أي دور للقضاء المالي في ترسيخ حكامة محلية؟

Written by

·

حنان القادري

طالبة باحثة

جامعة محمد الخامس السويسي

كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية – سلا-

أصبح أداء الجماعات الترابية حاليا من أهم المواضيع المطروحة للنقاش نظرا من جهة، للمسؤوليات الجسيمة التي تتحملها هذه الجماعات والأدوار الجديدة التي أضحت تضطلع بها على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. ومن جهة أخرى،  بالنظر إلى الاختلالات العميقة والإشكالات التي يعرفها تدبير الشأن  العام المحلي بشكل عام إن على مستوى الطريقة التي يدار بها ، أو في السلوكات السائدة.

حيث أصبح يطرح بحدة سؤال الحكامة أو بالأحرى كيف نصل إلى حكامة محلية، خاصة و أن المواطن لازال ينتظر و بكل إلحاح تحقيق تنمية محلية شاملة و متوازنة.

في هذا الصدد، يعد القضاء المالي من أهم الآليات المعول عليها لإعادة التوازن للتدبير المحلي بالنظر لكونه أعلى مؤسسة دستورية مستقلة ومتخصصة في الرقابة على المال العام. و بالنظر كذلك، لاتساع مجال الرقابة الذي يشمل مختلف تدخلات الأجهزة العمومية.

فإلى أي حد يمكن اعتبار القضاء المالي(و نخص بالذكر هنا المجالس الجهوية للحسابات )دعامة لحكامة جيدة(المطلب الأول)، و كيف يسهم في إعادة التوازن لتدبير الشأن العام المحلي (المطلب الثاني( .

المطلب الأول: القضاء المالي دعامة  للحكامة  الجيدة

بداية إن الحديث عن الحكامة يرتبط من الناحية المفاهيمية بمصطلح له روافد ودلالات متعددة، يصعب معها ضبطه أو إعطاؤه تعريفا موحدا أو نهائيا ،خاصة وأنه يكتسح مجالات متعددة و بصيغ مختلفة( الحكم الراشد،الحكم الجيد، الحوكمة…).

و قد تم تداوله في مجال تدبير الشأن العام أساسا من خلال تقارير بعض المؤسسات المالية الدولية كالبنك الدولي الذي استعمل المصطلح لأول مرة سنة 1989 و اعتبر الحكامة بشكل عام  الحكم القائم على المشاركة و الشفافية و المساءلة و دعم سيادة القانون .

ليصبح بعد ذلك فلسفة جديدة للتعامل مع التدبير العمومي في مختلف المجالات الإدارية، المالية، و الاقتصادية…، و ليصبح موضوع الحكامة يفرض نفسه لاسيما في ظل سوء التدبير السائد، و في ظل الرغبة في البحث عن الاحترافية في التدبير العمومي وبالتحديد البحث عن النجاعة والفعالية / المردودية / تعميق اللامركزية/ الرؤية الاستراتيجية / الشفافية / التقييم / المساءلة…، وهذا ما دعا إلى الالتفات بكل قوة حول المصطلح لقوة المبادئ و القيم التي يستند إليها. 

       و موضوع الحكامة في المغرب يشكل ركنا أساسيا في دينامية تحديث التدبير العمومي التي يراهن عليها كدعامة أساسية لربح رهانات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية ، و مواجهة مشكل ندرة الموارد، بالإضافة إلى  التحديات المرتبطة بالتنافسية العالمية.

في هذا السياق، تحتل الوظيفة الرقابية مكانة استراتيجية مزدوجة ضمن منظومة مبادئ و قيم  الحكامة.

فمن جهة تعتبر الرقابة مبدأ جوهريا لا يكتمل بدونه نظام الحكامة الجيدة، و من جهة أخرى تتجسد معظم مبادئ هذا النظام عبر عنصر الرقابة و خاصة عندما تمارس من قبل أعلى جهاز للرقابة على المال العام ، الممثل في المغرب بالمجلس الأعلى للحسابات على المستوى المركزي، و بالمجالس الجهوية للحسابات على المستوى الترابي ليكونا معا ما يعرف بالقضاء المالي والمناط إليه دستوريا مهمة الحفاظ على المال العام والوقاية من مخاطر سوء التدبير العمومي. و ينظم القانون[1] رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية مختلف مجالات تدخلاته.

و تكتسي الرقابة العليا على المال العام أهمية فريدة كونها تنصب  و ترتبط بموضوع حساس هو المال العام، الذي يشكل جوهر الدولة بكل مكوناتها، و العمود الفقري لكل سياساتها و مخططاتها. و أي خلل على هذا المستوى يشكل خطرا على استقرارها، و يعيق جهودها نحو التقدم و التنمية.

ومن تم، فكل فساد أو سوء تدبير يمر أساسا عبر هذا المنفذ أي المال العام.

لذلك، لا يمكن تحقيق تدبير جيد بدون تحصين المال العام بالرقابة، و لا يمكن الحديث عن حكامة محلية دون استحضار دور القضاء المالي فيها، و الممثل بالمجالس الجهوية للحسابات التي تشكل مكسبا تاريخيا للامركزية و الديمقراطية المحلية، بعدما قام المشرع المغربي بلامركزية الرقابة العليا على الأموال العمومية، و قرب القضاء المالي جغرافيا من الأجهزة العمومية المحلية بعد تجربة محدودة للمجلس الأعلى للحسابات على المستوى المحلي، مقتديا بذلك ببعض التشريعات المقارنة من ضمنها التشريع الفرنسي الذي أنشأ غرفا جهوية للحسابات بموجب القانون 2 مارس 1982 المتعلق بحقوق و حريات الجماعات المحلية ، الذي أسند لهذه الغرف اختصاصات تتوزع بين مراقبة تدبير الجماعات المحلية و هيئاتها و مراقبة الميزانية، فضلا عن مراقبة الحسابات.

علما أنه بالموازاة مع ذلك تم حذف الوصاية القبلية – في فرنسا- على الجماعات المحلية وفقا لمبدأ الإدارة

الحرة، و تم تعزيز هذه الاستقلالية بالرقابة اللاحقة للغرف الجهوية للحسابات. هذا في الوقت الذي يعمل المشرع الفرنسي اليوم على إصلاح القضاء المالي الفرنسي لمواكبة التحولات الراهنة لاسيما في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت بوادرها منذ سنة 2008 .

و قراءة متأنية وموضوعية لواقع التدبير المحلي بالمغرب كما تكشفه التقارير الرقابية، يؤكد وجود اختلالات عميقة على مستوى التدبير الإداري و المالي للجماعات الترابية تحد من المنافع المالية و الاقتصادية و الاجتماعية المنتظرة. 

فمجال تحصيل وإنفاق الأموال العمومية – بالرغم من ندرة هذه الأموال- ، يعرف مظاهر سلوكية خطيرة، حيث شهدت السنوات الأخيرة تحريك العديد من الملفات المرتبطة بالفساد المالي على مستوى مرافق ومؤسسات عمومية مختلفة.

مما أصبح يهدد استقرار النظام العام المالي للقطاع العام، و سلامة ما يرتبط به من قواعد قانونية وضوابط تنظيمية و إدارية. و يمنع المالية العامة من أن تلعب دورها كاملا في التطور الاقتصادي و الاجتماعي.

و هذا دليل كاف على أن بناء حكامة جيدة ينطلق من مكافحة الفساد و سوء التدبير الذي يبطل مفعول البرامج و المبادرات المحلية. 

في هذا الجانب،  تندرج اختصاصات المجالس الجهوية للحسابات التي تشمل جميع أوجه التدبير المحلي، و تتوزع بين اختصاصات قضائية( لها طابع زجري) و أخرى  إدارية (لها طابع توجيهي و إرشادي) يتم ممارستهما بمساطر مختلفة، لكن بمقاربة مندمجة و وفق نظرة شمولية للتدبير العمومي تؤدي إلى تحديد المسؤولية بالنسبة لكل المتدخلين سواء تعلق الأمر بالآمر بالصرف، المحاسب العمومي، والمراقب، أو أي موظف أو عون يعمل تحت إمرتهم .

فبالنسبة للاختصاصات القضائية،  يتعلق الأمر ب :

  • التدقيـق و البـت في حسابـات الجماعات المحليـة و هيئاتـها، و كذا حسابـات

المؤسسات العمومية و المقاولات التي تملك رأسمالها كليا جماعات محلية و هيئاتها ومؤسسات عمومية تخضع لوصاية الجماعات المحلية و هيئاتها، و التي تتوفر على محاسب عمومي.[2]

و من خلال الفحص و التدقيق في الحساب ( حسب المسطرة المنصوص عليها في المواد 27 إلى 40 من القانون 62.99 ) إذا لم  يثبت للمجلس الجهوي للحسابات  وجود أية مخالفة على المحاسب العمومي بت في الحساب أو الوضعية المحاسبية بقرار نهائي. و تثبت القرارات النهائية عموما ما إذا كان المحاسب العمومي بريء الذمة، أو في حسابه فائض، أو في حسابه عجز و في هذه الحالة الأخيرة يحدد القرار مبلغ العجز الواجب دفعه بمجرد تبليغ القرار، و يتم تحصيل العجز طبقا للمقتضيات التشريعية و التنظيمية المعمول بها لفائدة الخزينة العامة، أو عند الاقتضاء، لفائدة المقاولة أو المؤسسة العمومية المعنية.

  • البـت فـي حسابـات المحاسبيـن بحكـم الواقـع، حيث يتولى المجلـس الجهـوي

للحسابات في حدود دائرة اختصاصه التصريح بالتسيير بحكم الواقع.[3]

و يعتبر محاسبا بحكم الواقع ( حسب المادة 41 من مدونة المحاكم المالية) كل شخص يباشر من غير أن يؤهل لذلك  من لدن السلطة المختصة عمليات قبض الموارد ودفع النفقات و حيازة و استعمال أموال أو قيم في ملك أحد الأجهزة العمومية الخاضعة لرقابة المجلس. أو يقوم دون أن تكون له صفة محاسب عمومي بعمليات تتعلق بأموال أو قيم ليست في ملك الأجهزة المذكورة….و بالإضافة إلى ذلك يمكن بوجه خاص أن يعتبر مسؤولا عن التسيير بحكم الواقع، كل موظف أو عون و كذا كل من هو حاصل على طلبات عمومية ، والذي يكون بموافقته أو تشجيعه إما على المبالغة في بيانات الأثمان أو الفاتورات أو على تحريف البيانات الواردة بهذه الوثائق، قد عمد عن علم إلى تحرير أوامر بالأداء أو حوالات أو تبريرات أو أصول صورية .

و من هنا لا يفرق القانون في الواجبات و الالتزامات و المسؤوليات بين المحاسب العمومي و المحاسب أو المسير بحكم الواقع، تأسيسا على قاعدة أصولية فقهية تستهدف حماية المال العام مفادها ” إن الأموال العامة تحرق الأيدي التي تمتد إليها “.[4]

و على أي، إذا برر المسير بحكم الواقع جميع العمليات التي قام بها، ثم أثبت إرجاع الباقي إلى الصندوق العمومي  فإن ذمته تبرأ، و في حالة العكس فإن المحكمة تصرح بوجود عجز في حسابه.[5]

  • التأديب المتعلـق بالميزانيـة و الشـؤون الماليـة، وهذا خلافا للنظـام الفرنسـي،

حيث لا تتوفر الغرف الجهوية للحسابات على هذا الاختصاص المخول أصلا لجهاز مركزي هو محكمة التأديب المتعلق بالميزانية و الشؤون المالية(la cour de dicipline budgétaire et financier C.D.B.F).

يخضع للمجلس الجهوي للحسابات في هذا المجال ، حسب الفقرة الرابعة من المادة 118 من مدونة المحاكم المالية كل موظف أو مستخدم  يعمل في : الجماعات المحلية و هيئاتها ، المؤسسات العمومية الخاضعة لوصاية هذه الجماعات  و الهيئات، و كل الشركات التي تملك فيها الجماعات المحلية أو الهيئات على انفراد أو بصفة مشتركة بشكل مباشر أو غير مباشر أغلبية الأسهم في الرأسمال أو سلطة مرجحة في اتخاذ القرار.

كما لم يستثن المشرع المغربي من الخضوع لاختصاص المجالس الجهوية للحسابات في مجال التأديب المالي الآمرين بالصرف للجماعات الترابية ومجموعاتها، وذلك عكس القانون الفرنسي حيث لا يخضع لاختصاص محكمة التأديب  العمداء و رؤساء المجالس العامة والمجالس الجهوية.[6]

و تحدد المواد 54 و 55 و 56 من مدونة المحاكم المالية،  المخالفات التي تؤدي إلى تحريك المتابعة في مجال التأديب المالي.

أما بالنسبة للاختصاصات الإدارية، فالأمر يتعلق ب:

  • مراقبـة التسيـيـر، و تشمـل جميع أوجـه تسييـر الأجهـزة العموميـة الخاضعـة

لرقابة المجالس الجهوية للحسابات[7] ( الصفقات العمومية، مجـال التعمير، تدبير الأملاك العمومية، تدبير الموارد البشرية، تتبع عقود التدبير المفوض…)، بما في ذلك تقييم مدى تحقيق الأهداف المحددة و النتائج المحققة و كذا تكاليف و شروط اقتناء و استخدام الوسائل المستعملة.

و هذا التدخل من قبل المجالس الجهوية للحسابات يسمح بتفادي تفاقم الصعوبات المالية للأجهزة العمومية المحلية، كما يمكن من اكتشاف المخالفات في الوقت المناسب و قبل أن يلحقها التقادم، سواء تعلق الأمر بالأفعال المعاقب عليها في إطار التأديب المالي أو تلك التي تدخل في نطاق القانون الجنائي[8].

  • مراقبـة الإجراءات المتعلقـة  بتنفيذ الميزانية، و  بخلاف باقي الاختصاصات 

الأخرى – حيث يكون تدخل المجلس الجهوي للحسابات تلقائيا –  ترتبط ممارسة هذه الرقابة بطلب استشارة المجلس الجهوي للحسابات من طرف وزير الداخلية أو الوالي أو العامل حسب الحالات بشأن كل قضية تخص الإجراءات المتعلقة بتنفيذ ميزانية جماعة ترابية أو مجموعة.

و إن كان المشرع لم يحدد بدقة هذه الإجراءات باستثناء حالة رفض الحساب الإداري المنصوص عليها في المادة 143 من القانون 62.99 . لكن هذا لا يمنع من القول – حتى ولو لم يفصل المشرع في ذلك- أن هناك إجراءات متعددة تتعلق بتنفيذ الميزانية من ضمنها فتح حسابات خصوصية، فتح اعتمادات جديدة، التحويل من فصل إلى فصل…، و أيضا  الصفقات العمومية باعتبارها من أهم الوسائل التي يتم بواسطتها تنفيذ الميزانية.

  • مراقبة استخـدام الأمـوال العمـوميـة، و تهـدف إلى التأكـد مـن أن الإعانات و

المساعدات التي تقدمها جماعة محلية أو هيئة أو أي جهاز آخر خاضع لرقابة المجلس الجهوي إلى الجمعيات و المقاولات(باستثناء تلك الخاضعة لمراقبة التسيير) و كل الأجهزة الأخرى التي تستفيد من مساعدة كيفما كان شكلها،  يطابق الأهداف المتوخاة من هذه المساهمة أو المساعدة.

  • تلقي وتتبع ومراقبة التصريح الإجباري بالممتلكات، ويعتبر من المهام

الجديدة المسندة إلى المجالس الجهوية للحسابات ابتداء من سنة 2008 بموجب مجموعة من النصوص القانونية التي صدرت بالجريدة الرسمية عدد 5679 بتاريخ 04 ذي القعدة الموافق ل 03 شتنبر 2008.

و هكذا، للقضاء المالي اختصاصات واسعة ومميزات متعددة تمكنه من احتلال مكانة متميزة ضمن آليات الحكامة الجيدة. و سيتم التعرف فيما يلي إلى الكيفية التي يستثمر بها القضاء المالي هذه المميزات و الاختصاصات لإعادة التوازن لتدبير الشأن العام المحلي.

المطلب الثاني: مساهمة القضاء المالي في إعادة التوازن لتدبير الشأن العام المحلي     

إذا كان تدبير الشأن العام المحلي يتميز بما يمكن تسميته بظاهرة “عدم التوازن” التي تضيع فرص التنمية. فإن القضاء المالي من موقعه كأعلى جهاز للرقابة على المال العام يحرص على” إعادة التوازن” للتدبير المحلي و الرفع من كفاءته  و إعادة الاعتبار للأخلاقيات عبر تعميم مبادئ و قيم الحكامة و جعلها قيما عادية في التدبير، وذلك من خلال : 

  • تكريس قواعد المساءلة و المحاسبة، التي ترتـبط  أساسـا بالمسؤولية. و

المسؤولية تقترن بمفهوم “الواجب”، الذي يفرض من جهة الابتعاد عن السلطوية ( إساءة استعمال السلطة) و عن التحكم والتلاعب بمصالح المواطن.ومن جهة أخرى،  ضرورة تقديم الحساب الذي يحصَن و ينمَي حسَ المسؤولية.

و يعتبر تقديم الحساب من الخصائص الفريدة التي يتميز بها القضاء المالي دونا عن غيره من الأجهزة الأخرى. و يشكل جزءا من النظام العام  بحيث يتم تقديمه إلى المحكمة المالية سنويا بشكل تلقائي. و يتمكن المستشار المقرر بالمحكمة المالية من خلاله من القيام  بتدقيق و فحص شامل لجميع العمليات التي تتعلق بتنفيذ النفقات والمداخيل. و من خلاله تتمكن المجالس الجهوية من بسط رقابتها على كل الجوانب المتعلقة بتسيير الأجهزة المراقبة بالإضافة إلى اكتشاف المخالفات و التجاوزات التي تؤدي إلى تحريك المتابعة التأديبية المالية.

ولا تفوت الإشارة في هذا الصدد، أن مبالغ العجز التي يحكم بها قاضي الحسابات نادرا ما يتم تحصيلها، و عادة ما يتم إبراء ذمم المحاسبين منها على وجه الإحسان من طرف وزير المالية[9]. و هذا ما يثير الجدل لأنه من المفروض أن أحكام المحاكم المالية حائزة على قوة الشيء المقضي به، و هذه ثغرة من الثغرات التشريعية التي وجب تداركها بتدخل المشرع. 

من ناحية أخرى، لازالت فكرة رفض المحاسبة و المساءلة موجودة، فقد لوحظ عدم تقيد بعض الآمرين بالصرف والمحاسبين العموميين المكلفين بتنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية ومجموعاتها بهذا المبدأ، إذ لا يقدمون حساباتهم بكيفية منتظمة، بل إن بعض الجماعات الترابية وكذا بعض الأجهزة العمومية المحلية لم يسبق لها أن قدمت الحسابات الخاصة بها منذ أن شرعت المجالس الجهوية للحسابات في ممارسة اختصاصاتها منذ سنة 2004.

و يعمل القضاء المالي بكل الإمكانات القانونية المتاحة له على مواجهة هذا الإشكال و جعل قواعد المساءلة و المحاسبة قيما عادية و لو باستعمال وسائل زجرية و ردعية.

و هذا ما تشير إليه المادة 29 من القانون 62.99 و التي تؤكد أنه إذا لم يقدم الحساب أو البيانات المحاسبية أو المستندات المثبتة في الآجال المقررة، جاز للرئيس الأول بالتماس من الوكيل العام للملك أن يوجه إلى  المحاسب العمومي أوامر بتقديم هذه الوثائق. و إما يحكم عليه في حالة عدم تقديمها بغرامة قد تصل كحد أقصى إلى ألف (1000) درهم، و قد يحكم عليه كذلك بغرامة تهديدية أقصاها خمسمائة(500 ) درهم عن كل شهر من التأخير.

و في الواقع، ليس هناك ما يبرر رفض المساءلة و المحاسبة لأنها من جهة تتم من قبل هيئة قضائية مستقلة و محايدة تعمل بشكل جماعي بحيث أن كل حكم أو قرار أو رأي إلا و يصدر بعد تشاور ونقاش عن طريق التداول délibération و ينسب إلى المجلس الجهوي برمته و ليس إلى قاض مالي[10] بذاته . و من جهة أخرى تتم المحاسبة بناءا على مساطر وقواعد مقننة، تضمن حقوق الدفاع[11].

وتبعا لمبدأ المحاسبة، أخضع( القانون62.99 ) الولاة و العمال لولاية المجالس الجهوية للحسابات في ميدان التأديب المالي، و لم يعف رؤساء المجالس الجماعية من إمكانيات المتابعة أمامها، حتى و لو كانوا وزراء أو برلمانيين.[12]

و هكذا، تتجسد المساءلة و المحاسبة في أسمى تجلياتها، و يتم تسليط الضوء على مسؤولية كل المتدخلين في تدبير الشأن العام المحلي، باعتبارهم مسؤولين عن تدبير الأموال العمومية، و مؤتمنين على المصلحة العامة بل و الصالح العام. الأمر الذي يؤدي إلى تقوية شفافية التدبير المحلي.

  • تقويـة شفافيـة التدبيـر المحلـي،  فإضافة إلى مبدأ تقديـم الحساب – وقد تم 

التفصيل في هذه النقطة سالفا -.  تتجسد مساهمة المحاكم المالية في إشاعة الشفافية من خلال تلقي و تتبع و مراقبة التصريح الإجباري بالممتلكات. هذا الاختصاص الجسيم و الجديد الذي أسنده المشرع إلى هذه المحاكم ابتداءا من سنة 2008.

و ينعقد اختصاص المجالس الجهوية للحسابات في مجال التصريح الإجباري بالممتلكات إزاء بعض منتخبي المجالس المحلية(رؤساء مجالس الجهة؛ رؤساء مجالس العمالات أو الأقاليم؛ رؤساء المجالس الجماعية ورؤساء مجالس المقاطعات ؛ رؤساء مجموعات الجماعات الحضرية والقروية ورؤساء مجموعات الجماعات المحلية؛ رؤساء الغرف المهنية؛ المنتخبين الأعضاء في أحد المجالس أو الغرف المذكورة الحاصلين على تفويض إمضاء أو تفويض سلطة)، الموظفون والأعوان العموميون التابعين للدولة أو الجماعات الترابية والمنشآت العامة والهيآت الأخرى الذين يزاولون مهامهم التمثيلية أو الإدارية على صعيد دائرة النفوذ الترابي لمجلس الحسابات الجهوي المختص.

من ناحية أخرى، يشكل نشر التقارير المتعلقة بأنشطة المحاكم المالية ( بالرغم مما يمكن أن يقال حول كون هذا النشر جزئيا و يستثني الآراء المتعلقة بإجراءات تنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية، إلا أنه حقيقة يكفي أن نعرف أنه سابقا لم يكن النشر من الأساس ممكنا فالمسألة إذن مسألة وقت فقط) من  أحد الضمانات الأساسية للشفافية، التي تمكن هذه المحاكم بشكل عام و المجالس الجهوية  بشكل خاص من القيام بوظيفة إخبارية للرأي العام المحلي عن الطريقة التي تدار بها شؤون ومصالح المواطن.

كما أنها الوسيلة التي تبعث بواسطتها هذه المحاكم إشارات تنبيهية بهدف الحد من المخاطر المرتبطة بكل تدبير[13]. و ذلك بالرغم مما قد يخلفه نشر هذه التقارير من تخوف و عدم ارتياح لدى بعض المنتخبين المحليين، و خاصة اتجاه نشر الملاحظات التي توجه للجماعة التي يوجدون على رأسها لما يعتبرون في ذلك من تشكيك في نزاهتهم أو مصداقيتهم و سمعتهم الانتخابية.

و هذا التخوف أو الظاهرة موجودة حتى في الدول المتقدمة، فبالرغم من مرور ما يقارب تسعة و عشرين سنة من وجود الغرف الجهوية للحسابـات بالنسبة للتجربـة الفرنسيـة،

إلا أن هناك كما عبر عنه أحد الباحثين بعلاقات صراع relations conflictuelles بين الغرف الجهوية و المنتخبين.[14] الذين يعملون بشكل أو بآخر على الحد من عمل هذه الغرف.[15]

في حين أن هذا النوع من الرقابة يتطابق و منطق اللامركزية، و لا يشكل أي عرقلة على حرية عمل الجماعات المحلية.[16]

في هذا الصدد، ما ينبغي التأكيد عليه أن الهدف من نشر التقارير ليس هو العقاب بقدر ما هو تكريس لقيم الشفافية و توخي المزيد من الحيطة و الحذر، والتعامل بمسؤولية و فعالية مع تدبير الشأن العام المحلي في كل جوانبه الإدارية و المالية. و الدليل على ذلك،  سيجد المنتخبون (وكل مدبري الأجهزة العمومية المحلية) في القضاء المالي دور الموجه والناصح و المرشد للجماعات الترابية.

  • تقديم الاستشارة و الدعم للجماعات الترابية، و هي إحدى الخصوصيات

التي تميز القضاء المالي عموما، الذي و إن كان قضاء زجريا في العديد من جوانبه، فهو أيضا قضاء يقوم على أسس الاستشارة و تقديم النصح و معالجة المشاكل و النزاعات. ففضلا عن الملاحظات المتعلقة بالتسيير، تظهر هذه الخصوصية أساسا في إمكانية سلطة الوصاية-  وزير الداخلية، الوالي، أو العامل حسب الحالات – طلب رأي المجلس الجهوي بشأن كل إشكال أو نزاع[*] يتعلق بإجراءات تنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية و مجموعاتها. و إن كان هذا الرأي غير ملزم إلا أنه مشروط بضرورة التعليل في حالة عدم الالتزام به، و يصعب منطقيا تجاوز رأي المجلس الجهوي للحسابات لأنه لم تلجأ سلطة الوصاية إليه إلا بعد أن استعصى عليها الأمر.

و عموما، تستفيد الجماعة الترابية من آراء و ملاحظات متخصصين يمدونها بحلول موضوعية ومحايدة، تؤسس لنوع من الحوار و الشفافية، و تكشف في الوقت نفسه عن الدور التحكيمي لقضاة المجالس الجهوية للحسابات في المساهمة في  الوقاية من النزاعات التي لا تؤدي إلا إلى المزيد من التأخر، و التأخر اليوم أصبح باهض الثمن في ظل ندرة الموارد، وتزايد التحديات التي تتطلب التركيز على الجودة و تدبير التنمية باقتصاد و فعالية. و هذا جانب آخر يحرص القضاء المالي على تحقيقه عبر تقييم الجودة و المردودية في تدبير المشاريع المحلية.

  • تقييــم الجـودة و المـردودية فـي تدبيـر المشاريـع المحليـة، فالتقيـيـم

l’évaluation هو من المناهج المعتمدة في المحاكم المالية و أساسا في مراقبة التسيير، والتي تمكن المجالس الجهوية للحسابات من مقاربة أداء الجماعات الترابية بشكل عام والتدبير الاقتصادي بشكل خاص بعدما أصبحت الجماعات الترابية اليوم تتحمل مسؤولية التأسيس لاقتصاد محلي و تلبية طلبات اقتصادية و اجتماعية مختلفة.

و تلعب مراقبة التسيير – كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين-  دور الربط بين الإدارة العامة و باقي المستويات الترابية للبحث عن التنسيق و التجانس بين الاستراتيجية الموضوعة و بين المخططات الاستراتيجية المحلية.[17]

من هذا المنطلق، ينبغي تطوير الرقابة من حيث تنمية الخبرة المالية و تكييفها و تنوع الجماعات الترابية و الأجهزة التي يتم فحصها، ليس فقط من الوجهة القانونية، و إنما أيضا من الناحية الفنية و التقنية و هذا أكثر ما تحتاجه و تنتظره الجماعات الترابية.[18]

فالجماعة الترابية في حاجة إلى التتبع و التقييم من أجل اكتشاف النقائص و العوائق التي تحول دون تحقيق النتائج المنتظرة من مخططاتها و برامجها و مشاريعها و حتى سياساتها العمومية إن توفرت فيها مقومات السياسة العمومية. و العمل على تجاوز و تفادي هذه العوائق مستقبلا.

فاستنادا إلى التقارير المتعلقة بأنشطة المحاكم المالية تعرف العديد من الجماعات الترابية  مجموعة من الاختلالات  في تدبير مشاريعها و مخططاتها التنموية من ضمنها:

– وجود ضعف في و ظيفة البرمجة و التخطيط

– عدم القدرة على التحكم في كلفة المخاطر و آجال التنفيذ

– بطء في إنجاز المشاريع المبرمجة

– إنفاق موارد ضخمة دون تحقيق المنافع و الأهداف الاقتصادية و الاجتماعية

-عدم احترام القواعد المنظمة للصفقات العمومية

– ضعف نظام المراقبة الداخلية

– ضعف مراقبة الجماعة الترابية للمرافق المسيرة في إطار التدبير المفوض…

و من هنا، تتجلى أهمية المجالس الجهوية للحسابات التي تعمل في هذا الصدد (رغم صعوبة عملية التقييم في ظل غياب أهداف واضحة)، على تحديث و تطوير أساليب و مناهج التدبير، و الرفع من إنتاجية القطاع العمومي المحلي عبر تزويد الجماعة الترابية بكل الملاحظات التي من شأنها تقوية وظيفة البرمجة و التخطيط و الاستعمال الأمثل للموارد المتاحة. و من تم توسيع نسب مساهمة الجماعة الترابية في إنعاش الاقتصاد المحلي.

و عموما، لا يسع القول إلا أن القضاء المالي لبنة أساسية لبناء حكامة محلية ومكسبا وجب دعمه- ماديا و بشريا- و مساندته و تثمينه من أجل ترميم و تقويم التدبير المحلي، والحفاظ على الحظوظ في التنمية المحلية.


[1]  القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.124 صادر في فاتح ربيع الآخر 1423 (الموافق ل 13 يونيو2002) ، الجريدة الرسمية عدد 5030 بتاريخ 15/08/2002 ، ص 2294 .

[2] المادة 126 من القانون 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية.

[3] المادة 131 من نفس القانون.

[4]  ذ. محمد براو ، “الوجيز في شرح قانون المحاكم المالية:مساهمة في التأصيل الفقهي للرقابة القضائية على المال العام”، مطبعة طوب بريس، الطبعة الأولى، 2004، ص 140 .

[5] ذ. محمد براو، نفس المرجع، ص 146.

[6] ذ. محمد مجيدي، ” دور المجالس الجهوية للحسابات في تطوير أداء الجماعات المحلية”، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، كلية الحقوق أكدال 2006/ 2007، ص 53 .

[7] للمزيد من التوضيح انظر المادة 147 و المادة 148 من القانون 62.99 .

[8] ذ. محمد مجيدي، المرجع السابق، ص 79- 80  .

[9] ذ. محمد مجيدي، المرجع السابق، ص 53 .

[10] علاوة على أن قضاة المحاكم المالية أنفسهم يخضعون لمجموعة من الواجبات التي تضمن حيادهم، و يمكن الرجوع في هذا الصدد إلى  الكتاب الثالث من مدونة المحاكم المالية.

[11] انظر المادة 61 من مدونة المحاكم المالية

[12] ذ. محمد براو، المرجع السابق، ص 240 .

[13] التقرير المتعلق بأنشطة المحاكم المالية لسنة 2008 ،نفس المرجع، ص7 – 8 .

[14] M. Olivier Benoit, « LES CHAMBRES RÉGIONALES DES COMPTES FACE AUXÉLUS LOCAUX Les effets inattendus d’une institution », Revue française de science politique , vol. 53, n° 4, août 2003, p. 537.

[15] Idem, p548.

[16] M.Michel Bouvier et autres, « finances publiques », L.G.D.J , 9 e édition, Paris, 2008, p. 867.

[*] و غالبا ما يتعلق الأمر  بمشكل رفض الحسابات الإدارية، و قد عزز المشرع من خلال القانون 17.08 المغير و المتمم للميثاق الجماعي مجهودات المجالس الجهوية للحسابات من خلال اعتماد مسطرة جديدة في التصويت على الحساب الإداري ،حيث لم يعد التصويت بالرفض على الحساب الإداري يوقف برمجة فائض الميزانية.

[17] M.Abdellatif Amrani et Saîd Zergout, « Le contrôle de gestion communal : Analyse de cas etrangers », Remld, N° 47 novembre/ december 2002, p 57.

[18] Mme.Laure Ortiz : Intervention au colloque du 23 october 2007 sur : « Place et  rôle de la Chambre Régionale  des Comptes  de  MIDI-PYRENEES dans la gouvernance locale », la revue du trésor, n° 1 – Janvier 2008 . p 25.  www.ccomptes.fr/archive

مسطرة الترافع أمام المحاكم الإدارية

( دراسة مقارنة بباقي أنواع المحاكم )

الأستاذ أحمد الداودي

 باحث في القانون أكادير

مقدمة

يشكل تعزيز الخريطة القضائية للمملكة المغربية بمحاكم إدارية ومحاكم استئناف إدارية دعامة من دعائم دولة الحق والقانون، ولبنة من لبنات تكريس وترسيخ مبدأ المشروعية وسيادة القانون في العلاقة التي تربط الإدارة بالمواطنين أفرادا وجماعات.

فبعد إحداث المحاكم الإدارية بمقتضى قانون90/41 في عهد جلالة الملك الحسن الثاني رحمة الله، الذي أعلن عن إنشاء هذه المحاكم في خطابة الملكي السامي ليوم 8 ماي 1990، شاءت الإرادة السامية لوارث سره جلالة الملك محمد السادس نصره الله أن يسير على المنهج القويم والمنحى الحكيم لوالده المنعم، حيث أعلن جلالته بمناسبة افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء بتاريخ 15 دجنبر 1999 بأنه سيتم إحداث محاكم استئناف إدارية على أن يؤسس مستقبلا مجلس دولة يعلو قمة هرم القضاء الإداري المغربي.

غير أن المشرع وإن كان قد أحدث هذا النوع من المحاكم، فإنه لم يقم بوضع مسطرة خاصة للترافع أمامها، وإنما اعتبر أن قواعد قانون المسطرة المدنية هي الواجبة التطبيق أمام هذا الجهاز القضائي المتخصص.

وإذا كنا سنقوم في هذا العرض بدراسة مسطرة التقاضي أمام المحاكم الإدارية، فإن ذلك نابع من إيماننا القويم بدورها الفعال في فرض احترام القانون، وذلك عن طريق حمل الإدارة على احترام مبدأ المشروعية، الشيء الذي يساهم وبشكل فعال في إرساء دعائم دولة الحق والقانون، وتركيز سيادتها والإقرار بمسؤولية الدولة عن تصرفاتها، وإعطاء المواطن كافة الضمانات للدفاع عن حقه في مواجهة أي قرار أو مسطرة تكون الإدارة طرفا فيها، وسنعمل على دراسة هذا الموضوع وفق مقاربة نموذجية متناولين المسطرة أمام المحاكم بصفة عامة، والمحاكم الإدارية بصفة خاصة.

فما هي الخصائص العامة لمسطرة التقاضي أمام المحكمة الإدارية؟ وما هي القواعد الإجرائية الشكلية والموضوعية للترافع أمام هذه المحاكم؟

هذا ما سنحاول دراسته وفق التصميم التالي:

المبحث الأول: الخصائص العامة لمسطرة التقاضي أمام المحاكم الإدارية

المبحث الثاني: القواعد الإجرائية لمسطرة التقاضي أمام المحاكم الإدارية

المبحث الأول: الخصائص العامة لمسطرة التقاضي أمام المحاكم بالإدارية

تتميز مسطرة التقاضي أمام المحاكم الإدارية  بمجموعة من الخصائص، أهمها اعتماد قانون المسطرة المدنية كشريعة عامة، ومؤسسة المفوض الملكي كمؤسسة خاصة بهذا المحاكم، بالإضافة على اعتماد التشكيلة الجماعية للحكم والعلنية والتحقيقية والكتابية.

المطلب الأول: اعتماد قانون المسطرة المدنية ومؤسسة المفوض الملكي

تطبق أمام المحاكم عموما والمحاكم الإدارية على وجه الخصوص قواعد المسطرة المدنية مالم يتم التنصيص على خلاف ذلك، غير أن هناك مؤسسة قضائية تتميز بها المحاكم الإدارية عن غيرها من المحاكم، ويتعلق الأمر بمؤسسة المفوض الملكي.

الفقرة الأولى: اعتماد قانون المسطرة المدنية كأصل عام للتقاضي:

إن استقراء مختلف القوانين المنظمة لأصناف المحاكم التي يتألف منها النظام القضائي المغربي من شأنه أن يجعل الدراس يخلص إلى أن قانون المسطرة المدنية هو الشريعة العامة للقواعد الإجرائية أمام مختلف تلك المحاكم.

فبالرجوع إلى قانون 95-53 المنظم للمحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية([1]) نجده يحيل في مادته التاسعة عشرة على أنه:” تطبق أمام المحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية القواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية ما لم ينص على خلاف ذلك”، وهو نفس المقتضى الذي كرسه المشرع في القسم الثالث من قانون المسطرة المدنية بالنسبة للمحاكم الابتدائية، وفي القسم السادس بالنسبة لمحاكم الاستئناف وفي القسم السابع من الباب الثاني بالنسبة للمجلس الأعلى.

غير أن المشرع خرج عن هذا المقتضى بالنسبة لمحاكم الجماعات والمقاطعات([2]) حيث أعتبر الفصل 15 من القانون المنظم لهذه المحاكم: “إن القواعد المتعلقة بالاختصاص والمسطرة المطبقة في القضايا المدنية والجنائية أمام محاكم الجماعات ومحاكم المقاطعات هي المحددة بمقتضى هذا الظهير ما لم ينص قانون خاص على خلاف ذلك”

أما بخصوص المحاكم الإدارية التي تشكل محور الدراسة فنجد المادة السابعة من قانون 90/41([3]) المحدث بموجبه هذا الصنف من المحاكم يعتبر أنه: “تطبق أمام المحاكم الإدارية القواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية ما لم ينص قانون على خلاف ذلك” وهو نفس المقتضى التي تمت إعادته بصيغة أخرى في قانون 03-80([4]) المحدث بموجبه محاكم استئناف إدارية، حيث نص الفصل 15 منه على أنه: “تطبق أمام محاكم الاستئناف الإدارية للقواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية والقانون رقم 90/41 المحدث بموجبه محاكم إدارية ما لم ينص قانون على خلاف ذلك”.

غير أن الملاحظ أن قواعد قانون المسطرة المدنية لا تتوافق بالشكل المطلوب مع قانوني 90/41 و03-80 مما يطرح مجموعة من الصعوبات والإشكالات على مستوى التطبيق العملي خصوصاً في المجال المسطري، الشيء الذي يجعل الحاجة ملحة لسن قواعد تتلاءم مع طبيعة هذا الصنف من المحاكم في إطار مسطرة إدارية خاصة.

الفقرة الثانية: مؤسسة المفوض الملكي للدفاع عن الحق والقانون:

إذا كان القانون يستلزم حضور النيابة العامة أمام المحاكم الابتدائية من خلال الفصل الرابع من ظهير التنظيم القضائي، الذي ينص على أنه “… يجب حضور النيابة العامة في الجلسات الزجرية تحت طائلة بطلان المسطرة والحكم، ويعتبر هذا الحضور ضرورياً في جميع القضايا ما عدا في الأحوال المحددة في قانون المسطرة المدنية وخاصة إذا كانت النيابة العامة طرفا رئيسياً، وفي جميع الأحوال الأخرى المقررة بمقتضى نص خاص “أما بالنسبة لمحاكم الاستئناف فقد نص الفصل السابع من الظهير المذكور أنه: “…يعتبر حضور النيابة العامة في الجلسة الجنائية إلزاميا تحت طائلة البطلان، واختياريا في القضايا الأخرى ما عدا في الأحوال المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية وخاصة إذا كانت النيابة العامة طرفا رئيسيا وفي جميع الأحوال الأخرى المقررة بمقتضى نص خاص”.

وبخصوص المجلس الأعلى فقد نصت المادة 11 من ظهير التنظيم القضائي المغربي أنه “…يعتبر حضور النيابة العامة إلزاميا في سائر الجلسات”.

وإذا كان المشروع قد كرس جهاز النيابة العامة أمام هذه المحاكم فإن الأمر مختلف بالنسبة للمحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية حيث نجد جهازا من نوع خاص، هو ما يصطلح عليه “بالمفوض الملكي”.

وقد تم إحداث هذا المنصب بإحداث المحاكم الإدارية سيراً على النهج الفرنسي حيث يسمي “مفوض الحكومة”، أو في مصر حيث يسمى “مفوض الدولة”.

فالمفوض الملكي يدخل ضمن تشكيلة المحاكم الإدارية دون غيرها من المحاكم، بل ويعتبر إحدى دعاماتها الأساسية.

ومنصب المفوض الملكي يختلف عن النيابة العامة، فهو لا يمثل أحدا في المنازعة الإدارية، عكس النيابة العامة التي تمثل المجتمع، كما أن النيابة العامة من حقها تحريك الدعوى العمومية ومتابعة سيرها إلى حين صدور الحكم مع حق استئنافه، في حين أن المفوض الملكي لاحق له في استئناف أحكام المحكمة الإدارية في جميع الأحوال([5]).

ويتم تعيين المفوض الملكي من طرف رئيس المحكمة الإدارية من بين قضائها باقتراح من الجمعية العمومية لمدة سنتين([6]) في دورة عادية أو في دورة استثنائية إذا اقتضى الأمر ذلك([7]).

أما مهمته فهي الدفاع عن القانون كتشريع مدون معمول به، والحرص على تطبيقه في النوازل المعروضة على نظر القضاء الإداري بكامل الاستقالية([8])، وكذا الدفاع عن الحق لتحقيق العدالة والإنصاف، باعتبار ذلك هو الغاية الأساسية من إنشاء المحاكم.

وبذلك فالمفوضون الملكيون يساهمون في تنوير المحكمة بخصوص القانون الواجب التطبيق وبتقديم مقترحات وحلول، ولا يشاركون في إصدار الأحكام، ولا يوكل إليهم الدفاع عن الإدارة، وإنما يتعين عليهم أن يقدموا تحليلا موضوعيا ومتوازيا يشمل موضوع وعنصر القضية، مساهمين بذلك في مساعدة المحكمة لاتخاذ قرار عادل وصائب من الناحية القانونية([9]).

وتبعا لذلك فالمفوض الملكي يقوم بمهمتين أساسيتين، إحداهما إدارية والأخرى قضائية.

وتتمثل المهمة الإدارية في تلقي الملفات المسجلة بالمحكمة الإدارية، ويقوم بفتح نسخ من الملفات الأصلية وترقيمها ووضعها في سجلات خاصة([10])، كما يقوم بتحرير مستنتجاته وطبعها، لأنه وطبقا للمادة الخامسة من قانون90/41 يكون من حق الأفراد أخذ نسخة من مستنتجات المفوض الملكي للإطلاع عليها.

أما مهمته القضائية فهي الدفاع عن الحق والقانون، لذلك فهو يتسلم الملف بمجرد تسجيله للإطلاع على مقتضياته، ويقوم بتتبع مختلف أطوار القضية ومراحلها، ويدرس مواقف الأطراف، ويدلي بمستنتجاته بكامل الاستقلالية فيما يتعلق بالوقائع والقواعد القانونية المطبقة عليها.

ويعتبر حضوره ضروريا في كل الجلسات لأن المادة الخامسة توجب في فترتها الأولي انعقاد الجلسة وإصدار الحكم بثلاث قضاة بحضور كاتب الضبط مع ضرورة وجود المفوض الملكي للدفاع عن الحق والقانون.

الفقرة الثالثة: التشكيلة الجماعية والمسطرة الكتابية

بالرجوع إلى القوانين المنظمة للمحاكم المشكلة للجسم القضائي المغربي، نجد أن أغلب هذه المحاكم تعتمد على التشكيلة الجماعية لإصدار أحكامها.

وهكذا فبالرجوع للفصل السابع من ظهير التنظيم القضائي([11]) نجد بأن محاكم الاستئناف تعقد جلساتها في جميع القضايا وتصدر قراراتها من طرف قضاة ثلاثة وبمساعدة كاتب الضبط تحت طائلة البطلان ما لم ينص القانون على خلاف ذلك…

وهو ما كرسه نفس الظهير في فصلة الحادي عشر بخصوص المجلس الأعلى، حيث أعتبر أنه: “يعقد المجلس الأعلى جلساته ويصدر قراراته من طرف خمسة قضاة بمساعدة كاتب الضبط ما لم ينص القانون على خلاف ذلك…”.

ونفس المقتضى نجده في المادة الرابعة من قانون المحاكم التجارية التي جاء فيها أنه: “تعقد المحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية جلساتها وتصدر أحكامها وهي متركبة من ثلاث قضاة من بينهم رئيس، يساعدهم كاتب ضبط ما لم ينص القانون خلافا على ذلك”.

غير أن المشرع خرج عن هذه المقتضيات بخصوص المحاكم الابتدائية ومحاكم الجماعات والمقاطعات، فالأولي كما جاء في الفصل الرابع من ظهير التنظيم القضائي وإن كانت تعقد جلساتها بحضور ثلاث قضاة بمن فيهم الرئيس وبمساعدة كاتب الضبط كأصل عام، فإنها تعقد جلساتها بقاض منفرد في الطلبات التي يقل مبلغها عن ثلاثة آلاف درهم وكذا الطلبات الرامية إلى إصدار تصريح قضائي بازدياد أو وفاة، وفي البحث المجرى في مادة حوادث الشغل والأمراض المهنية، وكذا في ما يتعلق بمسطرة الصلح في قضايا حوادث الشغل والأمراض المهنية، وأيضا في قضايا الأحداث والمخالفات المعاقب عليها بغرامة والتي يستند فيها قانون المسطرة الجنائية الاختصاص إلى المحاكم الابتدائية.

أما الثانية- أي محاكم الجماعات والمقاطعات – فنجد الفصل الثاني من القانون المنظم لها ينص على أنه: “تتألف محاكم الجماعات ومحاكم المقاطعات من حاكم وأعوان لكتابة الضبط أو الكتابة، وتنعقد جلساتها بحاكم منفرد يساعده كاتب الضبط أو كاتب”.

فما عدا المحاكم الابتدائية – في بعض القضايا – ومحاكم الجماعات والمقاطعات، فإن الأحكام تصدر من طرف هيئة مشكلة تشكيلة جماعية، وهو نفس المقتضى بالنسبة للمحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية، حيث نصت المادة الخامسة من قانون 90/41 على انه: “تعقد المحاكم الإدارية جلساتها وتصدر أحكامها علانية وهي متركبة من ثلاثة قضاة يساعدهم كاتب الضبط، ويتولي رئاسة الجلسة رئيس المحكمة الإدارية أو قاض تعينه للقيام بذلك الجمعية العمومية السنوية لقضاة المحكمة الإدارية”.

كما نصت المادة الثالثة من قانون 03-80 على أنه: “تعقد محاكم الاستئناف الإدارية جلساتها وتصدر قراراتها علانية وهي متركبة من ثلاثة مستشارين من بينهم رئيس يساعدهم كاتب الضبط…”.

المطلب الثاني: العلنية والكتابية والتحقيقية:

لقد عمل المشروع على تكريس قاعدة العلنية والتحقيقية والكتابية أمام المحاكم عموما والمحاكم الإدارية على وجه الخصوص تحقيقا لجودة الأحكام وضمانا لحقوق المترافعين، ودورها هذا يستلزم منا تخصيص فقرة مستقلة لكل قاعدة من هذه القواعد.

الفقرة الأولي: علانية الجلسات

تعتبر مسألة مناقشة القضية والنطق بالحكم فيها في جلسة علنية مفتوحة للجميع مع إمكانية نقل ما راج فيها إلى الرأي العام عن طريق وسائل الإعلام إحدى الأسباب المكرسة لتحقيق عدالة جيدة ولتقييم العمل القضائي.

ونظرا لأهمية هذا المبدأ فقد أفرد له العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية مادته الرابعة عشرة التي جاءت في فقرتها الأولى أن: “الناس جميعا سواء أمام القضاء، ومن حق كل فرد لدى الفصل في أي تهمه جزائية توجه إليه، أو في حقوقه والتزاماته في أيه دعوى مدنية أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية منشأة بحكم القانون…” وقد أبي المشرع المغربي إلا أن يؤكد بدوره على مبدأ علانية الجلسات، فنجده ينص في الفصل 43 من قانون المسطرة المدنية على أن الجلسات تكون علنية أمام  المحاكم الابتدائية ما لم يقرر القانون خلافا لذلك، كما أناط المشرع في نفس الفصل برئيس الجلسة سلطة حفظ النظام العام أو الأخلاق الحميدة بها، كما اعتبر في إطار الفصل 339 من القانون المذكور أن الجلسات أمام محاكم الاستئناف تكون علنية، إلا أنه يجوز للمحكمة أن تأمر بعقدها سرية متى كانت علنيتها خطيرة بالنسبة للنظام العام والأخلاق الحميدة، وتكون الجلسات علنية كذلك أمام المجلس الأعلى، وهو ما كرسه الفصلان 372و375 من قانون المسطرة المدنية، فحسب الفصل 372 “تكون الجلسات أمام المجلس الأعلى علنية عدا إذا قرر المجلس سريتها”، وحسب الفصل 375 “يصدر المجلس الأعلى قراراته في جلسة علنية باسم جلالة الملك”.

وقد تم تكريس هذا المبدأ حتى بالنسبة لمحاكم الجماعات والمقاطعات، حيث جاء في الفصل 17 من القانون المنظم لها بأنه “تكون جلسات حكام المقاطعات وحكام الجماعات علنية وتصدر أحكامها باسم جلالة الملك وتذيل بالصيغة التنفيذية وتضمن في سجل معد لذلك”.

وقد سار المشرع المغربي علي تكريس مبدأ العلنية بالنسبة للقضاء الإداري أيضا، حيث اعتبر في الفصل الخامس من قانون90/41 أنه “تعقد المحاكم الإدارية جلساتها وتصدر أحكامها علانية… “كما اعتبر في المادة الثالثة من قانون 03-80 أنه “تعقد محاكم الاستئناف الإدارية جلساتها وتصدر قراراتها علانية”.

وهكذا نخلص إلى أن المشرع حرص على تكريس مبدأ علانية الجلسات كمبدأ عام أمام جميع المحاكم التي تؤلف نظامنا القضائي، وفي ذلك تأكيد على جودة الأحكام والقرارات القضائية، وضمانة لحماية المتقاضين وصيانة حقوقهم للدفاع عن مصالحهم بشكل يضمن المحاكمة العادلة ويكرس قواعد دولة الحق والقانون.

الفقرة الثانية: اعتماد المسطرة الكتابية:

عمد المشرع إلى اعتماد المسطرة الكتابية أمام سائر المحاكم، حيث نص في الفصل 45 من قانون المسطرة المدنية أنه: “تطبيق أمام المحاكم الابتدائية قواعد المسطرة الكتابية…غير أن المسطرة تكون شفوية في القضايا التالية:

  • القضايا التي تختص المحاكم الابتدائية فيها ابتدائيا وانتهائيا.
  •  قضايا النفقة والطلاق والتطليق([12]).
  • القضايا الاجتماعية.
  • قضايا استيفاء ومراجعة وجيبه الكراء.
  • قضايا الحالة المدنية.

وتطبق المسطرة الكتابية أيضا أمام محاكم الاستئناف طبقا للفصل 328 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص على انه: “تودع مقالات الاستئناف وفقا لمقتضيات الفصلين 141و 142 وتسلم دون تأخير إلى كتابه ضبط محكمة الاستئناف حيث تقيد مع الملف والنسخ المشار إليها في الفقرة الثانية من الفصل 142، وتطبق مقتضيات الفقرة الأخيرة من هذا الفصل” وفي نفس الاتجاه ينص الفصل 332 من القانون المذكور على أنه “تودع مذكرات الدفاع وكذلك الردود وكل المذكرات والمستنتجات الأخرى في كتابة ضبط محكمة الاستئناف، ويجب أن يكون عدد نسخها مساويا لعدد الأطراف…”

ويتم اعتماد المسطرة الكتابية أيضا أمام المجلس الأعلى حيث نص الفصل 334 من قانون المسطرة المدنية على أنه: “ترفع طلبات النفض والإلغاء المشار إليها في الفصل السابق بواسطة مقال مكتوب موقع علية من طرف أحد المحامين المقبولين للترافع أمام المجلس الأعلى”.

ونفس المسطرة نجدها مطبقة أمام المحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية، فطبقا للمادة 13 من قانون 95، 53 ترفع الدعاوى أمام المحكمة التجارية بمقال مكتوب يوقعه محام مسجل في هيئة من هيئات المحامين بالمغرب” وطبقا للمادة 18 من نفس القانون “… يقدم مقال الاستئناف إلى كتابة ضبط المحكمة التجارية…”.

ويتم العمل بالمسطرة الكتابية أيضا أمام المحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية، فطبقا للفصل الثالث من قانون90/41: “ترفع القضايا إلى المحاكم الإدارية بمقال مكتوب يوقعه محام مسجل في جدول هيئة من هيئات المحامين بالمغرب. ويتضمن ما لم ينص على خلاف ذلك البيانات المنصوص عليها في الفصل 32 من قانون المسطرة المدنية…” وطبقا للمادة الثالثة من قانون 03-80 يقدم الاستئناف إلى كتابة ضبط المحكمة الإدارية التي أصدرت الحكم المستأنف بواسطة مقال مكتوب يوقعه محام، ما عدا استئناف الدولة والإدارات العمومية حيث تكون نيابة المحامي أمرا اختيارا …”.

فالمحاكم الإدارية إذن تطبق أمامها قواعد المسطرة الكتابية بشكل إجباري، ويمكن تعليل ذلك بكون المنازعة الإدارية تحتاج في غالب الأحيان إلى الدقة والانسجام الذي قد لا يتوفر في المسطرة الشفوية([13]).

ونشير في ختام هذه الفقرة إلى أنه إذا كان المشرع قد كرس المسطرة الكتابية أمام جميع المحاكم كما رأينا، فإنه خرج عن هذه القاعدة بالنسبة لمحاكم الجامعات والمقاطعات، حيث نص الفصل 16 من القانون المنظم لهذه المحاكم على أن المسطرة أمامها تكون دائما شفوية، وبالتالي فالأطراف غير ملزمين بتقديم وسائل دفاعلهم ودفوعاتهم بواسطة مقالات مكتوبة، بل يكفى أن يتقدموا أمام الحاكم ويدلوا بما يؤكد أدعائهم أو يفندد مزاعم خصومهم([14])

الفقرة الثالثة: مسطرة تحقيقية

بالرجوع إلى قانون المسطرة المدنية نجد أن المشرع خصص الباب الثالث من القسم الثالث لإجراءات التحقيق أمام المحاكم الابتدائية، أي من الفصل 55 إلى الفصل 102، كما أنه خصص الباب الأول من القسم السادس لإجراءات التحقيق أمام محاكم الاستئناف، أي من الفصل 328 إلى الفصل 336 من القانون المذكور.

وقد تم التنصيص على نفس الخاصية في إطار الفصل الرابع من القانون المحدث للمحاكم الإدارية والذي نص على أنه: “بعد تسجيل مقال الدعوى، يحيل رئيس المحكمة الإدارية الملف حالا إلى قاض مقرر يقوم بتعيينه وإلى المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق المشار إليه في المادة الثانية أعلاه.

ويطبق الفصل 329 والفصل 333 وما يليه من قانون المسطرة المدنية على الإجراءات التي يقوم بها القاضي، وتمارس المحكمة الإدارية ورئيسها والقاضي المقرر الاختصاصات المسندة بالفصول الآنفه الذكر على الترتيب إلى محكمة الاستئناف ورئيسها الأول والمستشار المقرر بها.

فمن هذا الفصل يبدو لنا بأن المسطرة أمام المحاكم الإدارية هي مسطرة تحقيقة، ويقصد بذلك أن تسيير الدعوى وتوجيه الخصومة يتم من طرف القاضي، فهي عكس المسطرة الاتهامية التي تترك للأطراف أمر سريان الخصومة([15]).

المبحث الثاني: القواعد الإجرائية للترافع أمام المحاكم

كرس المشرع المغربي قانون المسطرة المدنية كشريعة عامة للقوانين الإجرائية أمام المحاكم العادية ومنها المتخصصة كمبدأ عام ما لم يرد نص يخالف هذا المبدأ. وقد وضع المشرع شروط ضروري توفرها (المطلب الأول) للترافع أمام جميع المحاكم ومنها الإدارية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: القواعد الإجرائية الموضوعية للترافع أمام المحاكم:

ورد في الفقرة الأولي من الفصل الأول من قانون المسطرة المدنية أنه “لا يصح التقاضي إلا ممن له الصفة والأهلية والمصلحة للإثبات حقوقه”، وعليه يجب أن يكون المتقاضي ذا أهلية لمباشرة حقوقه، والتقاضي بشأنها (الفقرة لأولي) وأن يتمتع بالصفة التي تخوله رفع الدعوى (الفقرة الثانية) وأن تكون لديه مصلحة أو منفعة يرمي إلي تحقيقها (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولي: شرط الأهلية:

اشترط المشرع المغربي في رفع الدعوى أن يكون متمتعا بالأهلية التي تعد من أهم الخصائص التي تتصف بها الشخصية القانونية والتي تحدد فعالية الشخص ومدى قدرته على إلزام والالتزام وهذه هي أهلية الوجوب ومدي صلاحيته المباشرة الأعمال القانونية أو ما يصطلح عليه أهلية الأداء([16]).

وقد حدد المشرع من خلال مدونه الأسرة أهلية التقاضي بالنسبة للأفراد الطبيعيين في 18 سنة شمسية كاملة مع عدم التعرض لأي عارض من عوارض الأهلية، غير أن المشرع المغربي سمح للقاصر البالغ 16سنة والذي تم ترشيده من قبل القاضي طبقا للإجراءات الشرعية شريطة أن ينوب عنه نائبه الشرعي بالتقاضي وأيضا من ظهرت عليه مخايل الرشد وأذن له الوالي بتعاطي الصناعة أو التجارة أو تسلم قدر من أمواله، لإرادتها بقصد الاختبار حيث يعتبر هذا الأخير كامل الأهلية شريطة أن ينوب عنه هو الآخر نائبه الشرعي، قد استلزم المشرع اطلاع النيابة العامة على سائر القضايا التي تخص عديمي وناقصي الأهلية صونا لحقوقهم([17]).

أما بالنسبة للمجموعة من الأشخاص فلا تستطيع التقاضي إذا لم تكن متمعنة بالشخصية المعنوية أي أن تكون مكونة بطريقة شرعية أو وجود شخص ذاتي يتصرف باسمها([18]). مع العلم أن الشخصية المعنوية لا تظهر بمجرد إرادة مجموعة من الأفراد ولكن القانون قد حدد شروط الحصول عليها كما هو الشأن بالنسبة للجمعيات والنقابات والشركات وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن صدور قرار إداري يقضي بحل هذا الشخص المعنوي لا يقف عائقا أمام حق هذا الشخص في التقاضي أمام المحاكم الإدارية التي تكون لها كلمة الفصل في تحديد مصير الشخص المعنوي([19]).

الفقرة الثانية: شرط الصفة:

الصفة هي: “علاقة المدعي بالشيء المدعى به والتي تعطيه الصلاحية للمطالبة به أمام القضاء”، والدعوى في التشريع المغربي تقع تحت طائلة عدم القبول في حالة رفعها ممن ليست لديه الولاية في الإدعاء وعليه فأصحاب الصفة لمباشرة الدعوى هم صاحب الحق نفسه واحد الورثة في الحالة التي ينصب فيها خصما من مجموع الورثة بقصد تمثيلهم في الدعاوى المرفوعة ضد أو لفائدة المتوفى بشأن التركة التي لم تتم تصفيتها بعد والدائن صاحب الحق ووكيل صاحب الحق سواء كانت وكالته قانونية مصدرها نص قانوني كنيابة الولي والمقدم والوصي عن القاصرين والمحجور عليهم أم اتفاقية مصدرها الاتفاق أو العقد كنيابة المحامي عن موكله، وقد اشترط المشرع المغربي في الوكالة أن تكون خاصة([20]) ويذكر فيها اسم الشخص الذي يتم الرفع لحسابه وأن يتوفر الوكيل على موطن بدائرة نفوذ المحكمة، بالإضافة على ما سبق فالقانون المغربي لم يشترط تقديم الوكيل- المحامى- وكالته مكتوبة إلى كتابة الضبط للمحكمة المختصة وإنما اكتفى بالتوقيع على المقال بالتصريح أثناء الجلسة بمؤازرة موكلة ما لم يتعلق الأمر بإنكار خط يد أو طلب يمين أو قبلها إذ لا تصح وكالته إلا إذا كانت مكتوبة ([21]).

هذا وقد منع المشرع “من لا يتمتع بحق تمثيل الأطراف أمام القضاء أن يرافع نيابة عن الغير إلا إذا كان زوجا أو قريبا أو صهرا من الأصول والفروع أو الحواشي إلى الدرجة الثالثة”([22]). في حين “لا يصح أن يكون وكيلا للأطراف المحروم من حق أداء الشهادة أمام القضاء والمحكوم عليه حكما غير قابل لأي طعن بسبب جناية أو جنحة لزور أو السرقة أو خيانة الأمانة أو النصب والتفالس البسيط أو بالتدليس أو انتزاع الأموال أو محاولة انتزاعها والوكيل الذي حرم من تمثيل الأطراف بمقتضى جزء تأديبي وكذلك العدول والموثقون المعزولون([23]).

هذا بالنسبة لتمثيل الشخص الطبيعي أما لتمثيل الشخص الاعتباري فترفع الدعوي ضد “الدولة في شخص الوزير الأول وله أن يكلف بتمثيله الوزير المختص عند الاقتضاء والخزينة في شخص الخازن العام، أما الجماعات المحلية ففي شخص العامل بالنسبة للعمالات والأقاليم وفي شخص رئيس المجلس القروي بالنسبة للجماعات، أما المؤسسات العمومية ففي شخص ممثلها القانوني في حين ترفع الدعوى ضد مديرية الضرائب في شخص مدير الضرائب([24])، ويضيف المشرع أنه “كلما كانت الطلبات تستهدف التصريح بمديونية الدولة أو الإدارة عمومية أو مؤسسة عمومية للدولة في قضية لا علاقة لها بالضرائب والأملاك المخزنية أوجب حيث أدخل الوكيل القضائي في الدعوى تحت طائلة عدم قبولها”([25]) وينبغي ألا يفهم من وجوبا إدخال العون القضائي في الدعوى تقييده بمرحلة معينة من مراحل التقاضي، لا سيما وأن ظهير 2 مارس 1953 بشأن تنظيم الوكالة القضائية للمملكة لا يتطلب إنابة الوكيل القضائي للمملكة عن الدولة المغربية والإدارات العمومية في مراحل معينة من مراحل التقاضي([26]). مع العلم أن المشرع ألزم تبليغ النيابة العامة القضايا المتعلقة بالنظام العام والدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية والهبات والوصايا لفائدة المؤسسات الخيرية وممتلكات الاحباس والأراضي الجماعية وذلك قبل الجلسة بثلاثة أيام على الأقل بواسطة كتابة الضبط أو أمام المحكمة([27]). ونشير في هذا الصدد إلى أن المشرع لم يلزم الدولة الاستعانة بمحام في الدعاوى التي تكون فيها مدعية أو مدعى عليها غير أن الإدارات العمومية تكون ممثلة بصفة قانونية أمام القضاء بواسطة أحد الموظفين المنتدبين لهذه الغاية([28]).

وفي سياق التمثيلية أبانت الممارسة على أن دفاع المتنازعين مع الإدارة يكون مضطراً إلى تضمين مقالة الافتتاحي قائمة بأسماء المرافق والسلطات الإدارية المدعى عليها تجنبا لعدم القبول أو الرفض الذي قد يطال الدعوى رغم أن الأمر يقتضى الاقتصار على بيان جهة واحدة تكون مؤهلة لتمثيل الدولة أمام القضاء مما يجعل الدعوي في مأمن من التعقيدات المترتبة على تعدد الجهات المدعى عليها على مستوى التبليغ وأجل الطعن، وفي هذا الإطار ولتجاوز هذا الوضع يستلزم الأمر التمييز بين التأهيل القانوني لتمثيل الدولة الذي يؤول إلى الوزير الأول وحدة حسب الفصل 515 من قانون المسطرة المدنية وبين مهمة الدفاع عن مصلحة الدولة أمام القضاء التي يمكن أن توكل إلى أحد أعوان المرافق المعني بالمنازعة، وقد يثور إشكال آخر يتعلق بتوجيه دعوى من طرف وزارة ضد وزارة أخرى علما بعدم توفيرهما على الشخصية المعنوية مستقلة مما يجعل صفة المدعي والمدعى عليه قد اتحدتا في الدولة وبالتالي تكون طالبة ومطلوبة في نفس الحق الذي يملكه والذي اعتدت عليه من جهة أخري وهو طبعا ينبو عن منطق التشريع المنظم للخصومة القضائية([29]).

الفقرة الثالثة: شرط المصلحة:

إلى جانب الشروط السابق ذكرها تشكل المصلحة عنصر لا غني للدعوى عنه ويمكن تعريف المصلحة بكونها ” الفائدة المادية أو الأدبية التي يجنبها المدعي من وراء دعواه” ونظرا للأهمية القصوى التي تكتسيها المصلحة باعتبارها “مناط الدعوى” حدي بعض الفقه في فرنسا ومصر إلى اعتبارها الشرط الوحيد لقبول الدعوى أما الصفة فليست في اعتقادهم سوء صورة من صورها في حين أن الأهلية شرط لمباشرة الدعوى والسير في إجراءاتها لا قبولها([30]).

وبناءا على التعريف – أعلاه. “فالمصلحة يمكن أن تكون مادية كما يمكن أن تكون أدبية فأما الأولي فهي التي ترمى إلى حماية حق عيني أو اقتضاء حق شخصي وأما الثانية فهي التي ترمى لطلب التعويض المعنوي عن ضرر في سمعة الشخص أو شرفه([31]), لكن هذا النوع الآخر نجد له حضور أقل عن المصلحة المادية في الاجتهاد القضائي بالرغم أن كلتا المصلحتين متداخلتين نجد مثالاً في مادة العقوبة التأديبية يكتسي المقرر بعدا معنويا لا جدال فيه ينضاف إلى آثاره المادية([32]).

وقد اشترط المشرع في المصلحة أن تكون مرتبطة بحق يحميه القانون ومستمدة من مركز قانوني يهدف صاحبة لحمايته أو الاعتراف له به وهي من تم تختلف عن المصلحة الاقتصادية التي لا تنهض شرط لقبول الدعوى بالإضافة لهذا يجب أن تكون المصلحة قائمة وقت المطالبة القضائية أي يكون الاعتداء على الحق المدعي به قد تحقق عند تقديم الطلب، معنى ذلك متى كانت لدى المدعي مصلحة احتماليه فإن دعواه ترد سبب سبقها لأوانها باستثناء الحالات التي قبل فيها المشرع المصلحة المحتملة كلما كان عرض المدعي الاستدلال بحق يخشي زوال دليله عند النزاع فيه، أو ما يعرف بدعاوي الأدلة التي تهدف لتهيئة مجال الإثبات مسبقاً ولكن كذلك دعاوى الاحتياط التي تهدف لدفع ضرر قد يقع في المستقبل.

والمباشرة تكون هي صفته في رفع الدعوى أما إذا ناب عنه غيره فإن المصلحة تتميز عن الصفة هذا هو المبدأ العام ذلك أنه يرد استثناء والذي تميل إليه بعض الاتجاهات الفقهية، حيث نجد دعوى النيابة العامة باعتبارها المؤسسة المدافعة عن الحق العام وتنوب عن المجتمع في المطالبة باقتضائه([33]) وعلى مستوى آخر نجد أن الجمعية أو النقابة أو الهيئة المهنية (هيئة الأطباء، هيئة المهندسين، الخ) تستطيع رفع دعوى الدفاع عن مصلحتها المشتركة بين جميع أعضائها، وتستعمل في ذلك ما يسمى بالدعوى الجمعوية، وبالمقابل فإنه لا يصح أن تقوم برفع دعوى للدفاع عن مصالح فردية في مواجهة قرارات إدارية أضرت بمصلحة أحد أفراد الشخص المعنوي([34]) حيث يفرض القانون على هذا الشخص أن يقيم دعواه أمام القضاء الإداري باسمه الخاص([35]).

إلا أنه يصعب التمييز بين المصلحة الجماعية والمصلحة الفردية دون أن ننسى أنه توجد مصالح فردية ذات انعكاسات جماعية، لكن التمييز يكون سهلا إذا كنا أمام قرار تنظيمي أو مشترك لأن هذا النوع من القرارات يستهدف غالبا كل أعضاء الهيئة أي يستهدف المصلحة المشتركة وبالمقابل لن يكون هناك إشكال إذا كان القرار الفردي يستهدف الهيئة لأن هذه الأخيرة بإمكانها الدفاع عن مصالحها باعتبارها مصلحة مشتركة بين كل الأعضاء، لكن الإشكال يتجسد إذا كان القرار الفردي يستهدف عضوا منتميا للهيئة لأن هذه الأخيرة لا تستطيع أن تحل محل المستهدف بالقرار لكونها موضوعة للدفاع عن المصالح المشتركة([36]).

تكلم كانت الشروط الموضوعية التي وضعها المشرع كقاعدة عامة مستلزمه توفرها في الراغب في الترفع أما جميع أنواع المحاكم ومنها الإدارية طبعا وإلى جانب هذه الشروط فقد استلزم شروطا أخرى خاصة بالحق المدعى به بالنسبة لدعوى الإلغاء هذه الأخيرة هي الدعوى التي يباشرها القضاء الإداري عن طريق الطعن في قرار إداري معين وطلب إلغاءه بسبب عدم مشروعيته ولقبول هذه الدعوى يشترط في القرار الإداري القابل للطعن تجاوز السلطة أن يكون صادراً عن سلطة إدارية تملك حق إصداره دون أن يكون معقبا عليها في ذاك من سلطة إدارية أعلي وأن يكون نهائيا قابلا لتنفيذ وأن يكون مؤثرا في المراكز القانونية للأطراف([37]).

وفي ختام هذا المطلب ننبه إلى كون هذه الشروط متصلة بالنظام العام وبالتالي فالمحكمة تثير انعدامها تلقائيا علما بان هذه الأخيرة لا تقرر عدم قبول الدعوى – أو الدفع أو الطعن – بمجرد إطلاعها على الأمر وإنما تترك للطرف مهلة كافية لتصحيح المسطرة بحيث لو تمكن من القيام بهذا الإجراء فإن دعواه تعتبر وكأنها أقيمت بكيفية صحيحة منذ البداية([38]).

ولقد كرس القضاء المغربي الشروط كدافع على مستوى الممارسة القضائية فنجد المجلس الأعلى في قراراه 1472 المؤرخ في 18/4/2001 لم يقبل طلب لغياب المصلحة مناط الطعن وهذا ما يستفاد من حيثية القرار التي جاء فيها: “…وحيث بأن القرار الاستئنافي المطعون فيه بالنقص لم يضر بالطاعنين لأنه لم يعمل إلا على تأييد الحكم الابتدائي وبالتالي فلا مصلحة لطاعنين في طلب النقض لعدم تضررهما من القرار المطلوب نقضه”([39]).

المطلب الثاني: القواعد الشكلية للترافع أمام المحاكم الإدارية:

سنعمل في هذا المطلب على التطرق لمختلف القواعد الإجرائية الخاصة بالمحاكم الإدارية في سائر أطوار الدعاوى المرفوعة أمامها.

الفقرة الأولي: إجراءات رفع الدعوى والتحقيق فيها:

بالرجوع إلى المادة 31 من قانون المسطرة المدنية والمادة 3 من قانون90. 41 المحدث بموجبه المحاكم الإدارية، نلاحظ أن المشرع قد استلزم رفع الدعاوى أمام المحاكم العادية وأمام المحكمة الإدارية رفعها بواسطة مقال مكتوب، مع إمكانية رفع الدعاوى أمام المحاكم الابتدائية بواسطة تصريح يدلي به المدعى شخصيا، يحرر به أحد أعوان كتابة الضبط محضراً يوقع عليه المدعي أو تتم الإشارة في المحضر إلى أنه لا يمكن له التوقيع، حسب مقتضيات المادة 31 من قانون المسطرة المدنية ([40])، لكن بالمقابل لا يمكن تصور هذه التقنية أمام المحاكم الإدارية التي نص المشرع في المادة 3 من قانون 41.90 على أن الدعوي ترفع إليها بوساطة مقال مكتوب موقع من طرف محامي مسجل بهيئة من هيئات المحامين بالمملكة([41])، إلا أن هذا الإجراء لا ينحصر فقط في المادة الإدارية بل يمتد كذلك إلى المادة التجارية عندما نص المشرع في المادة 13 من القانون التجاري على نفس الإجراء أمام المحاكم التجارية تحت طائلة بطلان الدعوى.

ويشترط في المقال الذي ترفع بواسطة الدعوى أمام المحاكم السابق ذكرها، توفره على البيانات الواردة في الفصل 32 من قانون المسطرة المدنية الذي نص على ضرورة تضمين المثال الأسماء والعائلية والشخصية وصفة أو مهنة وموطن أو أو محل إقامة المدعي عليه والمدعي، وبالتالي فعدم تضمين مقال الدعوى موطن ومحل إقامة المدعي، خلافا لما ينص عليه الفصل 32 من قانون المسطرة المدنية، يترتب عنه عدم قبول الطلب([42]) كما أن عدم تبيان الموطن الحقيقي للطاعن يخالف مقتضيات الفصل 355 من قانون المسطرة المدنية مما يرفض معه الطعن بالنقض([43]) وعند الاقتضاء أسماء وصفه وموطن وكيل المدعي، مع الإشارة في المقال إلى موضوع الدعوى والوقائع والوسائل المثارة واعتبرت المحكمة الإدارية بالرباط أن تقديم الطلب بشكل تشوبه العمومية والإبهام يعتبر مخالفة للفصل 32 من قانون المسطرة المدنية، لذلك قضت بعدم قبول الطلبات من هذا النوع([44])، ويطلب القاضي المقرر تحديد البيانات غير التامة التي وقع إغفالها، حتى طائلة عدم قبول الدعوى، ونشير أن الأخطاء المطبعية التي تتخلل هوية الأطراف لا تؤثر على الطعون والطلبات([45]) وحسب المادة 3 من قانون 41.90، يتم إيداع المقال بكتابة ضبط المحكمة الإدارية ويعمل كاتب الضبط على تسليم المعني وصلا بإيداع المقال، يتكون من نسخه منه، يوضع عليها خاتم كتابة الضبط وتاريخ الإيداع مع بيان الوثائق المرفقة([46]).

بعد تقييد الدعوى، وتسجيل المقال يحيل رئيس المحكمة الملف حالا إلى قاض مقرر، يعينه شخصيا، ليدرس القضية، وكذلك إلى المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق([47])، بالنسبة للمحاكم الإدارية.

بالرجوع إلى قانون 41.90 لتحديد الإجراءات التي يقوم بها القاضي المقرر بعد إحالة الملف إليه نلاحظ أن المشرع، بموجب المادة 4 من نفس القانون فقد أحال على المواد 329و 333 إلى الفصل 336 من قانون المسطرة المدنية، لذا وبالرجوع إلى مقتضيات المواد المراد السالف ذكرها نلاحظ أن الإجراءات المتبعة بعد تعيين قاضي مقرر وإحالة الملف إليه داخل أجل 24 ساعة يقوم بعدها فورا، بتبليغ المقال للطرف الآخر، مع تعيين تاريخ النظر في القضية بواسطة استدعاء تتضمن الاسم العائلي والشخصى ومهنة وموطن ومحل إقامة المعني بالأمر وموضوع الطلب وكذا يوم وساعة انعقاد الجلسة، كما يشعر أيضا بضرورة تقديم مذكرات الدفاع والمستندات المؤيدة لها مع مراعاة الآجال المحددة في الفصلين 40 و 41 من قانون المسطرة المدنية، ويتم التبليغ بواسطة الإجراءات الواردة في الفصل 37، 38، 39 من قانون المسطرة المدنية.

وبالرجوع إلى إجراءات التبليغ الواردة في الفصل 37 من قانون المسطرة الحديثة نلاحظ نص على توجيه الاستدعاء بواسطة السلم الإداري على الطريقة الدبلوماسية لمن يسكن خارج المغرب، عدا إذا كانت مقتضيات الاتفاقيات الدولية تقضي بغير ذلك.

وإذا تعدد المدعى عليهم، ولم يقدم بعضهم مستنتجاته في الأجل المحدد له، نبهه القاضي المقرر عند حلول الأجل إلى أنه إذا لم يقم بتقديمها داخل أجل جديد، اعتبرت المسطرة حضورية بالنسبة للجميع، وإذا انقض هذا الأجل يتم البث في القضية بقرار بمثابة حضوري في مواجهة سائر الأطراف، أما فيما يتعلق بتبليغ المقال وكذا تاريخ الجلسة فيجري وفقا للشروط المنصوص عليها في الفصول 37 ، 38، 39 من قانون المسطرة المدنية، وتسلم للمدعى عليهم نسخ من مقالات المدعين، على أن يشار في الملف، إلى التبليغ والإشعار، وكذا إلى التبليغات والإشعارات اللاحقة، حسب الفصل 329 قانون المسطرة المدنية، وعندما يقدم المدعى عليه مستنتجاته، تأمر المحكمة بإرجاع القضية إلى القاضي المقرر إلا إذا اعتبرت القضية جاهزة للحكم حسب الفصل 333 قانون المسطرة المدنية.

لكن إذا لم يعرض المدعى عليه مستنتجاته أثناء إدراج القضية في الجلسة، فإن الحكم يصدر غيابيا، ما لم تقرر المحكمة تأجيلها إلى جلسة أخري بناءا على طلب المدعى عليه أو وكيله، حينئذ تأمر بإرجاع القضية إلى القاضي المقرر([48])، في هذا الإطار وبالرجوع إلى المادة 17 من قانون 53.95 المحدث للمحاكم التجارية، نلاحظ أن المشرع في المادة التجارية سمح بتأجيل القضية إلى أقرب جلسة وإعادتها إلى القاضي المقرر الذي يتعين عليه إدراجها في أقرب جلسة داخل أجل لا يتعدي 3 أشهر وقوفا عند خاصية سرعة البث وفعالية المسطرة المتبعة في القضايا التجارية.

بعد ذلك يتخذ القاضي المقرر الإجراءات اللازمة لجعل القضية جاهزة للحكم، ويأمر بتقديم المستندات الضرورية للتحقيق في الدعوى، ويمكن له بناءا على طلب من الأطراف أو حتى تلقائيا بعد سماع الأطراف أو استدعائهم للحضور بصفة قانونية، الأمر بإجراء تحقيق من بحث وخبرة وحضور شخصي دون المساس بما يمكن للمحكمة الإدارية أن تأمر به، بعد ذلك من إجراءات في جلسة علنية حسب مقتضيات الفصل 334 من قانون المسطرة المدنية.

عموما تكون للقاضي المقرر، كافة الصلاحيات لجعل القضية جاهزة للحكم، وله أن يتخذ سائر الإجراءات اللازمة للوصول إلى الحكم الصائب، وإذا انقضت آجال عرض الردود، واعتبر القاضي المقرر أن الدعوى جاهزة للكم فإنه يصدر أمره بالتخلي عن الملف ويحدد تاريخ الجلسة التي ستدرج فيها القضية ويبلغ هذا الأمر إلى الأطراف حسب الفصول 37, 38، 39 قانون المسطرة المدنية، بصدور هذا المقرر لا تعتد المحكمة بأيه مذكرة باستثناء المستنتجات الرامية إلى التنازل وبالتالي كل المذكرات والمستندات التي قدمت في وقت متأخر تسحب من الملف، غير أنه يمكن للمحكمة بقرار معلل وحسب مقتضيات الفصل 335 إعادة القضية إلى القاضي المقرر، إذا ما طرأت بعد أمر الإحالة واقعة جديدة من شأنها التأثير على القرار، أو إذا تعذر إثارة الواقعة قبل ذلك بسبب خارج عن إرادة الأطراف.

أما بالنسبة للجلسات والأحكام، فغالبا تكون الجلسات في المحاكم الإدارية على غرار باقي المحاكم علنية، لكن يمكن أن تقرر المحكمة أحيانا عقد جلسات سرية حفاظا على النظام العام والأخلاق الحميدة، وبالتالي يؤمن رئيس المحكمة أو قاض معين الجلسة، بعد ذلك تبدأ المحكمة المشكلة من 3 قضاة يساعدهم كاتب الضبط بدراسة محضر المقرر، تعطى الكلمة للمحامين وممثلي الإدارات لعرض ملاحظاتهم الشفوية إذا طلبوا ذلك على أساس كون تبادل المذكرات هي القاعدة العامة([49]).

بعد ذلك يعطى المفوض الملكي الحق في إبداء ملاحظاته ومستنتجاته الكتابية، بصفة إلزامية لكونها تسهل مأمورية هيئة القضاء على صعيد المداولة.

والمفوض الملكي بصفة عامة يضطلع بدور هام يتمثل في الدفاع عن القانون والحق من خلال عرض آرائه سواء المكتوبة أو الشفهية على هيئة الحكم، سواء في الجانب الواقعي أو القانوني للدعوى، وليس له الحق في أن يشارك في إصدار الحكم لأن ذلك من اختصاص قضاة الحكم ([50]) وللمفوض القضائي مهمتان، الأولي إدارية تتمثل في فتح نسخ الملفات وترقيمها في سجلات خاصة، وتحرير المستنتجات وطبعها ما دام يحق للأطراف أخذ نسخ منها قصد الإطلاع عليها، وله أيضا أن يراسل الجهات الإدارية المعنية قصد تنويره في قضية ما تحت إشراف رئيس المحكمة بصفته الإدارية.

أما المهمة الثانية: هي قضائية تسمح له بالحضور في الجلسات وإبداء الملاحظات الشفوية والكتابية في القضية([51]).

بعد الاستماع لآراء المفوض الملكي تأتي مرحلة المداولة، هذه الأخيرة تعرف بكونها الفترة الزمنية المحددة التي تمنحها الهيئة لنفسها للتشاور والتفكير في الحكم المراد إصداره في القضية، وبالتالي، في هذه المرحلة تعقد هيئة الحكم اجتماع سري لإبداء القضاة لآرائهم بكل حرية واستقلال لتحرير الحكم الذي تتم تلاوته بشكل شفوي في جلسة علنية.

الفقرة الثانية: إجراءات الطعن في الأحكام:

تنقسم طرق الطعن إلى طرق طعن عادية وطرق غير عادية، وتتميز طرق الطعن العادية بما يلي، يستطيع المتقاضي ممارستها ضد جميع الأحكام، وممارسة هذا النوع من الطعون أمام المحكمة المختصة، يؤدي إلى إيقاف تنفيذ الحكم المطعون فيه، ما عدا إذا كان مشمولا بالنفاذ المعجل، وبالتالي نشر الدعوى من جديد أمام المحكمة المختصة لتدارك ما فات الطاعن في المرحلة الأولي وتنقسم هذا النوع من الطعون إلى عدة أصناف([52]).

* التعرض: يعتبر هذا الطعن طريقة من طرق إعادة النظر، حيث يطلب الشخص المتعرض من القضاء الذي أصدر الحكم غيابيا التراجع عنه، ويمارس ضد الأحكام الغيابية الصادرة عن المحكمة الابتدائية، داخل أجل 10 أيام ابتداءا من تاريخ تبليغ الحكم حسب مقتضيات الفصل 130 قانون المسطرة المدنية([53])، ويشترط للطعن بالتعرض توفر شرطين: أولا: كون الحكم غيابي، ثانيا: ألا يكون الحكم قابلا للاستئناف.

وانطلاقا من هذين الشرطين يمكن التأكيد على أن الطعن بالتعرض لا يمكن ممارسته في المادة الإدارية لكون أحكام المادة الإدارية تكون دائما قابلة للاستئناف حسب مقتضيات المادة 45 من قانون 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية([54]).

* الاستئناف:

بواسطتة تراقب محكمة الدرجة الثانية أحكام محكمة الدرجة الأولي، سواء بالإلغاء أو بالتعديل أو بالتصحيح.

ومن القواعد المطبقة بشأن الاستئناف في المجال الإداري ما يلي:

  •                                                                                                                     تقديم عريضة الاستئناف بمقابل كتابي تشترط توافر مجموعة من البيانات، ككون المستأنف طرفا في النزاع اسم المستأنف عليه، مهنة وصفة وموطن كل واحد منهما، بيان موضوع الاستئناف، توضيح الوسائل القانونية المعتمد عليها في تقديم الاستئناف، وكقاعدة عامة ألا يتضمن مقال الاستئناف طلبات جديدة.

وحسب مقتضيات المادة 10 من قانون 41.90، يقدم الاستئناف إلى كتابة ضبط المحكمة الإدارية التي أصدرت الحكم المطعون فيه، بواسطة مقال مكتوب يوقعه محام، باستثناء استئنافات الدولة والإدارات العمومية حيث تكون نيابة محام أمر اختياري.

يقدم مقال الاستئناف كتابيا داخل أجل 30 يوما من تاريخ تبليغ الحكم الابتدائي، والمقال يقدم كما أشرف في المادة 10 من قانون 41.90 بواسطة محام مسجل بهيئة من هيئات المحامين بالمغرب([55]).

والمقال الاستئنافي معفي من أداء الرسوم القضائية، ثم أن الأحكام المستأنفة تسجل في سجل خاص معد للأحكام الاستئنافية، تعتبر النسخة الحاملة لطابع كتابة الضبط بمثابة وصل.

وبمجرد ما يتوصل رئيس محكمة الاستئناف بالملف، يعين مستشاراً مقرر يكلف بالملف، هذا الأخير يقوم بتبليغ المقال الاستئنافي للخصم، ويعين تاريخ الفصل في القضية بعد أن يأخذ يعين الاعتبار الظروف الخاصة طبقا للفصلين 40 و 41 من قانون المسطرة المدنية المنظمة لتمديد الآجال([56]).

أما طرق الطعن غير العادية فهي تنقسم إلى ثلاثة أنواع منها، النقض، تعرض الغير الخارج عن الخصومة وأخيراً إعادة النظر.

* النقض: وهو الطريقة التي يستخدمها المجلس الأعلى لممارسة رقابته على الأحكام الإنتهائيه الصادر عن محاكم المملكة حسب مقتضيات الفصل 353 قانون المسطرة المدنية، بغية توحيد وتفسير القواعد القانونية.

وحسب المادة 16 من قانون 14.90، يمكن الطعن في قرارات محاكم الاستئناف بالنقض أمام المجلس الأعلى، ما عدا القرارات الصادرة في تقدير شرعية القرارات الإدارية.

وبموجب هذه المادة حدد المشرع أجل الطعن بالنقض في 30 يوما من تاريخ تبليغ القرار المطعون فيه إذا كان الطعن بالنقض يهدف إلى حسن تطبيق القانون وبالتالي فإن الغرفة الإدارية خصصها القانون بدرجة ثالثة في سلم التقاضي، وهي بهذه الصفة تنظر في كل القضايا مدنية كانت أو تجارية أو جنائية أو إدارية، فطبقا للفصل 362 من قانون المسطرة المدنية، الفقرة الأخيرة منه، نص المشرع على أنه يصح أن تبحث وتحكم كل غرفة في القضايا المعروضة على المجلس أيا كان نوعها وبالتالي تعتبر الغرفة الإدارية مختصة للنظر في الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية الاستئنافية([57]).

* تعرض الغير الخارج عن الخصومة.

هو الطعن المفتوح في وجه الأطراف المتضررين من الحكم، لكونهم لم يكونوا ممثلين في الدعوى أو لأنهم لم يستدعوا لها بكيفية قانونية.

ويحكم على الطرف الذي لا يقبل تعرضه بغرامة مالية لا تتجاوز مائة درهم بالنسبة للمحاكم الابتدائية و300 درهم بالنسبة لمحاكم الاستئناف و500 درهم بالنسبة للمجلس الأعلى.

ويقبل هذا الطعن أمام كل المحاكم بما فيها المحاكم الإدارية، لكن لا يمكن ممارسته في المادة الإدارية أمام المجلس الأعلى إلا بالنسبة للقرارات التي تصدر في مجال قضاء الإلغاء([58]).

* إعادة النظر.

هو الطعن إلى نفس المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه قصد تصحيحه أو تدارك بعض العيوب العالقة به، ويمكن أن ثبت فيه نفس الهيئة المصدرة للحكم.

أما بالنسبة لقرارات المجلس الأعلى فيجوز ممارسة مسطرة إعادة النظر بشأنها حسب الفصل 379 قانون مسطرة مدنية، شرط تقديم الالتماس داخل أجل 30 يوماً من تاريخ تبليغ الحكم المطعون فيه، مع إيداع مبلغ 1000 درهم مقابل الغرامة المحتملة في حالة عدم الاستجابة للطلب([59]).

الفقرة الثالثة: تنفيذ الأحكام

يصدر الحكم في نسختين: نسخة عادية تسلم للمستفيد، ونسخة تنفيذية بهدف التنفيذ بمجرد صدوره وتوقيع أصله من طرف الهيئة وطبعة ورجوعه من مصلحة التسجيل.

للمحكمة أن تحكم بالتنفيذ على الأصل وقبل التسجيل.

حسب الفصل 428ق.م.م يمكن لكل راغب في التنفيذ الحصول على نسخة تنفيذية ونسخة عادية بعدم المحكوم عليهم.

وتسلم النسخة التنفيذية مختومة وموقعة من طرف كاتب الضبط، حاملة عبارة ” سلمت طبقا للأصل لأجل التنفيذ”.

تناول الفصل 435 من م م حالة فقدان النسخة التنفيذية على أساس أن الأصل هو تسليم نسخة تنفيذية واحدة، يجوز عند فقدانها الحصول على نسخة ثانية بمقتضى قرار صادر عن قاضي المستعجلات.

وحسب مقتضيات الفصلين 433و 429 ق.م.م لا يمكن تنفيذ الحكم إلا بناءا على طلب من المستفيد هذا من جهة أما من جهة أخري فقد أشار عون الفصل 440ق.م.م إلى التنفيذ وهو الذي يبلغ إلى المحكوم عليه المكلف بتنفيذ مضمون الحكم بالوفاء مما قضي به الحكم حالا.

على كل وبالرجوع إلى طرق التنفيذ، هناك نوعين:

تنفيذ اختياري إذ يقوم المدين تلقائيا واختياريا بدفع ما عليه، وتنقضي المنازعة دون إتباع أيه إجراءات أضافية.

تنفيذ إجباري يقوم به مأمور التنفيذ بناءا على طلب من المستفيد، ثم يتوجه إلى الجهة المكلفة بالتنفيذ، وينفذ ما حكمت به المحكمة، ثم يقوم بتسليم ما حصل عليه بوضعه بمستودع الأمانات لدى المحكمة المختصة، ثم يتقدم محامى طالب التنفيذ ويسحب ما يعرف “بورقة المصروف” ويملئها بدقة ويوقعها ويرفقها بوصل صادر عن مكتبه، حيث يسلم له شيكا بالمبلغ المنفذ.

ونشير في هذا الإطار أنه لا يمكن تنفيذ المقتضيات المتعلقة بالتنفيذ الجبري للأحكام على الإدارة لتمتعها بامتياز السلطة العامة إضافة إلى طبيعة الأموال غير قابلة للحجز، رغم أن الفصل 7 من قانون41.90 أحال على القواعد الواردة في قانون المسطرة المدنية، غلا أنه على مستوى الواقع هناك إشكالات مثلا التنفيذ الجبري الوارد في الفصل 434 قانون المسطرة المدنية كما أثرنا سابقا، وبالرجوع إلى المادة 25 من قانون مسطرة مدنية نلاحظ أن المشرع قد منع على المحكمة عرقلة نشاط الإدارة على صعيد الممارسة.

ونشير في الأخير إلى أن حالة النفاذ المعجل المنصوص عليها في الفصل 147 قانون المسطرة المدنية يصعب تطبيقه على أحكام المحاكم الإدارية لأن النفاذ المعجل لا يخلو من خطر على المحكوم عليه، إذا كما ألغي الحكم بعد الطعن فيه بالاستئناف، فقد يترتب على التنفيذ ضرر يلحق الإدارة المدعى عليها، يصعب تداركه خاصة إذا ما عجز الطاعن بسبب إعساره عن إرجاع الحال إلى ما كان عليه قبل التنفيذ([60]).

خاتمة

في ختام هذا الموضوع نرى أنه من الواجب الشروع في التفكير في مستقبل القضاء الإداري المغربي بعد أن نضج وشب وترعرع، وأصبح قادرا على رسم معالم طريقه بنفسه، وذلك من خلال طرح بعض الأفكار والتصورات وتكثيف الجهود لاغنائها وإثرائها من قبل الدارسين والممارسين والمهتمين بالحقل القانوني والحقوقي والتشريعي، بعد رسم خارطة طريق تروم إصلاح قضائنا الإداري ضمن الأوراش المفتوحة حاليا الهادفة بالأساس إلى بناء الدولة الديمقراطية الحداثية القائمة على احترام حقوق الإنسان وترسيخ مبدأ المشروعية وسيادة القانون.

إن إحداث هذا الصنف من المحاكم لا يدع مجالا للشك في أن القضاء الإداري المغربي قد خطا خطوة عريضة نحو تحقيق الازدواجية.

تلك الازدواجية التي ستبرز الدور الفعال والمأمول من القضاء الإداري القيام به ترسيخاً لمبدأ سيادة القانون، ولن يتأتي ذلك في اعتقادنا إلا بالتفكير منذ الآن في وضع استراتيجيه محددة ودقيقة، تمهد لإعداد مسطرة خاصة بالقواعد الإجرائية المطبقة أمام القضاء الإداري والتي من أهمها ضرورة إيجاد آلية ناجعة تمكن القضاء من إجبار الإدارة على تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة في مواجهتها استكمالا لدولة الحق وتكريسا لمبدأ الإدارة المواطنة، خصوصا بعد أن أكد جلالة الملك على عزمه على تأسيس مجلس دولة في المستقبل يعلو قمة هرم القضاء الإداري المغربي.

فماذا اعددنا لهذه المرحلة القادمة؟ وهل قضاؤنا الإداري مؤهل حاليا لمواجهة ازدواجية القضاء التي أصبحت تشكل اختيارا لا محيد عنه؟ وما هي الأرضية الملائمة التي يجب تهييؤها لهذه المرحلة؟


[1] ظهر شريف رقم 65-97-1 الصادر في 4 شوال 1417 الموافق 12 فبراير 1997 بتنفيذ قانون 95-53 القاضي بإحداث المحاكم التجارية الجريدة الرسمية رقم 4482 ص 1141.

[2] ظهير شريف رقم 339-74-1 بتاريخ 24 جمادي الثانية 1394 الموافق 15 يوليوز 1974 المتعلق بتنظيم محاكم الجماعات ومحاكم المقاطعات وتحديد اختصاص الجريدة الرسمية عدد3220 ص 2038.

[3] ظهير شريف رقم 225-91-1 الصادر في 29 ربيع الأول 1414 الموافق10 شتنبر 1993 بتنفيذ القانون رقم 90-41 المحدث بموجبه محاكم إدارية المنشورة بالجريدة الرسمية عدد 4227 ص 2168.

[4] ظهير شريف 1-06/07 بتاريخ 14 فبراير 2006 بتنفيذ قانون 03-80 الجريدة الرسمية عدد 5398 ص490.

[5] محمد بن طلحة الدكالي “المحاكم الإدارية بالمغرب” الطبعة الأولي 1997 مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء الصفحة 101.

[6] المادة 5 من قانون 90/41.

[7] محمد بن طلحة الدكالي، مرجع سابق الصفحة 101.

[8] المادة 5 من قانون90/41.

[9] محمد محبوبي “أساسيات في التنظيم القضائي المغربي” الطبعة الأولي 2007 مطبعة دار ابي رقراق الصفحة 179.

[10] محمد النجارى “نظرة حول تنظيم المحاكم الإدارية” المجلة المغربية للإدارة المحلية عدد 14-15 سنة 1996 الصفحة 51.

[11] ظهير شريف بمثابة قانون رقم 388-74-1 بتاريخ 24 جمادي الثانية 1394 الموافق15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي للملكة. الجريدة الرسمية عدد3220 ص 2027.

[12] أضيف هذا النوع من القضايا بمقتضى قانون 03-72.

[13] عبد الله حداد: تطبيقات الدعوى الإدارية في القانون المغربي، الطبعة الثانية شتنبر 2002 مطابع منشورات عكاظ- الرباط ص58.

[14] عبد الكريم الطالب: التنظيم القضائي المغربي، دراسة عملية الطبعة الثانية يونيو2006، المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش ص28.

[15] ميشيل روسي: “المنازعات الإدارية بالمغرب” ترجمه محمد هيرى، الجيلالي أمزيد، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط سنة 1995، ص59.

[16] الشنوي نورة غزلان، نافذة أصول التقاضي، دراسة في ضوء قانون المسطرة المدنية المغربي، الطبعة 2008، ص:45.

[17] نافذة على أصول التعاطي، نفس المرجع ص47.

[18]عبد الله حداد، تطبيقات الدعوى الإدارية في القانون المغربي، (بدون ذكر طبعة)، ص:61.

[19] حسن صحيب، القضاء, ال داراي المغربي، منشورات المجلة المغربية للغدارة المحلية والتنمية، طبعة الأولي ، 2009، ص: 266

[20] أو جب الفصل 891 من قانون الالتزامات والعقود أن تكون الوكالة خاصة وهى التى تمنح الوكيل إصلاحات خاصة وتعتبر وكالة التقاضى وكالة خاصة تخضع للقانون والالتزامات والعقود طبقا للفصل 892 فالوكالة الخاصة لا تعطي صلاحية قبض دين أو إجراء اعتراف بالدين أو إجراء صلح ما لم يصرح بمنحها للوكيل

[21] المادة 30 من ظهير رقم 1.08.101 الصادر في 20 أكتوبر 2008 بتنفيذ القانون رقم 28.08 المعدل للقانون المنظم لمهنة المحاماة.

[22] الفقرة الثالثة من الفصل 33 من قانون المسطرة المدنية.

[23] الفصل 35 من قانون المسطرة المدنية.

[24] الفصل 55 من قانون المسطرة المدنية.

[25] الفصل 514 من قانون المسطرة المدنية.

[26] الشنوي نورة غزلان، المكونات البنيوية للتنظيم القضائي المغربي دراسة تحليلية من زاوية المقومات الجوهرية للحكامة الجيدة، الطبعة الأولي 2008، ص:47.

[27] الفصل 9 من قانون المسطرة المدنية.

[28] الفصل 34 من قانون المسطرة المدنية.

[29]  جيلالي أمزيد، مباحث في مستجدات القضاء الغدارين منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 50، الطبعة الأولي، 203، ص:52.

[30]  مولاي الجيلاني الكتاني، مسطرة التقاضي الإدارية منشورات الغدارة المحلية والتنمية العدد، 1997، ص:112.

[31]  الشنوي نورة غزلان على أصول التقاضي، مرجع سابق، ص:52.

[32]  المنازعات الإدارية بالمغرب، ترجمة محمد هيري والجيلالي أمزيد، المرجع السابق، ص:136.

[33]  الشنوري نورة غزلان، نافذة على أصول التقاضي، المرجع السابق، من هناك وهناك (52-82).

[34]  ميشل روسي، المنازعات الإدارية بالمغرب، المرجع السابق، ص:138.

[35]  حسن صحيب، القضاء الإداري بالمغرب، المرجع السابق، ص267.

[36] ميشل روسي، المنازعات الإدارية بالمغرب المرجع السابق، ص:139.

[37] دليل المحاكم الإدارية، منشورات المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الشروح والدلائل، العدد 3، 2004، طبعة الأولي، ص:35.

[38] الشنوري نورة غزلان، نافذة على أصول التقاضي، المرجع السابق، ص: 81.

[39] قرار منشورة بمجلس قضاء المجلس الأعلى …

[40] عبد الكريم الطالب: المختصر في الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية، الطبعة 1 مارس 1995، ص87.

[41] الشينوي نورة غزلان: نافذة على أصول التقاضي: دراسة مختصرة في ضوء قانون المسطرة المدنية المغربي، الطبعةI، مطبعة الورود، ص187.

[42] وهو ما قضت به المحكمة الإدارية بالرباط في حكمها عدد 1386 بتاريخ 21/6/2007 المنشور بنفس المرجع، ص:308.

[43] قرار عدد 3741 الصادر في 31/10/2001 ملف مدني عدد 1224/1/01، والمنشور في مرجع سابق ص 393.

[44] حكم رقم 1281 الصادر في 7/6/2007، ملف رقم 124/3/05 منشور في المجلة الحقوقية المغربية سلسلة الأعداد الخاصة، بعنوان قانون المسطرة المدنية في العمل الفقهي والاجتهاد القضائي، العدد I ، فبراير 2009، ص300.

[45] قرار صادر عن المجلس الأعلى عدد 770 بتاريخ 27/2/2007، مجلة الملف، العدد 14 مارس 2009 ص: 275.

[46] السينوي نورة غزلان، مرجع نفسه ، ص188

[47] المادة 4 من قانون 90.41 المحدث للمحاكم الإدارية المنفذ بظهير شريف، رقم 225.91.1 الصادر في 22 ربيع I 1414.

[48] الشنيوي نورة غزلان، مرجع سابق، ص189.

[49] منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضع الساعة، العدد 12، 1997 مسطرة القاضي الإدارية جI، ص:40.

[50] عبد الكريم الطالب، التنظيم القضائي المغربي، مطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، الطبعة الثانية يونيو 2006 ص 50.

[51] منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، مرجع سابق، ص40.

[52] عبد الله حداد، تبياقت الدعوى في القانون المغربي، ص69.

[53] مولاي إدريس الحلابي الكتاني، مسطرة الثقاضي الإدارية، الجزء I، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 12، 1997، ص43.

[54] عبد الله حداد، مرجع سابق، ص 70.

[55] ميشيل روسي: المنازعات الإدارية بالمغرب، ص74.

[56] مولاي إدريس الحلابي الكتاني، مسطرة الثقافي الإدارية، مرجع سابق، ص44.

[57] مولاي إدريس الحلابي الكتاني، مرجع سابق، ص:45

[58] عبد الله حداد، مرجع سابق، ص:72.

[59] عبد الله حداد، مرجع سابق، ص:73.

[60] عبد الله حداد، مرجع سابق، ص:68.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading