تتموضع في قلب فضاءات التنمية ومجالات التطور فهي بالتأكيد نقطة الانطلاق التي يجب أن يمر منها مسلسل التنمية اعتبارا لمكانتها الواعدة في الحياة العامة[29].

هذا الدور الذي تلعبه الإدارة العامة لا يقتصر على دول العالم الثالث، بل إن من الدول الغربية لا تزال الإدارة العامة فيها هي الجهاز الأكثر تأثيرا في مختلف مجالات الحياة، فبرغم انخراط هذه الدول في نظام السوق، إلا أن دورها لا يزال جوهريا، فهي التي تسهر على تأثير الحياة الاقتصادية وتنظيم المنافسة والاحتكار، وحماية العمال، حماية المقاولات الوطنية والمستثمرين المحليين، كما لا يخفى دورها الاجتماعي بل أن دورها في هذا المجال لا يمكن تعويضه، التضامن الاجتماعي تكافؤ الفرص، حماية ذوي الدخل المحدود ومحاربة الفقر.

وعلى هذا الأساس يبقى إذن تدبير الموارد البشرية داخل الإدارة بالشكل الأمثل، هو الرافعة الأكثر متانة وقدرة على إدارة الجودة، وعلى العكس من هذا قد تعرف الجودة تراجعا حينما يتم استفحال بعض الظواهر التي تنم عن الانحراف في السلوك الوظيفي من حيث الإخلال بالواجبات الإدارية من طرف الموظفين، هذه الواجبات في مجملها تهدف إلى تأدية الأعمال الإدارية على أحسن وجه بغية تحقيق متطلبات المواطن، والابتعاد عن الأعمال السلبية ذات التوجيه المنحرف من تعسف في استعمال السلطة وتبني بعض التصرفات المشينة من رشوة ومحاباة وفساد إداري، فالواجبات الوظيفية تفرض على الموظف بتأدية الأعمال المنوطة به بنفسه مع تحمله لمسؤولية سير هذه الأعمال في حدود اختصاصه مع إظهار كل قدراته ومعلوماته الوظيفية في ذلك، ومراعاة آداب اللياقة مع زملائه ورؤسائه وكذا الجمهور، إضافة إلى البعد عن مواطن الشبهات وعدم استغلال السلطة الإدارية لأغراض شخصية والخروج عن هذه المبادئ والوجبات يعد انحرافا وبالتالي قد ينعكس على جودة الخدمات التي تعتبر المطلب الأساسي للمواطن.

وإتباعا إلى هذا يمكن القول: إن الإدارة العلمية حين حاولت ترشيد عمليات الإدارة والإنتاج عن طريق استخدام أفضل الطرق والوسائل، ركزت على الجوانب المادية لتحفيز العاملين على زيادة الإنتاج وأغفلت العوامل الاجتماعية والإنسانية التي تهم العامل الأساسي كإنسان وكعنصر مجتمع والتي ربما تدفع به لزيادة الإنتاج بصورة أكبر مما فعل الحوافز المادية، هذا عن الإدارة العلمية، أما عن نموذج ماكس فيبر النموذجي وإن أتى من عالم اجتماع فهو يتفاعل مع الفرد المكون للتنظيم كإنسان له أحاسيسه ومشاعره وأماله بل تعامل معه كآلة صماء وذلك بتركيزه في الحديث عن التنظيم الرسمي وإغفاله كليا التنظيم غير الرسمي وهو المعبر عن مشاعر وأحاسيس الفرد وارتباطاته داخل التنظيم وخارجه.

وفي إطار تخليق المرفق العمومي دائما عملت وزارة تحديث القطاعات العامة على إنجاز ميثاق حسن سلوك الموظف العمومي وهو ميثاق يحدد المبادئ والضوابط العامة التي ينبغي أن تؤطر سلوك الموظف العمومي، سواء داخل الإدارة أو في علاقته مع المرتفقين، ولاشك أن الالتزام بهذا الميثاق الذي يشكل عنصرا من المنظومة العامة لتخليق الإدارة سيساهم في تدعيم ثقافة المرفق العام وبث روح المسؤولية والانضباط لدى الموظف العمومي وبالتالي الرفع من مستوى الخدمات المقدمة للمرتفقين[30].

إذا كان ميثاق حسن التدبير تجسيدا لإرادة حكومية فإن المفهوم الجديد للسلطة هو إرادة ملكية جاءت مجسدة في خطاب العرش بتاريخ 12 أكتوبر1999 أمام المسئولين عن الولايات والجهات والأقاليم، والذي شدد فيه جلالة الملك على نهج أسلوب جديد للسلطة مبني على رعاية المصالح العمومية والشؤون المحلية والحريات الفردية والجماعية والسهر على الأمن والاستقرار وتدبير الشأن المحلي والمحافظة على السلم الاجتماعي وإنعاش الاستثمار ومساعدة المقاولات على التوسيع وتبسيط المساطر[31]،

إن الاستيعاب الحقيقي للمفهوم الجديد للسلطة، لا يمكن أن يتم دون قراءة الظرفية التاريخية التي جاء فيها والتي تتميز بكونها مرحلة بناء الدولة الحديثة المؤسسة على مفاهيم ومبادئ الحق والقانون، إضافة إلى مرحلة الانتقال الديمقراطي التي يعيشها المغرب منذ مدة إطار تجربة التناوب مع ما صاحبه من مناخ متجدد ودعوات مختلفة للتغيير والإصلاح والحداثة.

هكذا يمكن استجلاء مميزات وخصائص المفهوم الجديد للسلطة المستمدة من الخطاب الملكي كما يلي:

– احترام الشرعية والتشبث بمبادئ الدولة الحق والقانون، عقلنة تدبير مختلف الموارد، تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، توخي خدمة المصلحة العامة، احترام حقوق الأفراد والجماعات[32].

فأهم ما يميز المفهوم الجديد للسلطة هو طابعه الإصلاحي، إذ يتوخى تصحيح وضع شاذ ترتيب عن تضخم الجهاز البيروقراطي، فضلا عن مخلفات الإرث التاريخي الذي تمثله إدارة المخزن، ثم الإدارة العصرية التي ارتبط تأسيسها بالاستعمار مما عزز الطابع السلطوي للإدارة في الوقت الذي ينبغي أن تكون فيه أداة للتسيير والتدبير النقابي وأداة للتنمية الوطنية. فتأسيسا على ذلك فإن السلطة في مفهومها الجديد تستهدف كبرنامج إصلاح علاقة الإدارة بالمرتفقين أساسا، وتكريس إدارة القرب عبر الانفتاح على المواطنين والاحتكاك المباشر بهم والملامسة الميدانية لمشاكلهم.

– تفعيل إدارة متطورة قادرة على التفاعل مع محيطها تتماشى وتتكيف مع التطورات التي يشهدها المجتمع وتعكس انشغالاته وتطلعاته إذ ترتبط إنجازات الإدارة ونجاحها بشروط اندماج الاجتماعي والاقتصادي[33].

وعليه، فإن المفهوم الجديد إذا كان يستهدف في العمق إرساء إدارة مواطنة فتفعيله يتطلب إدخال مجموعة من الإصلاحات المتمثلة في تبسيط المساطر، ذلك أن كثرة المساطر والإجراءات وتعقدها يعد من الأسباب الرئيسية للفساد الإداري حيث يتم استغلال هذا التعقيد واستثماره لمساومة المتعاملين مع الإدارة وابتزازهم.

الفرع الثالث: مراجعة نظام الوظيفة العمومية لتأمين خدمة عمومية

يشهد عالمنا المعاصر منذ عقد الثمانينيات وحتى اليوم، أحداثاً عالمية مذهلة متسرعة أحدثت تحولات جذرية وعميقة في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي، أسفرت عن نتائج وتطورات هامة، وضعت العالم وشعوبه المختلفة أمام متطلبات وتحديات جديدة، وجعلتها تبحث عن سبل مختلفة تمكنها من تلبية احتياجات العصر ومواجهة تحدياته وبالرغم من تنوع وتعدد هذه التحديات والمتطلبات إلا أن التحديات الاقتصادية تقع في موقع الصدارة، لأنها تشكل، كمدخل مناسب للدفاع عن مصالحها المختلفة، ومن أجل ضمان مواقع مناسبة تحميها من التغيرات المتسرعة ونتائجها المحتملة وغير المحمودة[34]

ويمكن القول: إن التحديات الاقتصادية أصبحت أحد حقائق الواقع المعاش
في الأقطار العربية في الوقت الراهن، ومن أخطر المشاكل، فلا يخلو أي خطاب سياسي أو منتدى فكري من التصدي إليها، وليس من قبيل المبالغة القول بأن مواجهة هذه التحديات أصبح هو المقياس الحقيقي لنجاح الإصلاح الاقتصادي في الدول العربية على وجه العموم.

ولقد بينت التجربة أن الدور الأساسي للوظيفة العمومية يتمثل في خدمة المواطن وتنظيم الإنتاج وتقديم خدمة عمومية تساهم بفعالية في تطوير القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، فالتقدم المضطرد الذي عرفه العالم أبان عن اختلالات
في منظومة الوظيفة العمومية، تستلزم مراجعة في اتجاه تطوير الإطار القانوني والتوجهات العامة، وكذلك تطوير خدمات هذه المنظومة التي تخصص لها الدولة جزء كبيرا من مداخيلها، وينبغي إيجاد توازن بين إمكانيات الدولة وبين ما تؤديه هذه الأخيرة كرواتب لموظفيها “كي لا تسقط في متاهات المشاكل الاقتصادية” ،مع الحرص على تخليص المواطن من الصعوبات التي يلاقيها في تعاملاته مع الإدارة العمومية عبر عقلنة الإدارة وتطوير تقديم الخدمات العمومية، خاصة وان هذا القطاع يؤثر مباشرة على جلب الاستثمارات. وعلى الدولة بلورة رؤية وطنية مشتركة ومنسجمة حول آفاق تطوير نظام الوظيفة العمومية عبر توحيد الجهود من أجل تأهيل الإدارة وإرساء دعائم إدارة مواطنة وفعالة ومنفتحة وشفافة ومواكبة لتطوير محيطها وقريبة من المرتفقين بما يكفل خدمة المواطن والمقاولة وتلبية حاجيات التنمية المستدامة.[35]

إن إعادة تكييف منظومة الوظيفة العمومية مع تطورات ومناهج التدبير العمومي الحديث يهدف إلى تأسيس وظيفة عمومية عصرية ومتطورة قادرة على كسب الرهانات، فتجارب عدد من الدول في مجال تطوير الوظيفة العمومية أبرز أهمية ملاءمة التشريعات مع متطلبات التطور، فالتحولات التي تعرفها الدول العربية تتطلب تدبير الموارد البشرية وتأهيلها للرقي بمستوى الخدمات التي تقدمها للمواطن، وضرورة الأخذ بعين الاعتبار لمتطلبات التطور الذي يعرفه العالم بهدف إرساء أسس إدارة مواطنة تواكب المستجدات التي تعرفها مهام الإدارات العمومية وتستجيب لمبادئ الحكامة الجيدة ولمتطلبات التدبير العمومي الحديث.[36]

ولقد اتخذت الدولة سلسلة من الإجراءات  الهادفة إلى تحسين أداء الموظف وتطوير آليات العمل الوظيفي، وقد تفوقت مؤسسات القطاع الخاص على القطاع العام بمستويات الرضا من خلال المشاركة المرتفعة في بيئات العمل، حيث نما لدى مواطني الدول الاهتمام بالنمو الوظيفي والتعلم والتطوير وسياسة الموارد البشرية الواضحة أكثر من الاهتمام بالأجور. كما عكفت  مختلف الإدارات في السنوات الأخيرة على إصلاح البنية النظامية للوظيفة العمومية عبر مراجعة مجموعة من النصوص التشريعية والتنظيمية التي تخص الوضعية الإدارية لموظفي الدولة من أجل الانتقال بالإدارة من نظام تقليدي يرتكز على تسيير الحياة الإدارية للموظف إلى إرساء منظومة حديثة لتدبير الموارد البشرية، حيث أدى التوسع الكبير في المنظمات والمقاولات إلى تزايد عدد المستويات الإدارية، وتطور أعداد الموظفين بها، مما يتطلب ضرورة توجيه مزيد من العناية إلى إعداد وتطوير الموارد البشرية عن طريق تخطيط وتطوير المسار الوظيفي لها، وبالشكل الذي يمكن من إعداد الأطر البشرية القادرة على الوفاء بأهداف الإدارة وتحقيق النتائج بالمستوى المطلوب .[37]

إننا نعيش في عصر التحديات، حيث تتلاحق الأحداث مما يؤدي إلى تغيير الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما يفتح آفاقا جديدة، وفرصا جديدة للعمل والإنتاج، وفي نفس الوقت يخلق مشاكل جديدة من ذلك زيادة المنافسات العالمية في المجالات الصناعية والتجارية، وظهور أوروبا كقوة ثقافية واقتصادية وما يشهده العالم من تقدم تكنولوجي لمس جوانب حياتنا المعاصرة.

هذه التحولات تحتاج إلى اهتمام الإدارة بها للتفكير في حلها، وإعداد الموظفين في كافة المجالات وتأهيلهم تأهيلا صالحا وفاعلا.

ويمثل الإيمان بقيمة العمل من خلال المؤسسات منعطفا حاسما في مسيرة أي مجتمع، فمن خلالا وعي أفراد المجتمع واتضاح رؤيتهم للتحديات، يدركون عجزهم كأفراد الوقوف أمامها. وهنا تصبح مسألة تكاتف الجهود وتكثيفها من خلال العمل في إطار المؤسسات مخرجا عقلانيا لانفكاك مجتمعهم من براثن التخلف، إن المجتمع الذي لا يستطيع أن ينمي موارده البشرية لن يستطيع أن ينمي أي شيء آخر فيه بصورة إيجابية.

إن إدارة القرن الواحد والعشرين لا تترك مجالا للأساليب غير الموضوعية لتؤثر على قراراتها ، بل تعتمد على الأدوات العلمية والموضوعية التي أثبتت صلاحياتها، والتي تساعدها في الوصول إلى قرارات أكثر جودة وفاعلية في مجال إداراتها لمواردها البشرية.

المطلب الثاني: الدولة وسعيها إلى جودة الخدمات وتدبير الكفاءات

عملت ﺍﻹﺩﺍﺭﺓ العمومية ﻋﻠﻰ مواصلة تحقيق المنجزات التي شرعت ﻓﻲ تنفيذها منذ سنوات، تحذوها الرغبة الأكيدة في الوصول إلى النتائج المحددة وفق معايير موضوعية وواضحة، حيث أصبحت الحاجة للتغيير في أساليب العمل الإداري أكثر إلحاحا، خاصة مع بداية الألفية الثالثة. كما أن التطور المتسرع في التكنولوجيا أثر على المؤسسات العالمية منها والمحلية، وكذلك البيئة الديمغرافية للموارد البشرية، حيث إن الإدارة الحديثة تتطلب مجموعة مختلفة من المهارات، تعتمد أفكارا ومهارات الموظفين وقيمهم .

وفي عصر العولمة والانفتاح الذي يميز عالم اليوم، وما يترتب على ذلك من حتمية التحول من البناء الإداري الهرمي التقليدي إلى البناء الأكثر انفتاحا ومرونة[38] بيد أن التفعيل ﺍﻷمثل لهذه الأفكار و ﺍﻷﻭﺭﺍﺵ التنموية لن يستقيم ﺇﻻ بالجهوية المتقدمة ﻭ اللاتمركز الإداري، اللذين يعتبران عماد الدولة العصرية .

والجدير بالتأكيد، ﺃﻥ هذه الرؤية تستمد أبعادها من نتائج ﻭ خلاصات الدراسات التشخيصية التي ﺃنجزت في هذا الإطار، وكذا من توصيات ﺍلندوات والمناظرات المنظمة حول ﺍﻹﺩﺍﺭﺓ، والتي ﺃكدت على أن الجهاز الإداري، بالرغم من كل المجهودات المبذولة، ﻻ ﺯﺍﻝ يعاني من ضعف آليات التنسيق عند إنجاز المشاريع المشتركة بين الوزارات على المستوى المركزي والمحلي، مما يقضي إلى غياب ﺭﺅية موحدة ﻭ مشتركة لتحديث ﻭ تحسين ﺃﺩﺍء القطاع العام . واقتناعا منها بحتمية تجاوز الإختلالات والإكراهات المتعددة، اتخذت الدولة مجموعة من الإجراءات القانونية تؤطر تحديث القطاعات العامة، فالمنجزات التي تحققت في مجال تحديث وإصلاح الإدارة تعد ثمرة جهود، على الرغم من الصعوبات ﻭ تنوع ﻭ تعدد متطلبات المجتمع الذي يعيش تحولات كبرى تقتضي البحث عن آليات جديدة تمكن من الإسراع  في إنجاز برامج التحديث بأفضل الطرق وأنجعها، ومن الضروري التأكيد في هذا الإطار، بأن معظم المشاريع التحديثية قد عرفت طريقها نحو التنفيذ، تبعا للبرامج الحكومية والتي مست بالأساس الارتقاء بمستوى ﺃﺩﺍء مختلف القطاعات العمومية، ﻭ ﺩعم إمكانياتها ﻭ قدراتها التدبيرية ﻭ ﺇﺩخال تعديلات جوهرية في طرق معالجة المشاكل التي تواجهها، ﻭ في أنماط وآليات التدبير ﻭ جعلها في مستوى رفع التحديات في مختلف الميادين خدمة للمتعاملين معها. وبهذا يمكن القول: إن الدولة تعمل جاهدة على تحقيق الجودة وتحسين الأداء في كل قطاعاتها، مع الأخذ بعين الاعتبار تدبير الكفاءات للوصول إلى جودة عالية. هذه الأفكار سنعمل على تحليلها في فرعين اثنين، نتناول في الأول: الدولة وسعيها إلى جودة الخدمات وتحسين الأداء، وفي الفرع الثاني سنعالج نقطة متعلقة تدبير الكفاءات كمد خل أساسي لتحقيق الجودة.

الفرع الأول: الدولة وسعيها إلى جودة الخدمات وتحسين الأداء

إن الإصلاحات التي قامت بها الدولة في مجال الوظيفة العمومية ، قد أظهرت عدم فعاليتها في إرجاع الأمور إلى نصابها، إذ لم تستطع إعطاء الوظيفة العمومية وجهها الحقيقي، ولم تتوفق في تحقيق التوازن المنشود داخل الجهاز الإداري خاصة وأن هذه الإصلاحات لم تأت إلا بحلول جزئية و ترقيعية لم يكن لها إلا أن تجهض. فالجهاز الإداري يشكو أكثر أزمة مشاركة واندماج بحيث لا يتم إشراك المعنيين في مسلسل اتخاذ القرار، وفي عملية تسيير المصالح الإدارية، مما يجعل القرارات المتخذة في غالبية الأحيان غير ملائمة، وتؤدي بالتالي إلى سوء التدبير بسبب سواد الأساليب البيروقراطية والميل أكثر إلى التركيز الإداري وسد الباب أمام الطاقات الواعدة. ثم إن هناك الإشكالية المتعلقة بتضخم القطاع العام، فكلما كبر حجم هذا الأخير واتسعت مجالاته، كلما ازداد الميل نحو الفساد وهو ما يؤدي إلى بيروقراطية ذات توجهات وغايات تعنى بالتوزيع  حسب معاييرها لا بالإنتاج. ففي الوقت الذي تضطلع فيه البيروقراطية بمهمة التخطيط والتخطيط المرتجل بدلا من تركها لآلية السوق، تبدأ الممارسات الفاسدة بالتكاثر والازدياد خصوصا وأن الآلية التنظيمية تعاني من ثغرات قانونية وعدم تحديد المسؤوليات والمهام.[39]

لا أحد يجادل في أن الإدارة لها دور أساسي في التنمية وهي بهذا الاعتبار يمكن أن تكون عنصرا فاعلا في مسلسل التنمية، كما يمكن أن تشكل عائقا كبيرا أمامها. وعلى هذا الأساس تم الاهتمام تباعا بالميادين التالية: الاهتمام أولا بالعنصر البشري، ثم في مرحلة لاحقة الاهتمام بالهياكل والإجراءات الإدارية، وخاصة بإنجاز إطار تنظيمي للوظيفة العمومية، ثم اهتمت الحكومات بإرساء دعائم الإدارة المحلية ثم كرست جهودها لتنمية وتكوين الإطارات الإدارية الكفأة عن طريق مؤسسات التكوين.

وابتداء من السبعينات أبدت الدولة اهتماما بإصلاح وتحسين نظام الرواتب، ثم عكفت على تحديد المسؤوليات والمهام بين مختلف الإدارات. وبالطبع فإن هذه المنهجية في الإصلاح ساهمت إلى حد كبير في تحسين الجوانب العملية الإدارية في جو يسوده الاستقرار الإداري والمحافظة على مصالح المواطنين، ولكنها في ذات الوقت أدت إلى ظهور بعض المشاكل التي انعكست على الوضعية الحالية لمختلف الإدارات[40] لقد تولدت وتكرست عن هذه الوضعية منهجية طبعت بالنظرة الجزئية والظرفية..

إن هاجس الفعالية يدفع حاليا المقاولات والمنظمات إلى الهروب من النموذج الهرمي التراتبي إلى النموذج المتبادل التأثير وذو المرجعية المتحركة، وذلك لاكتشاف مبادئ للتسيير  تعتمد المرونة والتكيف وليس مرجعية  ميكانيكية تؤدي إلى التصلب والمحافظة.[41]

إن الإصلاحات الجزئية والظرفية رغم جوانبها الايجابية يظل معها الإصلاح الإداري مشروعا مجتمعيا قائما بكل خلفياته، ومن تم تظهر حدود هذه الإصلاحات الإدارية. هذا ويجب التمييز في هذا الإطار بين الإصلاح الجزئي والإصلاح القطاعي، ذلك أن التغيير الجزئي حتى ولو كان بسيطا، إذا ما شمل كل القطاعات لا تترتب عنه أثار سيئة، حيث يحافظ على التوازن ولا يؤدي إلى فوارق تنعكس سلبا على المجتمع، إذ لا تصدر عنه احتجاجات فئوية. أما إذا كان هذا الإصلاح قطاعيا يشمل طائفة دون أخرى، فإنه حتى ولو كان جذريا تكون انعكاساته مضرة بالتوازن العام ويكون مدعاة للتوترات.

الفرع الثاني: تدبير الكفاءات كمد خل أساسي لتحقيق الجودة

يندرج إصلاح الإدارة ضمن أولويات عمل الحكومات، ويهدف إلى إرساء إدارة حديثة وفعالة، منشغلة بتحسين الخدمات والرفع من جودتها والاستجابة لمتطلبات النمو المطرد والتنمية المستدامة، وفي هذا الإطار، تتمحور الاستراتيجية التي تبنتها الحكومات، لإنجاز هذا الإصلاح، حول الأهداف التالية:

• التوفر على إدارة حديثة، قادرة على المساهمة في التنافسية وفي التنمية المستدامة للبلاد، مع ضمان قابلية استمرار الإطار الماكرو- اقتصادي على المدى المتوسط؛

• ضمان خدمات ذات جودة وبأقل تكلفة، عبر تعزيز فعالية تدخل الإدارة وترشيد نفقاتها.

• تطوير مسلسل اللامركزية و اللاتركيز وتقويته، باعتباره ضروريا لإرساء منهج القرب في تدبير الشأن العام، بتوافق مع انشغالات المواطنين.

• دعم استخدام التقنيات الحديثة للإعلام لا سيما عبر تطوير نظام الإدارة الإلكترونية.

• التأكيد على الدور الاستراتيجي لتدبير الموارد البشرية، لاعتماده كمحرك حقيقي لإدارة حديثة، ناجعة ومسؤولة ومواطنة، وكعنصر أساسي في دينامية عمليات الإصلاح.

ولأجل تجسيد هذه الأهداف، وضعت الحكومات الدولة ، برامج دعم إصلاح الإدارات العمومية الذي يرتكز على المحاور التالية: [42]

• تحسين فعالية الإدارة، في مجال تدبير الموارد المالية.

• التحكم في كتلة الأجور.

وفيما يتعلق بمحور تدبير الموارد البشرية، فأهدافه تكمن في:

• تحديث وسائل التدبير التوقعي للموارد البشرية (الإطار المرجعي للوظائف والكفاءات، إعادة الانتشار، التكوين المستمر، التقييم…).

• دعم الشفافية والإنصاف في أنظمة الأجور، وفي نظام ترقي الموظفين.

وتتجسد هذه الأهداف في الإجراءات العملية التالية:

• انطلاق أشغال إعداد الإطار المرجعي للوظائف والكفاءات، والذي يهدف إلى ضمان الملاءمة بين مؤهلات الموظفين وحاجيات الإدارات.

• تكييف طرق التوظيف بهدف ضمان تكافؤ الفرص للمرشحين لولوج الوظيفة العمومية.

• اللجوء إلى حركية الموظفين من أجل الاستجابة لحاجيات الإدارة؛

• مأسسة التكوين المستمر.

• مراجعة منظومة التقييم، واعتماد أسلوب “مقابلة تقييم الموظفين” كأداة لتقييم كفاءات المرشحين للترقية في الدرجة.

تعتبر مقاربة الكفاءات إحدى المقتربات التي تمكن الموظف أثناء مزاولة وظيفته من حسن استغلال مهاراته ومعارفه، والقدرات التقنية وقدراته التواصلية. إن التحولات التكنولوجية الحديثة تستدعي ضرورة تأهيل العنصر البشري لجعله قادرا على مسايرة هذا الزخم من المعلومات المتراكمة، إذ تجعله ملزما بصقل مواهبه وتطوير مهاراته وكفاءاته، في ظل التنافس الحاد الذي تشهده السوق العالمية خاصة على مستوى تدبير الكفاءات، وتبرز هذه المنافسة بشكل واضح في الدول الآسيوية، وكلما تسارعت وتيرة التطور التقني والمعلوماتي إلا واستدعت ضرورة بذل مجهودات مضاعفة من أجل الحفاظ على المعرفة ومن يستطيع الوصول بشكل أسرع للحصول على هذه المعرفة، لذلك تظهر أهمية مقترب الكفاءات باعتباره الوسيلة الناجعة لضمان تحقيق اللبنات الأساسية لإدارة عصرية ترتكز على التدبير الحديث[43]

إن رهانات التقدم في عصرنا الراهن تتوقف على مدى توفر الفرد على حد أدنى من الكفاءة والمهارة المطلوبة، إذ تشكل إحدى التوجهات الحالية باعتبار الشخص لا يمكنه الحصول على المعرفة إذا لم تتوفر غريزة المعرفة والبحث عن المعلومة بشكل مستمر، كما أن التعامل مع الكفاءات وتدبيرها أصبح إحدى الأولويات المهمة للإدارة العصرية المواكبة لركب التقدم والتدبير الحديث. كما أن التطورات المفاجئة تستدعي من المسؤول الإداري والمدير ذي كفاءة، التوفر على مؤهلات عالية وقدرة على التأقلم مع مختلف هذه المستجدات، وأمام موظفين ومستخدمين ذوي مهارات وكفاءات متطورة، وفي ظل الإصلاحات، وما يتميزون به من قدرات عالية على التكيف السريع والمبادرة الجيدة[44].

وتتطلب الكفاءة جملة من القدرات والمعارف والمهارات ذات العلاقة، غير أن الكفاءة لا ترتبط أبدا بالمعرفة بل ترتبط بمكتسبات قابلة للقياس والملاحظة، والكفاءة مفهوم عام يشمل القدرة على استعمال المهارات والمعارف في وضعيات جديدة ضمن حقل مهني معين فهي بالتالي تشمل التنظيم والتخطيط للعمل والتجديد والقدرة على التكيف مع نشاطات جديدة، وتشكل المعارف والمهارات والقدرات الأساسية لبناء الكفاءة.

كما أن الكفاءة تشكل إحدى المرتكزات الأساسية للتدبير السليم والعقلاني إذ تعتبر نتيجة سلوك يوضع قيد التنفيذ على شكل مبادرة، أو من خلال تكليف الأفراد بتحمل المسؤولية في وضعية عمل، ولذلك فتدبير الكفاءات قد اتخذ له موقعا أساسيا داخل المقاولات ثم الإدارات، وهذا ما يمكن تموقع الموظفين ضمن مهام مزدوجة. فمن جهة تتوخى تنمية وتوفير الموارد، ومن جهة ثانية تأخذ بعين الاعتبار التطلعات الفردية للموظفين، ولا يمكن اعتبار الكفاءة فطرية بل تتطور انطلاقا من الاستقلالية والمبادرة والمسؤولية[45].

إن مجموع الكفاءات الفردية والجماعية يحظى بنصيب مهم من تقدم الإدارة العصرية، وفي نفس الإطار، فالتطور المستمر يقتضي وجود كفاءات جماعية، مع التأكيد على أن رغبة الفرد في التطور والتقدم تظل هي الرهان الحقيقي لكل تطور منشود، كما يخول هذا التطور لكل موظف أو عامل أن تثبت ذاته عبر ما أوكل إليه من مسؤوليات، كما أن المدير الناجح هو الذي يستطيع تطوير وتقييم الكفاءات الجماعية، إن مجموع الكفاءات الفردية والجماعية يشكل حيزا مهما من تقدم الإدارة أو المنظمة، لذلك فتحضير استراتيجية تطور وتحسين إنتاجية الإدارة يستدعي أن تأخذ بعين الاعتبار الكفاءات البشرية، وأن هذا المستوى من المقاربة الشاملة للكفاءات، يمكن الإدارة من مواجهة بيئة اقتصادية واجتماعية جد متقلبة، وذلك من خلال تحفيز الموظفين والمستخدمين على تنشيط سلوكات مهنية دافعة نحو النجاح الجماعي، كما يمكن التدبير من خلال الكفاءات من تنمية وتثمين الرأسمال البشري وهذا ما يوصل إلى تحقيق الامتياز التنافسي فمنهجية الكفاءة تستدعي[46]

– أن يتم التدبير بشكل تشاركي حتى يتدخل كل المهتمين في العملية.

– أن توفر آليات لتقويم وتطوير كفاءات بسيطة ملموسة وقابلة للاستغلال.

– أن تعتمد ممارسات تدبيرية سليمة.

– أن تمكن المسؤول عن الموارد البشرية من لعب دور أساسي في إعداد واختيار الاستراتيجية المتبعة.

كما يمكن القول: إنه إذا كانت الكفاءة مفهوما تاريخيا، فإن مفهوم التدبير من خلال الكفاءات مفهوم لم يستقر بعد، لذلك هناك خط بين تسيير الكفاءات والتدبير من خلال الكفاءات، في حين أن التدبير من خلال الكفاءات يقتضي أولا ضبط تسيير الكفاءات كخطوة أولى تؤدي إلى تدبير جيد للكفاءات من أجل بلوغ مرحلة التدبير من خلال الكفاءات.

إذن ففي مرحلة تسيير الكفاءات يعمل المسؤول عن تدبير الموارد البشرية على تشخيص وتجميع كل الكفاءات المتطلبة مهنيا داخل الإدارة أو المنظمة، من جهة، ومن جهة أخرى تشخيص وتجميع كل الكفاءات التي يتوفر عليها مختلف الموظفين، وذلك قصد الوصول إلى أحسن معالجة ما بين احتياجات الإدارة، المنظمة، أو المقاولة من (مهن، ووظائف) وموارد الإدارة من (العنصر البشري)[47]. وذلك عبر تحليل البيئة المحيطة بالإدارة أو المنظمة وترتيب أهم الرهانات والتحديات ثم محاولة إيجاد أساليب ملائمة لتأهيل الكفاءات اللازمة سواء الموجودة أو المحتملة وذلك من اجل تحقيق رهانات الإدارة أو المنظمة. مع العلم أن رفع مستوى إنتاجية الإدارة لا يتوقف فقط على العنصر البشري بل يتعداه إلى ضرورة استبعاد المناهج التقليدية للتكوين كالتدريب العقيم والمحاضرات التي لا جدوى منها، وهو ما يقتضي الانتقال إلى مرحلة متقدمة وهي تدبير الكفاءات.

إن هذا المستوى من التدبير يستدعي عقلانية وواقعية أكثر في تدبير الإدارة، بحيث أن تكوين العنصر البشري لا يرقى إلى مستوى الفعالية و النجاعة إذا لم يتم تدعيمه بمناهج واستراتيجيات وتقنيات قادرة على رفع الرهان المنشود، كما أنه يندرج في المجال التدبيري ككل، كما أن وظيفة الموارد البشرية تنمحي أمام وظيفة المديرين العمليين الذين يصبحون موجهين لمقاربة الكفاءات بل يصبحون عناصرها الأساسية[48].  

وتشكل الكفاءات الاستراتيجية للفرد إحدى الدعامات الأساسية التي تمكن الإدارة أو المنظمة من الاستفادة من قدراته التنظيمية وكفاءته الإدارية خلال حيز زمني طويل من حياته المهنية، على اعتبار أن هذه الكفاءات تبرهن على مدى قدرتها على تجاوز الإطار المتشدد الذي يطبع العمل الراهن الذي يوصف بعدة ميزات، كما يمكن إدماج هذه الكفاءات المتطورة داخل الحياة المهنية.

ونظرا لما تفرضه الإدارة الحديثة من تنافسية حادة التي ترجع بالأساس إلى ما يفرضه منطق السوق من تحديات، فإن الإدارة ملزمة على اعتماد استراتيجية بعيدة المدى تراهن من خلالها الإدارة على تطوير كفاءات المأجورين والموظفين لمدة أطول، وذلك عبر نهج أساليب عدة بدءا بالتدريب مرورا بالتطوير وأخيرا التحفيز حتى تكون هذه الموارد البشرية تشكل طاقة إنتاجية قوية مدربة وذات كفاءة عالية قادرة على تحدي تقلبات السوق.

إن إرادة التغيير وتطوير الكفاءات، يستدعي ضرورة الإعلان عنها بوضوح من طرف الإدارة، بحيث انه بدون التزام قوي و مسؤول من الإدارة تكون هذه السياسة فارغة المحتوى، ولذلك تشكل الكفاءات الاستراتيجية أهم الدعائم المتوفرة داخل الإدارة إذ تتموضع في جميع سلالم العمل، لكون الكفاءة الاستراتيجية للإدارة يمكن أن تكون موجهة نحو العديد من المهن، ولذلك فالكفاءات الاستراتيجية للإدارة تنبني على ثلاث أصناف من الكفاءات: الكفاءات الكبرى، ثم الكفاءات الجماعية فالكفاءات الجامدة.

ولذلك فالمستوى الثالث من التدبير من خلال الكفاءات يعكس التوجه العام المعتمد في المخطط الأول، فمن أجله يتم توجيه الموارد البشرية، وهو الذي يحدد الكفاءات الاستراتيجية، ويسهم في صنع الاختيارات التي تتعهد بها الإدارة من أجل تحقيق أهدافها على المدى البعيد، إن مديرية الموارد البشرية ملزمة بتشخيص الكفاءات الاستراتيجية وعليها أيضا اعتماد الاختيارات الملائمة والناجحة حتى تتمكن من تفعيل لمقاربة التدبير من خلال الكفاءات إذ تحرص الإدارة أو المنظمة على تنمية الكفاءات، وبالتالي تجاوز المنطق البسيط الذي يسعى إلى تقليص الفوارق ما بين الكفاءات اللازمة على المدى القريب، كما من اللازم إيلاء العناية الكافية لتطوير الكفاءات الاستراتيجية الفردية والجماعية، التي تمكن من تطوير النشاط المهني[49].

إن الاعتماد على العديد من الكفاءات الإدارية أصبح الشغل الشاغل لمعظم المدبرين الإداريين لكونه يسهم في تحقيق النجاعة والفعالية في أداء النشاط المهني للموظف وبالتالي الاستثمار في الكفاءات البارزة، إذ يمكن من الحفاظ على هذا الامتياز على المدى الطويل، على اعتبار الكفاءة وسيلة ناجحة لتدبير الحالات المعقدة والقدرة على التعامل مع جل الظروف وذلك عن طريق تركيب وتقاطع عدة متغيرات، ولذلك تبرز أهمية الدليل المرجعي للوظائف والكفاءات باعتبارها من بين الآليات الأساسية المساهمة في تحسين وتصنيف الوظائف والكفاءات، نظرا للتحولات الاقتصادية الحاضرة بقوة والمرتبطة أساسا بكلفة الإنتاج، الجودة على مستوى تقديم الخدمات العمومية، ثم تدبير الوقت وما لها من تأثير على فعالية الموظفين، بكونها تندرج في إطار تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية في عالم التدبير، وهذا الأسلوب لتدبير الكفاءات يمكن حسب كل من جورج دوناديو، ودومينال من القيام بـ[50]

– تحديد الجانب الاقتصادي وتعديل سوق العمل، من حيث علاقته بالأجور.   

– أما على المستوى الاجتماعي فهو يساهم في وضع منظومة أجور، تتفاعل مع معظم الاختلافات المقبولة بالرغم من تباينها، وذلك عن طريق اقتراح تعديلات وتقديم تبريرات لنظام ترتيب و تموقع مختلف الوظائف.

– وبالنسبة للجانب التنظيمي فيساهم نظام تدبير الكفاءات في تقسيم العمل وتخصيص الموارد لوحدات الإنتاج.

– أما فيما يتعلق بتدبير الموارد البشرية فإن نظام تدبير الكفاءات يعطي معالم لإعداد المسارات المهنية، مع اختيار التكوين والحركية المناسبة[51].

وعموما فاعتماد نظام تحفيزي فعال ومتكامل من شأنه أن يسهم في الرفع من أداء الموظفين العموميين وكذلك الأعوان، حيث أن اعتماد أساليب تقييم الأداء تظل إحدى التقنيات المتقدمة المستخدمة لقياس فعالية الموظف، وجودة العمل الذي أقدم على إنجازه، إلى جانب معرفة القدرات والمؤهلات التي يتوفر عليها، وهذا ما يمكن من التمييز بين الموظفين المؤهلين ذوي الكفاءات والمهارات، والموظفين الذين تنقصهم مثل هذه المهارات، مما لا يجعلهم يبذلون مجهودا أكبر ليخولهم التوفر على مستوى أعلى من الكفاءة والفعالية في الأداء، في ظل الاعتماد على التدبير التوقعي للموارد البشرية الذي يخول الإدارة التوفر على أطر مؤهلة مكتسبة لتقنيات متقدمة في مجال التواصل وتبادل المعلومات، والتدبير السليم للمهام الإدارية، وذلك بتخطيط الموارد البشرية وتقديم مكافآت عن الفعالية والجودة في الأداء، كما يتبين اعتماد مقاربة تدبير الكفاءات التي مكنت من تحسين أسلوب العمل الإداري، بالاعتماد على العمل في إطار روح الفريق، مما أكسب التدبير الإداري، وتيرة متقدمة وذلك بفضل تحديد مهام الرؤساء والمرؤوسين في العمل، وكذلك من خلال مبادرة القادة الإداريين لتحفيز موظفيهم، وإشراكهم في اتخاذ القرارات وتحميلهم المسؤولية، هذا ولقد بات التحفيز بمختلف أشكاله وصوره، إحدى الرهانات الأساسية لتطوير الأداء الإداري للموظفين وتحفيزهم معنويا للمزيد من العطاء، كما تبرز أهمية التدبير التوقعي للموارد البشرية باعتبارها تعطي توقعات لحجم الكفاءات التي تسعى الإدارة لجلبها للعمل في مصالحها، والاستفادة من خبرتها، وصقل مواهبها وتطوير كفاءتها، وهذه تعتبر من بين الآليات الفعالة لتحفيز الموارد البشرية.


[1] محمد حسنين عبد العال ، الوظيفة العامة ،  مطبعة انجلو  القاهرة   1974 ص 123    

[2] عبد البر فاروق،  تقرير كفاية العاملين بالخدمة المدنية في علم الإدارة العامة والقانون الإداري، عالم الكتب القاهرة،   1983 ص12.

[3] عبد الجليل النعيمي ، الحـد الأدنى للأجور، الحوار المتمدن، المحور: الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية. العدد: 660،  بتاريخ  2003.11.22           

[4] حسن وراية ،  إدارة الموارد البشرية، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية 1999م ص 274.

[5]   سلطان محمد سعيد أنور ، إدارة الموارد البشرية، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية  2003 م ص 294.

[6] نفس المرجع أعلاه  ص 294 .

[7] رسلان أنور أحمد مرجع سابق، ص21.

[8] نفس المرجع أعلاه، ص21.

[9]  – عبد الحي جمال الدين عبد العال:  معايير اختيار القيادة وأثرها في كفاءة الأداء الشرطي، مرجع سابق، ص181.

[10] – نفس المرجع أعلاه- ص340.

[11] – عباس سهيلة محمد ،  إدارة الموارد البشرية، مدخل استراتيجي، دار وائل للطباعة والنشر، القاهرة، 2003 ص140.

[12]– الراشد عبد العزيز ، تقارير الكفاية، معهد الإدارة العامة، إدارة البحوث والاستشارات، الرياض، 1974م ص744.

[13]   يتعلق  الأمر بالمنشور رقم 99/1 الصادر عن السيد الوزير الأول بتاريخ 7/1/1999.

[14] المرسوم رقم 1367-05-2 بتاريخ 2 دجنبر 2005، المتعلق بتحديد مسطرة تنقيط وتقييم موظفي الإدارات العمومية، والذي أصبح ساري   المفعول ابتداء من فاتح يناير 2006، الجريدة الرسمية عدد 5379  بتاريخ 17 ذو القعدة 1426 (19 ديسمبر 2005) الصفحة 3528.

[15] عبد الكريم درويش وليلى تكلا  – أصول الإدارة العامة – مكتبة عين شمس الإتحاد المصرية القاهرة 1980 ص 123

راجع كذلك : صالح السبسكي، العلاقات الأساسية في الإدارة دار الفكر العربي  الكويت الطبعة الأولى 1980 ص 78

[16] إبراهيم رمضان الديب، دليل إدارة الموارد البشرية، مرجع سابق، ص 190.

[17] عمر وصفي عقيلي، إدارة الموارد البشرية المعاصرة، بعد استراتيجي، مرجع سابق، ص 367.

[18] – وتهتم الشفافية بتعدد جهات التقييم “رباعية التقييم” بما يقضي على محدودية الرؤية، ومخاطر تأثير الهوى والرؤى الشخصية وتأثير الخلفيات السابقة للعلاقات بين الأفراد على التقييم، وهذه الرباعية تتشكل من تقييم المستوى الأعلى وتقييم الزملاء، تقييم المرؤوسين والتقييم الذاتي، وكلا منها يكمل الآخر، للمزيد من الاطلاع، أنظر، ابراهيم رمضان الذيب، مرجع سابق، ص 196.

[19] تقويم الأداء في الواقع أصبح أمرا أساسيا أكثر مما كان عليه في أي وقت مضى باعتباره أداة فعالة لجذب الانتباه توجيهه إلى أهداف المنظمة، وحتى يتم نقل تقويم الأداء من السلب إلى الأجانب، فإنه لا بد أن تتم عملية التقويم وفقا لشروط محددة أهمها، الالتزام بالقيم الأخلاقية مثل العدل في التقويم والاعتماد على الحقائق في الحكم على الأداء، وضوح المعايير ومستويات أداء واقعية وموضوعية إشراك ذوي العلاقة في عملية التقويم، “زملاء، مرؤوسين، متعاملين، وإتاحة الفرصة للفرد بمراجعة نتائج التقييم.

للمزيد من الاطلاع، أنظر، محمود عبد الله صالح، إدارة الموارد البشرية، مدخل قيمي، مرجع سابق، ص 174.

[20] – عمر وصفي عقيلي، مرجع سابق، ص 410

[21] – هناك خصائص معينة يجب أن يتصف بها مقاييس الأداء هي:

– الثبات: بمعنى الحصول على نتائج متماثلة ومتتابعة نتيجة تكرار استخدام القياس

– المصداقية: بمعنى أن يقيس المقياس الصفات التي صمم كمقياس الذكاء يجب أن يكون قادرا على قياس الذكاء وليس ناحية أخرى كالميول والاتجاهات … الخ.

– العملية: بمعنى أن يكون القياس سهل التضييق.

أنظر كامل بربر، إدارة الموارد البشرية وكفاءة الأداء التنظيمي، مرجع سابق، ص 126.

[22]– هناك طرق متعددة لقياس أداء الأفراد في المؤسسات، وقد استخدمت عدة معايير في تحديد وتميز هذه الطرق، إلا أن البعض يقوم بتقسيمها إلى طرق تقليدية وأخرى حديثة، ومن الطرق الحديثة في التقييم: طريقة التقييم على أساس النتائج، طريقة الإدارة بالأهداف، طريقة الاختيار الإجباري، طريقة الأحداث الجوهرية. للمزيد من الاطلاع في هذا الموضوع أنظر:

– سنان الموساوي، إدارة الموارد البشرية وتأثير العولمة عليها، مرجع سابق، ص 169.

– مصطفى نجيب الشاوش، إدارة الموارد البشرية، مرجع سابق، ص 99.

– كامل بربر، إدارة الموارد البشرية وكفاءة الأداء التنظيمي، مرجع سابق، ص 131.

– محمود عبد الله صالح، إدارة الموارد البشرية، مدخل قيمي، مرجع سابق، ص 176.

– محمود جمال الكفافي، الاستثمار في الموارد البشرية للمنافسة العالمية، مرجع سابق، ص 229.

[23] – عمر وصفي عقيلي، مرجع سابق، ص 377،

أنظر كذلك :  صلاح الدين زبير، إدراك التحفيز لدى العاملين بالمقاولات العمومية المغربية، مرجع سابق، ص 96.

[24]   عمر وصفي عقيلي، مرجع سابق، ص 377.

[25]  عبد الحكيم البارودي مرجع سابق ص 334.

[26] محمد باهي، تدبير الموارد البشرية بالإدارة العمومية، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء 2002 ص 3.

[27] بنقاسم حنان، المؤسسات العمومية في المغرب بين الترشيد والتفويت، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس كلية الحقوق أكدال الرباط السنة الجامعية 2002-2003 ص 287.

[28] نادية تازيط ،  دور العنصر البشري في التنمية الإدارية رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام جامعة محمد الخامس كلية الحقوق أكدال الرباط الموسم الجامعي 1996 – 1997 ص 231.

[29] محمد يحيا، إشكالية التنمية الإدارية في المخطط الخماسي الحالي 2000/2004 مجلة طنجيس للقانون والاقتصاد العدد 3 السنة 2003 ص 129.

[30] الغازي خالد، التدبير اللامركزي الاستثمار والمفهوم الجديد للسلطات، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة نصوص ووثائق، العدد 66، 2002، ص 35.

[31] أنظر:

Montague (marym) , codes de conduite : pourquoi et comment ? , publications de national démocratique Institute, 1996 p. 1 et suivante.

[32] بنيحي محمد، المفهوم الجديد للسلطة: الدولة والأبعاد، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 25، سلسلة مواضيع الساعة، 2001، ص 17-18.

[33] علي سدجاوي، الإدارة والدولة بين التقليد والتحديث، دار المناهل للطباعة والنشر، الرباط، 1994 ص 113.

[34]  فؤاد راشد عبده ، الإصلاحات الاقتصادية في البلدان العربية ودورها المرتقب فى التمهيد لقيام السوق العربية المشتركة و محمد إبراهيم منصور: السوق العربية المشتركة ومستقبل الاقتصاد العربي “مداخلتين في مؤتمر  الذي عقده مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط فى الفترة (25-27 نوفمبر 1997 )  ، ص 217 – 218

[35] راوية حسن محمد ، إدارة الموارد البشرية رؤية مستقبلية الدار الجامعية الإسكندرية مصر 2001 ص 60

[36] نفس المرجع أعلاه ص61.

[37]   محمد جمال الكفافي ، الاستثمار في الموارد البشرية للمنافسة العالمية – الدار الثقافية للنشر ، القاهرة 2007، ص 208

[38]  الحراشة  محمد والهيتي صلاح، أثر التمكين الإداري والدعم التنظيمي في السلوك الإبداعي كما يراه العاملون في الأردن ، دراسة ميدانية ، مجلة دراسات العلوم الإدارية العدد 33 ، 2006 ، ص ، 240-266.

[39] محمد بن التهامي ، الوظيفة العمومية المغربية بين وحدة الدور والهدف وتعدد الأنظمة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام ، جامعة محمد الخامس ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية  والاقتصادية الرباط السنة الجامعية 2000-2001 ص 329

[40]  مليكة الصروخ ، النظام القانوني للموظف العمومي المغربي مرجع سابق  ص 33

[41] Herve Serieyx, Dix questions a Herve Serieyx in R F A P n 45  année 1988 page 77

[42] علي سدجاري ، الإدارة بين التقليد والتحديث  – دار المناهل للطباعة والنشر 1994 ص35

[43]– عبد الحق عقلة، دراسات في علم التدبير مرجع سابق ص160.

[44]-نفس المرجع اعلاه ص159.

[45]-الحسن اللحية، موسوعة الكفايات، مركز حقوق الناس بمساهمة فريدرش نومان الألمانية بفاس، المكتبة الوراقة اكدال-الرباط، الطبعة الأولى 2006، ص199.

[46]-علاقي مدني عبد القادر – إدارة الموارد البشرية  – المنهج الحديث في إدارة الأفراد مكتبة دار زهران جدة 1992 ص167.

[47]– الحسن اللحية- المرجع  السابق  ص162.

راجع كذلك : عبد العليم عبد المجيد ، دور سلطات الضبط الإداري في تحقيق النظام العام واثره في الحريات العامة مرجع سابق ص 255

[48]-محمد إبراهيم الدسوقي علي – المرجع السابق  ص164.

راجع كذلك : عبد الله خميس الشريقي ، موسوعة القوانين العمانية  مرجع سابق ص 12

[49] هاني نايف السلامي ، تقويم الأداء الوظيفي وأثره على حقوق الموظف في سلطنة عمان ، مرجع سابق ص 371 ، ص169.

[50]-Jacques Aubert, Patrick Gilbert, Frédérique Pigeyre, Management des compétences : Réalisation, Concepts, Analyses Edition Dunod Paris France, 2005 p94.

[51]-Christian Batal , la gestion des ressources humaines dans le secteur public tome 2 évaluer ses ressources, anticiper ses besoins, construire des politiques des GRH, éditions d’organisation 2005, p25.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading