د. نجيم أهتوت

أستاذ باحث بكلية الحقوق فاس

 

مقدمة:

يتميز نظام التحفيظ العقاري بأثره المباشر على استقرار المعاملات العقارية وإشاعة الثقة والاطمئنان بين الأفراد فإلى جانب دوره القانوني يلعب أيضا دورا اقتصاديا كبيرا يتجلى في توفير أسس الأمن العقاري، فهو يمكن أن يشجع تطور العمليات العقارية بقدر ما يمكن أن يعرقل سيرها وذلك حسب درجة الائتمان التي يوفرها لهذه الأخيرة، ويعتبر هذا القانون العقاري بمثابة الضمانة للحصول على القروض([1]).

لكن انتشار ظاهرة عدم تحيين الرسوم العقارية، أي عدم مطابقة بيانات السجل العقاري للحالة الواقعية للعقار، من شأنه أن يؤدي بالغير إلى رفع دعوى الاستحقاق الفرعية متى اتضح له أن الحجز قد انصب على عقاره، الأمر الذي يمس بهذه الثقة العامة ويؤثر على عملية الائتمان ويحول دون تطوير وتحسين استثمار الأموال، كما أنه يؤدي إلى عدم استقرار الملكية العقارية.

فنظام الشهر العقاري يهدف إلى إحاطة الكافة علما بالوضع القانوني للعقار والحقوق التي ترد عليه، غير أن السجلات العقارية لا تلعب دورها كاملا أي إخبار وتزويد المعنيين بالأمر بالمعلومات الدقيقة إلا إذا تم تحيينها باستمرار، للإعلان عن التأسيس وعمليات نقل الحقوق العينية، بمعنى أن المستفيدين الجدد يصبحون معروفين عند الجميع بسرعة وبصورة نهائية، إذ أن أي التباس يخصهم قد يضر بعملية التقييدات التي ترد على حق الملكية.

من هنا سيكون تحليل هذا الموضوع موزع إلى دراسة أثر دعوى الاستحقاق الفرعية على الثقة والاطمئنان في الرسوم العقارية، الفقرة الأولى وأثرها على حرية تداول الملكية العقارية، في الفقرة الثانية وفي الفقرة الثالثة سأعرض لأثر هذه الدعوى على القروض الرهينة.

الفقرة الأولى

أثر دعوى الاستحقاق الفرعية على الثقة والاطمئنان في الرسوم العقارية

إن تنظيم رسوم الملكية العقارية من طرف القاضي الشرعي، لم تكن كافية لتوخي الثقة بين المتعاملين بها رغم التنظيمات العديدة التي أدخلت على كيفية تحرير هذه الرسوم وضبطها وتنظيمها، إذ كثيرا ما تثار الشكوك حول صحتها، وكثيرا ما تنظم هذه الرسوم نتيجة تواطؤ بين مالك غير شرعي وشهود زور ([2]).

بالإضافة إلى أن هذه الرسوم كثيرا ما يعتريها النقص أو الإهمال، بحيث إن بعضها لا يتوفر على الإيضاحات الكافية اللازمة لتعيين موقع العقار، أو مساحته أو حدوده، أو أسماء أصحاب الحقوق العينية المترتبة على العقار، ولعدم وجود خرائط مفصلة تبين بدقة موقع العقار ومساحته وحدوده.

وتبعا لذلك تعجز المحاكم في كثير من الحالات عن الفصل في دعاوى الاستحقاق المرتبطة بالعقارات غير المحفظة، إما نتيجة لضعف الحجج وانعدام وسائل الإثبات أحيانا، أو لتضارب الحجج أحيانا أخرى، الأمر الذي يؤدي إلى إطالة عمر النزاع وتعدد أطرافه، لدرجة أن بعض القضايا ظلت قائمة أمام المحاكم لمدة طويلة، الشيء الذي تكون له انعكاسات وخيمة على المستوى الاجتماعي.. تتجلى أساسا في إهدار الجهد والمال وتشتت بعض الأسر والعائلات من جراء النزاعات القائمة في هذا المجال([3]).

وهكذا فالمقرض الذي يقبل العقارات غير المحفظة كضمانة، يكون مهددا بأخطار عدة، من قبيل ادعاء الغير لاستحقاقه العقار المرهون والمحجوز عليه، مما ينجم عنه في أحيان كثيرة نتائج سلبية إن على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي.

وإذا كان الإشهار العقاري، يلعب دورا رئيسيا في البحث عن إرساء أرضية قانونية صلبة، هدفه الحد من النزاعات العقارية، وخلق جو ملائم للتنمية، والقضاء أخيرا على العمليات العقارية اللامشروعة، مساهما بذلك في تأييد الائتمان العقاري، وتسهيل تداول الملكية بسرعة ويسر ([4]). فإن قلة نسبة العقارات المحفظة بالمقارنة مع العقارات غير المحفظة واستفحال ظاهرة عدم تحيين الرسوم العقارية، وبالتالي كثرة دعاوى الاستحقاق المتفرعة على إجراءات التنفيذ العقاري من شأنه أن يزعزع ثقة المتعاملين في الميدان العقاري، حول نجاعة نظام الشهر العقاري في القضاء على سرية المعاملات العقارية التي كانت مصدر انعدام الثقة والاستقرار، وعلى أسباب الاختلافات والمنازعات المرتبطة بالعقار، ذلك أن الممارسة تظهر بأن الأشخاص المستفيدين من نظام التحفيظ العقاري يفضلون وبطريقة تلقائية، إجراء التسجيل أولا بمصلحة الضرائب، وفيما بعد اللجوء للتقييد في المحافظة العقارية، مما يجعل الرسوم العقارية تكون غير مطابقة للحالة الحقيقية للعقارات المتعلقة بها ([5]).

فإقدام المدين المحجوز عليه على التصرف في العقار المحجوز بطريقة سرية، دون تحيين الرسم العقاري، يجعل الدائن الحاجز مهددا دائما بإمكانية نقل ملكية العقار لفائدة الغير، الذي قد يطالب باستحقاقه للعقار، مدعيا أن الحجز قد انصب على عقار يملكه، وذلك بالرغم من كون حق الدائن الحاجز مسجل في السجل العقاري، وهو ما يتنافى ووظائف السجلات العقارية.

فالاستثمار في المشاريع الإسكانية  ([6]) والزراعية، والصناعية، والتجارية، والسياحية، والخدماتية وغيرها يعتمد العقار كلبنة أولى تشكل نقطة الانطلاق بالنسبة لكل الإنجازات الأخرى، ولكي يلعب العقار دوره الطلائعي على المستوى الاقتصادي، لا بد من إخضاعه لنظام يتسم باليقينية والشفافية والعلنية، فتعبئة الملكية العقارية وتوظيفها ضمن الدورة الاقتصادية، تتجل في مدى مصداقية الرسم العقاري الذي يشخص ويضمن حقوق المتعاملين به، وهذه المصداقية لا يمكن تأمينها إلا إذا كان الرسم العقاري مطابقا في كل وقت وحين للمركز القانوني والفعلي للعقار ولمالكه أو المتعامل به.

فاستقرار المعاملات العقارية عن طريق تعبئة الملكية العقارية، وتوظيفها ضمن الدورة الاقتصادية في مجالاتها الحيوية والمنتجة يؤديان بكل فعالية إلى تنمية شاملة ومستديمة تغطي مربعات الإقليم والجهة والوطن. وهو استقرار يتمخض عن مؤسسة التحفيظ العقاري، هذا الأخير- أي التحفيظ العقاري- الذي يعتبر الفاعل الرئيسي في تحريك دواليب الدور الاقتصادية في آفاقها المالية والتجارية والمصرفية.

ولن تساهم الملكية العقارية بنصيب يحظى بالاهتمام في دواليب التنمية الشاملة إلا بالنظر إلى حالتها القانونية والحقوقية التي توجد عليها. بمعنى أن قيمتها المالية في ميزان الاقتصاد المحلي والوطني رهين بتحفيظها، أي خضوعها لنظام التحفيظ العقاري ([7]).

فالمعاملات السرية الواردة على العقار المحجوز، والغير المسجلة على السجلات العقارية، من شأنها أن تؤدي إلى ارتفاع طلبات الاستحقاق التي قد ترفع من طرف الأغيار الذين يدعون ملكية العقارات المحجوزة، وهو ما من شأنه أن يعرقل استقرار المعاملات والتصرفات العقارية، ويزعزع ثقة المتعاملين في الميدان العقاري، حول نجاعة نظام التحفيظ العقاري في الحفاظ على مصالحهم وحقوقهم.

الفقرة الثانية:

دعوى الاستحقاق الفرعية وأثرها على حرية تداول الملكية العقارية

يقصد بتداول الملكية العقارية، سهولة انتقال العقار من يد إلى يد دون أي نزاع أو خلاف يهدد هذا الانتقال أو يؤثر فيه. ولن تتحقق هذه السهولة إلا بالاستقرار والأمن العقاريين، اللذين يبقيان مرهونين بإيجاد أرضية قانونية وهندسية صلبة للملكية العقارية ([8]).

فدعم التحفيظ للتداول العقاري لا يتأتى إلا من حيث سهولة التعامل والتصرف بالعقار على أساس معلومات ومعطيات مؤكدة دقيقة وواضحة وموثوق فيها، نظرا لما تتمتع به نصوص وبيانات الرسوم العقارية من حجية وقوة إثباتية لا يمكن تغييرها أو إبطالها أو التشطيب عليها إلا بمقتضى تصرف آخر أو حكم نهائي حائز لقوة الشيء المقضي به، سواء تعلق الأمر بمشترين أو مستثمرين أو مؤسسات للسلف ([9]).

وإذا كانت القاعدة سليمة، والمرجعية واضحة وهما معا نتاج عملية التحفيظ العقاري، فإنه بإمكان العقار أن يؤتي أكله المالي والتجاري في أحسن الظروف، وبإمكان المتعاملين في القطاع العقاري من التداول فيه بكل سهولة ويسر وطمأنينة ([10]).

حقيقة، أن التحفيظ يساهم بكيفية فعالة في تسهيل حركة تداول الملكية ويسهل تكوين الضمانات العقارية ([11]) ويبعث الاطمئنان لدى المؤسسات المالية.

لكن ونظرا لعدم مطابقة بيانات السجلات العقارية للوضعية الحقيقية للعقار،ـ نتيجة لتفاقم التصرفات العقارية السرية، قد يؤدي بالغير الذي يدعي ملكية العقار المحجوز إلى رفع دعوى الاستحقاق الفرعية، التي يترتب عنها في هذا الصدد نتائج وخيمة تتمثل في الحد من ديناميكية التداول العقاري والتوظيف السهل  للملكية ضمن الدورة الاقتصادية.

إذا أن تحسين إنتاج الأرض يرتكز أساسا على مدى حركية المبادلات والمعاملات العقارية التي تجعلها تنتقل من يد الحائز المتكاسل والعديم القدرة على إمكانيات الاستثمار، إلى يد المالك المقدام الذي تتوفر له الإمكانيات المالية.

فمؤسسات الائتمان، وأمام تخوفها من ادعاء الغير استحقاق العقار المحجوز، كثيرا ما تحجم عن تقديم القروض لطالبيها، مما ينجم عنه تعطيل سير الصفقات، والمعاملات التجارية، ويترتب عنه أيضا ادخار وتكدس الأموال من منطلق تفضيل المقرضين الاحتفاظ بالأموال بدل تسليمها للمقترضين، وشل حركة الاقتصاد وإعاقة التداول. إذ تبقى الملكية مجمدة. وخارج حلبة الاقتصاد أو النسيج الاقتصادي وبالتالي لا يمكن تداولها والاعتماد عليها لتشجيع الائتمان.

كما أن كثرة الطعون الموجهة ضد شهادة التقييد الخاصة ([12]) غايتها المماطلة والتي غالبا ما تستجيب لها المحاكم وتشكل سندا للممارسة طلبات تأجيل إجراءات البيع ([13]).

فكل هذا ينعكس على حرية المبادلات وعلى تيسير تداول الملكية، ولا يستجيب لمتطلبات المجتمعات المعاصرة، التي تستدعي:

أولا: تعبئة الملكية وتوظيفها ضمن الدورة الاقتصادية بكيفية فعلية وفعالة.

وثانيا تضافر كافة العوامل القانونية والمادية… لخدمة هدف واحد هو التنمية الاقتصادية للبلاد، الأمر الذي يتطلب إيجاد حلول وبدائل ناجعة لما يلاحظ من سلبيات وتعقيدات على نظام التحفيظ العقاري. وبالتالي على دعوى الاستحقاق الفرعية، حيث إن إعادة الثقة للمتعاملين العقاريين في الملكية العقارية، وحسبما أعتقد يكون عن طريق إطلاع هؤلاء المتعاملين بكيفية ميسرة، دقيقة ومرنة على وضعية هذه العقارات، خاصة المحفظة منها، بإدارة المحافظة العقارية عن طريق سجلاتها وكنانيشها وملفاتها، وأيضا  بتطبيق مبدأ الإشهار العقاري الذي يشجع أغلب المتعاملين والمتدخلين في العمليات العقارية من دولة وأبناك ومنعشين عقاريين ودائنين..، على إبرام التصرفات القانونية في الأملاك والعقارات المحفظة دون خوف ([14]) لما يضمنه من طمأنينة حقوقية للتعامل، ويجنب المتعاملين بالعقارات والمستفيدين منها أخطار التدليس أو الغبن أو غيرها من العيوب التي تفسد الإرادة ([15]).

وعليه فإن تداول الملكية العقارية بهذه الدرجة من الأهمية، واستقرار المعاملات العقارية بهذا المستوى، رهين بتقييد هذه المعاملات بالسجلات العقارية لدى مصلحة المحافظة العقارية لتحقيق المبتغى الاقتصادي والتنموي الشامل للدولة والفرد والمجتمع، إذ يوجه الرأسمال الوطني إلى المجالات الحيوية التي تعود بالنفع العميم والخير الكثير على التنمية المحلية منها والوطنية ([16]).

الفقرة الثالثة

أثر دعوى الاستحقاق الفرعية على القروض الرهنية

إن المؤسسات المصرفية من أبناك وشركات على اختلاف أنوعها، وأصحاب رؤوس الأموال، والدولة لا يمنحون القروض إلا تحت حماية القانون وتأمين الملاكين على أموالهم، فالتجار وأصحاب الصناعة والخواص بإمكانهم الاستفادة لأجل مصالحهم الخاصة من القرض العقاري، شريطة أن يقدموا للضمان ملكية موثوقا بها وغير متنازع عليها ([17]).

وعلى هذا الأساس فإن مصلحة الدائنين أو الأبناك بصفة عامة تتجلى في إيجاد نظام للإشهار العقاري يمكنها من التوفر على عنصرين رئيسيين هما:

أولا: التوفر على سندات للملكية تمكنها من التأكد من أنها تتعاقد مع المالك الحقيقي للعقار، وأن هذا الأخير غير معرض لدعوى المطالبة بالاستحقاق وأن سند ملكيته لا تشوبه عيوب من شأنها أن تؤدي إلى إبطال هذا السند أو التصريح ببطلانه، وأن يكون بإمكانها التعرف على القيمة الحقيقية للعقار بالنظر إلى الحقوق العينية والتحملات المترتبة عليه ([18]).

ثانيا: الحصول على ضمانات عينية عقارية تمكنها من الحفاظ على حقوقها في الأفضلية وتتبع العقار([19])، ذلك لأن الأبناك بصفة عامة كأي رأسمالي لا تقرض أموالها إلا إذا توفرت على عناصر تضمن لها حسن توظيف رأسمالها واستيفاء ديونها بدون عناء كبير وهو ما لا يتحقق إلا عن طريق نظام متقن ومحكم للإشهار العقاري.

فالائتمان ليس هو فقط حشد الأموال النقدية، ولكنه يعني أيضا إيجاد الوسائل الكفيلة بإنشاء رابطة وعلاقة بين أصحاب رؤوس الأموال وبين من يطلبونها ([20]).

ذلك أن وضعية الدائنين المرتهنين ومنهم مؤسسات السلف بالخصوص ليست بالبسيطة والسهلة، فرغم أن لهم الحق في رد واستيفاء ديونهم، فإنه إذا كان الرهن واقعا على المعدات والآلات والمحلات التجارية، غير كاف أو غير صحيح، أو إذا كان المدين الراهن غير مالك شرعي وحقيقي للعقار موضوع الرهن، فإن ديونهم سوف لن تكون متمتعة بالضمان والاطمئنان والثقة المعتبرة من الشروط الأساسية لمنح القروض، حيث إن سهولة هاته القروض وسيولتها، وجودة وانخفاض معدل الفائدة تكون أقل تيسيرا بواسطة كثرة رؤوس الأموال المتواجدة قصد التوظيف المربح عند تأمين الضمانات الممنوحة لمؤسسات القرض ([21])، ذلك أن هذه الأخيرة- أي مؤسسات القرض- لا تمنح القروض إلا تحت حماية القانون وتأمين الملاكين على أموالهم بأن يقدموا للضمان ملكية موثوقا بها وغير متنازع عليها.

فالأمن العقاري وحرية تداول الملكية العقارية، عوامل رئيسية في تنمية القرض الرهني الذي يعتبر أساس الزيادة في الاستثمار، وفي ديناميكية السوق العقاري، وخلق الشروط الضرورية لبيئة قانونية واقتصادية ملائمة للتنمية ([22]).

وإذا كانت التسليفات الرهنية، مضمونة عن طريق التقييد في السجلات العقارية، بل إنها لا تنشأ هي نفسها سوى عن طريق التقييد، وابتداء من تاريخه، وذلك بمنح نظام السجلات العقارية المغربي لمؤسسات السلف أرضية صلبة، وأمنا عقاريا مطلقا، يمكنها ممن التوفر على العناصر الضرورية لحسن توظيف رؤوس أموالها عن طريق التسليفات ([23])، فإن الخلل الذي يعتري نظام التحفيظ العقاري، والمتمثل في عدم مطابقة الوضعية القانونية للعقار، مع وضعيته الحقيقية، في بعض الحالات- كما في حالة التصرف في العقار دون مراجعة بيانات السجل العقاري- يؤدي بالغير إلى رفع دعوى الاستحقاق والمطالبة بإبطال إجراءات الحجز، متى ادعى أن هذا الأخير- أي الحجز قد انصب على عقارات يملكها، الأمر الذي يعيق عملية الائتمان العقاري، فالدائن الحاجز قد يفقد حقه في استرداد مبالغ القروض التي قدمها  للمدين المحجوز عليه، في الحالة التي يكون فيها العقار المرهون، والذي هو محل دعوى استحقاق، قد انتقل إلى ملكية الغير- طالب الاستحقاق- قبل إيقاع واستحقاق العقار لرافع دعوى الاستحقاق، مما يؤدي إلى ضياع حقوق الدائن الحاجز، الذي لا يبقى أمامه سوى إعادة إجراءات التنفيذ على عقار آخر يوجد في  ملكية المدين الراهن، وهو ما يستغرق وقتا طويلا، مما جعل المؤسسات الدائنة تشكو من هذا الوضع الذي تضررت منه كثيرا، إذ تظل مبالغ القروض مجمدة ولا تحصل على ديونها في الوقت المحدد، مما يجعلها لا تقوم بدورها في تمويل الاقتصاد الوطني، فالإبقاء على هذه الحالة سيؤدي لا محالة إلى إضعاف الائتمان العقاري وتقليص عمليات التسليف العقاري ([24]).

فالمغرب في تجربته التنموية لا يخرج عن القاعدة السائدة في جميع بلدان المعمور من حيث اعتماد الائتمان الرهني كوسيلة لتمويل المشاريع على المستوى الزراعي والصناعي والسياحي والتجاري، إلى غير ذلك من أوجه النشاط الاقتصادي والعقار باعتباره يشكل الأداة الأولى للائتمان والضمانة الرئيسة للحصول على السلفات من مؤسسات القرض، ويشكل عاملا أساسيا في جلب رؤوس الأموال الخارجية لما ينتج عنه من تقليص لمخاطر استثمارها وتوظيفها.

لذلك فإن المستثمر- الأجنبي أو الوطني- والذي يجد في التحفيظ العقاري التشجيع الكافي والضمانة الأساسية يجب ألا يفاجأ، عند رفع الغير  لدعوى الاستحقاق، بأن الراهن ليس هو المالك، وأن العقار أصبح في ملك الغير.

فكيف يعقل أن يقدم الدائن قرضا مضمونا بعقار، قد يمارس عليه الغير دعوى الاستحقاق؟

صحيح أن الدائن له الحق في استرداد ما دفعه من قروض، لكنه غير مؤمن، وغير واثق من الحصول على ذلك، وليس باستطاعته حجز هذا العقار- في حالة ثبوت استحقاقه للغير- لضمان الحصول على ما دفعه، نظرا لكون هذا العقار سيخرج من ملكية الراهن ويدخل في ملكية الغير.

لذا يجب – وحسب ما أعتقد- منح الضمانة العينية العقارية قيمتها المرجوة، حتى يتأتى لمؤسسات القرض الاستمرار في القيام بالدور المنوط بها، دون خوف من احتمالات رفع دعوى الاستحقاق على العقار المضمون به الدين، وذلك لتفادي الآثار السابق ذكرها.

لذلك كان لا بد من إعادة النظر في نظام التحفيظ العقاري بصفة عامة وفي إجراءات تحقيق الرهن الرسمي بصفة خاصة، لحل بعض الصعوبات المطروحة على مستوى السوق الرهني الأولي، وأيضا على مستوى السوق الرهني الثانوي، ولمواكبة المستجدات التي جاء بها قانون التسنيد، لأن تحفيز المستثمرين للدخول في عملية تداول الديون المضمونة برهون رسمية يقتضي إزالة الجمود وطول تعقيدات الإجراءات المسطرية، وذلك توخيا للسرعة في إنجاز عملية الحجز والبيع في المزاد العلني.

بعد استعراض الآثار الاقتصادية لدعوى الاستحقاق الفرعية، ويجدر التأكيد في الختام أن المشكل لا يكمن في هذه الدعوى بالذات وإنما – وحسب ما أعتقد- يكمن في النظام العقاري المغربي الذي يتسم بالازدواجية، عقارات غير محفظة من جهة يتم التصرف فيها برسوم تحفها عدة مخاطر، وعقارات محفظة رسومها غير محينة، مما يقتضي إصلاح نظام التحفيظ العقاري على نحو يحقق حماية مصالح المتعاملين في الميدان العقاري.


[1] سعاد عاشور: حجية التسجيل وفق نظام التحفيظ العقاري المغربي، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش الطبعة الأولى 1997- ص 46.

[2] محمد خيري: حماية الملكية العقارية ونظام التحفيظ العقاري بالمغرب، دار انشر المعرفة الرباط 2001، ص 55.

[3] رجاء المطواع: دور التحفيظ العقاري في تنمية السلف الرهني رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث في قانون العقود والعقار، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول، وجدة، السنة الجامعية 2003- 3004، ص 11.

[4] خليد الهداجي: التحفيظ العقاري والتنمية المستديمة، التأثير والتفاعل مقال منشور بمجلة التحفيظ العقاري، العدد السابع، يناير 2000، ص 8.

[5] وهو ما يطلق عليه إشكالية عدم تيويم الرسوم العقارية.

– الجيلالي عكبي: وضعية المحررات العرفية في مجال العقارات المحفظة، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث في القانون المدني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني عين الشق، الدار البيضاء السنة الجامعية 1998- 1999، ص 75.

[6] عبد القادر بو حامد: الاستثمار العقاري في قطاع الإسكان بالمغرب، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول وجدة، السنة الجامعية 2004/ 2005 ص 25.

[7] محمد الحياني: في نظام التحفيظ العقاري المغربي، الجزء الأول، مؤسسة النخلة للكتاب وجدة، الطبعة الأولى 2004، ص : 114.

[8] محمد الحياني، مرجع سابق: ص 111.

[9] محمد ابن الحاج السلمي: الدور الاقتصادي للتحفيظ العقاري، مساهمة في ندوة ثمانون سنة من التحفيظ العقاري: حصيلة وآفاق 1913- 1993، نشرة داخلية ص: 29.

[10] محمد الحياني: مرجع سابق، ص: 112.

[11] محمد ابن الحاج السلمي: سياسية التحفيظ العقاري في المغرب بين الإشهار العقاري والتخطيط الاجتماعي الاقتصادي، رسالة لنيل دبلوم السلك العالي للمدرسة الوطنية للإدارة، الرباط السنة الجامعية 1977- 1978، ص: 173.

[12] وتجدر الإشارة هنا إلى أن المحافظ على الأملاك العقارية- وبالرغم من مقتضيات الفصل 58 من ظهير التحفيظ العقاري ل 12 غشت 1913 المعدل والمتمم بالقانون رقم 14-07 – يسلم الشهادة الخصوصية ولو كان الأمر يتعلق بعقارات في طور التحفيظ.

انظر الفصل 11 من المرسوم الملكي بمثابة قانون رقم 67- 655 صادر بتاريخ 17 دجنبر 1968 المتعلق بالفرض العقاري والقرض الخاص بالبناء والقرض الفندقي، ومنشور بالجريدة الرسمية عدد 2931 بتاريخ 1-1- 1969، ص: من 2 إلى 9.

ويقصد بالشهادة الخاصة بالرهن تلك الوثيقة الأساسية التي تعتمد عليها مسطرة تحقق الرهن الرسمي، وتغني عن اللجوء للقضاء لاستصدار حكم بأداء الدين، لأنه يكون ثابتا بمقتضى عقد الرهن المسجل.

  •   محمد سلام، تحقيق الرهن الرسمي في القانون المغربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث في القانون المدني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني، عين الشق، الدار البيضاء، السنة الجامعية، 1998- 1999، ص: 11.

[13] أحمد عكاشة: استخلاص الديون البنكية عن طريق القضاء عرض  منشور بالندوة الثالثة للعمل القضائي والبنكي، الرباط 19- 20 يونيو 1993، منشورات المعهد الوطني للدراسات القضائية، الرباط 1993، ص: 212.

[14] محمد الحياني: مرجع سابق، ص 113.

[15] خليد الهداجي: مرجع سابق، ص 9.

[16] محمد الحياني: مرجع سابق، ص 114.

[17] سعاد عاشور: مرجع سابق، ص: 47.

[18] Mohamed El Mernissi: Essai sur la notion de Publicité Fonciére, Etude en droit Français et Marocain comparé, thèse de doctorat d’état en droit, Paris 1973, p 7-8.

[19] رجاء المطواع: مرجع سابق، ص 18.

[20] نور الدين لعرج: الشكلية في عقد الرهن في التشريع المغربي، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الخامس أكدال، الرباط السنة الجامعية 1999، 2000، ص 122.

[21] محمد ابن الحاج السلمي: تسنيد الديون الرهنية وضمان فعالية السوق الرهني، مقال، منشور  بمجلة التحفيظ العقاري عدد خاص بموضوع تسنيد الديون الرهنية نونبر 1999  ص 30 وما بعدها

[22]Amina Mabrouk Mahlaoui: la Publicité des livres fanciéres et le droit a l’intimité, Revue Flash Foncier, N º3 décembre 2001, p3,

[23] محمد ابن الحاج السلمي: سياسية التحفيظ. مرجع سابق، ص 264.

[24] عبد الواحد شعير: إشكالية الرهن العقاري الرسمي كضمان بنكي في التشريع المغربي بين النظرية والتطبيق، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني، عين الشق، الدار البيضاء السنة الجامعية 1995، ص 212.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading