الجنائية للحيازة العقارية في العمل القضائي المغربي

عبد الحميد المليحي

دكتور في الحقوق

باحث في العلوم الجنائية – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة

مقدمة

أن جل التشريعات والدساتير العالمية اعترفت بحق الملكية واتفقت على حمايته، باعتباره الحق الذي يمكن صاحبه من التمتع بالأشياء واستغلالها والتصرف فيها تبعا لمصالحه وفي حدود القانون. كما سعت إلى تنظيم جميع المسائل المتعلقة بحق الملكية من خلال تحديد ماهيتها، وأسباب اكتسابها، والقيود الواردة عليها.

فحددت هذه التشريعات ضمن تقنياتها المدنية أسباب كسب الملكية، وعددت من بينها الحيازة.

حيث تعتبر الثروة العقارية دعامة أساسية في البناء الاقتصادي مما يجعل الاعتناء بتنظيمها في غاية الأهمية لضمان ثباتها واستقرارها، ومن أجل ذلك عملت مختلف الدول – خاصة الليبرالية منها – على صياغة نظام يكفل حمايتها، فالعقار مورد للثورة لا ينضب له معين، والعامل الأول في تكوين ثروة الإنسان، وعنوان لمكانة الأسر الاجتماعية ومركزها الأدبي، وهذا يفسر الارتباط الأزلي للإنسان بالأرض الذي كان وسيظل قائما متجددا ما دامت الحياة على وجه البسيطة، لذلك كان من الطبيعي أن توضع أنظمة العقارية لمختلف أنواع العقارات تنظم الملكية والحيازة والاستغلال والتصرف فيه، خاصة أن الحق الملكية هو الحق أصل الذي تتفرع منه باقي الحقوق العينية الأخرى.

فإذا كان القانون يقرر الحقوق وينص في ذات الوقت على وسائل حمايتها، فإن هناك ظواهر أخرى لا تتوفر لها مقومات الحق وتنتفي بصددها فكرة الالتزام أو الدين، وهما العنصران البارزان لفكرة الحق، ومع ذلك فإن التعرض لأصحابها يمس بأمن المجتمع واستقراره، الأمر الذي فرض على المشرع التدخل لحمايتهم أسوة بحماية أصحاب الحقوق([1]).

فهذا التدخل يطبق خاصة على المجال العقاري بالمغرب الذي يعيش في نظام عقاري مزدوج في هياكله ومتنوع في طبيعته، حيث يتوزع إلى نظام خاص بالعقارات المحفظة وأخرى غير محفظة إذا ما اتبعنا معيار العقارات الخاضعة لمبدأ الشهر العيني وتلك الخاضعة لمبدأ الشهر الشخصي.

وتبقى العقارات غير المحفظة خاضعة في أساس الشريعة الإسلامية وبعض قواعد القانون المدني، أما العقارات المحفظة خاضعة في نظام “تورانس” ([2]) المنظم محليا بموجب ظهير التحفيظ العقاري الصادر بتاريخ 12 غشت 1913 المتمم والمغير بقانون 14.07 ([3])، ثم القانون المطبق على العقارات غير المحفظة، أي مدونة الحقوق العينية.

إضافة إلى هذا التنوع، فإن العقار بالمغرب يعيش تميزا أخر يتمظهر على مستوى الأنظمة العقارية الخاصة ([4]).

لذلك فالمشرع أقر حماية مدنية وجنائية للعقار في نفس الآن، فإذا كانت الحماية المدنية للعقار فرضت على المشرع أن يجعل من التنازع عليها مسألة مستقلة يفصل فيها بذاتها ولذاتها من خلال فصول المسطرة المدنية، فإن هذه الحماية تبقى قاصرة عن تجنيب العقار الاعتداءات ذات الصبغة الإجرامية، وهذ ا ما فرض على المشرع أن يخص العقار بحماية جنائية من خلال إقرار مقتضيات زجرية ضمن نصوص القانون الجنائي الذي يعاقب كل من سولت له نفسه بمس بملكية وحيازة عقار الغير ([5]).

إلا أن موضوع الحماية الجنائية للعقار يطرح عدة صعوبات منها ما هو خاص بالنص الجنائي وإلى أي حد استطاعت الترسانة القانونية الجنائية حماية العقار من خلال نصوص القانون الجنائي ومواد قانون المسطرة الجنائية التي هي بدورها وسيلة لتطبيق القواعد الموضوعية وهمزة الوصل بين الجريمة والجزاء، فبالرجوع إلى مقتضيات الفصل 570 من القانون الجنائي ([6]) نجده يتناول الحيازة من المنظور الجنائي، فالأصل أن المنازعات المتعلقة بالحيازة من المسائل التي يعالجها القانون المدني إلا أنه في بعض الحالات يكتسي فعل الاعتداء الصبغة الإجرامية.

ولا شك أن الحيازة القانونية مركز قانوني جدير بحماية القانون الجنائي ليس فقط لأنها قرينة على الملكية أو دالة عليها، بل من أجل حماية الأمن والسكينة العامة، فهي من أقوى صور الحماية المنصوص عليها في القانون الجنائي وذلك بتجريم فعل الاعتداء عليها متى انصب هذا الاعتداء على النموذج الإجرامي المنصوص عليه في الفصل 570 من ق ج، غير أن الصياغة المعممة التي طبعت هذا الفصل لم تسعف في حلى جميع الإشكالات المطروحة وخاصة فيما يتعلق بعلاقة الفقرة الأولى بالفقرة الثانية وإذا ما كانت تمثل ظروف التشديد للأولى أم أنها تمثل جريمة مستقلة بذاتها، إضافة إلى تحديد الطبيعة القانونية للحكم القاضي بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه وما يترتب عن اختلاف في هذه الطبيعة من أثار القانونية مما أدى إلى تضارب وتعدد الاتجاهات في تفسير هذا النص وبالتالي تعدد الأحكام الصادرة عن القضاء الزجري في المادة العقارية وهو موضوع عرضنا هذا مما يحيلنا إلى طرح عدة تساؤلات منها:

إلى أي حد استطاع القضاء الزجري توفير حماية ناجعة للملكية العقارية ومدى قابلية تنفيذ المقررات القضائية والأحكام الزجرية في الدعاوى العقارية؟

ولمعالجة هذه التساؤلات سنأخذ بالتقسيم التالي:

المبحث الأول: إشكالات الأحكام الصادرة عن القضاء الزجري في جرائم الاعتداء على الحيازة العقارية

المبحث الثاني: الإشكالات الناجمة عن تنفيذ حكم بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه

المبحث الأول:

إشكالات الأحكام الزجرية الصادرة في جرائم الاعتداء على الحيازة العقارية

كثيرة هي المنازعات والدعاوى التي تعرض على القضاء لأجل البت فيها، وعديدة هي القوانين التي يعتمد عليها القاضي عند نظره في تلك تبذلها الديمقراطيات الحديثة لأجل الاهتمام بالسلطة القضائية وجعلها سلطة مستقلة، إلى جانب السلطات الأخرى في البلاد وكبيرة هي الميزانيات المخصصة لسن وتعديل القوانين.

لكن وجود تشريعات حديثة مسايرة للعصر، ووجود قضاة ومحاكم على مستوى التراب الوطني ليست الهدف في حد ذاته، كما أن الاستعانة بتلك القوانين وتطبيقها وإصدار أحكام وقرارات ليس غاية في حد ذاتها أكثر مما هي مجرد وسائل وخطوات لأجلى المرور إلى المرحلة الموالية التي هي تنفيذ تلك الأحكام على أرض الواقع.

والأهمية القانونية للتنفيذ تتمثل في مدى سيادة القانون وسمو مرتبة الأحكام الصادرة طبقا له، لأن سن القوانين وإصدار الأحكام طبقا لها دون تنفيذ لا يخدم المصلحة القانونية، وبه فإن التنفيذ هو الذي يعطي معنى للقانون والأحكام التي يصدرها القضاء، وهو ما يجعل العامة من الناس يكنون للجهاز التشريعي والجهاز القضائي تقديرا كبيرا، ويعتبرهما محل ثقة، لأن قول عكس هذا سيجعل المجتمع غير مطمئن رغم وجود القوانين والقضاة، وبه فإن السبيل للحفاظ على سيادة القانون وسمو الأحكام القضائية هو التنفيذ وتحقيق الحقوق على أرض الواقع.

وبذلك، سوف نبحث في إشكالات تنفيذ الأحكام الزجرية في الدعاوى العقارية والجهة المختصة (المطلب الأول) ثم الأساس القانوني لإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه والإشكالات المرتبطة به (المطلب الثاني).

المطلب الأول: إشكالات تنفيذ الأحكام الزجرية في الدعاوى العقارية والجهة المختصة

إن التنفيذ هو تحقيق الشيء وإخراجه إلى الواقع الملموس، أي أنه تلك الوسيلة القانونية التي تمارسها السلطة العامة تحت إشراف القضاء وبأمر منه، بناء على حكم صادر من المحكمة وبناء على طلب الدائن الذي يتوفر على سند تنفيذي.

ولجوء المواطنين إلى القضاء لاستصدار الأحكام، ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لإجبار المحكوم عليه كي يرد الحق لصاحبه قهرا، فلو قبل الأطراف فض خصوماتهم رضائيا لما كان لمرفق القضاء أي دور بينهم، وهذا اللجوء إلى القضاء يتوخى منه استصدار الأحكام وتنفيذها على خصومهم ([7]).

ولا شك أن المتقاضي لا يذهب إلى القضاء لأجل الحصول على حكم شكل مكتوب فقط، بل هدفه هو ترجمة ما يقضي به القضاء إلى واقع ملموس.

وبالتالي فالتنفيذ هو أهم مرحلة من مراحل التقاضي وهو الذي يحول الحقوق من حالة السكون إلى حالة الحركة عن طريق إلزام وإجبار من صدرت الأحكام في حقهم على إرجاع تلك الحقوق إلى أصحابها ولو بالقوة.

الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل حول القوة التنفيذية للأحكام الزجرية في الدعاوى العقارية والإشكالات التي يطرحها (الفقرة الأولى) ثم الجهة المختصة بالفصل في منازعات التنفيذ المتعلقة بالأحكام الجنائية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: القوة التنفيذية للأحكام الزجرية في الدعاوى العقارية

التنفيذ الجبري يقتضي وجود سند تنفيذي بيد طالب التنفيذ، والسند التنفيذي في قانون المسطرة الجنائية يتمثل في الأحكام، والمقصود بالحكم هنا كل قرار يصدر من جهة قضائية فاصلا في منازعة معينة سواء كان ذلك من خلال الخصومة الجنائية أو لوضع حد لها.

فكل حكم يعتبر سندا تنفيذيا يجوز الاستشكال في تنفيذه، ومع ذلك أن الأحكام الصادرة عن القضاء الزجري في المنازعات العقارية باعتبارها فاصلة في النزاع بين الخصوم تصلح أن تكون سندا تنفيذيا مما يكون الإشكال في تنفيذه جائزا سواء من أطراف النزاع والغير الذي يضار من تنفيذ هذا الحكم.

ويتجلى الإشكال في التنفيذ أما بإنكار المحكوم عليه بالقوة التنفيذية لحكم الشيء الذي يحول قانونا دون التنفيذ أو تستوجب تأجيله أو تعديله.

وأما بتمسك المحكوم عليه بعدم صحة التنفيذ قانونا أو عدم جوازه وأما بزعم أن الحكم غير واجب التنفيذ أو بزعم بغير ما قضى به وأما يزعم أن إجراءات التنفيذ نفسها لا تطابق القانون ([8]).

وقد نتساءل عن مدى تجاوز الاستشكال في القرارات القضائية الصادرة في دعاوى الحيازة، فقد ذهب رأي في الفقه المصري أن منازعات الإشكالات في التنفيذ تقتصر على الأحكام دون القرارات التي تصدر من القاضي الجزائي أو الأوامر الصادرة عن النيابة العامة بصفتها سلطة تحقيق مستدلين في ذلك بنص المادة 373 مكرر عقوبات (المقابلة للمادتين 40 و49 من ق م ج المغربي) وعلى ذلك، فلا يجوز رفع أشكال من أي شخص في تنفيذ قرار القاضي بشأن الحيازة لعدم وجود طريق مرسوم للمنازعة في تنفيذ القرار.

ويرى بعض الباحثين ([9]) أن القرار الصادر عن هيئة التحقيق والمحكمة بتأييد أمر النيابة العامة بإجراء تحفظي يعتبر قرارا قضائيا، فهو يصلح أن يكون سندا تنفيذيا يجوز الاستشكال في تنفيذه، ومفاد ذلك أن قرار القاضي الجنائي فيما يخص الحيازة قرارا قضائيا فاصلا في أمر النيابة العامة بالإجراء التحفظي إذا ما تم تأييده يعتبر سندا تنفيذيا في المجال الجنائي مما يكون الإشكال في تنفيذه جائزا سواء من أطراف النزاع أو الغير الذي يضار من تنفيذه.

الفقرة الثانية: الجهة المختصة بالفصل في المنازعات المتعلقة بالدعاوى العقارية

يعد الاختصاص من أهم المسائل التي تجعل التداخل بين التنظيم القضائي والقوانين الإجرائية قائما، فهو من جهة يتعلق بتنظيم المحاكم من حيث صلاحياتها للفصل في القضايا، ومن جهة يرتبط بالمسطرة التي يتعين الالتزام بها، وأن كان ذلك في شكل قواعد ذات طابع عام.

ويقصد بالاختصاص في نظر بعض الفقه ([10]) صلاحية المحكمة للبت في الدعوى المعروضة عليها، ويعرفه البعض الآخر ([11]) انطلاقا من علاقته بالولاية القضائية قائلا: ” إذا كانت الولاية تعني سلطة الحكم بمقتضى القانون الممنوحة لكافة محاكم لجميع أعضاء السلطة القضائية التي تقابل سلطتي التشريع والتنفيذ في الدولة، فإن الاختصاص هو نصيب كل محكمة من هذه الولاية، إذ ينتج عن تجزئة ولاية القضاء نظرا لاستحالة أن تمارس محكمة واحدة فقط هذه الولاية في الدولة كلها وأن تختص كل محكمة من المحاكم المختلفة بنصيب معين من ولاية القضاء.

وهناك من عرف الاختصاص كسلطة المحكمة للحكم في الدعوى وهي الولاية التي يمنحها المشرع لمحكمة ما للبث في القضايا المعروضة عليه ([12]).

ويميز عادة في الاختصاص بين الوظيفي أو النوعي والمحلي أو المكاني.

والاختصاص الوظيفي هو الذي يحدد الجهات القضائية المختلفة ونصيبها من ولاية القضاء معتمدا في ذلك على طبيعة الدعوى، بحيث أنه هو الأساس الذي توزع بمقتضاه القضايا بين المحاكم سواء العادية أو الاستثنائية، ويتضح من ذلك أن هذا الاختصاص يتحدد بالنظر لنوع الجريمة المرتكبة وجسامتها، فقد يتعلق الأمر بجنحة أو مخالفة تختص بالنظر فيها المحاكم الابتدائية أو محاكم الجماعات والمقاطعات، أو قد يتعلق بجناية يرجع النظر فيها لاختصاص غرفة الجنايات بمحاكم الاستئناف أو قد ينعقد الاختصاص لمحكمة أخرى كالمحكمة العسكرية.

أما الاختصاص المحلي أو المكاني فهو الذي يعطي للمحكمة صلاحية الفصل في دعوى ما بناء على أساس جغرافي تحقيقا لمصالح الخصوم ولتقريب القضاء والمتقاضين.

والدعوى المرفوعة من مقترف جنحة انتزاع العقار والاعتداء عليه يرجع الاختصاص فيها إلى القضاء العادي، ولا شك أن المحاكم الابتدائية هي المختصة للنظر في هذا النوع من الدعاوى لما لها من ولاية عامة، بحيث تختص هذه المحاكم ابتدائيا في جميع المخالفات والجنح إلا ما استثني منها بنص خاص، وهذا ما تؤكده المادة، من ق م م.

وكذلك المادة 251 من قانون المسطرة الجنائية التي تجعل من اختصاص المحاكم الابتدائية البت في القضايا المتعلقة بالجنح والمخالفات أن المشرع لم يعد يميز الجنح الضبطية والجنح التأديبية، إذ أنه تم إلغاء هذا التصنيف الذي كان منصوص عليه في الفصل 252 و 153 من ظهير 10 فبراير 1959.

وتجدر الإشارة إلى أن الفصل 17 و 18 و 608 إلى 612 من القانون الجنائي للعقارات الجنحية الأصلية والعقوبات الضبطية الأصلية والمخالفات.

ولو رجعنا إلى النصوص المنظمة للاختصاص المكاني أو المحلي في التنظيم القضائي وقانون المسطرة المدنية، وقانون أحداث المحاكم التجارية، لوجدنا أنها تقرر مبدا واحد وهو أن الاختصاص المكاني يعهد للمحاكم التي يوجد بدائرة نفوذ موطن المدعى عليه الحقيقي أو المختار أو محل إقامته في حالة انعدام موطن لديه.

وقد عمد المشرع إلى منح الاختصاص لمحكمة موطن أو محل إقامة المدعى عليه وذلك لأنه هو المهاجم، ومن ثم ليس من العدالة في شيء أن يكلف عناء التنقل من موطن للدفاع عن نفسه في موطن مدعيه، فضلا عن أن هذا المبدأ يرمي إلى التسيير على المتقاضين بتقريب القضاء منه والدفاع عن حقوقهم في ظروف عادية لا تكلفهم العناء والمشقة.

لكن أورد المشرع عدة استثناءات على اختصاص محكمة موطن المدعى عليه من بينها الفصل 28 من قانون المسطرة المدنية، وحيث جاء فيه: “في الدعاوى العقارية يكون الاختصاص لمحكمة موقع العقار”، وهذا يساير المبدأ المتعارف عليه في تطبيق القانون من حيث المكان، وهو تطبيق مبدأ ” الإقليمية في مجال العقار”.

وكذلك إذا تعلق الأمر بدعوى مختلطة تجمع بين حق عيني (حق الملكية) وحق شخصي (إلزام مترتب على المساس بحق الملكية) فإن الاختصاص ينعقد إما لمحكمة موقع العقار أو لمحكمة موطن أو إقامة المدعى عليه.

وهكذا يحدد الاختصاص المكاني في الدعاوى العقارية إلى محكمة موقع العقار المتنازع فيه، وربما أن موقع العقار المجد تنازع فيه هو مكان ارتكاب الجريمة فإن الاختصاص المكاني في الجرائم الواقعة على العقار هو أما موقع المحكمة التي يوجد العقار المتنازع فيه في دائرتها أو في مكان دائرة الملزم إقامة المجرم.

المطلب الثاني: الأساس القانوني لإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه والإشكالات المرتبطة به

في هذا المطلب سنتطرق إلى كل من الأساس القانوني لإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه (الفقرة الأولى) ثم إلى الإشكالات المرتبطة بتحديد الطبيعة القانونية لإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الأساس القانوني لإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه

إن كلا من القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية يستعملان مصطلح الرد، فيما العمل القضائي يستعمل مصطلح الرد أحيانا ومصطلح إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه أحيانا أخرى وهذا ما نصت عليه مقتضيات الفصول من 105 إلى 109 من القانون الجنائي.

إذ ينص الفصل 106 على أن: ” الرد هو إعادة الأشياء أو المبالغ أو الأمتعة المنقولة الموضوعة تحت يد العدالة إلى أصحاب الحق فيها.

ويمكن للمحكمة أن تأمر بالرد ولو لم يطلبه صاحب الشأن “.

وينص الفصل 107 من نفس القانون على أنه: “يجوز للمحكمة علاوة على ذلك بقرار معلل بناء على طلب المجني عليه أن تأمر برد:

  • المبالغ المحصلة من بيع الأشياء والأمتعة المنقولة التي كان له الحق في استردادها عينا
  • الأشياء أو الأمتعة المنقولة المتحصل عليها بواسطة ما نتج عن الجريمة، مع احترام حقوق الغير”.

وينص الفصل 109 على أن: ” جميع المحكوم عليهم من أجل نفس الجناية أو نفس الجنحة أو نفس المخالفة يلزمون متضامنين بالغرامات والرد والتعويضات المدنية والصوائر، إلا إذا نص الحكم على خلاف ذلك”.

وأخيرا قد جاء في الفصل 105 أن: “كل حكم بعقوبة أو تدبير وقائي، يجب أن يبت في الصوائر ومصاريف الدعوى طبقا للقواعد المنصوص عليها في الفصلين 437 و 349 من المسطرة الجنائية.

ويجب أن يبت علاوة على ذلك إذا اقتضى الحال في طلبات الرد والتعويضات المدنية “.

وبناء على ما تقدم، فإن قراءة هذه النصوص يستخلص منها ما يلي:

أن لمصطلح الرد مفهومين:

  • مفهوم ضيق يقتصر على رد الأشياء التي وضعت بين يدي العدالة بمناسبة ارتكاب جريمة إلى أصحاب الحق فيها.
  • مفهوم واسع يستهدف إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل وقوع الجريمة وإزالة أثارها، كإعادة المالك إلى العقار الذي نزع منه قسرا.

والملاحظ أن الفصل 106 يشير إلى لكمة الأشياء التي لا تقتصر على المنقول فقط بلى تعني العقار أيضا على اعتبار أن ” الشيء” متى أطلق يشمل العقار والمنقول ([13]).

كما أن المشرع في الفصول 106 و 107 قد ذكر الأشياء ثم ذكر ” الأمتعة المنقولة” تمييزا لها عن الأمتعة غير المنقولة.

والقضاء المغربي أعطى للرد مفهومه الواسع بجعله يستهدف إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه قبل وقوع الجريمة مع أعمال أحكامه على العقار، وتأكيدا مبدأ عدم تقديم طلب للحكم به كما سيتم تفصيله في الفقرة المتعلقة بتكييف هذا الحكم.

وبالعودة إلى الفصل 106 فقد أشار إلى عبارة ” الأشياء الموضوعة تحت يد العدالة”، ويلاحظ في هذا الإطار أن المادة 40 من ق م ج تتضمن عبارة ” الأشياء التي ضبطت أثناء البحث ” بينما تشير المادة 106 إلى عبارة “شيء محتفظ به لدى العدالة ” وتشير المواد 107 و 207 إلى عبارة ” الأشياء المختوم عليها” والأشياء المحجوزة “، وتتضمن المادة 452 عبارة الأشياء المودعة لكتابة الضبط بصفتها أدوات اقتناع ” ولم تشر إلى عبارة ” الأشياء الموضوعة تحت يد العدالة ” إلا المادة 366 وحدها.

إن ما تقضي المحكمة برده تلقائيا هو الأشياء أو الأمتعة المنقولة الموضوعة تحت يد العدالة، أي الشيء عينه كما تم حجزه بعد ارتكاب الجريمة، وهذا هو الأصل في الرد، أما ما دونه من المبالغ المتحصلة من بيعه أو الأشياء المتحصل عليها بواسطة ما نتج عن الجريمة كالعقار الذي يشتريه الجاني من منتوج شيك مزور، فلا بد فيه من طلب من المجني عليه يرفعه إلى المحكمة وهو الطلب الذي لا يخضع إلى الشروط المتطلبة في مذكرات المطالب المدنية والذي يمكن تقديمه لأول مرة أمام محكمة الدرجة الثانية.

وهنا يلاحظ كذلك أن المادتين 40و 44 من قانون المسطرة الجنائية قد تضمنتا عبارة ” من له الحق فيها” بينما تتضمن المادة 106 عبارة “كل شخص يدعي أن له حقوقا على الشي ء”، والفقرة 3 من المادة 366 عبارة “من له الحق فيها” بينما الفقرة 4 من المادة 366 والفقرة 2 من المادة 438 تتضمن عبارة كلمة ” المالك ” والفقرة 3 من 438 كلمتي ” المالك والحائز”.

هذا الخلط بين مالك الشيء ومن له حق عليه ناتج عن الخلط الذي يطرحه القانون الجنائي بعدم تمييزه على مستوى الترجمة بين “صاحب الحق ” والمالك “، إذ ينص الفصل 106 من ق ج في صيغته العربية على أن ” الرد هو إعادة الأشياء أو المبالغ الموضوعة تحت يد العدالة إلى أصحاب الحق فيها”.

وتنص الفقرة الثانية على أنه ” يمكن للمحكمة أن تأمر بالرد، ولو لم يطلبه صاحب الشأن “.

في حين تضمن النص في صيغته الفرنسية:

«La restitution consiste dans la remise a leur légitime propriétaire des objets, somme, effet mobiliers places sous la main de justice».

النص الفرنسي يتحدث عن ” المالك الشرعي ” والنص العربي يتحدث عن صاحب الحق والفرق واضح، لأن هذا التعبير الأخير قد يشمل صاحب حق الانتفاع والمحجوز عليه، والحائز المرتهن وغيرهم.

مما لا شك فيه، أن القانون الزجري يحمي الحيازة الفعلية سواء اعتمدت على سند صحيح أو على سند باطل، أو لم يكن لها سند، وبصرف النظر عن مدته طالت أو قصرت. كما أن مقتضيات الفصل 570 شرعت لحماية الحائز المادي والفعلي للعقار، ومعاقبة كل من تدخل بفعله للاعتداء على هذه الحيازة.

الفقرة الثانية: الإشكاليات المرتبطة بتحديد الطبيعة القانونية لإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه

إن القانون الجنائي تكفل بحماية الحيازة المادية للعقار مهما كان السند الذي تعتمد عليه ومهما بلغت حجيته من القوة أو الضعف، وبصرف النظر عن مدة هذه الحيازة.

فمقتضيات الفصل 570 من القانون الجنائي شرعت لحماية الحائز المادي للعقار ومعاقبة كل من اعتدى على حيازته هذه.

ومؤدى هذا المبدأ يقضي بإرجاع حالة الحيازة إلى ما كانت عليه، وذلك بطرد المعتدي من العقار المنزوعة حيازته وتمكين الحائز المتضرر من إعادة وضع يده عليه.

غير أن النقاش يثور حول التكييف القانوني لحكم إرجاع الحالة إلى ما كنت عليه، إذ ذهب بعض الراي إلى اعتبار إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه تعويضا مدنيا ([14])، ويترتب عن هذا الرأي النتائج التالية:

  • تقديم طلب إرجاع الوضع إلى حاله في إطار الدعوى المدنية التابعة طبقا للقواعد الأخيرة أو في إطار الدعوى المدنية المستقلة بعد ثبوت نهائية الحكم القاضي بالإدانة طبقا لما تقتضيه قواعد المسؤولية التقصيرية.
  • أن يتم تقديم طلب إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه من طرف المتضرر صاحب المصلحة أو ممن ينوب عنه، فلا تتدخل المحكمة من تلقاء في هذا الشأن ([15]).

أما الرأي الأخير ([16]) فيقول بأن إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه يدخل ضمن الرد الذي يجب الحكم به ولو دون طلب باعتباره جزءا من العقوبة الزجرية الصادرة في جريمة انتزاع عقار من حيازة الغير رغم عدم تنصيص الفصل صراحة على هذا المقتضى ([17]).

ومهما يكن من أمر، فإن اعتبار هذا الرأي يرتب النتائج التالية:

  • ارتباط هذا الحكم بالنظام العام ([18]) باعتباره يخضع لمقتضيات الدعوى العمومية
  • يمكن للمحكمة أن تقضي به ولو لم يطلب منها ذلك باعتبار الحكم من النظام العام
  • تبقى المحكمة مطالبة بالحكم بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه كلما توفرت شروطه الضرورية تحت طائلة تبرير قرار الرفض.

وبالرجوع إلى العمل القضائي نجد أن محاكم الموضوع قد اختلفت فترة من الزمن حول ما إذا كان يحق لها أن تحكم بإرجاع الحيازة إلى صاحبها أم لا وذلك باعتبار

أن الفصل 105 ([19]) من القانون الجنائي لا يعطي الحق للمحاكم للبت إلا في الدعوى العمومية وما يتعلق بها من مصاريف ورد وتعويضات على أساس أن إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه لا يندرج ضمن أي من الأوامر المذكورة ([20]

غير أن أحكاما أخرى صدرت مقررة أن إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه يعد من صميم النظام العام الذي تقضي به المحكمة من غير طلب بذلك لارتباطه بالعقوبة الحبسية والغرامة المنصوص عليهما في الفصل 570 من القانون الجنائي ([21]).

فهذا التذبذب في مواقف محاكم الموضوع يمس من الناحية العملية بحقوق الطرف المتضرر بحيث يصبح تحت رحمة الهيئة وسلطتها التقديرية في التكييف الذي ترتئيه مناسبا لحكم إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه الشيء الذي يجعلنا نؤكد على ضرورة الحسم التشريعي في هذه المسألة عوض تركها مثار جدال بين الفقه والقضاء.

أما محكمة النقض فقد عرفت قراراتها نفس التردد، إذ جاءت بعض القرارات بأنه لا يحكم بإرجاع الحيازة إلى صاحبها إلا ضمن طلب مدني ([22]).

غير أنه في قرارات لاحقة لمحكمة النقض نجدها بدأت تنحو نحو اعتبار الحكم بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه من اختصاص القضاء الزجري الذي يقضي به تلقائيا دون الحاجة إلى طلبه ([23]).

المبحث الثاني:

الإشكالات المرتبطة بتنفيذ الحكم بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه

يعتبر تنفيذ الأحكام ([24])، النقطة الأساسية في المراحل التي يقطعها بدءا من رفع الدعوى ومرورا بإجراءاتها ووصولا إلى الحكم فيها، وترد هذه الأهمية إلى كون الحقوق تبقى بدون حماية حقيقية ([25])، إذا لم تنفذ فما غايتنا بحكم لم ينفذ، وكما يقول “عمر رضي الله عنه” “لا خير في حكم لم ينفذ”، وقد يتعرض التنفيذ لمجموعة من الإشكاليات، فما المقصود بإشكاليات التنفيذ؟.

فالمشرع المغربي في قانون المسطرة الجنائية لم يضع تعريفا لإشكاليات التنفيذ، فذهب جانب من الفقه إلى تعريف إشكالات التنفيذ بأنها منازعات تتعلق بالقوة التنفيذية للحكم، فهي تشكل كل دفع بإنكار قوة الحكم في التنفيذ أو تستوجب تأجيله أو تعديله ([26]).

بينما ذهب رأي أخر إلى أن الإشكال في التنفيذ هو الصورة المكملة لخصومة التنفيذ في الإجراءات الجنائية يتمسك فيها المحكوم عليه أو المنفذة ضده بعدم صحة التنفيذ قانونا أو عدم جوازه ([27]).

ويمكن تعريف أشكال التنفيذ في المنازعات القانونية بالصعوبات التي تعترض إجراءات التنفيذ بهدف منعه أو الحيلولة دون تمامه، وسيتخذ الإشكال في التنفيذ إلى حرص المشرع على أن ينفذ الحكم، والمقصود بالحكم هنا الحكم بالمعنى الواسع طبقا للقانون وتحت إشراف القضاء وذلك في حدود ما قضى به، وبناء على ذلك فإن سند نظام الإشكال هو ضمان تنفيذ الحكم تنفيذا صحيحا على الوجه الذي حدده القانون.

وعليه، فإن مسطرة التنفيذ قد تعترضها بعض العوارض والتي تؤثر سلبا في سلامتها ([28])، والتي افرزها الواقع العملي والتي تتجلي في إشكالية اصطدام إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه مع مقتضيات الفصل 166 من قانون المسطرة المدنية، وما نتج ذعن ذلك من صعوبة تحديد مرجع رفع الإشكال في تنفيذ إرجاع الوضع إلى حاله.

المطلب الأول: اصطدام إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه مع مقتضيات الفصل 166 من قانون المسطرة المدنية ومرجع رفع الصعوبات

إن إرجاع الوضع إلى حاله نتيجة حتمية لحكم الإدانة، إلا أنه ما يثار فيه هو انعدام تحديد المشرع لطبيعته القانونية والذي أدى إلى خلق جملة من الإشكاليات العملية التي يستعصي أحيانا التعاطي معها ([29])، والذي امتد إلى تحديد الجهة المؤهلة قانونا للبت في الصعوبات الناجمة أثناء تنفيذ الحكم بإرجاع الوضع إلى حاله ([30]).

الفقرة الأولى: إشكالية اصطدام إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه مع مقتضيات الفصل 166 من قانون المسطرة المدنية

إذا كانت مقتضيات المادة 532 من قانون المسطرة الجنائية وكذا اجتهادات محكمة النقض يعتبران الطعن بالنقض يوقف تنفيذ الحكم القاضي بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه حالة اعتباره جزءا من الدعوى العمومية، ويدخل بالتالي في إطار دعاوى الرد المنصوص عليها في المواد 106 و 108 من القانون الجنائي ([31])، وما دام أن رد ما يلزم رده لا يتم إلا بعد إدلاء صاحب المصلحة بما يفيد الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أو مما يفي فوات ميعاد الطعن حسب الفصل 493 من قانون المسطرة الجنائية ([32]) فإن التساؤل الذي يطرح نفسه بقوة في هذا الجانب هو مدى الإمكانية التي يملكها المتهم حتى يحتج على الطرف المتضرر الذي طالب باسترداد الحيازة مرتكزا في ذلك على الفصل 166 من قانون المسطرة المدنية بتطبيق قاعدة ” الجنائي يعقل المدني “، خاصة أمام السلطة الممنوحة للقضاء الزجري في إثارة استرداد الحيازة في كل وقت حتى ولو لم يطالب بذلك المتضرر؟ وهذا فيه خرق للقاعدة المدنية المنصوص عليها في المسطرة المدنية إلا وهي أن القاضي عليه أن يحكم وفق طلبات الأطراف.

فقد جاء في أحد قرارات محكمة النقض أنه: “في شأن وسيلة النقض الأولى المتخذة من الحكم بشيء غير مطلوب، حيث يتضح من شكاية السيد -…- أنه لم يطلب التخلي ورفع اليد عن العقار المدعي فيه، ومع ذلك فإن محكمة الدرجة الأولى قد حكمت بالإفراغ وأيدته محكمة الدرجة الثانية، وعليه يكون الحكم المطعون فيه قد حكم بشيء غير مطلوب، مما يتعين نقضه، حيث أن العارضين كانا متابعين أمام المحكمة بجريمة الترامي على ملك الغير، وأن المحكمة بعد أن ثبتت لديها الإدانة وحكمت عليهما جنائيا كان من حقها أن ترد الأمور إلى نصابها وأن تعيد الحالة إلى ما كانت عليه قبل الجريمة، وهذا من باب الرد الذي يجوز للمحكمة أن تأمر به ولو لم يطلبه صاحب الأمر، مما تكون معه الوسيلة على غير أساس ” ([33]).

وجاء في قرار أخر: “حيث أن إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه مرتبط بالجريمة المد أن بها الطاعن، وليست لها أية علاقة بالدعوى المدنية، إذ الأمر يتعلق بإرجاع الوضع إلى ما كان عليه قبل ارتكاب الجريمة، وهذا يدخل في التدابير الاحتياطية المنصوص عليها في المادة 387 ([34]) من ق م ج” ([35]). وقد أوردت محكمة النقض هذه الحيثية في معرض ردها على وسيلة أثارها الطاعن دفع فيها بكون المحكمة بثت في غير ما تقدم به الطلب لكن الملاحظ أنه رغم صدور قرارات متواترة عن محكمة النقض اعتبرت إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه؟ داخلا ضمن ما يلزم رده في إطار الدعوى العمومية ودون طلب فرغم ذلك فجل المحاكم المغربية تقريبا ما تزال تعتبر إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه جزءا من الدعوى المدنية التابعة ولا تحكم به إلا بعد أن بطلبه المطالب بالحق المدني ([36]).

من الواضح أن هذا الموضوع يثير العديد من الإشكاليات والتي يمكن الوقوف عليها بالرجوع إلى مصدر الحكم القاضي بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه وهذا ما لاحظناه في القرارات القضائية أعلاه، وإذا ما كان جزءا من الحكم القاضي بالإدانة في جنحة الاعتداء على حيازة الغير.

وعليه، في حالة ما إذا قامت المحكمة الجنحية القاضية بالإدانة في جنحة الترامي بإصدار قرار بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه كجزء من الدعوى العمومية، فإنه يصبح في حكم رد ما يلزم رده، وبالتالي تكون المحكمة الجنحية مطالبة بإثارته تلقائيا ولو لم يطالب به المتضرر لاعتباره من صميم النظام العام، فإذا أغفلت هذه المحكمة البت في الإرجاع فإن صاحب المصلحة من حقه المطالبة باستعادة حيازته ولكن أمام نفس المحكمة طبقا لمقتضيات المادة 599 ق م ج، أما في حالة ما إذا رفضت الفصل في أمر الإرجاع فهي تكون ملزمة بتعليل قرارها بتبيان موجبات هذا الرفض.

من هنا فإن المتهم يكون من حقه التمسك بما جاء في منطوق الحكم الجنحي تطبيقا لمبدأ ” الجنائي يعقل المدني”، وبالتالي فإن لجوء المتضرر إلى القضاء المدني عملا بمقتضيات الفصل 166 من قانون المسطرة المدنية من أجل استرداد الحيازة يبقى مرفوضا بناء على قاعدة ” أسبقية البت ” في حالما إذا كان هناك وحدة في الموضوع والأطراف والمنازعة.

غير أن الذي يثير الانتباه في هذا الشأن هو إذا كان الفصل 570 من القانون الجنائي أقر جنحة انتزاع الحيازة من الغير، وعاقب عليها متى توفرت احدى الوسائل التي تشكل الركن المعنوي ([37]) للفعل الجرمي ويفرض اللجوء إلى القضاء الزجري لأجل الفصل في انتزاع، فكيف نفسر أقدام المشرع على النص في الفقرة الثانية من الفصل 166 من قانون المسطرة المدنية على أنه يمكن للمتضرر رفع دعوى استرداد الحيازة المنتزعة بالعنف أو الإكراه، علما أن هاتين الوسيلتين يمكن أن تكونا جزئا من الوسائل الواردة في الفصل 570 من القانون الجنائي، وبالتالي اللجوء إلى القضاء المدني من أجل استرداد الحيازة المدنية والفعلية؟

وهذا يدعونا إلى مناشدة المشرع من أجل تفادي هذا التضارب بين ما أقره الفصل 570 من القانون الجنائي والفصل 166 من قانون المسطرة، خصوصا ما يهم استرداد الحيازة التي انتزعت تحت وسيلة من الوسائل المشكلة للركن المعنوي لجنحة الترامي على حيازة الغير.

إلا أن ما يمكن الجزء به بخصوص دعوى الحيازة المقررة في الفصل 166، ق م م هو أن هذا الأخير لا يتكفل إلا بحماية الحيازة الفعلية، لأن الحائز الفعلي لا بد من حماية حيازته ما جام لم ينتزعها منه القانون ([38])، وهي نفس الحيازة التي تقرر حمايتها بمقتضى الفصل 570 من القانون الجنائي.

كما نشير إلى أن أراء الفقه اختلفت حول العلاقة بين طلب إرجاع الوضع إلى حاله وعلاقته بقواعد استرداد الحيازة، فإذا كان هناك اتجاه يعتبر دعوى الإرجاع أمام المحكمة المدنية هي دعوى الحيازة طبقا للفصل 166 من قانون المسطرة المدنية، فإن اتجاها ثانيا اعتبرها دعوى تعويض تخضع لقواعد المسؤولية التقصيرية، في حين سار اتجاه ثالث إلى الدعوى بإقامة هذه الدعوى أمام المحكمة الجنحية جاعلا إياها ضمن ما يلزم رده.

ونستنتج مما سبق أن الهدف من دعوى إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه هو واحد يتجلى في استرداد المتضرر للحيازة المنتزعة منه بفعل الاعتداء، مما يجعلنا نرجع أن يتبع هذا المتضرر المسطرة الأسهل في نظره لاستيفاء حقه، ما دام الأمر لا يتعلق بالفصل في جوهر الحق، وإنما يرمي المحافظة وصيانة وضع قائم إلى حين الفصل في الموضوع، فغياب نص صريح يفصل ويحدد المسطرة المتبعة بشكل واضح لممارسة دعوى الإرجاع هو الذي يسمح بتعدد وظهور كل تلك التكييفات السابقة الذكر.

وفي نظرنا نعتقد أن أسهل مسطرة يمكن للمتضرر اللجوء إليها هي تلك التي تعتمد في تطبيقها على كون إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه جزء من الدعوى العمومية، تختص بها المحكمة الزجرية دون سواها، لما فيها من سرعة وليونة لتفادي تعقيدات وكثرة شروط المسطرة المدنية بخصوص استرداد الحيازة واستيفاء التعويض.

ونختم بالقول بأن الأمر لا يقف عند هذا التضارب القانوني بين مقتضيات الفصل 166 ق م م وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، بل يتعداه أيضا إلى صعوبات تواجه عملية التنفيذ خلال إنجازها وهي المعروفة بالصعوبات التقنية والتي سنعمل على شرحها بالتفصيل في المطلب الثاني محاولين الإلمام بأسبابها وسبل معالجتها.

الفقرة الثانية: مرجع رفع الصعوبات الناجمة عن تنفيذ إرجاع الوضع إلى حاله

يعتبر الاختلاف الحاصل في تحديد الطبيعة القانونية لإرجاع الوضع إلى حاله في الأحكام الصادرة بالإدانة من اخلى جنحة انتزاع عقار من حيازة الغير ممتدا إلى تحديد الجهة المؤهلة أو المخولة قانونيا للبت في الصعوبات الناجمة أثناء تنفيذ حكم إرجاع الوضع إلى حاله.

وهو الأمر الذي طرح إشكالية على القضاء في الميدان العملي في صورتها التي يعهد فيها إلى قسم التنفيذ بالمحكمة تنفيذها حيث اختلفت الآراء حول الجهة التي لها حق البت في هذه الصعوبات هل هو رئيس المحكمة الابتدائية والرئيس الأول لمحكمة الاستئناف عملا بمقتضيات الفصل 149 و 436 من قانون المسطرة المدنية أم المحكمة مصدرة الحكم القاضي بالإدانة وإرجاع الوضع إلى حاله عملا بمقتضيات قانون المسطرة الجنائية؟

هنا الرأي ينقسم إلى اتجاهين:

الاتجاه الأول: يذهب إلى أن قاضي المستعجلات سواء كان رئيس المحكمة الابتدائية أو الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف هو المختص في البت في الصعوبات الناجمة عن إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه وذلك عندما يكون النزاع معروضا على أنظار محكمة الاستئناف، وهو اختصاص مستمد من الفصل 149 من قانون المسطرة المدنية ([39]).

لكن الملاحظ من خلال هذا الرأي هو أنه يعطي لإرجاع الوضع إلى حالة صبغة مدنية مثله في ذلك مثل التعويضات المحكوم بها في إطار الدعوى المدنية التابعة خلفا لمحكمة النقض التي استقرت على اعتبار إرجاع الوضع إلى حاله بمثابة الرد الذي يتعين الحكم به كتدبير مرتبط بالعقوبة الزجرية ولو لم يطلبه الطرف المتضرر ([40]).

الاتجاه الثاني: يذهب إلى القول بأن الجهة المختصة للبت في الصعوبات الناجمة عن تنفيذ إرجاع الوضع إلى حاله هي المحكمة المصدرة للحكم القاضي بذلك تطبيقا للمادة 599 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على أن المسائل النزاعية العارضة المتعلقة بالتنفيذ يرجع النظر فيها إلى المحكمة التي أصدرت الحكم المقصود تنفيذه.

إلا أن المادة 599 من قانون المسطرة الجنائية التي استشهد بها أصحاب هذا الرأي تفرق في مضمونها ومعناها بين نوعين من الصعوبات: الصعوبة الوقتية والصعوبة الموضوعية، وتبين ما إذا كانت الصعوبة بنوعيها تنصب على الجانب المدني من الحكم أو على الجانب الزجري، فإذا كانت الصعوبة في التنفيذ هي نوع الصعوبة الموضوعية التي من شأنها المس بحجية الحكم في حد ذاته فإن الاختصاص هنا للبت في هذه الصعوبة ينعقد لنفس المحكمة التي أصدرت الحكم وهي المحكمة الجنحية طبقا للمادة 599 سواء تعلق الإشكال في التنفيذ بالحكم الصادر في الدعوى العمومية أو الدعوى المدنية التابعة، أما إذا كانت الصعوبة في التنفيذ هي من نوع الصعوبة الوقتية وتنصب على الحكم الصادر في الدعوى المدنية التابعة فإن الاختصاص في نظرنا ينعقد حتما لقاضي المستعجلات للبت فيها ([41]).

والرأي الراجح من خلال هذين الرائيين، يمكن القول بالاتجاه القائل باختصاص المحكمة الجنحية أو الجنائية حسب الأحوال للنظر في صعوبات تنفيذ إرجاع الوضع إلى حاله هو الأقرب إلى الصواب وذلك للاعتبارات التالية:

  1. أن المحكمة التي قضت بإرجاع الوضع إلى حاله لها سابق دراية ومعرفة لكل الجوانب المتعلقة بالقضية التي صدر فيها قرار إرجاع الوضع، ذلك أنها قبل أن تقرر إرجاع الوضع ناقشت موضوعه واستمعت لطرفيه وحددت مراميه وعالجت كل إشكال محتمل قيامه بشأنه،
  2. أن صعوبة تنفيذ إرجاع الوضع إلى حاله قد تنجم عن إغفال أو ثغرة أو خطأ في منطوق قرار إرجاع الوضع كما قد تنجم عن اختلاف في تأويل هذا القرار فيما بين طرفيه، ففي هذه الحالة ألا تبدو مراجعة قاضي المستعجلات لرفع الإشكال أو الصعوبة من قبيل الخطأ في الطرف السليم،
  3. عن قانون المسطرة المدنية باعتباره القانون الأصل في فصله 26 على كل محكمة تختص بالنظر في الصعوبات المتعلقة بتأويل أو تنفيذ أحكامها أو قرارتها وخاصة في الصعوبات المتعلقة بالمصاريف المؤداة أمامها مع مراعاة مقتضيات الفصل 149 من القانون المذكور.

انطلاقا من هذا الفصل فإنه ما دام قرار إرجاع الوضع إلى حاله يصدر عن المحكمة الزجرية فإن هذه الأخيرة هي المختصة بالنظر في كل الصعوبات الناتجة عن تنفيذ قرار الإرجاع.

  1. لا شك أن مسألة إرجاع الوضع إلى حاله كتدبير مرتبط بالعقوبة الزجرية مثلها مثل مسألة المصاريف كجزء من قرار الإدانة، وهذه الأخيرة استقرت محكمة النقض في أكثر من قرار لها على مراجعة المحكمة مصدرة القرار في رفع كل صعوبة طرأت في تنفيذها عملا بالمادة 599 من قانون المسطرة الجنائية.

المطلب الثاني: إشكالية صعوبة التنفيذ التقنية

بالنسبة للتنفيذ في المادة الزجرية يختلف فيما إذا كانت العقوبة المحكوم بها عقوبة حبسية موقوفة التنفيذ أم عقوبة نافذة أم غرامة مالية.

فبالنسبة للعقوبة الحبسية إذا كانت نافذة فإن المحكوم عليه ملزم بقضاء العقوبة بمجرد اكتساب الحكم حجيته، أما إذا أحيل في حالة اعتقال فإن المتهم يبقى معتقلا حتى انتهاء عقوبته أو تبرئته في المرحلة الاستئنافية، هذا بالنسبة للعقوبة الحبسية.

أما بالنسبة للغرامة المالية المحكوم بها في مواجهة الإضافة إلى العقوبة الحبسية.

فإن المتهم ملزم بأداء ما بذمته لفائدة الخزينة العامة تتمثل في الغرامة والصوائر أو الصائر.

إلا أن الإشكال الذي يطرح غالبا في هذه المرحلة هو صعوبة التنفيذ على الملزمين بأداء الديون العمومية نظرا أما لتغيير الملزم مقر سكنه وكذا صعوبة تعرف مأمور التنفيذ على الملزم بأداء الدين وذلك راجع لمجموعة من العراقيل من بينها تشابه الأسماء في منطقة معينة أو لعدم توفر الكثير من الأشخاص على البطاقة الوطنية وخاصة في المناطق النائية.

وكل هذا بطبيعة الحال يعرقل عمل مأمور التنفيذ.

أما في حالة وجود الملزم بأداء الدين تطرح صعوبة الحجز على أموال المدين نظرا للصعوبة التي يمكن أن تطرحها إشكالية الحجز على أموال الملزم ومن سيكلف بحراسة المحجوزات وكذا من سيكلف بمصاريف البيع بالمزاد العلني والإجراءات السابقة له وأن الدولة هي صاحبة الحق.

إلا أنه على أرض الواقع نجد أنه عمليا في الغالب أن مأموري التنفيذ في المحاكم ما يقومون بتحرير محضر تفتيش، وكذا محضر بعدم وجود ما يحجز تجنبا لكل الإشكالات السابقة وكذا تتم إحالة ملف الملزم بأداء الدين العمومي إلى مرحلة مهمة وهي مرحلة الإكراه البدني.

هذه المرحلة من يسهر عليها؟ يسهر عليها قاضي تطبيق العقوبة تحت إشراف وكيل الملك، أما فيما يتعلق بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، فإن مأمور التنفيذ في المادة التنفيذية هو من يسهر على إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه بعد تقديم طلب من طالب التنفيذ.

والثابت في الميدان العملي طبقا للفصل 570 من القانون الجنائي أن المحكمة الجنحية تهتم بمناقشة عنصر الحيازة للعقار موضوع النزاع وكلما ثبت لديها قيام اعتداء على هذه الحيازة طبقا للفصل المذكور قضت بالإدانة وبإرجاع الحيازة إلى صاحبها الشرعي، إلا أنه غالبا ما يصطدم تنفيذ إرجاع الوضع إلى حاله بمسائل تقنية، والحكم بإرجاع الوضع بصورة عامة وغير مفصلة ومحددة هو السر في وقوع هذا الاصطدام ، فالملاحظ أن الاكتفاء بالحكم بإرجاع الوضع دون تحديد مدى وحدود هذا الوضع أسسا وحدودا من شأنه أن يترك الباب مفتوحا لعدد من الاحتجاجات من لدن طرفي النزاع وقت التنفيذ.

وهكذا نلاحظ لدى جهاز التنفيذ بالمحكمة قيام صعوبة عملية في تنفيذ قرار إرجاع الوضع إلى حالة خاصة في الأراضي غير المحفظة التي تعرف صعوبة بالنسبة للمنفذ مما يضطر معها مأمور الإجراءات في أغلب الأحيان إلى الاستعانة بخبير لتحديد الجزء المراد إرجاع حيازته للمتضرر، وهكذا يتعطل التنفيذ وتثور بشأنه مجموعة من الدفوع والاحتجاجات والتي قد يتخذ منها المحكوم عليه وسيلة للتسوية والمماطلة.

وعلى هذا الأساس، فإن أصل المشكلة يأتي من القرار موضوع التنفيذ لم يحدد الهوية المادية والقانونية للعقار المراد إرجاع حيازته لصاحبه، وعليه، لا يمكن أن يتم تحديد المجال التنفيذي لإرجاع الوضع درءا لكل اختلاف حول ذلك وقت التنفيذ.

وتوضيحا لهذه الصعوبة نورد الصورة التالية والتي يعرض مثلها على القضاء كثيرا: قد يتقدم شخص بشكاية مفادها أن خصمه انتزع منه حيازة أرضه المسماة (كذا) وبعد البحث في الموضوع تقضي المحكمة بالإدانة مع إرجاع الوضع إلى حاله، لكنه عند تنفيذ هذا الشق الأخير في حيز الواقع يصطدم مأمور الإجراءات بعدة أمور تزيد من صعوبة مهمته فهو مطالب بتنفيذه قرار لم يتحدد مجال تنفيذه اسما وحدودا ومساحة.

فمن حيث الاسم مثلا غالبا ما يكون أسس العقار يجري على مجموعة من العقارات، ومن حيث المساحة قد يشمل التنفيذ أجزاء لا علاقة لها بالنزاع، وقد يغفل المأمور مساحة لها صلة مباشرة بموضوع النزاع.

ومن حيث الحدود قد يتجاوز التنفيذ حدود العقار المتنازع عليه، والعكس صحيح، لذلك وجب على المحكمة وهي تقضي بإرجاع الوضع إلى حاله هذا الوضع في جانبه المادي والقانوني درءا لكل صعوبة تقنية قد تنشأ وقت التنفيذ.

بالنسبة لإرجاع الحالة تصعب في حالة بناء سور مثلا أو إزالة أشجار تمثل سياج فهنا لا يمكن الحكم بإرجاع الوضع إلى حاله، لأنه الحق الضرر وبالتالي يبقى لصاحب الحق المطالبة بالتعويض عن الخسائر.

ومن بين الإشكالات المثارة أيضا هو عندما يتجه مأمور التنفيذ إلى عين المكان فيجد حصارا من طرف المنفذ عليه، مما يتطلب على مأمور التنفيذ طلب الاستعانة بالقوة العمومية التي يقدم بشأنها طلبا إلى العامل أو مباشرة إلى وكيل الملك على اعتبار أنه ضابط سامي للشرطة القضائية ويعطي للمنفذ الموافقة الكتابية بشأن المؤازرة بالقوة العمومية وبحضور جميع الأطراف ([42]).

خاتمة

إذا كانت غاية القانون الجنائي من حماية الحيازة العقارية هي منع الأفراد من استخدام القوة والعنف وأخذ الحق بالقوة والعنف ومسلك العدالة الخاصة -العدالة في مواجهة بعضهم البعض دون اللجوء إلى القانون والقضاء، فإن تحقيق هذا الهدف يقضي تعزيز ثقة الحائزين فيما توفره لهم من حماية قانونية وقضائية كفيلة بذلك عوض تكوين الاقتناع بعدم نجاعة وفعالية النصوص القانونية والأحكام القضائية وذلك من خلال عدة نقط:

  • تعديل صياغة الفصل 570 من القانون الجنائي وذلك بجعل عنوان الفرع الخامس من الباب التاسع في الاعتداء على حيازة العقارات بدل الإبقاء عليه في صيغته الحالية وهي في الاعتداء على الأملاك العقارية لما يوجد من الفرق الواضع بين ملكية العقار وحيازته،
  • النص الصراحة في الفصل 570 من القانون الجنائي على الحيازة المراد حمايتها وهي الحيازة المادية والفعلية للعقار تجنبا لكل تأويل،
  • توضيح حقيقة الركن المادي لجنحة انتزاع عقار من حيازة الغير لجعل العقاب يشمل بعض الصور من انتزاع الحيازة التي تضارب الاجتهاد القضائي بشأن اعتبارها من صميم فعلى الانتزاع وعدم اعتبارها كذلك، وخاصة منع الحرث، حيث يشكل الفعل انتزاعا حقيقيا للحيازة ويمثل نسبة كبيرة من صور هذا الانتزاع،
  • النص صراحة على الطبيعة القانوني للحكم القاضي بإرجاع الحال إلى ما كانت عليه قبل انتزاع الحيازة تفاديا لأي تفسير أو تأويل في طبيعته لأهمية الإجراءات اللاحقة على النطق به سيما على مستوى مسطرة التنفيذ والجهة القضائية المختصة بالنظر في الصعوبات التي تعترض التنفيذ،
  • النص صراحة على الحدود الفاصلة بين ما يعتبر انتزاعا مدنيا للحيازة وما يعتبر انتزاعا جرما لها،
  • النص صراحة على وجوب ممارسة النيابة العامة لصلاحيتها المحددة في المادتين 40 و 49 من قانون المسطرة الجنائية كلما تعلق الأمر بانتزاع الحيازة بفعل جرمي، وليس ترك الأمر لسلطاتها التقديرية، والأمر نفسه لقضاء التحقيق.

[1] يوسف بن طامة: الحماية الجنائية لحيازة العقار في القانون المغربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة، السنة الجامعية 2004-2005، ص. 1.

[2] يرجع الفضل في انتشار نظام التحفيظ العقاري إلى مدير التسجيلات الأسترالي السيد “روبير تورانس ” الذي دفعته خبرته الطويلة في إدارة الجمارك إلى وضع القواعد لتنظيم الأملاد العقارية بأستراليا الجنوبية التي أسست لنظام الشهر العيني أو سجل الملكية العيني والذي تمت المصادقة عليه بالبرلمان الأسترالي سنة 1858 م، ولقي بعد ذلك انتشارا واسعا في كثير. من الدول وكان المغرب من بين الدول التي أخذت بهذا النظام.

  • عبد الخالق أحمدون: نظام التحفيظ العقاري بالمغرب، مقتضياته القانونية وإشكالاته الواقعية، الطبعة الثالثة 2007، مطبعة طوب بريس، الرباط، ص. 3.

[3] قانون 14.07 صادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.177 بتاريخ 22 نونبر 2011، منشور بالجريدة الرسمية، عدد 5998 بتاريخ 24 نونبر 2011، ص. 5575.

[4] أمين العياطي: مساطر تحصين العقارات المخزنية إعاقة أم تشجيع للاستثمار، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة، السنة الجامعة 2007 -2008، ص. 1.

[5] كنزة غنام: الحماية الجنائية للعقار، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، السنة الجامعية 2006-2007، ص. 8.

[6] ينص هذا الفصل على أنه: “يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم من انتزع عقارا من حيازة غيره خلسة أو باستعمال التدليس.
فإذا وقع انتزاع الحيازة ليلا أو باستعمال العنف أو التهديد أو التسلق أو الكسر أو بواسطة أشخاص متعددين أو كان الجاني أو أحد الجناة يحمل سلاحا ظاهرا أو مخبأ فإن الحبس يكون من ثلاثة أشهر إلى سنتين والغرامة من مائتين إلى سبعمائة وخمسين درهما”.

[7] عبد المالك أمغار: وقف تنفيذ الأحكام القضائية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص بوجدة، السنة الجامعية 2010 -2011.

[8] كنزة غنام، مرجع سابق، ص. 140.

[9] كنزة غنام: الأحكام الصادرة عن القضاء الزجري في الدعاوى العقارية، مقال في مجلة الحقوق المغربية، سلسلة “الأنظمة والمنازعات العقارية ” الإصدار الثاني، يناير 2011، الطبعة الثانية 2012، حول موضوع: القواعد الموضوعية والشكلية في مساطر المنازعات العقارية، مطبعة الأمنية بالرباط، طبعة 2011، ص 120.

[10] René Morel : traité élémentaire ; procédure civile, Paris, 2ème édition 1949, n° 194 ; p. 117.

  • احمد المليجي: تحديد نطاق الولاية القضائية والاختصاص القضائي، دراسة مقارنة في القوانين المصري والفرنسي والشريعة الإسلامية، مكتبة دار النهضة العربية، القاهرة، ص 447.

[11] محمد بوزبع: شرح قانون المسطرة الجنائية، إجراءات المحاكمة وطرق الطعن، الجزء الثاني، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الشروح والدلائل، العدد 7، الطبعة الثانية، 2005، ص 8.

  • إدريس العلوي العبدلاوي: الوسيط في شرح المسطرة المدنية، القانون القضائي الخاص، وفق أخر التعديلات، الجزء الأول، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1998، ص 540.

[12] تم استبدال عبارة قضايا الأحوال الشخصية بعبارة قضايا الأسرة بموجب التعديل الذي ادخله المشرع على نص الفصل 18 من قانون المسطرة المدنية بتاريخ 3 فبراير 2004 انسجاما مع صدور قانون جديد يتعلق بتنظيم الأسرة.

  • حلت المحاكم الإدارية محل الابتدائية في الاختصاص في المادة الإدارية بمقتضى القانون 41.90 الصادرة بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.91.225 بتاريخ 10 /9 /1993.

[13] رمضان أبو السعود: الوسيط في شرح مقدمة القانون، ص 425 و 439.

[14] للتذكير فالأصل أن الدعوى المدنية لا تعنى إلا بالنزاعات المدنية، عكس الدعوى الجنائية / العمومية التي ترتبط بالحق العام في معاقبة المجرم على الجرائم التي يرتكبها، إلا أن هناك نوعا من الدعاوى المدنية يرتبط ارتباطا وثيقا بالدعوى العمومية ويتحدد معها في المصدر الذي هو الجريمة التي تسببت في الضرر الخاص والذي سمح القانون بعرضها استثناء على القضاء الزجري لينظر في تعويض الضرر إذا توفرت شروطه فتسمى الدعوى المدنية التابعة وهي تبقى إمكانية متاحة للمتضرر، إذ يمكنه سلوك الطريق المدني الصرف بعيدا عن القضاء الزجري.

  • راجع في هذا الصدد عبد السلام بنحدو: الوجيز في شرح المسطرة الجنائية المغربية، مطبعة اسبارطيل، طنجة، طبعة 2008، ص 56 و 61.

[15] عبد الرحمان الراجي: دور النيابة العامة في الحماية الإجرائية للملكية العقارية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، السنة الجامعية 2012 -2013، ص 19.

[16] كنزة غنام، مرجع سابق، ص. 119، وما يليها.

[17] ينص الفصل 570 من القانون الجنائي على: “يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم من انتزاع عقارا من حيازة غيره خلسة أو باستعمال التدليس.

فإذا وقع انتزاع الحيازة ليلا أو باستعمال العنف أو التهديد أو التسلق أو الكسر أو بواسطة أشخاص متعددين أو كان الجاني أو أحد الجناة يحمل سلاحا ظاهرا ومخبأ فإن الحبس يكون من ثلاثة أشهر إلى سنتين والغرامة من مائتين إلى سبعمائة وخمسين درهما”.

وباستقراء مضامين هذا الفصل لا نجد أية إشارة صريحة أو ضمنية إلى اعتبار الحكم بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه جزءا من العقوبة المنصوص عليها فيه.

[18] أن النظام العام من منظور القانون الجنائي المغربي لا نجد أي إشارة تفيد المقصود من هذا النظام في تشريعنا الجاني هذا أن لم يتم الخلط بينه وبين مفهوم الأمن العام (الفصل 235 من ق ج) أو الثقة العامة (الفصل 248 من نفس القانون)، كما أن التحديد المفاهيمي أثار جدالا فقعيا واسعا بسبب ما يكتنف هذا المفهوم من غموض في مختلف التشريعات الجنائية، إلى درجة أنه اعتبر بأن “النظام العام يستمد عظمته من ذلك الغموض الذي يحيط به”، ويمكن على أية حال تعريف النظام العام بكونه الإطار القانوني العام الذي تعمل فيه الدولة تحقيقا للمصلحة العامة، وذلك من خلال الطبيعة الآمرة للقواعد القانونية، أو “هو الأمر التشريعي المسطر في القاعدة القانونية التي لا يمكن الاتفاق على مخالفاتها عند تطبيقها، أو الإغفال عن هذا التطبيق من طرف السلطة المأمولة به”.
– راجع في هذا الصدد محمد التغدويني: إشكالية التجريم في التشريع الجنائي المغربي، الطبعة الثانية 2005، مطبعة أنفو -برانت، فاس، ص 172 -173.

[19] ينص هذا الفصل على: “كل حكم بعقوبة أو تدبير وقائي، يجب أن يبت في الصوائر ومصاريف الدعوى طبق القواعد المنصوص عليها في الفصلين 347 و 349 من المسطرة الجنائية.
ويجب أن يبت علاوة على ذلك، إذ ا اقتضى الحال في طلبات الرد والتعويضات المدنية”

[20] وهذا ما قضت به محكمة الاستئناف بوجدة في قرار لها تحت عدد 2911 بتاريخ 22 / 06 / 2005، ملف جنحي رقم 04 -1198 أورده عبد السلام النوينو: دور القضاء الزجري في حماية الحيازة العقارية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، ماستر القانون المدني والأعمال، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، السنة الجامعية 2011 -2012، ص 38.

[21] قرار صادر عن محكمة الاستئناف بفاس عدد 6431 / 24 صادر بتاريخ 22 / 06 / 2002، ملف جنحي رقم 12153 / 01، أورده عبد السلام النوينو، مرجع سابق، نفس الصفحة.

[22] قرار محكمة النقض عدد 4971 بتاريخ 26/07/1983، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 35 / 36، ص 252، أورده محمد أقبوب ومولاي إدريس شداد، الحماية المدنية والجنائية للحيازة، مرجع سابق، ص 50، مأخوذ بتصرف من عبد السلام النوينو، نفس المرجع، ص 40.

[23] من هذه القرارات:

  • قرار محكمة النقض عدد 1031 / 6 بتاريخ 21/09/2005، ملف جنحي عدد 11427 / 02،
  • قرار محكمة النقض عدد 1662 بتاريخ 22/05/2006، ملف مدني عدد 4197 /1/3/ 2003، أوردهما عبد السلام النوينو، مرجع سابق، ص 40 -41.

[24] سواء أكانت أحكاما أو أوامر أو قرارات.

[25] إبراهيم البكاري: حماية الحيازة العقارية بين مقتضيات القانون المدني والقانون الجنائي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، ماستر العقار والتنمية، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة السنة الجامعية 2012 -2013، ص 102.

[26] إبراهيم السمحاوي: تنفيذ الأحكام الجنائية وإشكالاته، الطبعة الثانية، ص 332.

[27] حسن عزام: قانون الإجراءات الجنائية، الجزء الأول، المجلد الثاني، طبعة 1983، ص 927.

[28] عبد السلام النوينو، مرجع سابق، ص 42.

[29] شكير الفتوح: انتزاع عقار من حيازة الغير في العمل القضائي المغربي، مجلة الإشعاع، العدد 37 -38، دجنبر 2010.

[30] حسن بكري: الحماية القانونية في التشريع الجنائي المغربي، مكتبة الرشاد، بدون ذكر طبعة، ص 126.

[31] عرف المشرع المغربي دعوى الرد على أنها إعادة الأشياء أي المبالغ أو الأمتعة المنقولة الموضوعة تحت يد العدالة إلى أصحاب الحق فيها.

[32] كنزة غنام، الأحكام الصادرة عن القضاء الزجري في الدعاوى العقارية، مقال منشور في مجلة الحقوق المغربية، مرجع سابق، ص 122.

[33] قرار محكمة النقض، عدد 550 بتاريخ 22/05/1980 منشور بمجموعة قرارات المجلس الأعلى في المادة الجنائية، ص 27.

[34] إذا تم التصريح بإدانة المتهم بارتكابه جنحة أو مخالفة فإن المحكمة تحكم عليه بالعقوبة وعند الاقتضاء، بالعقوبات الإضافية والتدابير الوقائية.

  • وثبت أن اقتضى الحال، في المطالب المتعلقة برد ما يجب رده وبالتعويض عن الضرر، مع مراعاة مقتضيات المادة 366 أعلاه.

[35] قرار محكمة النقض عدد 1084 /6 بتاريخ 21 /09 /2005 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، العدد المزدوج، 64 -65.

[36] شكير الفتوح، مرجع سبق ذكره، ص 229.

[37] منير عدي: الحماية الجنائية لحيازة العقار وفق القانون المغربي، رسالة لنيل دبلوم سلك الماستر في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة، ص 63.

[38] نجيب شوقي: حماية الحيازة العقارية على ضوء مقتضيات المواد 166 إلى 170 من قانون المسطرة المدنية، مقال منشور بمجلة القصر، العدد 11 ماي 2005، ص 109.

[39] عبد الرحمان الراجي، مرجع سابق، ص 40.

[40] حسن البكري، مرجع سابق، ص 126.

[41] كنزة غنام، مرجع سابق، ص 124 -125.

[42] حسن البكري، مرجع سابق، ص 131 -132.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading