قانون الالتزامات والعقود المغربي
الدكتور محمد مومن
كلية الحقوق بمراكش
يعتبر العقد أهم مصدر من مصادر الالتزامات، ويقصد به توافق إرادتين أو أكثر على إحداث أثر قانوني.
ولكي ينعقد العقد وينتج آثاره، لابد من توفر الأركان اللازمة لإنشائه التي نص عليها المشرع في الفصل الثاني من قانون الالتزامات والعقود ([1])، وهي الرضا و(الأهلية) والمحل والسبب، ويلحق بها الشكل استثناء. فإذا اجتمعت هذه الأركان نشأ العقد صحيحا وأنتج كافة آثاره التي يحددها القانون، أما إذا كان العقد مفتقرا لأحد أركانه السابق ذكرها، فلا يكون صحيحا بل يولد ميتا هو والعدم سواء.
فيكون آنذاك باطلا لا ينشئ التزامات ولا ينتج آثارا، فكأنه لم يكن.
وقد يكون العقد مستوفيا لجميع أركانه وبالتالي منتجا كل آثاره، ولكن بعض شروطها تكون ناقصة أو يشوبها عيب، كما إذا كان ركن الرضا يشوبه عيب من عيوبه كالغلط والتدليس والإكراه. فني هذه الحالة تتوفر في العقد كل أركانه، وبالتالي فهو ينعقد منتجا لكل آثاره ، كل ما في الأمر أن خللا أصاب أحد أركان العقد، وهو كأصل عام ركن الرضا، إلا أن هذا الخلل ليس من الجسامة بحيث يؤدي بمجرده إلى انهيار العقد، ولكنه يعطي المتعاقد الذي يضار من وجوده الرخصة في إهدار العقد، فيكون بذلك العقد قابلا للإبطال. وقابلية العقد للإبطال لا تلازمه دائما، فهي فترة مؤقتة تبدأ من وقت نشوئه إلى تاريخ معين قد يطول وقد يقصر، ولكنه ينتهي بالضرورة يوما ما، وهذه الفترة تنقضي بأن يأخذ العقد مصيرا من اثنين : فهو إما أن يتطهر من جرثومة الفساد التي يتضمنها فيصبح صحيحا بصفة نهائية، وإما أن يعمل فيه سيف الإبطال فينهار وبالتالي فإن العقد القابل للإبطال يمر بمرحلتين:
مرحلة القابلية للإبطال ومرحلة التحديد النهائي ([2]).
يتضح مما سبق أن المؤيد أو الجزاء الذي يلحق العقد عند عدم استكمال أركانه وشروط صحته يختلف باختلاف المخالفات التي تقع عند إنشاء العقد والتي قد تكون آثاره أساسية فتستوجب البطلان ، وتارة ثانوية فتستوجب الإبطال ([3]).
وبالرغم من ذلك، فإنه إذا نظرنا إلى ماهية البطلان ، أي من حيث هو، نجده لا يتنوع أي أن مؤداه هو انعدام العقد، والعدم في ذاته لا يختلف. لكن إذا نظرنا إلى البطلان من حيث الوقت الذي يلحق فيه العقود نجده نوعين: بطلان يلحق العقد منذ نشأته ، أي أنه يحول دون قيام العقد، وبطلان لا يلحق العقد إلا بعد فترة من الزمن طالت أم قصرت ، وهو إن لحقه فلا يكون ذلك على سبيل الحتم ، وإنما لإعمال رخصة يجيزها القانون لأحد المتعاقدين لمن أراد الإفادة منها، وعلى عكس النوع الأول الذي يعتبر العقد فيه منعدما وغير منتج لأي أثر سوى في حالات استثنائية، فإنه في النوع الثاني يعتبر قائما ومنتجا لجميع آثاره ولكنه عرضة للإبطال لعلة جعلته كذلك قانونا، فإنه من الطبيعي أن تكون لمعدومية العقد الباطل خصائص بعكس الخصائص التي يستلزمها قيام العقد القابل لإبطال ، أما ما ليس من مستلزمات الوجود أو العدم فليس فيه اختلاف ، لذلك فإن الطلان يتميز ببعض الخصائص التي تختلف عن الخصائص التي يتميز بها الإبطال ، ويشترك معه في بعض الخصائص الأخرى .
ولتبيان ذلك سنقسم هذه الدراسة إلى فصلين : نخصص الأول لأوجه الشبه أو الالتقاء بين البطلان والإبطال، والثاني لأوجه الاختلاف بينهما.
الفصل الأول
أوجه الشبه بين البطلان والإبطال
يمكن التفرقة فيما يتعلق بالعقد بين حالات ثلاث هي: الصحة ، والبطلان ،والإبطال .
الحالة الأولى : وهي الصحة ، وتقوم إذا توفرت للعقد جميع أركانه من رضاء ومحل وسبب وشكل إذا كان من العقود الشكلية ، وتوفر كل ركن من هذه الأركان على الشروط التي يتطلبها القانون .
الحالة الثانية : وهي حالة البطلان ، وتتحقق إذا تخلف ركن أو أكثر من أركان العقد كأن كان الرضاء معدوما، أو كان المحل مستحيلا أو غير مشروع، أو كان سبب الالتزام غير موجود، أو كان سبب العقد غير مشروع ، أو كانت الشكلية غير متوفرة حيث يتطلب القانون توفرها.
الحالة الثالثة : وهي حالة الإبطال ، وتتحقق إذا نقص العقد شرط من شروط الصحة. بأن كان أحد المتعاقدين ناقص الأهلية، أو كانت إرادته معيبة بعيب من عيوب الرضا، وهي أساسا الغلط والتدليس والإكراه والغبن.
والحالات التي تهمنا في هذا الموضوع، هي حالات البطلان والإبطال، التي قد يتبادر إلى الذهن أن لا وجه شبه بينهما، لأن لكل منهما أسبابه وأحكامه الخاصة، بالإضافة إلى اتفاق النظريات التي قسمت هذا النظام ، سواء كانت تقليدية أو حديثة ، على ضرورة التمييز بينهما. إلا أنه مع ذلك، فإن بينهما نقطا للالتقاء أو أوجه شبه منها: بطلان أو إبطال جزء من العقد يؤدي إلى بطلان العقد بمجموعه ما لم يكن العقد قابلا للبقاء دون الجزء الذي لحقه البطلان، ثم إن بطلان أو إبطال التزام أصلي يؤدي إلى بطلان الالتزام التاج والعكس غير صحيح، وأخيرا إن بطلان العقد أو إبطاله يرجع بالمتعاقدين إلى حالة ما قبل التعاقد.
وسندرس بإيجاز كل حالة في مبحث مستقل.
المبحث الأول
بطلان أو إبطال جزء من العقد يبطل العقد بمجموعه
إن بطلان أو إبطال جزء من العقد يبطل العقد بمجموعه كقاعدة عامة، ما لم يكن العقد قابلا للبقاء دون الجزء الذي لحقه البطلان أو الإبطال.
وسنعرض للقاعدة العامة ثم نستعرض بعض الاستثناءات.
المطلب الأول
بطلان أو إبطال جزء من العقد يبطل العقد بمجموعه
إن المؤيد القانوني الذي يقع على عدم استجماع العقد لأركانه كاملة مستوفية لشروطها هو البطلان، كما أن المؤيد القانوني الذي يقع على شرط معيب من شروط أركان العقد، هو إما التصحيح إذا زال العيب ، وإما الإبطال ، وفي هذه الحالة الأخيرة ،ينزل العقد القابل للإبطال بمنزلة العقد الباطل.
إلا أن البطلان أو الإبطال قد لا يمس العقد بأكمله ، بل يقع على جزء منه فقط، وفي هذه الحالة يتعين التمييز بين حالتين:
الأول: إذا كان هذا العقد يشكل وحدة لا تتجزأ في نظر المتعاقدين، فإن بطلان أو إبطال بعض نواحيه يؤول إلى بطلان أو إبطال العقد بمجموعه.
الثاني: إذا لم يكن بين مختلف نواحي العقد من الترابط ما يمنع التجزئة، فإن الجزء الذي انحصرت فيه عوامل البطلان أو الإبطال هو الذي يبطل فقط.
على أن القاعدة العامة هي أنه إذا كان جزء من العقد باطلا أو قابلا للإبطال ،فإن العقد بأكمله يكون مبدئيا باطلا أو قابلا للإبطال ، وهي القاعدة التي أكدها الفصل 308 من قانون الالتزامات والعقود عندما نص على أن ” بطلان جزء من الالتزام يبطل الالتزام في مجموعه “.
ومن الأمثلة على ذلك بالنسبة للبطلان ما نص عليه الفصل 870 من قانون الالتزامات والعقود. بأن: “اشتراط الفائدة بين المسلمين باطل ومبطل للعقد الذي يتضمنه سواء جاء صريحا، أو اتخذ شكل هدية أو أي نفع آخر للمقرض أو لأي شخص غيره يتخذ وسيطا له “، وهو قيد موضوعي يتماشى مع النظام العام الإسلامي الذي يجعل الفائدة ربا، والربا محرم ينص صريح من كتاب الله تعالى بقوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ” ([4])، وقوله تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ” ([5]).
وكذلك ما نص عليه الفصل 1131 من القانون نفسه على أنه: من أسس الكفالة أن تعقد بغير أجر، وكل شرط يقضي بإعطاء الكفيل أجرا عن كفالته يقع باطلا. ويترتب عليه بطلان الكفالة نفسها…”، وذلك في الكفالة غير التجارية.
وأيضا ما نص عليه الفصل 1034 من القانون نفسه بأن كل شرط من شأنه أن يمنح أحد الشركاء نصيبا في الأرباح أو في الخسائر أكبر من النصيب الذي يتناسب مع حصته في رأس المال يكون باطلا ومبطلا لعقد الشركة نفسه، وللشريك الذي يتضرر من وجود شرط من هذا النوع أن يرجع على الشركة في حدود ما لم يقبضه من نصيبه في الربح، أو ما دفعه زائدا على نصيبه في الخسارة مقدرا في كلتا الحالتين بنسبة حصته في رأس المال “. وذلك لأن نصيب كل شريك في الأرباح والخسائر يكون، حسب الفصل 1033 من القانون نفسه، بنسبة حصته في رأس المال.
أما بالنسبة للأمثلة التي أوردها المشرع بشأن الإبطال فتتعلق أساسا بعقد الصلح الذي بمقتضاه يحسم طرفا العقد نزاعا قائما أو يتوقيان قيامه، وذلك بتنازل كل منهما للآخر عن جزء مما يدعيه لنفسه أو بإعطائه مالا معينا أو حقا، بشكل يمكن من انتهاء النزاع بينهما.
والأصل أن الصلح لا يتجزأ عند تطبيق البطلان عليه، “فبطلان جزء منه أو إبطاله يقتضي بطلانه أو إبطاله كله ” ([6]).
المطلب الثاني
الاستثناءات( نظرية انتقاص العقد)
إذا كانت القاعدة العامة التي قررها الفصل 308 من قانون الالتزامات والعقود تقضي بأن بطلان جزء من الالتزام يبطل الالتزام في مجموعه ” فإن هذا الفصل قرر أيضا الاستثناء على هذه القاعدة بمقتضاه لا يبطل العقد “… إذا أمكن لهذا الالتزام أن يبقى قائما بدون الجزء الذي لحقه البطلان “، وفي هذه الحالة الأخيرة يبقى الالتزام قائما في الشق الذي لم يلحقه البطلان .
ونتيجة لذلك ، إذا وقع تصرف ما، وكان هذا التصرف باطلا في شق منه، وتبين أن هذا التصرف يشكل في نظر المتعاقدين وحدة لا تتجزأ، بحيث لم يكن ليتم بينهما لولا الشق الباطل ، فإن بطلان الشق يعم التصرف كله ويبطله بمجموعه ، أما إذا تبين أنه ليس هناك تلازم ولا ارتباط بين الشق الباطل وبين بقية أجزاء العقد، فإن البطلان أو الإبطال ينحصر في هذا الشق وحده ، ويصح العقد في الباقي ، وهذا ما يسمى اصطلاحا بانتقاص العقد، وهي عملية تهدف إلى إنقاذ ما يمحن إنقاذه من العقد إعمالا للمبدأ المشهور بأن “ما لا يدرك كله لا يترك كله”، إلا أن تطبيق هذه النظرية يستلزم توفر بعض الشروط منها على الخصوص:
أ – أن تكون الأجزاء الباطلة أو الموجبة للإبطال قابلة للانفصال عن باقي الالتزامات السليمة الأخرى.
ب – أن تكون نية الأطراف غير متعارضة مع فكرة إنقاص العقد.
ومثال العقد الباطل في شق منه دون أن يبطل العقد بمجموعه، عقد الشركة إذا تضمن شرطا من شأنه إعفاء أحد الشركاء في كل مساهمة في تحمل الخسائر حيث يبطل هذا الشرط دون أن يترتب على ذلك بطلان الشركة ([7]).
وكذلك لا يبطل عقد الصلح ، حسب الفقرة الثانية من الفصل 1114 من قانون الالتزامات والعقود ببطلان جزء منه، إذا تبين من العبارات المستعملة أو من طبيعة الاعترافات أن المتعاقدين قد اعتبروا شروط الصلح أجزاء متميزة ومستقلة بعضها عن البعض الآخر.
المبحث الثاني
بطلان الالتزام الأصلي أو إبطاله يبطل الالتزام التابع والعكس غير صحيح
إن أثر كل من بطلان أو إبطال الالتزام الأصلي على الالتزام التابع هو واحد فبطلان أو إبطال العقد الأصلي يقتضي بالضرورة بطلان أو إبطال العقد التابع. وعلى العكس من ذلك، فإن بطلان أو إبطال العقد التابع لا يؤثر على الالتزام الأصلي. وتقتضي طبيعة هذا المبحث تقسيمه إلى مطلبين نخصص الأول: بطلان أو إبطال الالتزام الأصلي يبطل الالتزام التابع، والثاني: بطلان أو إبطال الالتزام التابع لا يبطل الالتزام الأصلي.
المطلب الأول
بطلان أو إبطال الالتزام الأصلي يبطل الالتزام التابع
إن الالتزام قد يكون التزاما أصليا أي مستقلا وقائما بذاته ولا يتوقف على غيره، وقد يكون التزاما تبعيا أي ناشئا عن التزام أصلي.
فبالنسبة للالتزام الأصلي يكون قائما بذاته إذا ما توفرت له كل أركانه، ويكون باطلا إذا تخلف أحد هذه الأركان.
أما بالنسبة للالتزام التابع، فإنه يتبع الالتزام الأصلي وجودا وعدما، بطلانا وإبطالا. ومعنى ذلك أنه إذا كان الالتزام الأصلي باطلا أو قابلا للإبطال، فإن الالتزام التابع يكون كذلك. فمصير الثاني متوقف على مصير الأول عملا بالقاعدة الفقهية التي تقول: ” إذا سقط الأصل، سقط الفرع “. وقد قرر المشرع ذلك صراحة في الفقرة الأولى من الفصل 307 من ق ل ع بقوله: “بطلان الالتزام الأصلي يترتب عليه بطلان الالتزامات التابعة ما لم يظهر العكس من القانون أو من طبيعة الالتزام التابع”.
وخير مثال للالتزامات التبعية في الحياة العملية هو الرهن سواء (الحيازي أو الرسمي) الذي يعتبر من الحقوق العينية التبعية بجانب حقوق الامتياز، ويفهم من تصنيفه ضمن هذه الحقوق أنه عقد تابع لالتزام أصلي ينشأ عليه، بمعنى أنه يصح بصحته، وفي بطلان الالتزام الأصلي بطلان الرهن وفي زواله زواله. فإذا سقط الأصل سقط الفرع سواء كان السقوط بالوفاء أو بالمقاصة أو بالإبراء أو بأي طريق من طرق الوفاء باستثناء التقادم. وقد قرر المشرع هذه القاعدة في الفصل 1233 من ق ل ع الذي جاء فيه:” بطلان الالتزام الأصلي يؤدي إلى بطلان الرهن.
الأسباب التي توجب إبطال الالتزام الأصلي وانقضاؤه توجب إبطال الرهن أو انقضاؤه .
وهكذا نخلص إلى أن الرهن (الحيازي والرسمي ) تابع للالتزام الأصلي ، لذلك فإن بطلان الالتزام الأصلي أو الأسباب الموجبة لإبطاله ، تؤدي إلى بطلان أو إبطال الرهن الضامن له.
المطلب الثاني
بطلان أو إبطال الالتزام التابع لا يؤثر على الالتزام الأصلي
إذا كان مصير الالتزام التابع متوقفا على مصير الالتزام الأصلي وجودا وعدما، بطلانا وإبطالا، فهل يجوز العكس؟ وبمعنى أدق، فهل يؤثر بطلان الالتزام التابع أو إبطاله على الالتزام الأصلي؟ إن الفقرة الثانية من الفصل 307 من ق ل ع تجيبنا صراحة بالنفي على هذا السؤال بقولها: “بطلان الالتزام التابع لا يترتب عليه بطلان الالتزام الأصلي “. ومعنى ذلك أن سقوط الفرع لا يؤدي إلى سقوط الأصل.
وتطبيقا للمبدأ العام الذي أتي به الفصل 307 جاء في الفصل 1150 الذي يرتب على بطلان الالتزام الأصلي بطلان الكفالة. أما بطلان الكفالة فلا يؤدي إلى بطلان الالتزام الأصلي. فالكفالة، حسب الفصل 1117، هي: “عقد بمقتضاه يلتزم شخص للدائن بأداء التزام المدين إذا لم يؤده المدين نفسه “.
و هي ذلك التزام تابع لالتزام أصلي ، وبالتالي فإن بطلانها أو إبطالها لا يؤثر في الالتزام الأصلي الذي يبقى قائما ومنتجا كل آثاره إذا كان صحيحا وذلك ما أكده الفصل 1120 من ق ل ع الذي نص على أنه : “لا يجوز أن تقوم الكفالة إلا إذا وردت على التزام صحيح “، ومثال بطلان الكفالة إذا تقاضى الكفيل أجرا عنها، لأن الأصل في الكفالة أن تكون بدون أجر في التشريع المغربي. وكل اشتراط يقضي بإعطاء الكفيل أجرا يعتبر باطلا ([8])، ولكن هذا البطلان لا يؤثر على الالتزام الأصلي. وكذلك يقضي بإبطال الكفالة إذا صدرت عن قاصر ولو بإذن أبيه أو وصيه ، إذا لم تكن له فيها أية فائدة أو مصلحة ، وإبطال الكفالة هذا لا يؤثر على الالتزام الأصلي ([9]).
فإذا كانت كل الأسباب التي يترتب عليها بطلان الالتزام الأصلي أو انقضاؤه يترتب عليها انتهاء الكفالة بمقتضى الفصل 1150 ، فإن العكس غير صحيح أي أن كل الأسباب التي يترتب عليها بطلان أو إبطال الكفالة لا تؤدي إلى بطلان أو إبطال الالتزام الأصلي.
يستخلص من كل ما سبق، أن بطلان الالتزام الأصلي يؤول حتما إلى بطلان الالتزام التابع، أي بعبارة أخرى يكون الالتزام التبعي باطلا أو قابلا للإبطال بصفة تلقائية ببطلان أو إبطال الالتزام الأصلي. والعكس غير صحيح أي أن صحة الالتزام التبعي أو إبطاله لا يؤثر على صحة أو بطلان الالتزام الأصلي الذي يبقى قائما ومنتجا آثاره. ومثال ذلك ما قضت به المحكمة الابتدائية للدار البيضاء في 9 أبريل 1934 في حكمها الذي جاء فيه: “إن بطلان الزواج بواسطة حكم قضائي يؤدي إلى بطلان قيده الذي تم في سجل الحالة المدنية 🙁[10]) أما بطلان قيد الزواج في سجل الحالة المدنية لا يؤدي إلى بطلان عقد الزواج نفسه.
وإذا كان العقد باطلا أو قابلا للإبطال وتقرر بطلانه أي عند انعدامه، تبقى معرفة ما إذا كان لهذا الحكم أو ذاك نتائج من بعد، ذلك ما سنبينه في المبحث التالي الذي سيتضمن آثار البطلان والإبطال.
المبحث الثالث
آثار البطلان والإبطال
يعتبر العقد الباطل طبقا للقاعدة العامة عدما، والعدم لا ينتج إلا العدم، وعلى ذلك فالعقد الباطل لا يرتب أي أثر من الآثار التي انصرفت إليها إرادة المتعاقدين، فهو كعقد لا وجود له، ولا يرتب أي أثر من آثاره الأصلية، ولكنه كواقعة مادية يمكن أن يرتب آثارا عرضية، إلا أنه استثناء من ذلك قد يرتب العقد الباطل بعض الآثار لاعتبارات معينة. وقد نص المشرع صراحة على هذه القاعدة في مطلع الفصل 306 التي استهل منها بحث البطلان، بأن ” الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا له …”.
و العقد القابل للإبطال إذا تقرر بطلانه، انعدم منذ البداية، وصار هو والعقد الباطل بمنزلة سواء، حيث نص الفصل 316 على أنه : ” يترتب على إبطال الالتزام وجوب إعادة المتعاقدين إلى نفس ومثل الحالة التي كانا عليها وقت نشأته، والتزام كل منهما بأن يرد للآخر كل مأخذه منه بمقتضى أو نتيجة العقد الذي تقرر إبطاله. وتطبق بشأن الحقوق المكتسبة على وجه صحيح للغير الحسني النية الأحكام الخاصة المقررة لمختلف العقود المسماة.”.
وآثار الإبطال بذلك هي مبدئيا نفس آثار البطلان، ولذلك كان حريا بالمشرع المغربي أن يقتصر على هذا الآثار في نص واحد عوض تكرار مضمون الفصل 306 الخاص بالبطلان في الفصل 316 الخاص بالإبطال ([11]).
والحكم بالإبطال ينسحب بأثر رجعي على العقد منذ تكوينه ، فيزول ويصبح كأنه لم يكن، سواء بالنسبة للمتعاقدين اللذين يجب أن يعادا مبدئيا إلى حالهما قبل التعاقد أم بالنسبة للغير الذي قد يتعرض الحق الذي اكتسبه على الشيء الوارد عليه العقد المقرر إبطاله للزوال .
فالقاعدة إذن أن العقد الباطل يبقى مجردا من أي أثر قانوني ، ولكن لهذه القاعدة بعض الاستثناءات .
وسنبحث القاعدة الأصلية فيما يتعلق بأثر البطلان بالنسبة للمتعاقدين وللغير في مطلب أول ونتعرض لبعض الحالات الاستثنائية التي رتب فيها المشرع على العقد الباطل بعض آثار العقد الصحيح في مطلب ثان.
المطلب الأول
آثار بطلان العقد أو إبطاله بالنسبة للمتعاقدين والغير
سبقت الإشارة إلى أن العقد القابل للإبطال متى تقرر إبطاله، صار هو والعقد الباطل بمنزلة سواء فيما بين المتعاقدين أو بالنسبة للغير.
أولا: آثار بطلان العقد أو إبطاله بالنسبة للمتعاقدين
يقصد بالمتعاقدين الأشخاص الذين كانوا طرفا في العقد بأشخاصهم أي بذواتهم أو بمن يمثلونهم، فالوكيل أو النائب الشرعي، كالولي أو الوصي، إذا ما أبرم عقدا بصفته تلك إنما يمثل الموكل والقاصر وناقص الأهلية، بحيث هؤلاء هم الذين يعتبرون طرفا في العقد، وهم الذين ينتج العقد آثاره إزاءهم.
ومتى كان العقد باطلا أو تقرر إبطاله ، فإنه يتعين إلغاء مفعوله بأثر رجعي يعود إلى اليوم الذي تم فيه إبرام العقد، وهذا ما يعرف في ميدان القانون بمبدأ سريان البطلان بأثر رجعي، وإذا حصل أن تم تنفيذ العقد كليا أو جزئيا، فإن البطلان يستوجب استرداد المتعاقدين لما سبق أن دفعاه لبعضهما بموجب العقد الباطل أو القابل للإبطال متى كان ذلك ممكنا، إذ من القواعد الكلية أن ما بني على الباطل فهو باطل، فإذا كان العقد بيعا مثلا، فإذا لم يتم تنفيذه ، فإنه لا ينقل الملكية إلى المشتري ،أما إذا تم تنفيذه بالتقابض، فإنه يحق للبائع استرداد المبيع ، ويحق للمشتري استرداد الثمن ، وهذا ما أشار إليه الفصل 306 من قانون الالتزامات والعقود إذ أجاز استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا للعقد الباطل ، فالحكم القاضي بالبطلان أو الإبطال يسري على الماضي والمستقبل معا.([12])
وإذا أصبح من المستحيل إعادة المتعاقدين إلى حالهما قبل التعاقد، جاز للمحكمة أن تحكم للمتضرر من هذه الاستحالة بتعويض معادل للضرر الذي أصابه ([13]) بالاستناد لقيمة الشيء يوم العقد وليس يوم النطق بالحكم، وذلك وفقا للقواعد العامة ، فإذا بطل عقد كراء مثلا بعد أن استمر مدة من الزمن دون أن يكون المكتري قد أدى أجرة الشيء المكترى أو أبطل عقد بيع بعد أن جنى المشتري ثمار المبيع ، تعذر إرجاع المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، لأن المكتري انتفع فعلا بالشيء المكترى طيلة المدة التي استمر خلالها العقد، والمشتري استولى على ثمار المبيع وحرم البائع منها، لذلك يتعين على المحكمة إذ تقرر بطلان عقد الكراء، إلزام المكتري بدفع تعويض للمكتري مقابل المنفعة التي استوفاها من الشيء المكترى، وإذ تقرر بطلان عقد البيع إلزام المشتري بالتعويض على البائع عن الثمار التي فاتته. مع العلم أنه إذا تقرر البطلان أو الإبطال لمصلحة ناقصي الأهلية فإنهم لا يلزمون تجاه الطرف الآخر إلا في حدود النفع الذي استخلصوه من العقود التي أبرموها مع الغير حتى ولو ثبت أنهم قد استعملوا طرقا احتيالية من شأنها أن تحمل على الاعتقاد برشدهم ([14]).
ويكون هناك نفع لناقصي الأهلية إذا تم صرف الشيء في المصروفات الضرورية أو النافعة ، أو إذا كان هذا الشيء لازال موجودا في ذمة القاصر ([15])، وقد طبق المشرع هذه القاعدة في الفصل 785 من قانون الالتزامات والعقود بشأن الوديعة ([16]).
ثانيا : آثار بطلان العقد أو إبطاله بالنسبة للغير
لا يقتصر أثر البطلان على العلاقة فيما بين المتعاقدين ، بل يجاوزها إلى الغير ممن قد تكون لهم حقوق تتأثر بصحة العقد أو ببطلانه.
ويقصد بالغير في معناه الواسع كل من لم يكن طرفا في العقد بشخصه أو بمن يمثله ، فهو يشمل الخلف العام والخلف الخاص ([17]) والدائنين ، والغير بالمعنى الصحيح الضيق من لا تربطه بالمتعاقدين أي رابطة إلزامية ، وهو كل من سوى الخلف العام والخلف الخاص والدائنين.
أما المقصود بالغير في هذا الإطار هو الخلف الخاص ، أي الشخص الذي تلقى حقا على الشيء الذي ورد عليه العقد الباطل أو الذي تقرر إبطاله، حيث يزول حقه تبعا لزوال حقوق من نقلها إليه بالبطلان ، فإذا زال حق المتصرف زال حق المتلقي، وذلك عملا بالقاعدة الفقهية التي تقضي أن الشخص لا يستطيع أن ينقل إلى غيره أكثر مما يملك.
وعلى ذلك، لو باع شخص شيئا لآخر ثم رهن هذا الأخير الشيء ذاته إلى شخص ثالث وتقرر إبطال البيع ، فإنه يترتب على ذلك أن المشتري لم يتملك الشيء لأن عقده كان باطلا، ولذا فإن عقد الرهن الصادر منه للدائن المرتهن لا ينشئ لهذا الأخير حقا لأنه صادر من غير مالك ، فتعود ملكية الشيء خالصة للمالك الأصلي وهو البائع ،
وعلى هذا الأساس ، فإن الغير شأنه شأن المتعاقدين ، يتأثر بالبطلان أو الإبطال وبأثره الرجعي، أي إعادته إلى حالة ما قبل التعاقد ([18]).
المطلب الثاني
ترتيب العقد الباطل أو القابل للإبطال لآثار معينة
بالرغم من أن تقرير بطلان كل من العقد الباطل والقابل للإبطال لا ينتج عنه أي أثر قانوني إلا أن هناك استثناء بعض الآثار الإيجابية التي قد تترتب على تقرير بطلان هذين العقدين سواء ما بين المتعاقدين أو بالنسبة للغير، وهي نوعان:
آثار عرضية تنتج عن العقد باعتباره واقعة مادية، لا باعتباره تصرفا قانونيا، ويتعلق أغلبها بالمتعاقدين ، وأخري أصلية يرتبها القانون في بعض الحالات على العقد الباطل باعتباره عقدا، فيكون هو والعقد الصحيح بمنزلة سواء، وفي هذا خروج صريح على القواعد العامة، يبرره أن هذه الحالات ترجع بوجه عام إلى فكرة حماية القانون للظاهر لاسيما إذا اصطحب بحسن النية ، وهذه رعاية واجبة لاستقرار التعامل ([19]) وتتعلق بالغير.
أولا – الآثار الناتجة عن تقرير البطلان بالنسبة للمتعاقدين
إن لمبدأ إعادة المتعاقدين إلى حالهما قبل التعاقد تطبيقا لآثار البطلان استثناءات تعرض لأهمها كالتالي:
1 – حالة عقد الزواج الفاسد أو الباطل
تنتهي العلاقة الزوجية في الزواج الفاسد أو الباطل بمجرد الاطلاع على سبب الفساد أو البطلان ، ولا ينتج هذا الزواج آثاره الأصلية ، إلا أن المشرع ، رعاية منه للأسرة ، رتب على عقد الزواج الباطل بعد البناء بعض آثار الزواج الصحيح ([20])، وذلك حتى لا يطبق حد عقوبة الزنا على دخول الرجل بالمرأة بعد الزواج الباطل ، ومنها الصداق وتعيين الاستبراء وثبوت النسب وحرمة المصاهرة إذا كان حسن النية ([21])، كما اعتبر دخول الزوج على الزوجة في الزواج الفاسد دخولا شرعيا تستحق معه الزوجة صداق المثل .([22])
2- حالة تحول العقد
إذا بطل العقد الذي أراده العاقدان لسبب من أسباب البطلان، وكان يتضمن عناصر كافية لأن يتكون منها تصرف آخر غير الذي جرى عقده، وكان الظاهر من ظروف العقد أن العاقدين لو علما بأن تصرفهما الأصلي لا ينعقد، لقبلا أن يعقدا بدلا منه ذلك التصرف الآخر الممكن، فإن القانون يوجب في هذه الحال اعتبار تصرفهما، رغم بطلانه في صورته الواقعة، منشئا حكما لذلك العقد الآخر الذي توفرت عناصره وشرائطه في هذا التصرف، وهذا ما نص عليه الفصل 309 من قانون الالتزامات والعقود على أنه: ” إذا أبطل الالتزام باعتبار ذاته وكان به من الشروط ما يصح به التزام آخر جرت عليه القواعد المقررة لهذا الالتزام الأخير “.
وتشمل هذه المقتضيات العقد الباطل والعقد القابل للإبطال إذا توفرت بعض الشروط نجملها فيما يلي:
* أن يتعلق الأمر بعقد باطل أو قابل للإبطال: ترد نظرية تحول التصرف على العقد الباطل ، إذ لو كان العقد صحيحا لما كان هناك داعي لتحويله لعقد آخر، أو لتم سلوك طرق أخرى من أجل ذلك كالتجديد مثلا.
* أن يكون البطلان أو الإبطال شاملا لجميع الأجزاء المكونة للعقد، أما إذا كان جزئيا، وشمل الأجزاء التي يمكن فصلها عن الأجزاء الأخرى ، فإنه لا مجال لتطبيق نظرية تحول العقد، وإنما يجب تطبيق نظرية انتقاص العقد.
* أن يتضمن العقد الباطل أو القابل للإبطال جميع عناصر العقد الآخر دون حاجة إلى إضافة عنصر جديد ([23])، وطبقا لذلك نص الفصل 423 من ق ل ع على أن الورقة التي لا تصلح لتكون رسمية بسبب عدم اختصاص أو عدم أهلية الموظف أو بسبب عيب في الشكل تصلح لاعتبارها محررا عرفيا إذا كان موقعا عليها من الأطراف .
* يجب أن تنصرف نية المتعاقدين إلى تبني مضمون العقد الجديد وبالتالي يتعين على المحكمة أن تتيقن من أن المتعاقدين كانا سيقبلان العقد الجديد بالرغم من بطلان العقد الأصلي، إلا أن ثبوت العقد الجديد لا يقوم بناء على الإرادة الحقيقية الصريحة للمتعاقدين ، ولكن على مجرد الإرادة الافتراضية التي تقترن بالظروف والملابسات التي تؤكد احتمال انصراف نيتهما إلى تبني العقد الجديد.
ومن أمثلة تحول التصرف ما نص عليه المشرع في الفصل 1035 من ق ل ع عندما قرر أن عقد الشركة إذا تضمن منح أحد الشركاء كل الربح كانت الشركة باطلة ، واعتبر العقد متضمنا تبرعا ممن تنازل عن نصيبه في الربح.
3 – نظرية انتقاص العقد، والتي نص عليها الفصل 308 من ق ل ع بأنه إذا أمكن للعقد الذي لحق البطلان جزءا منه أن يبقى قائما بدون هذا الجزء، فإنه لا يلحقه البطلان، وإنما ينهض الجزء الذي لم يلحقه البطلان كعقد صحيح مستقل ومتميز عن العقد الأصلي.
وقد أور المشرع تطبيقات كثيرة لهذه النظرية سبقت الإشارة إلى بعضها، وإن كان جلها يتعلق بالالتزامات المعلقة على شرط، حيث أبقي المشرع على العقد قائما وصحيحا، لكن يطهر من هذا الشرط ([24]).
وهكذا يبطل الشرط الذي يسمح للدائن المرتهن بتملك المرهون المنقول عند عدم وفاء المدين الراهن بدينه ، ويبقى عقد الرهن قائما منتجا لآثاره ([25])، وكذا كل شرط من شأنه إعفاء الدائن من كل مسؤولية عن الشيء المرهون ([26])، كما يبطل كل شرط يتنافى مع نظامه الشرعي ومقاصده ، ويظل العقد صحيحا ([27]).
ثانيا : الآثار الناتجة عن تقرير البطلان أو الإبطال بالنسبة للغير
لئن كان تطبيق مفعول البطلان والإبطال بأثر رجعي يشمل الغير كذلك ، لأنه يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية مصالح الطرف الذي تقرر البطلان أو الإبطال لفائدته ، إلا أنه قد يضر بمبدأ آخر مقابل لا يقل أهمية عن سابقه وهو مبدأ احترام الحقوق المكتسبة للغير استنادا إلى الظاهر خصوصا عندما يحصل هذا الاكتساب عن حسن نية.
فالظاهر المستقر الذي اطمأن إليه الناس في تعاملهم يبقى في حماية القانون حتى ولو خالف الحقيقة ، ويقوم كما لو كان هو الحقيقة ذاتها، وهذا الأصل الجوهري من أصول القانون الذي تندرج تحته نظرية الإرادة الظاهرة ، ونظرية التصرف المجرد، ونظرية الصورية ، ونظرية الأوضاع الظاهرة في مختلف تطبيقاتها تمتد أيضا لتشمل العقد الباطل، فيرتب آثاره الأصلية كما لو كان عقدا صحيحا ([28])، ومن أبرز الأمثلة على ذلك حالة اكتساب الغير حسن النية حقا على عقار أو منقول ، فبالنسبة للعقار، فإن الحقوق العينية المكتسبة للغير عن حسن نية لا تتأثر بمبدأ رجعية آثار البطلان والإبطال ، وذلك عندما يتم تسجيل هذه الحقوق باسم الغير في السجل العقاري ، فهو في الحقيقة يكتسب الحقوق بالاستناد إلى حسن نيته في معطيات السجل العقاري ، وتطبيقا لذلك نص الفصل 66 من ظهير 9 رمضان 1331 بشأن التحفيظ العقاري على أن “كل حق عيني متعلق بعقار محفظ يعتبر غير موجود بالنسبة للغير إلا بتسجيله وابتداء من يوم التسجيل في الرسم العقاري … ولا يمكن في أي حال التمسك بإبطال هذا التسجيل في مواجهة الغير ذي النية الحسنة “، فلو ادعى شخص على المشتري بأن له حقا عينيا على هذا العقار كالارتفاق والرهن مثلا، وأن هذا الحق سبق أن جرى تشطيبه بغير مستند، وذلك قبل تسجيل ذلك الشراء، فإذا كان مشترى العقار حسن النية ، أي أنه يجهل أن هذا العقار مكلفا بهذه الحقوق العينية ، وأنها شطبت بغير مستند، فلا يستطيع أصحاب هذه الحقوق إلزامه بها، ولو كانت حقوقا لا شائبة تشوبها.
أما بالنسبة للمنقول ، فإنه احتراما لمبدأ ” الحيازة في المنقول سند الملكية “، فإن الحائز لمنقول بحسن نية له الحق في أن يتمسك بملكيته حتى ولو تلقاه ممن ليس له الحق في التصرف فيه، حيث يفترض الفصل 456 من ق ل ع “في الحائز مجسن نية شيئا منقولا أو مجموعة من المنقولات أنه كسب هذا الشيء بطريق قانوني وعلى وجه صحيح ، وعلى من يدي العكس أن يقيم الدليل عليه “، وبالتالي فهذه القرينة المنصوص عليها في هذا الفصل قابلة للدليل المعاكس ، وبناء عليه فإنه ، طبقا للفصل 456 مكرر من ق ل ع يحق لمالك الأشياء المسروقة أو الضائعة أن يسترجع أشياءه إذا أثبت ملكيته لها حتى ولو تم اكتسابها من طرف الغير بحسن نية، وإذا تعذر عليه ذلك كان له الحق في المطالبة بالتعويض.
وتطبيقا لذلك نص الفصل 1187 من ق ل ع على أن الدائن الذي تسلم بحسن نية على سبيل الرهن الحيازي شيئا منقولا ممن لا يملكه يكسب حق الرهن ما لم يكن متعلقا بشيء ضائع أو مسروق قابل للاسترداد ضمن الشروط المنصوص عليها في الفصل 456 مكرر”.
ويتصل بذلك أيضا أن العقد الصوري الذي هو عقد لا وجود له، يقوم مع ذلك بالنسبة للغير حسن النية إذا تعامل على مقتضاه.
وتجدر الإشارة إلى أن حسن النية هذا يجب أن يكون له ما يبرره، أي أن الغير لم يكن يعلم ولا كان عليه أن يعلم بذلك تبعا للظروف حيث عرفه الفصل 103 من ق ل ع بأنه هو من يحوز الشيء بمقتضى حجة يجهل عيوبها، علما أن حسن النية، حسب الفصل 477 ق ل ع يفترض دائما ما دام العكس لم يثبت”.
الفصل الثاني
أوجه الاختلاف بين البطلان والإبطال
رأينا في الفصل السابق أوجه الالتقاء أو الشبه بين البطلان والإبطال وكذا الاستثناءات الواردة عليها، مما يدفع إلى التساؤل عن سر تقسيم نظام البطلان إلى بطلان وإبطال ما دام أن العقد في كلتا الحالتين ينعدم وجوده القانوني انعداما تاما وتزول جميع الآثار القانونية التي أنشأها، ويكون لهذا كله أثر رجعي، وبالتالي فما الذي يبرر تمييز البطلان عن الإبطال وبعبارة أدق ما هي أوجه الاختلاف التي جعلت المشرع يميز بينهما؟
الواقع أن تقسيم نظرية البطلان إلى بطلان وإبطال تقسيم اقتضته الصياغة الفنية لهذه النظرية وما تواجهه من حالات متغايرة تقتفي شيئا من التنوع حتى يتناسب مع خطورة المخالفات التي تقع عند إنشاء العقد. ذلك أن المشرع جعل للعقد أركانا أساسية لا يقوم بدونها وهي الرضا وتدخل فيه الأهلية والمحل والسبب، يضاف إليها الشكل في العقود الشكلية والتسليم في العقود العينية. فإن انعدم أي ركن منها، فإن العقد لا يقوم طبيعة، ويكون باطلا، ومثل انعدام الركن اختلال شرطه، فالرضاء يشترط فيه التمييز وتقابل الإيجاب والقبول مع تطابقهما، والمحل يشترط فيه الإمكان والتعيين والمشروعية، والسبب تشترط فيه المشروعية. فشروط التمييز والتقابل والتطابق في الرضا، وشرط الإمكان والتعيين في المحل هي شروط طبيعية لا يقوم العقد بدونها، وشرط المشروعية في المحل وفي السبب هو شرط قانوني لا يقوم العقد أيضا بدونه. فإذا اختل شرط من هذه الشروط كان العقد باطلا، والبطلان هنا تمليه طبيعة الأشياء أو يفرضه القانون حماية لمصلحة عامة، بمعنى أنه يهدف إلى حماية النظام العام ، فالعقد الباطل منعدم طبيعة أو شرعا، فلا ينتج أثرا، ويجوز لكل ذي مصلحة أن يتمسك ببطلانه ، وللمحكمة أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها، ولا تصح إجازته ، ولا يرد عليه التقادم.
وهناك ركن في العقد قد يكون موجودا مستوفيا لشروطه ولكن لا تتوفر له أسباب الصحة ، وهو الرضاء، فالرضا يكون موجودا حتى لو صدر من ناقص الأهلية وحتى لو صدر عن غلط أو تدليس أو إكراه أو غبن أو استغلال ، ولكنه يكون رضاء معيبا غير صحيح ، وفي هذه الحالة يقوم العقد مستوفيا أركانه، فهو منعقد تترتب عليه آثاره ، ويبقى أن المتعاقد الذي صدر منه رضاء مختل أو رضاء معيب يكون من حقه أن يحميه القانون إذا هو طلب هذه الحماية ، فله وحده أن يطلب إبطال العقد، كما له أن مجيزه، أما إذا سكت سقط حقه في إبطال العقد بالتقادم. ذلك أن هذا الحق في إبطال العقد إنما قرره القانون لا لحماية مصلحة عامة، بل لحماية مصلحة المتعاقد الخاصة، يعالج بها ما اعتور رضاءه من نقص، أي أن الهدف منه هو حماية سلطان الإرادة من حيث سلامتها وحريتها.
طبعا كل هذا بغض النظر عن الحالات التي يرجع فيها البطلان أو الإبطال إلى نص في القانون وذلك لحكمة يتوخاها المشرع.
من كل ما سبق، نستطيع أن نستجمع أوجه الاختلاف بين البطلان والإبطال مركزين على المهم منها وذلك في النقاط التالية:
– إن الأسباب المؤدية إلى البطلان ليست هي الأسباب التي تؤدي إلى الإبطال.
– إن العقد الباطل لا يحتاج مبدئيا إلى حكم يقرر بطلانه ويستطيع أن يتمسك ببطلانه كل من له مصلحة في ذلك. كما تستطيع المحكمة أن تحكم ببطلانه من تلقاء نفسها إذا عرض عليها. أما العقد القابل للإبطال فيختلف عنه في ذلك، إذ لا يستطيع أن يتمسك بإبطال العقد إلا المتعاقد الذي تقرر الإبطال لمصلحته دون غيره ، فلا يملك هذا الحق مثلا المتعاقد الآخر، كما أن المحكمة لا تستطيع أن تقضي به من تلقاء نفسها.
– إن العقد الباطل لا يجوز بالإجازة أو التقادم ولا يتصحح بهما بخلاف العقد القابل للإبطال .
من هنا ترتسم خطة دراستنا لهذا الفصل بحيث سنقسمه إلى ثلاثة مباحث نخصص لكل نقطة من النقاط السابقة مبحثا خاصا بها وذلك على الشكل التالي:
المبحث الأول : اختلاف أسباب البطلان عن أسباب الإبطال
المبحث الثاني : دعوى البطلان ودعوى الإبطال
المبحث الثالث : الإجازة والتقادم
المبحث الأول
اختلاف أسباب البطلان عن أسباب الإبطال
لكي يقوم العقد صحيحا، يجب أن تتوفر فيه أسس وجوده، أي أركانه التي يقوم عليها، والتي حددها الفصل الثاني من قانون الالتزامات والعقود وهي الأهلية والرضا والمحل والسبب، ويضاف إليها الشكل بالنسبة للعقود الشكلية، والتسليم
بالنسبة للعقود العينية.
ولكن لا يكفي لقيام الركن أن تكون الإرادة موجودة، وإنما يجب أن تكون حرة مبصرة وسليمة من كل عيب يشوبها أي أن تكون خالية من عيوب الرضا وهي التي نص عليها الفصل 93 من ق ل ع الذي جاء فيه : “يقع قابلا للإبطال الرضا الصادر عن غلط أو الناتج عن تدليس أو المنتزع بإكراه”. ويلحق بهذه العيوب الغبن سواء كان مجردا إذا وقع على قاصر أو ناقص الأهلية أو كان متولدا عن التدليس ويلحق بها الاستغلال الذي أشار المشرع إلى إحدى حالاته في المادة 54 من ق ل ع.
والمخالفات التي تقع عند إنشاء العقد قد تكون أساسية تمس أركان العقد فتستوجب البطلان، وقد تكون ثانوية تمس الشروط اللازمة لصحة الرضا فتستوجب الإبطال. ولتبيان ذلك سنقسم هذا المبحث إلى مطلبين، نستعرض في المطلب الأول لأسباب البطلان وفي المطلب الثاني لأسباب الإبطال.
المطلب الأول
أسباب البطلان
نص الفصل 306 ق ل ع على أن: ” الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا له.
ويكون الالتزام باطلا بقوة القانون :
1 -إذا كان ينقصه أحد الأركان اللازمة لقيامه،
2-إذا قرر القانون في حالة خاصة بطلانه”.
من هذا النص يتبين أن البطلان يكون في حالتين أساسيتان أولاهما تخلف أحد أركان العقد. أو اختلاله بشكل يؤدي إلى عدم الاعتداد به أصلا، وثانيهما نص القانون.
أولا: تخلف ركن من أركان العقد
بحسب الفصل الثاني من ق ل ع، فإن الأركان الأساسية التي يترتب على تخلفها بطلان العقد، وبالتالي بطلان الالتزام هي الأهلية، والرضا والمحل والسبب يضاف إليها ركن الشكل في العقود الشكلية أو التسليم في العقود العينية.
1 –انعدام الأهلية
ينتقد الفقه مذهب المشرع المغربي من اعتبار الأهلية ركنا من الأركان الأساسية للعقد ([29])، وبحسب تعبيره في الالتزام، ويرى هذا الفقه أنها عنصر أساسي وجوهري في الرضا يوجد بوجودها، وينعدم بانعدامها. ويصيبه الخلل بانتقاصها، بمعنى آخر أنه يعتبر الأهلية شرطا من شروط صحة الرضا، فإن انعدمت انعدم الرضا، وكان العقد باطلا، وإن كانت موجودة ولكنها ناقصة، كان الرضا معيبا، وكان العقد قابلا للإبطال، وهذا المنطق القانوني يتنافى مع حشر الأهلية ضمن الأركان الأساسية للعقد التي يترتب على نقصانها دائما البطلان في حين أن الأهلية قد تنهض سببا للبطلان أو الإبطال، وذلك حسب ما إذا كان الشخص عديم الأهلية أو ناقصها ([30]).
وعلى أي، فإن المشرع اعتبر الأهلية من أركان العقد ([31]). ويقصد بالأهلية الصلاحية لثبوت الحقوق واستعمالها ووجوب الالتزامات ووفائها، وهي تنقسم إلى أهلية وجوب وأهلية أداء، وهذه الأخيرة هي التي تهمنا لأنها تتصل بصحة الرضا هي صلاحية الشخص لممارسة حقوقه الشخصية والمالية ونفاذ تصرفاته ([32]).
والأصل في الشخص هو كمال الأهلية بحيث لا يعتبر فاقد الأهلية أو ناقصها إلا بمقتضى نص في القانون ([33])، وتخضع الأهلية المدنية للشخص، حسب الفصل الثالث من ق ل ع، لقانون أحواله الشخصية، وكل شخص أهل للالتزام والإلزام ما لم ينص قانون أحواله الشخصية بغير ذلك. ولكن هذا الأصل ترد عليه استثناءات يهمنا منها حالة انعدام الأهلية التي تؤدي إلى بطلان العقد، وقد نصت على حالاتها المادة 217من مدونة الأسرة، حيث اعتبرت عديم أهلية الأداء :
* الصغير غير المميز وهو بمفهوم المخالفة للمادة 214 من مدونة الأسرة الذي لم يتم الثانية عشرة سنة شمسية كاملة من عمره ، فليس له حق التصرف في ماله وتكون تصرفاته ، حسب المادة 224من المدونة ، باطلة ولا تنتج أي أثر.
* المجنون وفاقد العقل شريطة أن يكون جنونه مطبقا يستغرق جميع أوقاته، حيث يكون مصير تصرفاته البطلان إذا صدرت في هذه الحالة. أما إذا كان الجنون متقطعا بحيث تعتريه فترات يؤوب إليه عقله فيها، فإنه يعتبر كامل الأهلية خلال هذه الفترات.
ويعتبر الصغير الذي لم يتم الثانية عشرة من عمره فاقد التمييز حكما، ومعنى حكما أنه محجور عليه لذاته، أي دونما حاجة إلى حكم قضائي بذلك، على خلاف المجنون، فهو حجر قانوني ([34]). وبذلك فإن تصرفات الصغير غير المميز تكون باطلة في جميع الأحوال، أما تصرفات المجنون فيختلف مصيرها باختلاف ما إذا كان محجورا عليه أم لا، فبالنسبة للتصرفات الواقعة بعد إقرار الحجر على المجنون، فإنها تكون باطلة حكما وبقوة القانون، وتعتبر كأنها لم تكن أصلا. أما بالنسبة للتصرفات التي تم إجراؤها قبل إعلان نظام الحجز فإنها لا تستوجب البطلان إلا إذا كانت حالة الجنون شائعة أثناء إبرام التصرف، أو كان الطرف الآخر على علم بذلك، أي يترتب نفس أثر الحالة الأولى بعد إقامة الدليل، وفي حالة عدم معرفة تاريخ حدوث السبب الموجب للحجر القانوني، فإن التحجير لا يسري مفعوله إلا من تاريخ الحكم به ([35]).
ثانيا : تخلف الرضا
الرضا هو اتجاه إرادة المتعاقد إلى إحداث الأثر القانوني المتوخى من العقد، ولكي يقوم الرضا بالعقد، لابد من وجود إرادة لشخص محدد تتجه إلى إحداث أثر قانوني معين وأن يخرجها صاحبها إلى العالم الخارجي بالتعبير عنها ([36]) وأن تتطابق مع إرادة أخرى .
والرضا هو قوام العقد وأساسه ويترتب على انعدامه بطلان العقد، ويجب التمييز بين انعدام الإرادة أو التخلف الكلي للرضا وهو يؤدي إلى بطلان العقد كما أسلفنا، وبين عيوب الرضا، فالإرادة التي يشوبها عيب الإكراه مثلا هي إرادة موجودة ولكنها ليست حرة، والإرادة التي يعتريها عيب الغلط أو التدليس أو الغبن أو الاستغلال هي موجودة، ولكنها غير مبصرة. والذي يهمنا هنا هو الحالات التي لا يتعيب فيها الرضا وإنما ينعدم كليا. ومن بين هذه الحالات:
– حالة انعدام التمييز ويستمر إلى أن يتم الصغير الثانية عشرة من عمره.
– حالة الجنون وفقدان العقل إذا كان مطبقا.
– حالة عدم التراضي على العناصر الأساسية للالتزام أو على الشروط التي يعتبرها الطرفان أساسية ([37]).
– حالة السكوت البسيط أو المجرد الذي لا تحوطه ظروف وملابسات، كالظروف التي أشار إليها الفصلان 25 و 38 لا يصلح أن يكون تعبيرا عن الرضا، أي أن الرضاء في غير تلك الحالات يكون منعدما والعقد باطلا .([38])
– حالة الإكراه المادي ، كأن يمسك شخص بيد آخر ويجعله يوقع على محرر
– واختلف الفقه بشأن حالة السكر التام، وإن كان الإمام مالك يرى أن السكران تلزمه الجنايات والعتق والحدود، ولا تلزمه الإقرارات والعقود، وقد اعتد به المشرع المغربي في حالات خاصة منها ما نصت عليه المادة 90 من مدونة الأسرة بأنه لا يقبل طلب الإذن بطلاق السكران الطافح، ولكنه لم يعتد به في حالات أخرى خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمسؤولية حيث نص الفصل 93 من ق ل ع على أن “السكر إذا كان اختياريا لا يحول دون المسؤولية المدنية في الالتزامات الناشئة عن الجرائم وأشباه الجرائم ولا مسؤولية مدنية إذا كان السكر غير اختياري ، وعلى المتابع إثبات هذه الواقعة “، كما أكدت المادة 217من مدونة الأسرة على أن الفقدان الإرادي للعقل لا يعفي من المسؤولية.
ثالثا : تخلف المحل
لم يكتف المشرع بما ذكره في الفصل الثاني من أن الالتزامات الناشئة عن التعاقد تتطلب لوجودها شيئا محققا يصلح لأن يكون محلا للالتزام، بل خصص للمحل الفرع الثالث من الباب الأول تحت عنوان: محل الالتزامات التعاقدية منظمة بالفصول من 57 إلى 61، واعتبره في الفصل الثاني هو الشيء المحقق موضوع الالتزام، بينما اعتبره في الفصل 57 هو “الفعل والحق المعنوي فضلا عن الشيء”.
وقد درج الفقه على أن المحل باعتباره الشيء الذي يلتزم المدين بإعطائه أو بعمله أو بالامتناع عن عمله هو ركن مباشر في الالتزام وركن غير مباشر في العقد، لأن الغاية من العقد هي إنشاء الالتزام، فإن لم يقم الالتزام لسبب يمس محله، كان العقد باطلا، إذ أن محل الالتزام يؤثر في كيان العقد الذي يولده .
ويشترط المشرع لصحة محل الالتزام، وبالتالي لصحة العقد عدة شروط هي:
– شرط الإمكان، أي أن يكون المحل ممكنا في ذاته، و يبطل الالتزام الذي يكون محله شيئا أو عملا مستحيلا، إما بحسب طبيعته أو بحكم القانون” ([39]) شريطة أن تكون الاستحالة مطلقة وغير متعلقة بالمدين وحده ، وقائمة وقت التعاقد وليست لاحقة لقيام العقد، ويسأل المتعاقد الذي كان يعلم، أو كان عليه أن يعلم عند إبرام العقد، استحالة محل الالتزام تجاه الطرف الآخر إذا كان لا يعلم ذلك ([40]).
– شرط الوجود، أي أن المحل موجودا أو قابلا للوجود، لأنه ” يجوز أن يكون محل الالتزام شيئا مستقبلا أو غير محقق ” ([41])، إلا أنه يتعين التمييز بين ما إذا اتجهت إرادة المتعاقدين بشأن شيء معين باعتباره موجودا وقت التعاقد ثم تبين عدم وجوده أصلا فالعقد باطل لتخلف شرط الوجود في المحل. أما إذا اتجهت هذه الإرادة للتعاقد بشأن شيء غير موجود وقت التعاقد ولكنه سوف يوجد مستقبلا، فإن العقد يكون صحيحا إذا كان الشيء قابلا للوجود مستقبلا، ويكون باطلا في حالة العكس مع الإشارة إلى أن المشرع يمنع التعاقد على بعض الأشياء المستقبلية ([42]).
– شرط التعيين، فإذا لم يعين المحل أو لم يكن قابلا للتعيين تعيينا نافيا للجهالة أو الإبهام الفاحش على الأقل في جنسه ونوعه فإن العقد يكون باطلا.
– شرط المشروعية والقابلية للتعامل، فإذا كان محل العقد غير مشروع أي مخالف للنظام العام والأخلاق الحميدة كان العقد باطلا، وكذلك الأمر إذا تعلق الأمر بشيء خارج عن دائرة التعامل.
رابعا : انعدام السبب وعدم مشروعيته
يعتبر المشرع المغربي السبب ركنا جوهريا في الالتزام يترتب على انعدامه أو عدم مشروعيته بطلان العقد وهذا ما نص عليه الفصل 62من ق ل ع الذي جاء فيه: “الالتزام الذي لا سبب له أو المبني على سبب غير مشروع يعد كأن لم يكن “.
ويشترط المشرع في السبب حتى يقوم العقد صحيحا أن يكون السبب موجودا ومشروعا ([43])، وحقيقيا ([44])، بحيث إذا انعدم أحد هذه الشروط أو اختل ، يترتب على ذلك بطلان العقد.
– فلكي يقوم العقد يجب أن يكون للالتزام سبب، أما الالتزام الذي لا سبب له فيعد كأن لم يكن ويبطل معه العقد، وهذا ما نص عليه الفصل 62 من ق ل ع بقوله: “الالتزام الذي لا سبب له… يعد كأن لم يكن”. وحالات انعدام السبب نادرة بطبيعتها لأن الشخص في الأصل لا يلتزم بدون سبب. ومن أمثلتها ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف بالرباط ” أن عقد التأمين على حادثة شغل التي قد تترتب عن حظر استعمال أدوات مشروع يعتبر بلا محل إذا توقف هذا المشروع عن العمل، وعليه يكون التزام المؤمن بدفع المكافآت بدون سبب فيعتبر كأن لم يكن بناء على المادة 62 من قانون الالتزامات والعقود “([45]).
– ولا يكفي في التشريع المغربي أن يكون السبب موجودا، وإنما يتوجب أن يكون مشروعا وإلا بطل العقد طبق ما نص عليه الفصل 62 ق ل ع التي جاء فيه: “الالتزام… المبني على سبب غير مشروع يعد كأن لم يكن”. ويكون السبب غير مشروع إذا كان مخالفا للأخلاق الحميدة أو النظام العام أو القانون ، ومن أمثلته ما نص عليه الفصل 1092″ كل التزام سببه دين المقامرة أو المراهنة يكون باطلا بقوة القانون “.
– كما يجب أن يكون السبب حقيقيا أو غير كاذب أو مغلوط وإلا كان العقد باطلا، ويفترض المشرع المغربي في كل التزام أن له سببا حقيقيا ومشروعا ولو لم يذكر ([46])، أما إذا ذكر فيفترض أنه هو السبب الحقيقي حتى يثبت العكس ([47])، وأنه إذا ثبت أن السبب المذكور غير حقيقي أو غير مشروع كان العقد باطلا، إلا إذا أثبت الطرف الآخر أن للالتزام سببا آخر مشروع ([48]).
خامسا : تخلف الشكل في العقود الشكلية والتسليم في العقود العينية
أ – تخلف الشكل في العقود الشكلية
قد لا تكفي الأركان السابقة – أي الرضا والمحل والسبب والأهلية لإنشاء الالتزام بل قد تستلزم خطورة بعض العقود وما لها من أهمية في الحياة أن تفرغ في شكل معين.
والعقد الشكلي هو الذي يجب أن يفرغ في الشكل الذي يحدده القانون، وهو ركن يضاف إلى الأركان الأساسية في الحالة التي يفرضه القانون فيها، إلا أنه يجب التمييز بين الشكل الذي يستلزمه القانون لقيام العقد، والشكل الذي يتطلبه لإثباته، والذي لا يترتب على تخلفه بطلان العقد. أما الشكل الأول ، وهو الذي نقصده، فهو عنصر جوهري في العقد لا يقوم بدونه، ويؤدي تخلفه إلى بطلان العقد، ومثال ذلك ما نص عليه الفصل 987 ق ل ع من أنه تنعقد الشركة بتراضي أطرافها على إنشائها وعلى شروط العقد الأخرى مع استثناء الحالات التي يتطلب القانون فيها شكلا خاصا، إلا أنه إذا كان محل الشركة عقارات أو غيرها من الأموال مما يمكن رهنه رسميا وأبرمت لتستمر أكثر من ثلاث سنوات وجب أن يحرر العقد كتابة وأن يسجل على الشكل الذي يحدده القانون “.
ولا يلزم في العقد الشكلي أن يكون منصوصا عليه بمقتضى نص في القانون ،وإنما يحق للأطراف المتعاقدة الاتفاق على جعل العقد الرضائي عقدا شكليا بينهما .([49])
ب : تخلف التسليم في العقود العينية: اشترط المشرع في بعض العقود ضرورة توفر شكلية من نوع خاص، وهي حصول تسليم محل العقد للطرف الثاني في هذا العقد، وجعل من التسليم ركنا جوهريا في عدد من العقود، لذا يتعين التمييز بين هذا الركن من أركان العقد وبين واقعة التسليم أو التسليم باعتباره أحد الالتزامات في معظم العقود الناقلة للملكية والواردة على الخدمات .
ومن أمثلة العقود التي يترتب على تخلف التسليم فيها بطلانها ما نص عليه الفصل 787 ق ل ع بشأن عقد الوديعة : “تتم الوديعة برضى المتعاقدين وبتسليم الشيء المودع …”، والفصل 833 : “تتم عارية الاستعمال بتراضي الطرفين وبتسليم الشيء إلى المستعير وكذا الفصل 856 ([50]) والفصل 1188 المتعلق بالرهن الحيازي الذي يتم بموجبه الرهن الحيازي بتراضي طرفيه على إنشاء الرهن، وزيادة على ذلك بتسليم الشيء المرهون فعليا إلى الدائن أو إلى أحد من الغير يتفق عليه المتعاقدون …”.
وتجدر الإشارة إلى أن القانون قد لا يكون وحده أساس عينية العقود بل قد يكون اتفاق الأطراف مصدر ذلك، كأن يشترط في عقد التأمين أن هذا العقد لا يتم إلا بعد دفع القسط الأول .
المطلب الثاني
البطلان بمقتضى نص في القانون
قد يحدث في العمل أن تتوفر للعقد جميع أركانه وأن تكون صحيحة ومشروعة ، ومع ذلك يقرر القانون بطلانه لاعتبارات معينة مرتبطة بالمصلحة العامة أو لاعتبارات دينية أو أخلاقية أو إنسانية أو غيرها، وهذا ما أكده الفصل 306 من ق ل ع بأن: ” الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر إلا استرداد ما دفع بغير حق ويكون الالتزام بقوة القانون:
1 – إذا كان ينقصه أحد الأركان اللازمة لقيامه،
2- إذا قرر القانون في حالة خاصة بطلانه “.
وقد أورد المشرع على سبيل الحصر حالات البطلان القانوني أهمها:
– بطلان التعامل في تركة مستقبلة، سواء وقع هذا التعامل على جزء منها أو على مجموعها، لأن هذا يتنافى مع الأخلاق الحميدة، ولما فيه من مضاربة على أرواح الناس كما أنه يخالف النظام العام لأنه يساعد على التعجيل بوفاة المورث ، وهذا ما نص عليه الفصل 61 ق ل ع : “لا يجوز التنازل عن تركة إنسان على قيد الحياة، ولا إجراء أي تعامل فيها أو في شيء مما تشتمل عليه ولو حصل برضاه، وكل تصرف مما سبق يقع باطلا بطلانا مطلقا “.
بطلان الحوالة إذا كان الدين أو الحق غير ممكن تحويله بمقتضى سند إنشائه أو بمقتضى القانون. أو ذا كان محلها حقوقا لها صفة شخصية محضة، كحق انتفاع المستحق لحبس، أو إذا كان الدين لا يقبل الحجز أو التعرض. إلا انه إذا كان الدين لا يقبل الحجز إلا في حدود جزء منه محدد أو قيمة محددة، صحت الحوالة في حدود هذه النسبة ([51]) .
– بطلان تأجير الخدمات لمدة طويلة أو لأجل غير محدود بحيث يكون الشخص ملتزما حتى موته، لأن فيه بيع للإنسان ومساس بحريته، وهذا يتنافى مع كرامة الإنسان ويشجع على استغلال الأجير اقتصاديا. وهو ما ينص عليه الفصل 727 ق.ل.ع من أنه: “لا يسوغ للشخص أن يؤجر خدماته إلا إلى أجل محدد أو لأداء عمل معين أو لتنفيذه، وإلا وقع العقد باطلا بطلانا مطلقا”. وكذلك الفصل 728 من القانون نفسه الذي ينص على أن: يبطل كل اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص بتقديم خدماته طوال حياته أو لمدة تبلغ من الطول حدا بحيث يظل ملتزما حتى موته “.
– وحسب الفصل 729 من ق ل ع “يبطل كل اتفاق يكون موضوعه تعليم أو أداء السحر والشعوذة أو القيام بأعمال مخالفة للقانون أو الأخلاق الحميدة أو النظام العام “. وذلك لما فيه من تخدير لعقول الناس وصرفهم عن الأعمال الجدية البناءة ويضعف عقلية الشعب ويصده عن طريق العلم.
– يقع باطلا بقوة القانون، حسب الفصل 731 من ق ل ع، كل اتفاق يعقده بين المحامون والوكلاء وغيرهم ممن يقومون بنوازل الخصام، بأنفسهم أو بواسطة غيرهم، مع زبنائهم على القضايا والحقوق والدعاوى المتنازع عليها أو على الأشياء التي تتعلق بالأشغال المناطة بهم بصفاتهم تلك.
– تكون كل الاشتراطات أو الاتفاقات التي تستهدف تخفيف أو إبعاد المسؤولية المقررة بمقتضى الفصلين 749 و 750 على عاتق المخدومين أو أرباب الأعمال عديمة الأثر ([52]).
– يكون باطلا كل اتفاق من شأنه أن يحمل المودع عنده تبعة الحادث الفجائي أو القوة القاهرة مع استثناء الحالات المنصوص عليها في الفصلين 782 و783 وحالة الوديعة المأجورة. ولا يعمل بهذا الحكم إلا فيما بين غير المسلمين ([53]).
– تعتبر الوكالة كأن لم تكن إذا كان محلها عملا لا يجوز إجراؤه بطريق النيابة كأداء اليمين ([54]).
– اعتبار تنازل الشريك على الشيوع عن حق طلب قسمة المال الشائع باطلا وعديم الأثر حسب الفصل 978 ق. ل .ع .
– بطلان كل التزام سببه دين المقامرة أو المراهنة حسب الفصل 1092 ق. ل. ع.
ويلاحظ أن البطلان القانوني قد يندمج مع غيره من أسباب البطلان، ذلك أن أثره ينصب على محل العقد أو سببه فيجعلهما غير مشروعين ([55])، ولكن هناك حالات أخرى يبطل القانون فيها العقد وإن كان يتوفر على جميع أركانه صحيحة ومشروعة ، إذا كان يتضمن شرطا خطيرا يمس بمصلحة دينية أو اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية ، كما هو الشأن في الشروط التالية:
– شرط الفائدة بين المسلمين الذي يعتبر باطلا ويبطل العقد نفسه ([56])،
– شرط الأجر في الكفالة وهو الذي نص عليه الفصل 1131 حيث صرح: من أسس الكفالة أن تعقد بغير أجر وكل شرط يقضي بإعطاء الكفيل أجرا عن كفالته يقع باطلا، ويترتب عليه بطلان الكفالة نفسها.
– الشروط التي تحد من ممارسة الإنسان حقوقه الطبيعية وفق ما نص عليه الفصل 159 ق .ل .ع ([57]).
وخلاصة القول إن للعقد في التشريع المغربي أركانا جوهرية لا يقوم بدونها وهي الرضا والمحل والسبب والشكل في العقود الشكلية والتسليم في العقود العينية، فإن تخلف الرضا أو المحل أو السبب أو الشكل في العقد الشكلي أو التسليم في العقد العيني أو كان المحل غير مشروع كان العقد باطلا، ويبطل العقد زيادة على ما سبق في كل الحالات التي نص فيها القانون على البطلان حماية للمصلحة العامة.
الفرع الثاني: أسباب الإبطال
لا يكني في الرضاء كأساس للعقد أن يكون موجودا، وإنما يشترط فيه أن يكون صادرا عن شخص كامل الأهلية، وأن يكون خاليا من عيوب الإرادة، وهي الغلط والتدليس والإكراه التي نص عليها الفصل 39 من ق. ل. ع، إضافة إلى الغبن الذي نظمه المشرع في الفصلين 55 و 56 من القانون نفسه.
فإذا صدر الرضا من شخص ناقص الأهلية أو شاب الرضا عيب من هذه العيوب كان العقد قابلا للإبطال، وتضاف إلى حالات الإبطال السابقة حالات أخرى يقرر فيها القانون إبطال العقد حماية لبعض المصالح الخاصة ، وهذا ما نص عليه الفصل 311 من ق. ل. ع على أنه: “يكون لدعوى الإبطال محل في الحالات المنصوص عليها في الفصول 4 و 39 و 55 و 56 من هذا المرسوم الملكي وفي الحالات الأخرى التي يحددها القانون .
وهكذا يظهر أن الإبطال يكون في إحدى الحالات التالية:
الحالة الأولى : إذا صدر الرضاء ممن يقرر القانون نقص الأهلية عنده بالنسبة للتصرف الذي أجراه.
الحالة الثانية : إذا شاب رضاء المتعاقد عيب يفسده،
الحالة الثالثة : إذا نص القانون في حالة خاصة على اعتبار العقد قابلا للإبطال .
وحيث إننا اعتبرنا الأهلية عنصر أساسي في الرضاء، فإننا سندرس حالات الإبطال في مطلبين، نخصص الأول لنقصان الأهلية وعيوب الرضا، والثاني لحالة الإبطال لنص في القانون .
المطلب الأول:
الإبطال لنقصان الأهلية ولعيوب الرضا
سندرس في الأول حالة الإبطال لنقص الأهلية، وثانيا الإبطال لعيوب الرضا
أولا: الإبطال لنقص الأهلية
الأهلية بحسب الفصل الثاني من ق.ل.ع ركن من أركان العقد يترتب على انعدامها بطلان العقد، إلا أنها قد تكون موجودة ولكن غير مكتملة، أي قاصرة أو ناقصة، وعندها تكون تصرفات ناقص الأهلية، حسب المادة 225من مدونة الأسرة، نافذة إذا كانت نافعة له نفعا محضا، وباطلة إذا كانت مضرة به، ويتوقف نفاذها إذا كانت دائرة بين النفع والضرر على إجازة نائبه الشرعي حسب مصلحته الراجحة وفي الحدود المخولة لاختصاصات كل نائب شرعي.
وإذا تعاقد القاصر وناقص الأهلية بغير إذن الأب أو الوصي أو المقدم، فإنهما لا يلزمان حسب الفصل 4 من ق.ل.ع بالتعهدات التي يبرمانها ولهما أن يطلبا إبطالها وفقا للشروط المقررة في هذا القانون. ومن بين من يعتبر ناقص الأهلية في القانون المغربي:
أ-القصر، وهم كل من بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد، أي الذين أتموا الثانية عشرة من العمر، ولم يبلغوا سن الرشد الذي هو 18 سنة شمسية كاملة.
ب-السفيه، وهو، حسب المادة 215 من مدونة الأسرة، الذي يصرف ماله فيما لا فائدة فيه، وفيما يعده العقلاء عبثا، بشكل يضر به أو بأسرته.
ج-المعتوه، وهو الشخص المصاب بإعاقة ذهنية لا يستطيع معها التحكم في تفكيره وتصرفاته ([58]).
وكما سبقت الإشارة، فإن العقد الذي يكون قابلا للإبطال ([59]) في هذه الحالات هو الذي يتعلق بتصرف دائر بين النفع والضرر كالكراء والبيع، أما تصرفات ناقص الأهلية النافعة له نفعا محضا كقبول الهبة والإبراء من الدين فهي صحيحة، إذ يجوز لناقص الأهلية حسب الفصل 5 من ق.ل.ع أن يجلب لنفسه نفعا، ولو بغير مساعدة الأب أو الوصي أو المقدم بشرط أن لا يحمله أي تكليف، وبالعكس لا يحق لهما القيام بالتصرفات التي تضره ضررا محضا كالتبرع بالمال للغير.
ويلاحظ أنه ترد على القاعدة العامة التي تقضي بأن تصرفات القاصر أو ناقص الأهلية تكون قابلة للإبطال لمصلحته استثناءات عديدة نذكر منها:
1- لناقص الأهلية أهلية كاملة للاغتناء ([60]) ،
2- يمكن لناقص الأهلية أن يكون وكيلا عن الغير، وفي هذه الحالة يقوم بتصرفات لصالح الغير لا يستطيع القيام بها لصالح نفسه، إذ تلزم الأهلية حسب الفصل 880من ق.ل.ع في الموكل، أما الوكيل فيكني فيه أن يكون متمتعا بالتمييز وبقواه العقلية ولو لم تكن له صلاحية إجراء التصرف في حق نفسه، إذ يسوغ للشخص أن يجري باسم الغير مالا يستطيع أن يجريه بالأصالة عن نفسه.
– لناقص الأهلية الحق في القيام بالأعمال التحفظية التي من شأنها أن تجنبه خسارة فادحة ومحققة، وهو أمر منطقي لأن نظام الإبطال شرع لمصلحته وليس ضده ([61]).
– يتعلق نقصان الأهلية بالمسؤولية العقدية دون المسؤولية التقصيرية، إذ حسب الفصل 96 من ق.ل.ع: ” يسأل القاصر عن الضرر الحاصل بفعله، إذا كان له من التمييز الدرجة اللازمة لتقدير نتائج أعماله “.
– تولي أعمال الإدارة التي يؤذن له بالقيام بها وفق شروط المادة 218 من مدونة الأسرة، أي أن يبلغ 16سنة من العمر، وأن يحصل على الإذن من المحكمة أو من نائبه الشرعي بعد إذن المحكمة وظهور مخايل الرشد عليه.
ثانيا: الإبطال لتعيب إرادة أحد المتعاقدين بعيب عن عيوب الرضا
نصت على هذه الحالة الثانية من حالات الإبطال الفصول 39 و 55 و 56 من ق.ل.ع المتعلقة بعيوب الرضا، وهي الغلط والتدليس والإكراه والغبن.
ونعرض لكل عيب على حدة.
1– الإبطال للغلط
الغلط هو وهم يتولد في ذهن الشخص فيصور له الأمر على غير حقيقته ويكون هو الدافع إلى التعاقد ([62]) بحيث ما كان ليتعاقد لو علم هذه الحقيقة، أو أنه سيتفاوض وفقا لشروط أخرى غير التي تفاوض بها تحت وطأة الغلط، فهو يرد على الرضا فيفسده ([63]).
وقد خص المشرع المغربي الغلط بستة فصول قانونية من الفصل 40 إلى الفصل 45 من قانون الالتزامات والعقود لم يضع فيها قاعدة عامة للغلط المؤدي لإبطال العقد ([64]) وإنما عرض فيها لحالة الغلط في القانون، ثم لحالات الغلط في الواقع، ومنها الغلط في الشيء، والغلط في شخصية المتعاقد، والغلط في الحساب وأخيرا لحالة الغلط الذي يقع من الوسيط، حاول خلالها التوفيق بين اعتبارات العدالة ودواعي استقرار المعاملات، واعتبارات حماية التصرف وضرورة أن تكون الإرادة متنورة لذا أقر الغلط كعيب للإرادة إلا أنه وضع له ضوابط وشروط .
وتبيانا لذلك سنعرض بإيجاز لشروط الغلط في القانون، وشروط الغلط في الواقع.
أ- الغلط في القانون وهو الذي ينصب على حكم القانون بالنسبة لأمر من الأمور التي تلابس التصرف القانوني، وينتج عن فهم المتعاقد لمضمون القاعدة القانونية فهما غير صحيح، حيث بالرجوع إلى الفصل 40 من ق ل.ع الذي ينص على أن: الغلط في القانون يخول إبطال الالتزام:
1 ) إذا كان هو السبب الوحيد والأساسي
2 ) إذا أمكن العذر منه” يتبين أن المشرع لم يلجأ إلى التحديد المادي لحالات الغلط في القانون الذي يقع مؤثرا، وإنما اكتنى بوضع معيار عام مؤداه أن هذا الغلط يقع مؤثرا إذا كان هو الدافع إلى التعاقد وكان مبررا، وهما الشرطان اللذان ذكرهما النص صراحة، وقد أضاف الفقه شرطين آخرين:
فالشرط الأول: أن يكون الغلط هو السبب الأساسي والدافع إلى التعاقد، وهذا يعني أمران: الأول أن المتعاقد لو تبين له الغلط لامتنع عن إبرام العقد، والثاني أن يكون الغلط هو السبب الوحيد، أو على الأقل السبب الرئيسي الذي دفع إلى التعاقد، لا سببا ثانويا أو عارضا.
والشرط الثاني: أن يكون ضحية الغلط معذورا في الوقوع فيه، بمعنى أن يوجد في ظروف التعاقد ما يبرر وقوعه فيه، مع مراعاة حالته بالنسبة إلى جنسه أو سنه أو درجة ثقافته وغير ذلك من ظروف الحال ([65]). وهذا ما نص عليه الفصل 44 من ق.ل.ع على القضاة عند تقرير الغلط أو الجهل سواء تعلق بالقانون أو بالواقع وأن يراعوا ظروف الحال، وسن الأشخاص وحالتهم وكونهم ذكورا أو إناثا.
أما الشرط الثالث فهو عدم وجود نص قانوني يمنع من التمسك بالغلط، ولم يرد هذا الشرط في الفصل 40، وإنما يستنتج من النصوص القانونية الخاصة التي تمنع ضحية الغلط من المطالبة بالإبطال، ويكون ذلك لعدة اعتبارات منها مثلا مراعاة استقرار المعاملات وعدم إثارة النزاع من جديد، كما هو الشأن في الفصل 1112 من ق.ل.ع الذي ينص على أنه لا يجوز الطعن في الصلح بسبب غلط في القانون.
ومنها مثلا مراعاة قواعد العدل والإنصاف كما هو الحال في الفصل 73 من ق.ل.ع الذي ينص على: “الدفع الذي يتم تنفيذا لدين سقط بالتقادم أو لالتزام معنوي، لا يخول الاسترداد إذا كان الدافع متمتعا بأهلية التصرف على سبيل التبرع، ولو كان يعتقد عن غلط أنه ملزم بالدفع، أو كان يجهل واقعة التقادم “.
الشرط الرابع يقضي بأن لا تكون القاعدة القانونية التي حصل الغلط بشأنها محل خلاف بين المحاكم وشراح القانون، لأنه لو كانت القاعدة محلا للخلاف، وكانت تحتمل أكثر من معنى، وفهمها المتعاقد على أحد هذه المعاني، فإنه لا يعتبر قد وقع في غلط في شأن المفهوم منها ولو كان المعنى الذي اعتمده ليس هو الراجح ([66]).
وتجدر الإشارة إلى أنه يجب عدم الخلط بين جواز إبطال العقد لغلط في القانون، وقاعدة عدم جواز الاعتذار بجهل القانون، فالذي يتمسك بجهله بالقانون يريد استبعاد تطبيق القاعدة القانونية، وهذا غير جائز، أما من يطلب الإبطال لغلط في القانون، فهو لا يطلب استبعاد تطبيق القاعدة القانونية، وإنما على العكس بطلب تطبيقها ([67]).
ب- الغلط في الواقع، وهي الحالة التي ينصب الغلط فيها على ظرف من ظروف التعاقد، ومنها مادة الشيء محل التعاقد أو صفاته وشخصية المتعاقد وغيرها.
وقد نظم المشرع الغلط في الشيء في الفصل 41 من ق.ل.ع الذي ينص على أنه: يخول الغلط الإبطال إذا وقع في ذات الشيء أو في نوعه أو في صفة فيه كانت هي السبب الدافع إلى الرضى” علما أن المشرع قد خانه التعبير حين عبر عن مادة الشيء بذاتيته، إذ من المجمع عليه فقها وقضاء أن الغلط الواقع في ذاتية الشيء هو من نوع الغلط المانع الذي يعدم الرضا، لانصراف نية المتعاقد إلى شيء غير المحل الموسوم في العقد، لذلك أجمع الفقه المغربي على وجوب تفسير مصطلح ذاتية الشيء بمصطلح مادة الشيء باعتباره أقرب إلى قصد المشرع ([68]) ما دام الفصل 41 ورد في الباب الذي خصه المشرع لعيوب الرضا ([69]) وتنزيها له وعملا بالقاعدة الفقهية إعمال النص خير من إهماله ([70]).
أما الغلط في المتعاقد، فقد نص عليه الفصل 42 الذي جاء فيه أن الغلط الواقع على شخص أحد المتعاقدين أو على صفته لا يخول الفسخ إلا إذا كان هذا الشخص، أو هذه الصفة أحد الأسباب الدافعة إلى صدور الرضى من المتعاقد الآخر.
فالغلط في هذه الحالة يقتصر على العقود التي يكون فيها شخص المتعاقد محل اعتبار ([71])، ويعود للمحكمة تقدير ما إذا كانت ذات الشخص أو صفته محل اعتبار لدى المتعاقد، وتقوم المحكمة بهذه المهمة حسب ظروف كل قضية، فإذا تبين لها أن المتعاقد لم يبرم العقد إلا لاعتقاده الراسخ أنه يتعاقد مع شخص معين بذاته أو مع شخص يتحلى بصفة معينة يعتبرها جوهرية ترتب عليه الاعتداد بالغلط الواقع في هذه الذات أو في هذه الصفة الجوهرية واعتبار العقد المشوب بمثل هذا الغلط قابلا للإبطال .
وقد رتب المشرع المغربي على الغلط في نقل الإرادة، أي الغلط الذي يقع من الوسيط نفس الأثر الذي يترتب على الغلط الذي يقع فيه الشخص الذي استخدم هذا الوسيط أو باشر بنفسه إبرام العقد، حيث يمكنه طلب إبطال هذا العقد، ماعدا إذا تعلق الأمر بالغلط في القانون المنصوص عليه في الفصل 40 مع بقاء الوسيط مسؤولا عن التعويض عن الضرر الناتج عن خطئه للمتعاقد الآخر الذي تلقى هذه الإرادة على وجه غير صحيح، وذلك ما نص عليه الفصل 45 الذي جاء فيه أنه إذا وقع الغلط من الوسيط الذي استخدمه أحد المتعاقدين، كان لهذا المتعاقد أن يطلب فسخ الالتزام في الأحوال المنصوص عليها في الفصلين 31 و 42 السابقين وذلك دون إخلال بالقواعد العامة المتعلقة بالخطأ ولا بحكم الفصل 430 في الحالة الخاصة بالبرقيات .
وقد جعل المشرع للغلط في الشيء نفس الشروط التي تشترط في الغلط في القانون، فبالنسبة للشرط الأول وهو التي يكون الغلط هو السبب الدافع إلى التعاقد، فقد ذكره المشرع صراحة سواء بالنسبة للغلط في الشيء في الفصل 41 ، أو الغلط في الشخص في الفصل 42. أما بالنسبة للشرط الثاني المتعلق بأن يكون الغلط مما يعذر منه، فإن كان المشرع قد ذكره صراحة بالنسبة للغلط في القانون، فإنه ذكره ضمنا في الغلط في الواقع في الفصل 44 الذي يوجب على القضاة عند تقدير الغلط أو الجهل سواء تعلق بالقانون أو بالواقع أن يراعوا ظروف الحال وسن الأشخاص وحالتهم وكونهم ذكورا أو إناثا، فهذا النص ليس له معنى إلا إذا فهمناه على أنه يرشد القاضي إلى ضرورة البحث فيما إذا كان الشخص الذي وقع ضحية الغلط معذورا في الوقوع فيه أم لا.
إلا أنه بالمقابل، فإن المشرع لم يورد ما إذا كان من الواجب أن يكون الغلط مشتركا، أو إذا كان فرديا أن يكون المتعاقد الآخر على علم به أو من السهل عليه أن يتبينه.
ونشير في ختام دراسة موضوع الغلط كسبب من أسباب الإبطال إلى انتفاء الدقة في الصياغة في القانون المغربي حين جعل من الغلط سببا للفسخ في الفصول 42 و 43 و 45، لأن في استعمال كلمة فسخ بدل إبطال تعارضا أو عدم انسجام مع المبدأ الأساسي الذي نص عليه المشرع المغربي في الفصل 39 الذي يجعل من العقد المعيب بالغلط أو التدليس أو الإكراه عقدا قابلا للإبطال، كما أن هناك فرق جوهري بين الفسخ والإبطال، فالإبطال يكون نتيجة لخلل في تكوين العقد في حين يكون العقد في حالة الفسخ عقدا صحيحا مستوفيا لجميع أركانه وشروط صحته، ولكنه ينفسخ لعدم قيام أحد المتعاقدين بتنفيذ التزاماته بينما في حالات الغلط كلها نكون أمام عقد معيب لم تتوافر شروط صحته، لذلك يجب أن يكون الجزاء دائما هو القابلية للإبطال لا الفسخ ([72]).
ثالثا: الإبطال للتدليس
اكتفى المشرع في تنظيمه للتدليس باعتباره عيبا يشوب الرضا ويخول بالتالي إبطال العقد ممن عيبت إرادته بفصلين اثنين هما الفصلان 52 و53، ويقصد به استعمال وسائل احتيالية بقصد إيقاع المتعاقد في غلط يحمله على التعاقد، والعبرة فيه ليست بالوسائل الاحتيالية بل بحالة الوهم التي تولده هذه الوسائل في نفس المتعاقد. وهذا ما نص عليه الفصل 52 ق.ل.ع الذي جاء فيه: التدليس يخول الإبطال ، إذا كان ما لجأ إليه من الحيل أو الكتمان أحد المتعاقدين أو نائبه أو شخص آخر يعمل بالتواطؤ معه قد بلغت في طبيعتها حدا بحيث لولاها لما تعاقد الطرف الآخر، ويكون للتدليس الذي يباشره الغير نفس الحكم إذا كان الطرف الذي يستفيد منه عالما به.
ومن هذا الفصل يتبين أن التدليس لا ينهض سببا للإبطال إلا إذا توفرت فيه شروط ثلاثة أساسية هي:
1- استعمال وسائل احتيالية وهي استعمال كل طرق الاحتيال والخداع التي يهدف بها المتعاقد إلى تضليل المتعاقد الآخر وإيهامه بغير الواقع قصد جره إلى التعاقد، وهذا العمل الذي يقوم به المدلس، يقوم على عنصرين: عنصر مادي وهو استخدام وسائل احتيالية لإخفاء الحقيقة عن المتعاقد وتضليله، وهي وسائل جاءت في النص بصيغة عامة، وبالتالي فهي غير محددة ولا يشترط فيها شروط خاصة، إلا أنها لا ترقى إلى درجة جريمة النصب الجنائية، فكل ما يقع من أفعال أو أقوال أو تصرفات يترتب عليها وقوع شخص في غلط جوهري يعد من الحيل التدليسية، وقد تكون إيجابية تقتضي القيام بعمل احتيالي، وقد تكون سلبية كالكتمان والسكوت إذا كان من شأن ما يخفيه المتعاقد ويجب قوله يؤثر في طبيعة العقد.
أما العنصر الثاني، فهو عنصر معنوي، وهو أن يكون من وراء استخدام هذه الوسائل الاحتيالية نية تضليل المتعاقد الآخر لتحقيق غرض غير مشروع، ويبقى هذا العيب مستمرا ولو أعقبته ظروف خاصة حرمت صاحبه من الفائدة المرجوة من تدليسه الصادر عن حيله ([73]).
2- أن تكون هذه الوسائل هي الدافعة إلى التعاقد، وقد أشار إلى هذا الشرط الفصل 52 بقوله: التدليس يخول الإبطال إذا كانت الحيل أو الكتمان … قد بلغت في طبيعتها حدا بحيث لولاها لما تعاقد الطرف الآخر ويرجع تحديد ذلك إلى تقدير محكمة الموضوع التي تبت فيه وفقا لحالة المتعاقد الشخصية بحيث جنسيته وتنبئه وحظه من الثقافة والتجزئة وغيرها، وتسترشد في ذلك بما تواضع عليه الناس في معاملاتهم، فالمعيار إذن هو معيار شخصي أي ذاتي كما هو الحال في الغلط رغم عدم النص على ذلك، لأن التدليس مما هو في النهاية إلا علة لعيب الغلط.
ويميز القانون المغربي بين التدليس بالمعنى السابق أي الدافع إلى التعاقد والتدليس العارض أي الذي لا يدفع إلى التعاقد، بل يقتصر مفعوله على جعل المدلس عليه، المصمم على التعاقد، يقبل التعاقد بشروط أكثر عبئا، ويترتب على هذه التفرقة الموضوعية بين هذين النوعين من التدليس نتائج مختلفة من حيث الإبطال، ذلك أن التدليس الدافع إلى التعاقد (أو الرئيسي ) ينهض سببا لإبطال العقد مع التعويض إن كان له محل، أما التدليس العارض فلا يخول الإبطال وإنما يمنح صاحبه الحق في التعويض فقط. وهذا ما نص عليه الفصل 53 الذي جاء فيه: التدليس الذي يقع على توابع الالتزام من غير أن يدفع إلى التحمل به لا يمنح إلا الحق في التعويض. إلا أن هذه التفرقة لا يبقى لها محل إذا كان الضرر الذي حدث للمدلس عليه كامل الأهلية قد بلغ حد الغبن لأنه في هذه الحالة يمنح صاحبه حق المطالبة بالإبطال، وهذا ما نص عليه الفصل 55 من ق.ل.ع بأن: الغبن لا يخول الإبطال إلا إذا نتج عن تدليس الطرف الآخر أو نائبه أو الشخص الذي تعامل من أجله …” ويعتبر غبنا كل فرق يزيد على الثلث بين الثمن المذكور في العقد والقيمة الحقيقية للشيء “.
والشرط الثالث لقيام التدليس هو صدور هذه الوسائل الاحتيالية عن المتعاقد الآخر أو علمه بها، إذ لا يكفي لاعتبار رضاء المتعاقد مشوبا بعيب التدليس أن توجه إليه طرق احتيالية تصل إلى تضليله سعيا وراء غرض غير مشروع، وإنما يلزم أن تصدر هذه الوسائل الاحتيالية من المتعاقد الآخر أو أن يكون على الأقل عالما بها.
أما إذا صدر التدليس من غير المتعاقدين، فإن ميزان المنطق يتراوح بين ضرورة احترام مبدأين متقابلين تقضيهما العدالة، فمن جهة أولى عدم إهدار العقد ما دام التدليس لم يصدر عن المتعاقد الآخر إذ لا دور له فيما قام به الغير من استعمال الوسائل الاحتيالية للتأثير على إرادة المتعاقد المدلس عليه، من جهة أخرى اعتبار العقد قابلا للإبطال لأن إرادة أحد المتعاقدين معيبة بسبب التدليس بغض النظر عن من يستعمل الوسائل الاحتيالية سواء المتعاقد الآخر أو الغير لذلك اتخذ المشرع حلا وسطا بين المبدأين السابقين، فاشترط لي يكون التدليس عيبا في الرضا أن يصدر من المتعاقد الآخر وهذا هو الأصل، ثم جاء المشرع باستثناء يخفف من شدة هذه القاعدة حماية للمتعاقد الذي يعبث إرادته بسبب حيل صادرة من غير المتعاقد الآخر ([74]). فنص في الفصل 52 على أن التدليس يخول الإبطال إذا صدر عن: “نائب أحد المتعاقدين أو شخص يعمل بالتواطؤ معه” وأضاف “يكون للتدليس الذي يباشره الغير نفس الحكم إذا كان الطرف الذي يستفيد منه عالما به” وبذلك يكون التدليس عيبا في الرضا في الحالات التالية:
– إذا صدر عن المتعاقد الآخر
– إذا صدر عن نائب أحد المتعاقدين أو شخص يعمل بالتواطؤ معه
– إذا صدر عن الغير وكان المستفيد منه عالما به
وبالتالي لا يخول التدليس طلب الإبطال ، إذا صدر عن الغير ولم يكن المستفيد منه عالما به، وإن كان يمكن للمتضرر مطالبة هذا الغير بالتعويض.
فإذا توافرت الشروط السابقة اعتبر التدليس قائما وحق لمن ذهب ضحيته المطالبة بإبطال العقد فضلا عن المطالبة بالتعويض إذا كان له محل، وذلك لاعتبار التدليس عملا غير مشروع من شأنه أن يشغل مسؤولية المدلس.
رابعا: الإبطال للإكراه
أسهب قانون الالتزامات والعقود في تنظيم الإكراه وخصه بستة فصول، من الفصل 46 إلى الفصل 51 ،وقد عرفه في الفصل 46 بأنه إجبار يباشر من غير أن يسمح به القانون يحمل بواسطته شخص شخصا آخر على أن يعمل عملا بدون رضاه. والإكراه في حد ذاته لا يعتبر عيبا في الإرادة وإنما يعتبر ظرفا خارجا يؤثر على رضى المتعاقد لما يولده من رهبة وخوف في نفسه تدفعه إلى التعاقد، فهذه الرهبة أو الخوف هي أساس الإبطال، وبمعنى آخر أن الذي يسلب الإرادة حريتها واختيارها ليس هو الوسائل المادية المستعملة في الإكراه بل الخوف الذي تحدثه هذه الوسائل في نفس المتعاقد، لذا نستبعد فكرة الإكراه الذي يعدم الرضا كأن يمسك شخص بيد آخر ويجعله يوقع على محرر. ويكون العقد معه باطلا لا قابلا للإبطال، ولكن في حالتنا فالمتعاقد المكره وان كان يرتضي العقد إلا أنه لا يرتضيه عن طواعية واختيار وإنما عن ضغط وإجبار. فالإكراه بهذا المعنى يبقي للمكره شيئا من الحرية ليختار بين ضرر يهدده، وبين إبرام العقد المقترح عليه ([75])، فيختار أهون الشرين وأخف الضررين، وهو إبرام العقد، وكان باستطاعته ألا يبرمه، لو فضل تحمل الأذى، أو استطاع التغلب على سطوة الرهبة التي تولدت في نفسه، إلا أن هذا الإكراه لا ينهض سببا للإبطال إلا إذا توفرت فيه الشروط التي يتطلبها القانون وهي:
أ– استعمال وسيلة من وسائل الإكراه
لقيام الإكراه وإبطال العقد لابد من استعمال وسيلة ما لإكراه الطرف الآخر على التعاقد، بحيث تكون من طبيعتها، كما نص على ذلك الفصل 47 من ق.ل.ع، أن ن تحدث لمن وقعت عليه إما ألما جسميا أو اضطرابا نفسيا، أو الخوف من تعريض نفسه أو شرفه أو أمواله لضرر كبير.
فالإكراه قد يكون جسميا أو حسيا أو ماديا، وهو الذي تقع وسيلة الضغط فيه على جسم المكره كالضرب والتعذيب …
وقد يكون نفسيا، وهو الذي تكون الوسيلة فيه تهديدا بأذى يلحق المكره وغيره في الجسم والنفس أو الشرف والمال .
ولا فرق بين هذين النوعين من الإكراه، وإن كان الإكراه النفسي هو الأكثر شيوعا في الحياة .
وبذلك فإن مجرد النفوذ الأدبي وما ينتج عنه من خشية أو سطوة لشخص على آخر كالذي يتمتع به الأب على ابنه، والزوج على زوجته، والرئيس على مرؤوسه لا يرقى إلى درجة الإكراه المؤدي إلى المطالبة بإبطال العقد ما لم يقترن مع وسائل الإكراه إما المادي أو المعنوي، وهو ما نص عليه صراحة الفصل 51 بأن الخوف الناشئ عن الاحترام لا يخول الإبطال إلا إذا انضمت إليه تهديدات جسيمة أو أفعال مادية “.
وليس من الضروري أن يهدد الخطر الذي يحدثه الإكراه المكره نفسه وماله أو شرفه بل يعتد به ولو كان هدد غيره، طالما كان التهديد يصيب المتعاقد، ويؤثر على إرادته، وقد ورد بهذا المعنى في الفصل 50 من ق.ل.ع أن الإكراه يخول الإبطال ولو وقع على شخص يرتبط عن قرب مع المتعاقد بعلاقة الدم “.
وبالرغم من أن هذا النص جعل الإكراه يخول الإبطال إذا وقع على أي شخص “يرتبط مع المتعاقد بعلاقة الدم ، فإنه نظرا لوجود أشخاص آخرين يؤثر الإكراه الواقع عليهم على المتعاقد كالزوج مثلا فإنه يجيب التوسع في تفسير النص، واعتبار التعدد الوارد في النص هو على سبيل المثال لا الحصر حيث يجب أن تكون العبرة قبل كل شيء للرهبة التي تولدت في نفس المتعاقد، ولما يتركه الخطر المحدق بالغير من أثر في نفسه، أيا كان هذا الغير، على أن يترك للمحكمة تقدير كل حالة في ضوء ظروفها الخاصة، فيعتبر الخطر المهدد لأحد ممن تربطه بالمتعاقد علاقة الدم قرينة قابلة لإثبات العكس على تحقق الإكراه، ويطلب إقامة الدليل على ذلك بالنسبة لأحد من غير هؤلاء ([76]).
ومن جهة أخرى، لا يشترط استعمال وسائل الإكراه من المتعاقد نفسه، بل يعتد به ولو كان صدر من الغير، وهو ما يميز الإكراه عن التدليس الذي يعتد به إلا إذا كان المتعاقد المستفيد منه متواطئا مع الغير المدلس أو عالما بأمر التدليس. أما الإكراه فهو يخول إبطال العقد الذي أبرم تحت وطأته دون نظر إلى حسن نية الطرف المتعاقد مع المكره أو سوئها إذ لا أهمية لمصدر التهديد بالأذى ([77])، وذلك نظرا للخطورة التي تطبع هذا العيب ([78]). وهو ما نص عليه صراحة الفصل 49 من ق.ل.ع من أن الإكراه يخول إبطال الالتزام وإن لم يباشر المتعاقد الذي وقع الاتفاق لمنفعته ” بل يعتد بالإكراه ولو كان موجها ضد المستفيد من المتعاقد كتهديد ابن لوالده بالانتحار.
وطبقا لهذا المنطق، فإنه يعتد بالإكراه الناشئ عن ظروف تهيأت مصادفة واستغلها المتعاقد، ما دام النص اعتد بكل إكراه ناتج عن سبب أجنبي عن المتعاقدين، فيشمل السبب الأجنبي الأشخاص الذين لا يعتبرون أطرافا في العقد، وكذلك الظروف التي تكتنف إبرام العقد.
ب – أن تكون الرهبة أو الخوف هي الدافع إلى التعاقد
إن العبرة في الإكراه ليست بالوسيلة المستعملة للضغط على المتعاقد وإنما العبرة بالنتيجة التي تؤدي إليها هذه الوسيلة، وهي ما تبعثه من الرهبة والخوف في النفس، حيث يجب أن تولد وسائل الإكراه في نفس المتعاقد رهبة تصور له أن هناك خطرا جسيما يهدده، وأعطت الفقرة الثانية من الفصل 47 بعض صور هذا الخطر ومنها الوقائع التي تحدث ألما جسميا أو اضطرابا نفسيا، أو الخوف من تعريض نفسه أو شرفه أو أمواله لضرر كبير.
وهذه الطريقة في تحديد معنى جسامة الإكراه يجعل المعيار في تقديرها معيارا شخصيا أو ذاتيا ينظر فيه إلى شخص المكره، لا إلى الوسائل المستعملة، وهو ما نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 47 من ضرورة “مراعاة السن والذكورة والأنوثة وحالة الأشخاص ودرجة تأثرهم “.
ولم يشترط المشرع أن يكون الخطر موجودا في الواقع ، كمن يهدد شخصا بمسدس فارغ، كما لم يشترط أن يكون الخطر حالا، أي وشيك الوقوع، إذ يعتد به ولو كان مستقبلا أو محتملا فقط.
ولا يكفي أن يولد الإكراه في نفس المتعاقد رهبة أو خوفا، وإنما يجب لكي ينتج الإكراه أثره أن تكون الرهبة هي الدافع إلى التعاقد، بحيث إنه لولاها لما تعاقد المكره. والمعيار في ذلك معيار شخصي، وقد نص الفصل 47 على هذا الشرط صراحة، بل وقدمه في الترتيب على غيره عندما نص في مستهله على أن الإكراه لا يخول إبطال الالتزام إلا ” إذا كان هو السبب الدافع إليه …”.
وتقدير جسامة الخطر وعظم الضرر وما يبعثه في النفس من رهبة تدفع إلى التعاقد مسألة واقع يعود تقديرها لمحكمة الموضوع ، ولا رقابة فيها للمجلس الأعلى إلا من حيث سلامة التسبيب.
ج– أن يهدف الإكراه إلى غرض غير مشروع
لا يكفي لقيام الإكراه المخول للإبطال توفر الشرط المادي المتمثل في استعمال المكره لوسائل الإكراه التي تولد الرهبة لدى المتعاقد وتدفعه إلى التعاقد، بل لابد من توفر شرط معنوي، وهو ما عبر عنه الفصل 46حين ابتدأ تعريفه للإكراه بأنه :”إجبار من غير أن يسمح به القانون ” أي لابد أن يكون المقصود من الرهبة المتولدة في نفس المتعاقد المكره الوصول إلى غرض غير مشروع .
ويترتب على هذا الطرح أن الغاية من الإكراه إذا كانت غير مشروعة، فإن الإكراه يتحقق سواء كانت الوسائل المستعملة مشروعة أو غير مشروعة.
أما إذا كان الضغط يهدف إلى تحقيق وسيلة مشروعة، فلا تتحقق فكرة الإكراه بشرط استعمال وسيلة مشروعة، وهذا ما نص عليه الفصل 48 من أن: “الخوف الناتج عن التهديدات بالمطالبة القضائية أو عن الإجراءات القانونية الأخرى لا يخول الإبطال، إلا إذا استغلت حالة المتعاقد المهدد بحيث تنتزع منه فوائد مفرطة أو غير مستحقة، وذلك ما لم يكن التهديد مصحوبا بوقائع الإكراه بالمعنى الذي يقتضيه الفصل السابق “.
خامسا: الإبطال للغبن
الغبن هو عدم التعادل بين الأداءات المتقابلة في العقد، أي عدم التناسب بين قيمة ما يعطيه المتعاقد وقيمة ما يأخذه لحظة إبرام العقد. ويترتب عنه ضرر مادي واختلال للتوازن الاقتصادي للعقد عند تكوينه.
والأصل في القانون المغربي أن الغبن المجرد لا يعيب العقد، ولا يخول طلب الإبطال، ذلك أن التوازن الاقتصادي بين مركز كل من المتعاقدين ليس شرطا لانعقاد العقد ولا لصحته، فكل ما يعنى به القانون هو إقامة توازن قانوني، وهذا التوازن يتحقق إذا كان كل من المتعاقدين كامل الأهلية أو كان رضاه بالعقد حرا وسليما، إلا أن المشرع اعتد بالغبن كسبب للإبطال في حالتين نظمهما الفصلان 55 و 56 من ق.ل.ع، أخذ فيهما من جهة بالنظرية التقليدية في الغبن، والتي تقوم على نظرة مادية للغبن، حيث العبرة فيها يقيمه الشيء في ذاته طبقا لمعيار اقتصادي صرف دون اهتمام بقيمة الشيء في اعتبار المتعاقد ودون مراعاة لشخصيته وظروفه النفسية التي كانت وراء الخسارة المالية التي لحقت به.
ومن جهة أخرى ضيق من نطاقه، إذا لم يأخذ به إلا في هاتين الحالتين ([79])، ولم يسمح به في بعض العقود كعقد القسمة ، وعقد بيع العقار.
وهاتان الحالتان هما:
1– حالة الغبن الناتج عن التدليس
لا يعتبر الغبن الذي يقع بين الراشدين سببا للإبطال في ق.ل.ع إلا إذا نتج، حسب الفصل 55، عن تدليس الطرف الآخر أو نائبه أو الشخص الذي تعامل من أجله، وذلك فيما عدا الاستثناء الوارد بعده.
والحكمة من اشتراط وجوب اقتران الغبن بالتدليس، بالرغم من أن هذا الأخير يعتبر في حد ذاته سببا للإبطال، هو أن التدليس العارض في القانون المغربي لا يخول الإبطال حسب الفصل 53، وإنما يمنح ضحيته دعوى تعويض، ففي هذه الحالة إذا اقترن هذا العقد بالغبن تقرر الإبطال إذ جانب التعويض ([80]) رغم أن صياغة الفصل 55 جاءت عامة، وذلك لأن التدليس الدافع للتعاقد يعتبر عيبا مستقلا بذاته، وينهض لوحده سببا للإبطال، وحتى لا يكون الفصل 55 مجرد اجترار للفصل 52 المتعلق بالتدليس.
2-حالة الغبن الذي يذهب ضحيته القصر أو ناقصو الأهلية
يعتد المشرع المغربي في الفصل 56 ق.ل.ع بالغبن الذي يذهب ضحيته القاصر أو ناقص الأهلية، سواء كان ناتجا عن تدليس الطرف الآخر أو كان غير مصحوب بالتدليس، وسواء تعاقد القاصر بنفسه أو بمساعدة وصيه أو مساعده القضائي، وذلك حماية للقصر وناقصي الأهلية من استغلال كاملي الأهلية لصغر سنهم أو ضعف عقلهم.
المطلب الثاني:
الإبطال بنص في القانون
الأصل العام أن العقد يقع قابلا للإبطال إذا كان أحد المتعاقدين قاصرا أو ناقص الأهلية أو إذا أتت إرادة أحد الطرفين مشوبة بعيب من عيوب الإرادة، وهي الغلط والتدليس والإكراه والغبن، ولكن نظرا لاعتبارات مختلفة تهدف بالدرجة الأولى حماية مصلحة خاصة، فإن المشرع تدخل بمقتضى نصوص خاصة تسمح بالمطالبة بالإبطال في بعض الحالات، أو لبعض الأشخاص أو للقضاء لتقرير الإبطال فيها. وهي حالات اعتبر العقد فيها قابلا للإبطال بالرغم من انتفاء أحد العيوب السابقة، أي هي الحالات الأخرى الذي أشار إليها الفصل 311 بالإضافة إلى حالات القواعد العامة عندما نص على أنه: يكون لدعوى الإبطال …. في الحالات الأخرى التي يحددها القانون ….” وفي هذه الحالة يتعين الرجوع إلى النص الذي تقرر الإبطال بموجبه ([81]).
وقد حدد المشرع عدة حالات للإبطال من أهمها:
1- حالة المرض والحالات المشابهة التي نص عليها الفصل 54 والذي لم يدرجه الفصل 311 ضمن الفصول التي أشار إليها، وبالتالي يمكن إدراجه ضمن الحالات الأخرى التي يحددها القانون، وينص هذا الفصل على أن أسباب الإبطال المبنية على حالة المرض والحالات الأخرى المشابهة متروكة لتقدير القضاة.
2 – حالة الفصل 878 من ق.ل.ع المتعلقة باستغلال حاجة شخص آخر أو ضعف إدراكه أو عدم تجربته فيجعله يرتضي من أجل الحصول على قرض أو لتجديد قرض قديم عند حلول أجله فوائد أو منافع أخرى تتجاوز إلى حد كبير السعر العادي للفوائد وقيمة الخدمة المؤداة، وفقا لمقتضيات المكان وظروف التعامل، والتي يمكن أن تكون مرتكبها محلا للمتابعة الجنائية. ويسوغ إبطال الشروط والاتفاقات المعقودة بمخالفة حكم هذا الفصل بناء على طلب الخصم، بل حتى من تلقاء نفس المحكمة، ويجوز إنقاص السعر المشترط، ويحق للمدين استرداد ما دفعه زيادة على السعر الذي تحدده المحكمة على أساس أنه دفع ما ليس مستحقا عليه وإذا تعدد.
3 – حالة الفصل 1085 من ق.ل.ع الذي أعطى لدائني كل متقاسم معسر إذا عارضوا في إجراء القسمة بدون حضورهم، وأجرى الشركاء القسمة بالرغم من هذه المعارضة، أن يطلبوا إبطال القسمة الجارية فيما بينهم.
4 – حالة الفصل 1173 من ق.ل.ع الذي قضى بقابلية إبطال رهن ملك الغير رهنا حيازيا لمصلحة المرتهن.
المبحث الثاني:
دعوى البطلان والإبطال
العقد الباطل وإن كان يعتبر عدما في نظر القانون أو غير منعقد بين عاقديه، ولا يحتاج من الناحية النظرية إلى حكم قضائي يقرر بطلانه فلا يحتاج من له مصلحة في تقرير البطلان إلى رفع دعوى ([82])، لأن القانون هو الذي قرر بطلانه من أصله، إلا أن الناحية العملية تفرض في غالب الأحيان على أحد المتعاقدين اللجوء إلى القضاء للحصول على حكم بتقرير البطلان وترتيبا آثاره، إذ ليس من السهل دائما الاتفاق على إعدام العقد ومحو آثاره نظرا لتعارض مصالح المتعاقدين ولتفاوت المنافع التي كان ينوي كل واحد تحصيلها، فضلا على أن هناك حالات لا مناص فيها من تدخل القاضي لتقرير البطلان، كما لو نفذ أحد المتعاقدين التزامه وأراد استرداد ما دفع طبقا لما نص عليه الفصل 306 الذي جاء فيه: الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا له”، أو كما لو كان سبب البطلان غير مستند إلى نص صريح بالبطلان كما هو الشأن في خرق قواعد النظام العام والأخلاق الحميدة حيث يخضع تقرير مخالفات هذه القواعد لسلطة القاضي، بالإضافة إلى كل هذا فإنه لا مجوز للشخص أن يأخذ حقه بيده. إلا أن حكم القاضي في هذه الحالات لا ينشئ هذا البطلان، لأن العقد كان من قبل باطلا بقوة القانون، ولكن هذا الحكم يقرره ويكشف عنه، وهذا بخلاف العقد القابل للإبطال الذي هو في الأصل عقد موجود وينتج كافة آثاره ، كل ما في الأمر أنه ينطوي على جرثومة فساد قد تؤدي إلى إبطاله، وقد يتخلص منها ويبقى قائما صحيحا، ويتحكم في هذا الأمر المتعاقد الذي يضار العقد المعيب فهو وحده الذي يملك استعمال الرخصة أو الحق الذي خوله القانون ويطالب بتقرير إبطال العقد، كما أنه يسوغ له الإبقاء على هذا العقد المعيب وذلك بتطهيره من العيب عن طريق الإجازة أو الإقرار أو بتضييعه للرخصة التي منحه إياها القانون بالتقادم، وبالتالي فالعقد القابل للإبطال يحتاج إبطاله إلى التراضي أو التقاضي، والحكم بالإبطال كما هو الشأن في الحكم بالبطلان كاشف لوضع قانوني سابق لا منشئ لوضع قانوني جديد.
وبالرغم من هذا يمكن أن نستخلص مما سبق أوجها للاختلاف بين البطلان والإبطال حيث أنه يجوز لكل ذي مصلحة التمسك بالبطلان بل ويمكن للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها ولو لم يطلبه أحد المتقاضين. أما العقد القابل للإبطال فليس لغير المتعاقد الذي قرر الإبطال لمصلحته أن يتمسك به، ولا يجوز للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها. وسنتكلم عن هاتين الخصيصتين في فرعين وذلك على الشكل التالي:
الفرع الأول: الأشخاص الذين يجوز لهم التمسك بالبطلان وإمكان القضاء به من طرف المحكمة من تلقاء نفسها.
الفرع الثاني: الأشخاص الذين يحق لهم التمسك بالإبطال وعدم إمكان القضاء به من طرف المحكمة من تلقاء نفسها.
الفرع الأول:
الأشخاص الذين يجوز لهم التمسك بالبطلان وإمكان
القضاء به من طرف المحكمة من تلقاء نفسها
سنعرض في الأول للأشخاص الذين يجوز لهم التمسك بالبطلان، وثانيا لإمكان القضاء به من طرف المحكمة من تلقاء نفسها.
أولا: الأشخاص الذين يجوز لهم التمسك بالبطلان
لم يحدد المشرع المغربي الأشخاص الذين يحق لهم إقامة دعوى البطلان وإنما ترك الأمر لمقتضيات المبادئ العامة التي تحكم هذه الدعوى. وبما أن دعوى البطلان تهدف إلى استئصال آثار عقد باطل بقوة القانون، أي تقرير بطلان شرع في الأصل لا لحماية مصالح بعض الأفراد فحسب، وإنما لحماية المصلحة العامة، وضمان حسن تطبيق القانون قبل كل شيء، وبما أن المصلحة هي مناط الدعوى فإنه يجوز لكل ذي مصلحة ثابتة ومشروعة يحميها القانون أن يطلب بطلان العقد لأنه إذ يتمسك بالبطلان لا يفعل أكثر من الاحتجاج بحقيقة ماثلة مؤداها انعدام العقد الذي يواجه به. ويعتبر ذو مصلحة كل من له حق يتأثر بصحة العقد أو بطلانه ([83]).
ويوجد في مقدمة ذوي المصلحة الذين يسوغ التمسك بالبطلان طرفا العقد بطبيعة الحال ولو كان ذلك الذي لم يقم به سبب البطلان، لأن حقوقهما هي أول من يتأثر بصورة مباشرة بصحة هذا العقد أو بطلانه، ثم الخلف العام لكل من المتعاقدين وهم الورثة والموصى لهم بحصة في التركة، وكذلك الخلف الخاص كالمشتري أو كل من تلقى من أحد المتعاقدين حقا يتأثر ببطلان العقد أو صحته. وهناك أيضا الدائنون لطرفي العقد.
أما الأشخاص الذين يتمسك ضدهم بدعوى البطلان فهم كل شخص يستفيد من العقد الباطل، وكل من خلفه في ذلك في حدود ما عاد عليه من نفع من هذا العقد الباطل ([84]).
ثانيا: للمحكمة أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها ولو لم يطلبه أحد المتقاضين
يقضي المنطق القانوني أن يكون للقاضي الحق، إذا رفعت إليه دعوى تستند إلى عقد باطل ، أن يقرر البطلان من تلقاء نفسه حماية للمصلحة العامة، وذلك لأن العقد الباطل ليس له وجود قانوني، فهو إما منعدم بسبب تخلف ركن من أركانه طبيعة، فلا يستطيع القاضي أن يعول على عدم، أو باطل بسبب مخالفة النظام العام أو الأخلاق الحميدة، وهذه يجب على القاضي أن يراعيها. وليست الغاية من إعلان هذا البطلان معاقبة المتعاقدين، وإنما الغرض منه هو محو آثار عقد قام على أساس غير مشروع، أي أن الغاية هو الأثر القانوني لا الأشخاص.
الفرع الثاني:
الأشخاص الذين يحق لهم التمسك بدعوى الإبطال
وعدم إمكان القضاء به من تلقاء نفس المحكمة
سنعرض في الأول للأشخاص الذين يجوز لهم التمسك بالإبطال، وثانيا لعدم إمكان القضاء به من طرف المحكمة من تلقاء نفسها
أولا: الأشخاص الذين يحق لهم التمسك بالإبطال
إذا كان المشرع المغربي لم يحدد الأشخاص الذين يحق لهم إقامة دعوى البطلان، لأن هذه الأخيرة تتعلق بالنظام العام، أو بعبارة أدق يمتزج فيها النفع العام بالنفع الخاص، لذلك كان لكل ذي مصلحة أن يتمسك بها، فان الحال على خلاف ذلك في دعوى الإبطال التي تهدف في الأساس إلى حماية المصالح الخاصة ورد الاعتبار إلى الإرادة التي شابها عيب في صفاتها، لذلك جعل المشرع إمكانية التمسك بإبطال العقد حقا للطرف الذي كانت إرادته معيبة، أو أقر القانون حمايته دون الطرف الآخر، ومن هنا أتت القاعدة: لا يتمسك بالإبطال إلا الطرف الذي شرع هذا البطلان لمصلحته، وقد نص المشرع المصري صراحة على ذلك في المادة 138 من القانون المدني التي جاء فيها: “إذا جعل القانون لأحد المتعاقدين حقا في إبطال العقد، فليس للمتعاقد الآخر أن يتمسك بهذا الحق”، بينما المشرع المغربي نص على كل حالة على حدة، كما هو الشأن مثلا بالنسبة لحالة نقص الأهلية، إذ نص في الفصل الرابع (ق.ل.ع) “إذا تعاقد القاصر وناقص الأهلية بغير إذن الأب أو الوصي أو المقدم فإنهما لا يلزمان بالتعهدات التي يبرمانها، ولهما أن يطلبا وفقا للشروط المقررة بمقتضى هذا المرسوم الملكي “. ولا يجوز لغير من تقرر الإبطال لمصلحته أن يستعمل هذا الحق ولو كان المتعاقد الآخر أو الدائنون أو الخلف الخاص، وهو ما أكده المشرع صراحة في بعض الحالات، كالفصل 10 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أنه: “لا يجوز للمتعاقد الذي كان أهلا للالتزام أن يحتج بنقص أهلية الطرف الذي تعاقد معه”.
وهذا الحق في الإبطال ينتقل إلى الورثة الذين يكون لهم حق التمسك بالإبطال ومعنى ذلك أنه يجوز لهم طلب الإبطال بمقتضى حق مباشر كذلك الذي كان لمورثهم ([85])، وهذا ما قرره الفصل 313: ” تنتقل دعوي الإبطال إلى الورثة فيما بقي لموروثهم من مدتها. مع مراعاة الأحكام المتعلقة بانقطاع التقادم أو بوقفه”، أي أن الخلف العام رغم أن لهم حق ممارسة دعوى الإبطال، إلا أن ذلك مشروط بأن تقع ممارسة الدعوى فيما بقي للموروث من مدة.
ثانيا: عدم إمكانية الحكم بالإبطال من تلقاء نفس المحكمة
خلافا لما هو عليه الحال في البطلان، لا يجوز للمحكمة أن تقضي بالإبطال من تلقاء نفسها، بل بناء على طلب المتعاقد الذي قرر الإبطال لمصلحته، إذ الإبطال مقرر حماية لمصلحة شخص معين لا رعاية للمصلحة العامة. فإذا تبين للمحكمة أن العقد ينطوي فعلا على عيب من عيوب الرضا أو أن أحد الطرفين كان ناقص الأهلية أو قاصرا وجب عليها أن تحكم بإبطال هذا العقد، وبعبارة أخرى إن المحكمة وإن كانت تملك سلطة تقدير وجود العيب من عدمه، فإن هذه السلطة التقديرية تنتهي عند اكتشاف العيب، أي أنه ليس للمحكمة في هذه الحالة إلا الحكم بالإبطال. هذا طبعا إذا تمسك به الطرف الذي قرر لمصلحته، أما إذا لم يطلب هذا الأخير إبطال العقد، وإنما تمسك بمقتضياته وطالب بتنفيذه، فلا يسوغ للمحكمة أن تمتنع عن الحكم بالتنفيذ وتقرر إبطال العقد من نفسها.
المبحث الثالث:
أثر الإجازة والتقادم على كل من العقد الباطل والعقد القابل للإبطال
العقد الباطل لا وجود له منذ البداية، فلا يتصور أن تلحقه الإجازة أو يتصحح بالتقادم ([86]).
أما العقد القابل للإبطال فهو في مرحلته الأولى يرتب جميع آثاره كالعقد الصحيح، إنما يكون لأحد المتعاقدين الحق في طلب إبطاله، ويزول هذا الحق بإجازة العقد أو بانقضاء مدة معينة دون استعماله حق طلب الإبطال، وهذا هو التقادم، فالعقد القابل للإبطال تلحقه الإجازة ويرد عليه التقادم.
وسنبحث في فرع أول أثر الإجازة على كل من العقد الباطل والعقد القابل للإبطال، وفي فرع ثان أثر التقادم عليهما.
الفرع الأول:
أثر الإجازة على كل من العقد الباطل والعقد القابل للإبطال
الإجازة هي تنازل من تقرر الإبطال لمصلحته عن الحق في طلب هذا الإبطال، أو هي الرضا ببقاء العقد، واستقراره نهائيا ممن له حق إبطاله، وهي بهذا المعنى تصرف قانوني صادر من جانب واحد يؤدي إلى تطهير العقد من العيب الذي يشوبه أو إلى رفع الخطر الذي يتهدده، وبالتالي لا يسوغ الرجوع فيها لأنها تتم بإرادة منفردة أي لا تحتاج إلى قبول الطرف الآخر أو علمه.
وتختلف بذلك عن كثير من الأنظمة المشابهة لها من ذلك مثلا:
– تختلف الإجازة عن التنازل عن الحق ، لأن كل تنازل لا يفيد دائما الإجازة، كما هو الشأن في الإبراء من الدين والإبراء من التضامن… فالتنازل عن الحق هو الجنس أما الإجازة فهي نوع من هذا الجنس.
– كما تتميز عن مجرد الاعتراف بالحق، فإذا كانت الإجازة تتضمن الاعتراف فمن المؤكد أن هذا الأخير لا يفيد الإجازة، إذ إن الشخص الذي يعترف بالتزام ما، إنما يقر بوجوده فحسب دون أن يؤثر ذلك على صحة العقد أو قابليته للإبطال، إذ يبقى للمعترف دائما الحق في التمسك بالإبطال من عدمه.
– وتختلف الإجازة كذلك عن الإقرار أو التصديق، وإن كانا يتفقان في أن كلا منهما تصرف صادر من جانب واحد، أي بإرادة منفردة، إلا أن الإقرار يصدر عن شخص أجنبي عن عقد صحيح عقده طرفان آخران حتى تسري عليه أحكامه، ومثله ما نص عليه الفصل 927 من ق ل ع الذي جاء فيه: “لا يلتزم الموكل بما يجريه الوكيل خارج حدوث وكالته أو متجاوزا إياها إلا في الحالات الآتية : 1- إذا أقره ولو دلالة …”
وقد أورد المشرع أحكام الإجازة في القسم الخامس من قانون الالتزامات والعقود، حيث خصص لها الفصول 310 و 317 و 318 يتبين من خلالها أن العقد الباطل لا يتصحح بالإجازة على عكس العقد القابل للإبطال الذي يتصحح بها إذا توافرت شروط معينة.
أولا: أثر الإجازة على مصير العقد الباطل
ينص الفصل 310 من ق. ل. ع على أن: “إجازة الالتزام الباطل بقوة القانون أو التصديق عليه لا يكون لهما أدنى أثر”، وبالتالي فإن العقد الباطل لا يتصحح بالإجازة لاعتبارات كثيرة نذكر منها:
أ-أن العقد الباطل عدم إذ أنه يولد ميتا، والإجازة لا تخلق من العدم وجودا ([87])، فهي تفيد التنازل عن الوسائل والدفوع التي يمكن أن تستعمل للقضاء على تصرف قانوني وهي بهذا لا تلحق إلا التصرفات القابلة للإبطال، أي أنه يمكن أن تجيز عملا مشرفا على السقوط لا عملا غير موجود نهائيا ([88]). فالعقد الباطل يبقى متسما بهذا الوصف حتى ولو أجيز ممن قام به سبب البطلان.
ب- أن البطلان هو من متعلقات النظام العام والإجازة تفيد النزول عن حق التمسك بالبطلان، ولا يصح النزول عن حق يتصل بالنظام العام وبالتالي فان هذه الإجازة لو حصلت لكانت بدورها باطلة.
ج- إن الإبطال لا يقرره القانون إلا الطرف الذي كان ضحية عيب من عيوب الرضا، أو كان ناقص الأهلية في حين يسوغ أن يتمسك بالبطلان كل ذي مصلحة، ولو كان من الغير وهذا يجعل نظام الإجازة حقا شائعا يستفيد منه حتى الأغيار مما سيؤدي إلى إجازة عقود لا تلزم أحدا ولا يعترف القانون بوجودها لأنها باطلة.
د- أن العقد الباطل يعتبر عقدا متجاوزا لمصلحة عامة ، وبالتالي فليس لصاحب المصلحة الخاصة أن يتصرف في أمر هو من حق الجميع.
ثانيا: أثر الإجازة على مصير العقد القابل للإبطال
إذا كان المشرع نص على عدم إمكانية إجازة العقد الباطل لأنه عدم، فإنه على العكس من ذلك أقر إجازة العقد القابل للإبطال لأنه عقد موجود في مرحلته الأولى ، حيث يتراوح وضعه بين الحياة والموت، أي بين إمكانية إجازته وإمكانية إبطاله ([89]). لذلك قيل بأنه إذا استحالت معالجة الميت فبالإمكان معالجة المريض.
ونظرا لأن المشرع خول لمن قرر الإبطال لمصلحته الحق لوحده في إبطال العقد، فمن الطبيعي أن يكون من حقه أيضا لوحده أن يعمل على إبقائه واستمرار قيامه عن طريق إجازته.
وهذه الإجازة قد ترد صراحة وقد تحصل ضمنا، إلا أن المشرع المغربي اشترك لصحتها باعتبارها تصرفا قانونيا صادرا من جانب واحد عدة شروط وردت في الفصلين 317 و 318 من قانون الالتزامات والعقود، يمكن إجمالها كالتالي:
1- أن يكون العقد قابلا للإبطال،
2- أن يكون المجيز وقت الإجازة أهلا لإبرام العقد الذي يجيزه وألا يشوب إرادته عيب من عيوب الرضا،
3- أن تتضمن الإجازة بيان جوهر الالتزام القابل للإبطال وتعيينه تعيينا دقيقا رافعا لكل جهالة أو التباس،
4- يجب أن تتضمن الإجازة إشارة إلى سبب قابلية العقد للإبطال،
5- أن يكون المجيز على علم بالعيب الذي لحق العقد وأن يصرح برغبته في إصلاح هذا العيب الذي كان من شأنه أن يؤدي إلى الإبطال.
وهذه الشروط تضمنها الفصل 317 بشأن الإجازة الصريحة، وإن كان لم يشترط لصحتها أن تأتي كتابة، لذلك سيتعذر إثبات وقوعها في غياب محرر متضمن لهذه البيانات، ويبقى فقط، حسب بعض الفقه ([90])، إمكانية إثباتها بالإقرار واليمين، في حين يرى البعض الآخر أنه حسب مفهوم المخالفة للفصل 317 والفقرة الثانية من الفصل 318 ،فإن الإجازة التي لا تضمن الشكل أو البيانات الواردة في هذه الفصول لا يمكنها تصحيح الالتزام الذي يخول القانون دعوى إبطاله.
أما الإجازة الضمنية التي لا تختلف عن سابقتها سوى في أن هذا النوع من الإجازة يستفاد من ظروف الحال، أي من أي عمل يقوم به المجيز بحيث تخلع عليه الظروف دلالة الإجازة.
وقد نصت الفقرة الأولى من الفصل 318 ق.ل.ع على أنه:” إذا لم تحصل الإجازة أو التصديق صراحة، يكفي أن ينفذ طوعا كليا أو جزئيا الالتزام القابل للإبطال ممن كان على بينة من عيوبه، بعد الوقت الذي يمكن له فيه إجازته أو التصديق عليه بوجه صحيح “.
وبذلك فان الإجازة هي وسيلة لمنع نشوء دعوى الإبطال، أو وضع حائل دون نشوء هذه الدعوى وليس أثرها إسقاط دعوى قائمة ([91]).
والمشرع المغربي لم يلزم المتعاقد الذي يملك حق الإجازة باستعمال هذا الحق خلال مدة معينة بعد الوقت الذي تصح فيه الإجازة، أي لا يلتزم من شرعت دعوى الإبطال لمصلحته بالكشف عن نواياه قبل مضي أجل التقادم.
وإذا أجاز المتعاقد الذي له حق الإبطال العقد صراحة أو ضمنا وفق الشروط التي حددها القانون، فان العقد يتصحح ويستقر نهائيا، أي تصبح جميع الآثار التي أنتجتها أن صحيحة من يوم صدورها، ويعتبر من صدرت عنه الإجازة متنازلا عن الطعن بالعقد القابل للإبطال، وهذا ما نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 318 التي جاء فيها:
– الإجازة أو الاعتراف أو التنفيذ الاختياري، إذا وقعت في الشكل والوقت اللذين يحددهما القانون يترتب عليهما التنازل عن الوسائل والدفوع التي كان من الممكن التمسك بها ضد الالتزام القابل للإبطال. أما بالنسبة للحقوق المكتسبة على وجه صحيح للغير الحسني النية قبل التصديق أو التنفيذ، فتطبق القاعدة المقررة في آخر الفصل 316″.
الفرع الثاني:
أثر التقادم على مصير كل من العقد الباطل والعقد القابل للإبطال
التقادم هو مرور مدة معينة من الزمن يمنع القانون بعدها سماع الدعوى للمطالبة بحق من الحقوق، فالذي يسقط بالتقادم إنما هو حق إقامة الدعوى للمطالبة بالحق لا الحق المطالب به ذاته. وهذا ما أكده الفصل 371 بقوله: التقادم خلال المدة التي يحددها القانون يسقط الدعوى الناشئة عن الالتزام”، مع الإشارة إلى أنه طبقا للفصل 377 من ق.ل.ع فإنه لا محل للتقادم إذا كان الالتزام مضمونا برهن حيازي على منقول أو رهن رسمي.
وطبيعة هذا الفرع تقتضي دراسة أثر التقادم على دعوى البطلان وأثرها على دعوى الإبطال.
المطلب الأول:
تقادم دعوى البطلان
الأصل أن العقد الباطل لا يتصحح بالتقادم لأنه عدم والمعدوم لا يصبح موجودا بمضي الزمن، بل إن بعض الفقه يرفض نهائيا الفكرة القائلة بوجود دعوى البطلان، ويرى أنه لا يمكن القول بسقوط دعوى البطلان بالتقادم، لأنه ليس هناك دعوى يرد عليها هذا السقوط، ولأن العدم لا ينقلب وجودا مهما طال الزمن، لأن ذلك، فإنه يمكن التمسك ببطلان عقد، إذ كان بطلانه مطلقا مهما مر من الزمن، سواء بطريق الدعوى أو بطريق الدفع ([92]).
ولكن الرأي الغالب في الفقه المغربي ([93]) يرى أن عدم تقادم البطلان فيه مساس خطير بمبدأ استقرار المعاملات، كما أنه ليس من المنطق أن تتقادم الدعوى الجنائية دون دعوى بطلان التصرف، وبالتالي فهو يقول بتقادم دعوى البطلان ويمكن القول إن المشرع المغربي يأخذ بتقادم دعوى البطلان بالرغم من عدم وجود نص صريح، وذلك استنادا إلى الفصل 387 من ق. ل.ع الذي يتضمن القاعدة العامة في تقادم الدعاوى والتي ينص على أن: “كل الدعاوى الناشئة عن الالتزام تتقادم بخمس عشرة سنة فيما عدا الاستثناءات الواردة فيما بعد، والاستثناءات التي يقضي بها القانون في حالات خاصة ” وبالتالي فهذا النص يتكلم عن تقادم الدعاوى، أي في حالتنا فالذي يتقادم هو دعوى البطلان لا البطلان نفسه، فالبطلان لا يتقادم لأن للقانون طابع الدوام أو شبه الدوام، وسيكون فهمنا له خاطئا إذا اعتبرنا أنه بالإمكان أن يكون للجزاء الذي يضمن له الاحترام مدة محددة، وفضلا عن ذلك فان تقادم البطلان يتعارض مع عدم تقادم الدفع بالبطلان لأن لكل منهما أساسا واحدا هو القانون، ولأن مصير كل منهما يرتبط بمصير القانون، ولأن كلا منهما يستمر استمرار حماية القانون للسلطة العامة.
ومن هذا كله يتبين أن البطلان لا يزول بالتقادم، وكل ما في الأمر أن الضرورات العملية فرضت تقادم دعوى البطلان حفاظا على مبدأ استقرار المعاملات. على أن الحق في المطالبة بالبطلان شيء موجود وبالتالي فهو يسري عليه التقادم ([94]).
وإذا كان الرأي السائد يسلم بتقادم دعوى البطلان، فإن من المجمع عليه فقها وقضاء أن الدفع بالبطلان لا يتقادم نهائيا بمضي المدة، لأن الدفوع لا تتقادم والمستند الفقهي لعدم تقادم الدفع بالبطلان هو أن التقادم لا يبدأ إلا من وقت تمكن صاحب الحق من مباشرة حقه، والدفع لا يمكن مباشرته إلا بعد رفع الدعوى، كما أن البطلان لا يتصحح بالتقادم لأنه عدم، والعدم لا ينقلب وجودا بمضي المدة، لهذا كان من حق كل ذي مصلحة أن يتمسك بالدفع بالبطلان مهما مضى عليه من زمن، لذلك ورغم انتفاء النص على عدم تقادم الدفع بالبطلان فيجب تطبيق هذه القاعدة، ولاسيما أن المشرع نفسه قد نص صراحة في الفصل 315 على عدم تقادم الدفع بالإبطال .
ونشير إلى أنه لا يكون هناك موجب للدفع بالبطلان إلا في الحالات التي لا يتم فيها تنفيذ العقد الباطل، وصورة ذلك أن يتم التعاقد على أساس باطل، إلا أن تنفيذ العقد يتأخر لسبب من الأسباب إلى غاية سقوط دعوى البطلان بالتقادم، فإذا تمت مطالبة أحد المتعاقدين بوجوب تنفيذ العقد، فله أن يتمسك بالدفع بالبطلان باعتباره مدعي عليه حتى ولو كانت دعوى البطلان قد سقطت بالتقادم، وهذا يعني أن المشرع لئن كان يمنعه من ممارسة الهجوم عن طريق دعوى البطلان لسقوطها بالتقادم، إلا أنه بالمقابل يخول له إمكانية الدفاع عن طريق رد دعوى المدعي والاحتجاج بسقوطها. أما إذا تم تنفيذ العقد، فإن الدفع بالبطلان يكون غير ذي محل وعديم الجدوى ([95]).
المطلب الثاني:
تقادم دعوى الإبطال
إذا كان المشرع المغربي قد أغفل النص على تقادم دعوى البطلان، فإنه على العكس من ذلك نص صراحة على تقادم دعوى الإبطال في الفصل 311 ق.ل.ع التي ورد فيها: “يكون لدعوى الإبطال محل في الحالات المنصوص عليها في الفصول 4 و 39 و 55 و 56 من هذا المرسوم الملكي، وفي الحالات الأخرى التي يحددها القانون، وتتقادم بسنة في كل الحالات التي لا يحدد فيها القانون أجلا مخالفا، ولا يكون لهذا التقادم محل إلا بين من كانوا أطرافا في العقد “.
ويلاحظ أن هناك فرق بين أثر دعوى البطلان في العقد الباطل وبين أثر تقادم دعوى الإبطال في العقد القابل للإبطال. فتقادم دعوى البطلان لا يجعل العقد صحيحا، بل يبقى العقد باطلا، وكل ما هناك أن دعوى البطلان لا يسوغ سماعها لتقادمها، أما تقادم دعوى الإبطال فيترتب عليه أن يصبح العقد صحيحا، أما الدفع فإنه لا يتقادم في كلتا الحالتين، إذ يجوز التمسك بالإبطال عن طريق الدفع لمن ترفع عليه دعوى بتنفيذ العقد القابل للإبطال حتى ولو كانت دعوى الإبطال قد انقضت بالتقادم، وذلك بصريح الفصل 315 ق.ل.ع الذي ورد فيه أنه:” يسوغ التمسك بالدفع بالبطلان لمن ترفع عليه الدعوى بتنفيذ الاتفاق في جميع الحالات التي يمكنه فيها هو نفسه أن يباشر دعوى الإبطال.
ولا يخضع هذا الدفع للتقادم المقرر في الفصول 311 إلى 314 السابقة “.
وفي هذا يختلف أثر الإجازة عن أثر التقادم، فالإجازة تصحح العقد بصفة مطلقة ونهائية فلا يجوز بعدها التخلص من آثاره عن طريق الدعوى لا عن طريق الدفع، أما التقادم فهو يصحح العقد القابل للإبطال جزئيا إذ يمنع عنه الإبطال بطريق الدعوى إن كان قد نفذ، ولكنه لا يمنع إبطاله بطريق الدفع إذا لم يكن قد نفذ ([96]).
ولكن هذه الخصيصة الأخيرة تدفع إلى التساؤل، كيف يمكن التسليم منطقيا بأن العقد القابل للإبطال يصححه التقادم ويبقى مهددا بالدفع، أي كيف يمكن أن يكون العقد صحيحا وقابلا للإبطال في آن واحد، لأن التصحيح معناه أن العقد أصبح صحيحا بصفة نهائية؟ وهو ما جعل بعض الفقه يذهب إلى أنه كان من الأفضل أن يقرر المشرع تقادم الدفع بالإبطال أسوة بالدعوي ([97]).
والأصل أن دعوى الإبطال تتقادم بمضي سنة واحدة وفق الفصل 311 الذي ينص على أنه : “… تتقادم هذه الدعوى بسنة في كل الحالات التي لا يحدد فيها القانون أجلا مخالفا، ولا يكون لهذا التقادم محل إلا بين من كانوا أطرافا في العقد.”، إلا أن بداية سريان مدة التقادم تختلف باختلاف حالات الإبطال وظروفه.
وقد حددها المشرع في الفصل 312 على الشكل التالي:
– في حالة الإكراه إلا من يوم زواله
– في حالة الغلط والتدليس من يوم اكتشافهما،
– بالنسبة إلى التصرفات المبرمة من القاصرين فمن يوم بلوغهم سن الرشد،
– بالنسبة إلى التصرفات المبرمة من المحجر عليهم وناقصي الأهلية فمن يوم رفع الحجر عنهم، أو من يوم وفاتهم فيما يتعلق بورثتهم إذا مات ناقصو الأهلية وهم على هذه الحالة.
– في حالة الغبن المتعلق بالراشدين فمن يوم وضع اليد على الشيء محل العقد.
ومدة السنة المحددة أعلاه لا تعني لزوم اكتشاف العيوب السابقة خلال مدة معينة، إذ إنه مثلا في حالة عدم اكتشاف الغلط والتدليس، أو عدم زوال الإكراه، إلا بعد سنين عديدة، فإن الضحية يجوز له رفع الدعوى خلال سنة من اكتشاف الغلط أو التدليس أو زوال الإكراه في أمثلتنا، إلا أن دعوى الإبطال يجب ممارستها في كل حال قبل انقضاء خمسة عشر سنة التي تبتدئ من تاريخ العقد، وهذا ما نص عليه الفصل 314 من ق ل ع الذي جاء فيه: ” تنقضي دعوى الإبطال بالتقادم في جميع الحالات بمرور خمس عشرة سنة من تاريخ العقد”، ويمكن القول إن دعوى الإبطال تسقط بمرور أقصر الأجلين المنصوص عليهما في الفصلين السابقين، وهما أجل السنة المنصوص عليه في الفصل 312، وأجل الخمسة عشر سنة الواردة في الفصل314 وهذا بطبيعة الحال ما لم يوجد نص يخالف ذلك، كما هو الشأن في الفقرة الثانية من الفصل 1091 التي تنص على أنه : ” ولا يسوغ إبطال القسمة إلا للأسباب التي تعيب الرضى كالإكراه أو الغلط أو التدليس أو الغبن. ويجب رفع الإبطال خلال سنة من وقت تمام القسمة فإن انقضى هذا الأجل كانت الدعوى غير مقبولة “.
خاتمة
تعتبر نظرية البطلان من أهم موضوعات القانون المدني ونظرية الالتزام على الخصوص، بحيث تجمع أحكامها جل أحكام نظرية العقد، وهي نظرية خطيرة ([98])، تمس مبدأ استقرار المجاملات وتضر بمصلحة المتعاقد الآخر والغير، حيث تجعل العقد المعيب عند تقرير بطلانه كأنه لم يكن بالرغم من أنه قائما ومنتجا لآثاره، ولكنها نظرية ضرورية لتطهير العقد من العيوب التي تشوبه وإن كانت من أبغض الحلال إلى المشرع، والقصد منها حماية القواعد القانونية الخاصة بإنشاء التصرفات القانونية، حيث تمنع ترتب الآثار المقصود إيجادها به ما دام لم يقم وفقا للقانون ([99]).
وقد أخذ المشرع المغربي في تنظيمه لهذه النظرية بالنظرية الحديثة التي تقسم البطلان تقسيما ثنائيا: بطلان وإبطال، إلا أنه بالرغم من ذلك فقد وجه الفقه عددا من المآخذ لهذا التنظيم التشريعي، يمكن إجمالها في الملاحظات التالية:
1- عدم نجاح المشرع في اختيار موقع عرض أحكام البطلان التي عالجها في قسم مستقل بعد الأقسام المخصصة لمصادر الالتزام، وأوصافه وانتقاله وآثاره، وكان من الأحسن تنظيمها مباشرة بعد عرض أركان العقد باعتبار البطلان جزاء لتخلف أحدها أو لتخلف شرط من شروط صحة الرضا.
2- إن المشرع بحث في بطلان الالتزامات وإبطالها عوض أن يبحث في بطلان العقود وإبطالها، في حين أن الأولى هي آثار للعقد وناتجة عنه، وإذا بطل العقد بطلت تبعا لذلك الآثار المترتبة عنه.
3- إن المشرع اعتمد في أغلب الأحيان على النظريات التقليدية لتحديد أسباب البطلان والإبطال، والإبطال من ذلك أنه جعل من الأهلية ركنا لازما لصحة الالتزام حين أن الأهلية شرط من شروط صحة الرضا.
وأيضا اعتماده على النظرية التقليدية في تحديد الغلط في الواقع، وذلك في الفصلين 41 و 42 رغم الانتقادات التي وجهت لهذه النظرية وتخلي تشريعات بعض الدول عنها، حيث اعتنقت النظرية الحديثة التي استبعدت الغلط المانع – الذي يعدم الرضا ويجعل العقد باطلا- وألغت التفرقة بين الغلط الذي يجعل العقد قابلا للإبطال، والغلط الذي لا يؤثر في صحة العقد، وأخذت بمعيار مرن يمكن تطبيقه على سائر الحالات سواء تعلق الغلط بمادة شيء أو بشخصية المتعاقد أو بالباعث أو بالقيمة، ويتلخص هذا المعيار في أنه يجب الاعتداد بالغلط في سائر الحالات، كلما كان هو الدافع الرئيسي إلى التعاقد، أي إذا كان هو الباعث الدافع إلى إنشاء التصرف القانوني.
كما أن المشرع اعتد مرة أخرى بالنظرية التقليدية في مواد الغبن، حيث لم يجعل من الغبن عيبا عاما يؤثر في جميع العقود، وإنما اعتد به في حالات استثنائية ضيقة.
4-إن المشرع فاتته الدقة في كثير من الأحيان، من ذلك مثلا: أنه سوى بين الغلط المانع مع غيره من أنواع الغلط ذلك أنه جعل من الغلط الذي يقع في ذاتية الشيء (الفصل 41) عيبا يصيب الإرادة ويجعل العقد قابلا للإبطال، في حين أن هذا النوع من الغلط يعدم الرضا ويجعل العقد باطلا، وذلك رغم ما ذهب إليه الفقه المغربي تنزيها للمشرع من وجوب تفسير إرادة المشرع أنه قصد مادة الشيء لا ذاتية الشيء إذ إن هذا لا يمنع من كون أن المشرع وقع في خطأ في أمر بديهي.
كما تتبين عدم الدقة في أن المشرع يخلط بين الإبطال والفسخ ويجعل من الغلط، وهو نوع واحد لا يتعدد، تارة سببا للإبطال وتارة أخرى سببا للفسخ (الفصول من 39 إلى 45 والفصل 485) في حين أن هناك فرقا جوهريا بين الإبطال والفسخ، سواء على مستوى طبيعتهما أو على مستوى نطاقهما أو على مستوى حدود سلطة المحكمة بشأنهما.
5- إن المشرع أغفل تنظيم دعوى البطلان وربما لاعتقاده بأن هذا الأخير لا يحتاج إلى إقامة دعوى بتقريره، لأنه يتقرر بقوة القانون، إلا أن هذا التفكير أصبح مستبعدا لدى الفقه الحديث، إذ إنه من المبادئ المقررة أنه لا يسوغ للشخص أن يأخذ حقه بيده ، كما أن هناك مظهرا إراديا لا يمكن أن يزول إلا بتدخل المحكمة.
وحبذا لو يعدل قانون الالتزامات والعقود بصورة يتم فيها القضاء على هذه التناقضات، بل حبذا لو يأخذ المشرع المغربي بالتقسيم الإسلامي وخصوصا في مجال العقد الموقوف الذي يحقق فوائد أكثر من فوائد الإبطال، إذ إن نطاق العقد الموقوف أوسع من نطاق العقد القابل للإبطال. ذلك أن نطاق هذا الأخير يشمل بحسب الأصل نقص الأهلية وعيوب الرضا، بينما يشمل نطاق العقد الموقوف نقص الأهلية وعيوب الرضا وانعدام الولاية على المحل أي تعلق حق الغير بالمحل ، وهذا السبب الأخير تندرج تحته حالات أهمها تصرف مالك العين المرهونة أو المؤجرة، والبيع الصادر من المريض في مرض الموت لوارثه، وأيضا تصرف الفضولي، وهو من يتصرف في ملك غيره بدون إذنه، كأن يبيعه مثلا، كما أن فكرة العقد الموقوف تفضل فكرة العقد القابل للإبطال من ناحيتين: الأولى أن العقد الذي يشوبه نقص في الأهلية أو عيب في الإرادة أو انعدام الولاية على المحل يحسن أن يقف حتى تلحقه الإجازة فهذا أولى من أن ينفذ حتى يطلب إبطاله، والثانية أن بيع ملك الغير في القوانين التي أخذت بالتصوير اللاتيني حكمه مضطرب ولا يتفق مع القواعد العامة، فهو نافذ في حق البائع، وقابل للإبطال بالنسبة للمشترى بمقتضى نص خاص، وغير نافذ في حق المالك، وللمشتري أن يجيزه وإن كانت هذه الإجازة لا تجعله نافذا في حق المالك، وللمالك أن يقره فيصبح بهذا نافذا في حقه وصحيحا في حق المشتري، بينما في ضوء فكرة العقد الموقوف يكون حكم هذا البيع واحدا بالنسبة إلى كل من البائع والمشتري والمالك، ولا تتأتي إجازته إلا من طرف المالك، فإذا صدرت هذه الإجازة أصبح العقد نافذا في حق الجميع .
[1] ينص الفصل الثاني من قانون الالتزامات والعقود على أنه: ” الأركان اللازمة لصحة الالتزامات الناشئة عن التعبير عن الإرادة هي:
1. الأهلية للالتزام ،
2. تعبير صحيح عن الإرادة يقع على العناصر الأساسية للالتزام،
3. شيء محقق يصلح لأن يكون محلا للالتزام،
4. سبب مشروع للالتزام.
[2] إدريس العلوي العبدلاوي، نظرية العقد، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1996 ، ص 554.
[3] خص المشرع المغربي لنظرية البطلان القسم الخامس من الكتاب الأول من قانون الالتزامات والعقود تحت عنوان: بطلان العقود وإبطالها، الذي يتضمن 13 فصلا تبتدئ من الفصل 306 وتنتهي بالفصل 318، وذلك فضلا عن بعض النصوص الأخرى المتفرقة فيه.
[4] سورة البقرة -آية 274
[5] سورة آل عمران -آية 130.
[6] الفقرة الأولى من الفصل 1114 من ق ل ع .
[7] الفصل 1035 من ق ل ع .
[8] الفصل 1131 ق ل ع .
[9] الفصل 1119 ق ل ع .
[10] مجلة المحاكم المغربية لسنة 1934 – 1935 – عدد 592
[11] إدريس العلوي العبدلاوي، المرجع السابق ، ص، 164.
[12] عبد القادر العرعاري، النظرية العامة للالتزامات في القانون المغربي ، الجزء الأول ، الكتاب الأول ،نظرية العقد في مبادئها القانونية ومظاهرها التطبيقية ، مطبعة فضالة ، المحمدية ، 1995 ، ص، 186وأيضا محمد الشرقاني ، القانون المدني ، المطبعة والوراقة الوطنية ، مراكش ، 2003، الطبعة الثانية، ص، 225 .
[13] تنص المادة 142 من القانون المدني المصري على انه “في حالة إبطال العقد وبطلانه يعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، فإذا كان هذا مستحيلا جاز الحكم بتعويض معادل “.
[14] الفصل 6 من ق .ل .ع.
[15] الفصل 9 من ق .ل .ع
[16] ينص الفصل 785 من ق ل ع على انه: إذا أجريت الوديعة من شخص أهل إلى شخص آخر غير أهل، لم يكن للمودع الرشيد، إلا دعوى استحقاق الشيء المودع إذا كان موجودا في يد المودع عنده، فإن كان هذا الشيء قد خرج من يد المودع عنده لم يكن للمودع إلا دعوى الاسترداد، في حدود ما عاد على ناقص الأهلية من نفع. وذلك دون إخلال بما يقرره القانون في حالة الجرائم وأشباه الجرائم الواقعة من ناقص الأهلية.
[17] الخلافة في العلاقة القانونية إما أن تكون خلافة خلال الحياة وهي خلافة خاصة، أو خلافة بسبب الوفاة وتكون إما خلافة عامة أو خلافة خاصة.
والخلف العام هو الذي يخلف المتعاقد في كل ذمته المالية أو في جزء غير معين ” بالذات كالوارث والموصى له بجزء غير معين من التركة.
أما الخلف الخاص فهو من يخلف المتعاقدين في مال معين بالذات، وفيما عدا ذلك فإنه يعتبر غيرا.
[18] يلاحظ أن المشرع المغربي قد خرج في مدونة التجارة عن هذه القاعدة وخانته الدقة في تنظيمه لمقتضيات بطلان عقد التسيير الحر في المادة 158 عندما نص على أنه: يعد باطلا كل عقد تسيير حر مبرم مع المالك أو المستغل للأصل التجاري لا يتوفر على الشروط المنصوص عليها في المواد أعلاه، غير أن المتعاقدين لا يحق لهم التمسك بهذا البطلان تجاه الغير.
لمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع راجع مؤلفنا حول التسيير الحر للأصل التجاري في القانون المغربي، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش ، 2005، ص ، 178 وما بعدها.
[19] أحمد حسن البرعي، نظرية الالتزام في القانون المغربي، مصادر الالتزام ، 1، العقد، دار الثقافة، الدار البيضاء، 1981 ،ص ، 168 .
[20] المادة 64 من مدونة الأسرة.
[21] المادة 58 من مدونة الأسرة.
[22] المادة 60 من مدونة الأسرة.
[23] عبد القادر العرعاري ، المرجع السابق ، ص، 195 .
[24] محمد الشرقاني ، المرجع السابق ، ص، 232 .
[25] الفصل 1226 ق ل ع .
[26] الفصل 1215 ق ل ع .
[27] المادة 47 من مدونة الأسرة .
[28] بأحمد حسن البرعي، المرجع السابق ، ص ،168 .
[29] عبد القادر العرعاري، المرجع السابق، ص 88 . أحمد شكري السباعي، نظرية بطلان العقود في القانون المدني والفقه الإسلامي والقانون المقارن، منشورات عكاظ، الرباط، 1986، ص، 122 وما بعدها. محمد الشرقاني ، المرجع السابق ، ص ، 133 .
[30] احمد شكري السباعي، المرجع السابق، ص 122.
[31] تجدر الإشارة إلى أن أحكام الأهلية جاءت في التشريع المغربي متناثرة، وموزعة على عدة قوانين منها الالتزامات والعقود، ومدونة الأسرة، ومدونة التجارة والعقار والدولي الخاص والمسطرة المدنية، وهو ما نتج عنه بعض مظاهر الاضطراب في تنظيمه لأحكامها.
[32] المادة 208 من مدونة الأسرة؟ .
[33] تنص المادة 208 من مدونة الأسرة على انه “يحدد القانون شروط اكتسابها وأسباب نقصانها أو انعدامها “.
[34] تنص المادة 220 من مدونة الأسرة على أن: فاقد العقل … تحجر عليهم المحكمة بحكم من وقت ثبوت حالتهم بذلك، ….
[35] قرار المجلس الأعلى بتاريخ 1972/2/6 منشور في مجلة قضاء المجلس الأعلى العدد 25-ص 158 .
[36] لم يكن المشرع المغربي موفقا عندما جعل التعبير عن الإرادة من الأركان اللازمة لقيام العقد-إنشاء الالتزام بعبارة المشرع المغربي في الفصل الثاني -في حين أن الإرادة أو التراضي هو الركن الجوهري في العقد، أما التعبير فهو وسيلة إظهار الإرادة ونقلها إلى الطرف الثاني، وهو لا يقصد لذاته بل باعتباره دليلا على وجود هذه الإرادة.
[37] الفصل 19 ق .ل .ع
[38] ينص الفصل 38من ق ل ع على أنه “يسوغ استنتاج الرضي أو الإقرار من السكوت إذا كان الشخص الذي يحصل التصرف في حقوقه حاضرا أو علم بحصوله على وجه سليم ولم يعترض عليه من غير أن يكون هناك سبب مشروع يبرر سكوته “.
أما الفصل 25 فينص على أنه : ” عندما يكون الرد بالقبول غير مطلوب من الموجب أو عندما لا يقتضيه العرف التجاري ، فإن العقد يتم بمجرد شروع الطرف الآخر في تنفيذه ويكون السكوت عن الرد بمثابة القبول ، إذا تعلق الإيجاب بمعاملات سابقة بدأت فعلا بين الطرفين “.
[39] الفصل 59 من ق ل ع .
[40] الفصل 60 ق .ل .ع.
[41] الفصل 61 ق .ل .ع.
[42] الفصل 61 ق .ل .ع
[43] الفصل 62 من ق ل ع .
[44] الفصول 63-64-65 من ق ل ع .
[45] قرار صادر في 30 مارس 1930 – مجلة المحاكم المغربية عدد 592 لسنة 1934-1935.
[46] الفصل 63 من ق ل ع .
[47] الفصل 64 من ق ل ع .
[48] الفصل 65من ق ل ع .
[49] ينص الفصل 402 من ق ل ع على أنه: إذا لم يكن العقد خاضعا لشكل خاص، واتفق عاقداه صراحة على انهما لا يعتبرانه تاما إلا إذا وقع في شكل معين، فإن الالتزام لا يكون موجودا إلا إذا حصل في الشكل الذي اتفق عليه العاقدان.
[50] ينص الفصل 856 من ق ل ع على أن : عارية الاستعمال عقد بمقتضاه يسلم أحد طرفيه للآخر شيئا، لكي يستعمله خلال أجل معين أو في غرض محدد على أن يرده بعينه. وفي العارية يحتفظ المعير بملكية الشيء المستعار وبحيازته القانونية. وليس للمستعير إلا مجرد استعماله ..
[51] الفصل 191 من ق ل ع .
[52] الفصل 751 من ق ل ع .
[53] الفصل 809 من ق ل ع .
[54] الفصل 882 من ق ل ع .
[55] احمد شكري السباعي، المرجع السابق، ص، 203.
[56] ينص الفصل 870 ق .ل .ع على أن : ” اشتراط الفائدة بين المسلمين باطل ومبطل للعقد الذي يتضمنه سواء جاء صريحا أو اتخذ شكل هدية أو أي نفع آخر للمقرض أو لأي شخص غيره يتخذ وسيطا له.
[57] في حالات أخرى يكتفي المشرع بتقرير بطلان الشرط دون العقد من ذلك مثلا ما نصت عليه المادة 47 من مدونة الأسرة من أن : الشروط كلها ملزمة ، إلا ما خالف منها أحكام العقد ومقاصده وما خالف القواعد الآمرة للقانون فيعتبر باطلا والعقد صحيحا “.
[58] المادة 216 من مدونة الأسرة.
[59] يوجد خلاف في أثر تصرفات ناقص الأهلية الدائرة بين النفع والضرر بين قانون الالتزامات والعقود ومدونة الأسرة، إذ بينما يجعل الأول في الفصل 4 هذه التصرفات قابلة للإبطال، فإن المدونة تأخذ بنظرية العقد الموقوف، حيث تنص في المادة 225 على أن تصرفات ناقص الأهلية العوضية موقوفة على إجازة نائبه الشرعي.
[60] الفصل 5 من ق .ل .ع
[61] أحمد شكري السباعي، المرجع السابق، ص 217.
[62] إدريس العلوي العبدلاوي : المرجع السابق ، ص 332.
[63] تتقاسم نظرية الغلط فقها نظريتان : الأولى تقليدية والثانية حديثة.
فالنظرية التقليدية تقوم على أساس تحديد حالات الغلط تحديدا ماديا على سبيل الحصر، وتقسم الغلط إلى ثلاثة أنواع :
النوع الأول : غلط مانع ، ويكون إذا وقع الغلط في طبيعة العقد أو على ذات محل الالتزام أو في سبب الالتزام أو العقد وهذا النوع من الغلط يحول دون قيام العقد.
النوع الثاني : غلط مؤثر، ويكون إذا وقع في مادة الشيء أو صفة جوهرية فيه أو في شخص الطرف الثاني أو صفة جوهرية فيه متى كانت هذه الصفة محل اعتبار في العقد وهذا النوع من الغلط لا يحول دون إبرام العقد، ولكن يعيب رضاء المتعاقد.
النوع الثالث: غلط غير مؤثر كما لو وقع مثلا في صفة المتعاقد الآخر إذا لم تكن محل اعتبار في العقد.
أما النظرية الحديثة فتستخدم معيارا موضوعيا يقوم على أساس تحديد حالات الغلط حسب الصفة والشرط لا على سبيل الحصر.
[64] أحمد حسن البرعي، المرجع السابق ، ص 99.
[65] جاء في قرار المجلس الأعلى رقم 182 بتاريخ 10 ماي 1967 أنه إذا انصب الغلط على وضعية قانونية يمكن التعرف عليها بالاطلاع على الرسوم العقارية بالمحافظة وعلى نصوص القانون العقاري كان غلطا قانونيا من شأنه أن لا يؤثر على صحة البيع.
مجلة القضاء والقانون، العدد 88-89 لسنة 1988 ص 407.
[66] أحمد حسن البرعي، المرجع السابق، ص 103.
[67] عبد القادر العرعاري، المرجع السابق، ص 102. وإدريس العلوي العبدلاوي، المرجع السابق، ص 346.
[68] عبد القادر العرعاري، المرجع السابق، ص 102.
[69] مأمون الكزبري، المرجع السابق، ص .85.
[70] أحمد شكري السباعي، المرجع السابق، ص 26، ومأمون الكزبري، المرجع السابق، ص 77، أحمد حسن البرعي، المرجع السابق، ص 97.
[71] عبد الكريم شهبون، الشافي في شرح قانون الالتزامات والعقود المغربي، الكتاب الأول – الجزء الأول -مصادر الالتزامات، مطبعة النجاح الجديدة -الدار البيضاء، 1999، ص 219.
[72] فضلا على ذلك فإن الفسخ بالمعنى السابق لا يكون إلا في العقود الملزمة للجانبين وهذا يتنافى مع الاتجاه الذي يسلكه المشرع المغربي حيث اعتد بالغلط الذي يقع في جميع العقود سواء أكانت ملزمة للجانبين أو ملزمة لجانب واحد، كما هو الشأن في الإقرار (الفصل 409 ق .ل .ع) الذي جاء فيه: “يلزم في الإقرار أن يصدر عن اختيار وإدراك هذا وان الأسباب التي تعد عيبا في الرضا تعد عيبا في الإقرار”. ويختلف الفسخ عن الإبطال أيضا في أن للقاضي في الحالة الأولى سلطة تقديرية في الحكم به أو يعطي للطرف الثاني مهلة لتنفيذ التزامه، في حين لا يتمتع القاضي في حالات الإبطال بمثل هذه السلطة إذ يجب عليه دائما أن يقضي بإبطال العقد للمدعي.
[73] قرار المجلس الأعلى رقم 87 بتاريخ 13/1/1951، مجلة القضاء والقانون – العدد 24، ص 333.
[74] إدريس العلوي العبدلاوي، المرجع السابق، ص 367.
[75] إدريس العلوي العبدلاوي، المرجع السابق ، ص 380.
[76] مأمون الكزبري، المرجع السابق، ص. 121-135 ، احمد حسن البرعي ، المرجع السابق ، ص 121.
[77] أحمد حسن البرعي ، المرجع السابق ، ص .124.
[78] مأمون الكزبري، المرجع السابق، ص 115، أحمد شكري السباعي، المرجع السابق، ص 298.
[79] يرجع بعض الفقه السبب الحقيقي للنظرة الضيقة للغبن التي تبناها المشرع المغربي سنة 1913 إلى الرغبة في ضمان المعاملات التي يغبن فيها من كان يسمى في الاصطلاح الاستعماري الفرنسي بالأهلي (Indigene) حينما يكره على بيع أراضيه للمعمر. لمزيد من التفصيل راجع علال الفاسي، دفاع عن الشريعة، ص، 210.
[80] مأمون الكزبري: المرجع السابق، ص 128
[81] إدريس العلوي العبدلاوي ، المرجع السابق ، ص 533.
[82] أحمد حسن البرعي ، المرجع السابق ، ص 180.
[83] إدريس العلوي العبدلاوي، المرجع السابق، ص 569 – أحمد حسن البرعي ، المرجع السابق، ص 177 .
[84] محمد الشرقاني ، المرجع السابق ، ص 215 .
[85] إدريس العلوي العبدلاوي ، المرجع السابق ، ص 555 .
[86] الملاحظ أن المشرع المغربي نظم البطلان في القانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة بكيفية مختلفة لنظامه في القواعد العامة لقانون الالتزامات والعقود، فإذا كان البطلان يؤدي إلى إزالة أي اثر للعقد الباطل، فإن البطلان في قانون الشركات يمكن تصحيحه وتدارك أسبابه إذا لم يتعلق بمشروعية المحل والشركة مع القاصر، حيث يمكن أن تسقط دعوى البطلان عندما يزول سببه (المادة 339 من القانون رقم 17.95)، كما أن المشرع أعطى للمحكمة ولو بصفة تلقائية أن تحدد أجلا لتدارك سبب البطلان (المادة 340 من القانون نفسه ).
[87] إدريس العلوي العبدلاوي ، المرجع السابق ، ص .569.
[88] أحمد شكري السباعي، السباعي، المرجع السابق، ص 325 .
[89] محمد الشرقاني ، المرجع السابق ، ص 218.
[90] عبد القادر العرعاري ، المرجع السابق ،ص ، 181
[91] إدريس العلوي العبدلاوي ، المرجع السابق ، ص 561.
[92] إدريس العلوي العبدلاوي ، المرجع السابق ، ص 571.
[93] محمد الشرقاني ، المرجع السابق ، ص 221- أحمد شكري السباعي ، المرجع السابق ، ص 491.
- أحمد حسن البرعي، المرجع السابق، ص 174.
[94] عبد القادر العرعاري ، ص 175 .
[95] إدريس العلوي العبدلاوي، المرجع السابق، ص 564 -عبد القادر العرعاري، المرجع السابق، ص 176.
[96] إدريس العلوي العبدلاوي ، المرجع السابق ، ص 564.
[97] أحمد شكري السباعي، المرجع السابق، ص 449.
[98] أحمد شكري السباعي، المرجع السابق، ص 3.
[99] إدريس العلوي العبدلاوي ، المرجع السابق ، ص 539.


