الأستاذ عثماني الميلود
طالب باحث في سلك الدكتوراه
ا – بطاقة لحكم
أ –الفكرة العامة
دعاوى التعويض عن الأضرار التي تتسبب فيها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام، والتي تختص المحاكم الإدارية بالنظر فيها طبقا للمادة 8 من القانون المحدث لها، تندرج في إطارها الدعوى المنصوص عليها في الفصل 85 مكرر من قانون الالتزامات والعقود، والمتعلقة بدعاوى مسؤولية الدولة عن الضرر الحاصل للأطفال والشبان خلال الوقت الذي يوجدون فيه تحت رقابة المعلمين وموظفي الشبيبة والرياضة بسبب الخطأ أو الإهمال أو عدم الحيطة الذي يحتج به على هؤلاء الموظفين.
2 – الأطراف والوقائع
الأطراف بين السيد محمد نفيل والسيدة السعدية من جهة وبين الدولة المغربية في شخص السيد الوزير الأول.
- السيد وزير التربية الوطنية.
- السيد الوكيل القضائي للمملكة. من جهة أخرى
الوقائع
تتلخص وقائع النازلة في أن طفل المدعيين قد توفى إثر تسلقه لجدار القسم كان من المفروض أن يكون تحت رعاية المعلمة التي غادرت القسم قبل انصرام أجل الوقت القانوني.
فالمقال الافتتاحي المقدم للمحكمة الابتدائية بمراكش، والمرفق بنسخة من محضر الضابطة القضائية، يطلب فيه المدعيان إقرار مسؤولية الدولة التي تحل محل موظفي التعليم العمومي طبقا لمقتضيات الفصل 85 مكرر من قانون الالتزامات والعقود ([1])، كما يلتمسان تعويضا ماديا عن الضرر الذي أصابهما.
3 – الحيثيات
- حيث يهدف الطلب إلى تحميل الدولة المغربية مسؤولية الحادث الذي وقع لابن المدعين وتسبب في وفاته.
- وحيث أن دعاوى التعويض عن الإضرار التي تتسبب فيها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام، والتي تختص المحاكم الإدارية بالنظر فيها طبقا للمادة 8 من القانون المحدث لها تندرج في إطارها الدعوى المنصوص عليها في الفصل 85 مكرر من قانون الالتزامات والعقود.
- وحيث أن خطأ المعلمة عزيزة النحيلي يتمثل في إهمال التلاميذ الموجودين في عهدتها وعدم القيام بمراقبتهم أثناء الوقت المخصص للدراسة.
- وحيث أن صعود ابن المدعين إلى سطح القسم وسقوطه منه تسبب في وفاته نتيجة خطأ المعلمة.
- وحيث أن الضرر اللاحق بالمدعين نتج مباشرة عن الخطأ المتمثل في الإهمال وعدم المراقبة.
- وحيث إنه تبعا لذلك تكون عناصر المسؤولية الإدارية ثابتة طبقا لمقتضيات الفصل 85 مكرر من قانون العقود والالتزامات الذي يستغرقه الفصل 8 من القانون 90- 41.
4 – منطوق الحكم
في الشكل : بقبول الطلب.
في الموضوع: بالحكم على الدولة المغربية في شخص وزارة التربية الوطنية بادعائها لفائدة المدعين تعويضا معنويا قدره ثلاثين ألف (30.000 درهم) لكل واحد منهما، ولفائدة المدعي محمد نفيل تعويضا ماديا قدره ثلاثة آلاف (3.000 درهم) مع الفوائد القانونية من تاريخ الحكم ورفض باقي الطلبات وتحميل المدعي الصائر.
5 – إحاطة عامة بالنازلة
قبل مباشرة تعليقنا على هذا الحكم، تجدر الإشارة إلى أن مسؤولية الدولة عن الحوادث المدرسية تعتبر حالة من حالات التنظيم الخاص بالمسؤولية الإدارية، لأن إقرارها وتقنينها جاء خارج القواعد العامة المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود، حيث نظمت بالقانون الصادر في 26 أكتوبر 1942 المتعلق بالتعويض عن الحوادث المدرسية التي يتعرض لها تلاميذ المؤسسات التعليمية ([2]).
الاختصاص :
تجدر الإشارة أن هناك اجتهاديين قضائيين متباينين حول المسؤولية الإدارية عن الحوادث المدرسية، فالإتجاه الأول على غرار ما جاء في حيثيات الحكم الذي نحن بصدد التعليق عليه يمنح الاختصاص للمحاكم الإدارية طبقا للمادة 8 من القانون 41-90 المحدث لها ([3]) وبالتالي تختص هذه المحاكم بدعوى التعويض المنصوص عليها في الفصلين 85 و85 مكرر من قانون الالتزامات والعقود والمتعلق بدعاوى مسؤولية الدولة عن الضرر الحاصل للأطفال والشبان خلال الوقت الذي يوجدون فيه تحت رقابة المعلمين وموظفي الشبيبة والرياضة بسبب الخطأ أو الإهمال أو عدم الحيطة الذي يحتج به على هؤلاء الموظفين. ويستند رأي هذا الاتجاه إلى كون المشرع لم يلغ صراحة اختصاص هذه المحاكم ولو أراد فعل ذلك لنص عليه صراحة على غرار الحوادث التي تتسبب بها مركبات أشخاص القانون العام.
أما بخصوص الاتجاه الثاني، فيعطي الصلاحية للمحاكم العادية طبقا لما جاء في ظهير 26 أكتوبر 1942 الذي يحيلنا بدوره على الفصل 85 مكرر من قانون الالتزامات والعقود والذي ينص على أن المسؤولية الإدارية في إطار دعاوى الحوادث المدرسية هي من صلاحية المحاكم العادية. وللإشارة فالمجلس الأعلى يعزز هذا الرأي وينيط بالمحاكم العادية البث في دعاوى المسؤولية عن الحوادث المدرسية ([4]).
المبدأ
تضمن الدولة التعويض عن الحوادث المدرسية التي تقع للتلاميذ المسجلين بصفة قانونية في مؤسسات التعليم العمومي خلال المدة التي يكونون فيها تحت مراقبة أو حراسة أعوانها. ويمتد هذا الضمان إلى الأطفال المقيدين في سجلات مخيمات الاصطياف التي تنظمها وتسيرها وزارة التربية الوطنية ([5]). ولا يرتبط التعويض بحسن أو سوء سير المرفق ولكنه يرتبط فقط بكون الحادثة وقعت خلال الفترة الدراسية، بالإضافة إلى أن التعويض يكون إجماليا، وإذا تبين للمتضرر أو ذوي الحقوق أن مبلغ التعويض الإجمالي (الجزافي) الممنوح من طرف اللجنة غير كاف جاز الحصول على تعويض عن مجموع الضرر الحقيقي غير أن الأمر يقتضي إثبات وقوع الخطأ أثناء مزاولة المهنة. وعملا بمقتضيات الفصل 85 مكرر من قانون الالتزامات والعقود يعتبر رجال التعليم العمومي مسؤولين عن الأضرار التي تحلق بالأطفال الذين يوجدون تحت رعايتهم إلا أن المسؤولية الدولة نحل تلقائيا محل مسؤوليتهم ([6]).
11 – التعليق
المسؤولية عن الخطأ هي النظام القانوني العادي للمسؤولية الإدارية لانعقادها وجب توفر ثلاثة شروط، الضرر، العلاقة السببية ووجود خطأ. لكن من غير الصحيح أن يعتبر الخطأ أساسا للمسؤولية الإدارية بحث يكفي أن يثبت المتضرر وجود علاقة بين نشاط الإدارة والضرر للحصول على تعويض. ويجب بل يكفي إثبات وجود الضرر الناتج عن تسيير المرفق العام وهذا ما اقترحه المفسرون الأوائل ([7]) للفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود لتعميم المسؤولية بدون خطأ ([8]).
إن واجب الرعاية والحراسة هو العمود الفقري لمسؤولية المعلم والتي تتأثر بمقدار ومدى الإخلال به ومدى احترامه، وفي الحالة التي بين أيدينا نلاحظ توفر الشروط اللازمة لإدانة الدولة في شخص وزير التربية الوطنية حيث أن إهمال التلاميذ من طرف المعلمة وعدم القيام بمراقبتهم (خطأ شخصي) أدى إلى وفاة الطفل إثر سقوطه من سطح القسم، وبناء على الاستنتاجات الكتابية للوكيل القضائي للمملكة، الذي أقر تحميل الدولة المسؤولية عن الحادث، فإن المحكمة الإدارية قد أدانت الدولة المغربية في شخص وزارة التربية الوطنية.
ومن منطوق الحكم يتبين أن هناك إقرار مسؤولية للدولة في شخص وزارة التربية الوطنية، والتي تحل محل مسؤولية موظفيها مع أن هناك خطأ شخصي لا علاقة له بأي خطأ مرفقي.
إلى أي حد تعتبر الدولة (الإدارة) مسؤولة عن فعل موظفيها؟ سيتركز تحليلنا على الخطأ الشخصي ([9]) المرتكب من طرف المعلمة في إطار الفصل 80 من قانون العقود والالتزامات.
1- المسؤولية عن فعل الغير
المقصود بالمسؤولية عن فعل الغير: الالتزام بالتعويض الملقى على عاتق شخص عن فعل ارتكبه شخص آخر وقد نظمها الفصل 85 من ق.ع.ا، وإذا كانت مسؤولية الأب أو الأم عن الضرر الذي يحدثه أبناؤهما القاصرون يستقل بها القانون المدني إذ لا يوجد لها مقابل في القانون الإداري، فإن حالة مسؤولية من يكلف غيره بمهمة كانت مجالا لتطور قضائي هام. ومن مميزات القانون العام في الموضوع أن مسؤولية الأشخاص العامة لا يمكن أن تكون إلا مسؤولية عن فعل الغير. إن مسؤولية الأشخاص العامة عن أعمال موظفيها التي سببت ضررا للغير تعد مسؤولية غير مباشرة، فللمتضرر الخيار في رفع الدعوى على الدولة أو على المتسبب في الضرر.
غير أن مسألة دقيقة تبرز في هذا الصدد وتتجلى فيما إذا كان من الممكن أن تدان الإدارة والموظفين على وجه التضامن. ويظهر إن إحتمال هذا التضامن غير مستساغ نظريا لأنه كيف يعقل أن يكون هناك تداخل بين دعوى مرتكزة على القانون الإداري وبين دعوى مرتكزة على قانون مدني أي بين دعوى مقامة على الإدارة من جهة ودعوى مقامة على أحد الخواص من جهة أخرى. وإذا كانت الأسس القانونية للقضيتين المذكورتين مختلفة تماما فإن التضامن يؤدي إلى التسليم باحتمال أداء مجموع التعويض من لدن أحد الطرفين في حالة إعسار الطرف الآخر. أفلا يتعارض هذا مع النص الصريح
للفصل 80 من ق .ل.ع. والذي ينص على عدم مطالبة الدولة والبلديات نتيجة الأضرار الناتجة عن الأخطاء الجسيمة لموظفي الإدارة .
وتطبيقا لما سبق على النازلة التي بين أيدينا، فإن المعلمة قد أقدمت على خطأ فادح وغير مغتفر وهذا يحرف الخطأ المرفقي بصورة تامة ويكتسي من الخطورة ما يجعله يتحول إلى خطأ شخصي صرف، يستلزم معه رفع المتضرر (الأب والأم) دعوى مدنية، لتعويض الضرر المرتكب من طرف الشخص لا من طرف الموظف. وهذا هو الحل الذي جرى اعتماده في فرنسا ([10]) في حالة الجمع بين المسؤوليتين بحيث متى قدم المرفق للموظف وسائل ارتكاب خطئه الشخصي ومتى كان المرفق مناسبا لارتكاب هذا الخطأ وكانت لهذا الأخير علاقة بتنفيذ المهمة المعهود بها إلى الموظف، تحل مسؤولية الدولة محل مسؤولية الموظف، وهذه فائدة عظمى للمتضرر تتجلى في أنها تبعد احتمال إعسار الموظف.
هذا التحليل يكون صحيحا في حالة إحلال مسؤولية الدولة محل مسؤولية رجال التعليم مع إبقاء المسؤولية الخطئية. وهذا الذي كان معمولا به سابقا في فرنسا ولكن مع صدور قانون 5 أبريل 1937 الذي ألغى المسؤولية الخطئية لرجال التعليم، وللإشارة فإن قانون 26 أكتوبر 1942 مستمد من القانون الفرنسي السابق الذكر (مع بعض الاختلافات إن لم نقل بعض النواقص).
2) النظام المعمول به في المغرب
أما بخصوص المغرب فإن إصدار ظهير 26 أكتوبر 1942 قد حصر المسؤولية في الحوادث المدرسية بنظامين:
- النظام الاحتياطي: حيث تتكفل الدولة بمقتضيات تعويض الضرر الذي أصيب به الطفل وهو تحت رعاية المعلم كيفما كان سببه وفي حدود معينة.
- النظام القانوني: فهو قانوني صرف يعالج كيفية التعويض الكامل عن الضرر الناتج عن مسؤولية المعلم الثابتة وذلك من خلال المفهوم المنطقي والقانوني للمسؤولية، وفي نطاق النظرية العامة للالتزامات.
والآن سنتناول كل نظام على حدة في حدود مميزاته.
- النظام الاحتياطي: أحدث بمقتضى ظهير 1942/10/26 نظام احتياطي لسد نقص القواعد العامة للمسؤولية المدنية ([11]). والغرض منه تعويض الخسائر الناتجة عن الحوادث المدرسية التي تصيب التلاميذ في المدارس العمومية ما داموا تحت عهدة موظفي المدرسة، تعويضا جزئيا على شكل إيراد يستحق إذا كان العجز الناجم عن الحادث يفوق 10 % ([12]) ولم يكن التلميذ مؤمنا لدى مؤسسة تأمين خاصة، وتناط بتحديد هذا الإيراد من طرف لجنة خاصة لا يقبل أي اعتراض على قراراتها ([13]). ومميزات الإيراد هي كالتالي:
- غير قائم على مسؤولية مبنية على الخطأ المثبت (ولو كان الخطأ تلقائيا)
- إصابة بعجز تفوق 10% ([14]).
- غير ملزم للدولة.
- تعويض جزئي.
- إمكانية الحصول على تعويض كلي.
وتجدر الإشارة أن هذا النظام الاحتياطي لا يمنع المتضرر من رفع دعوى التعويض الكامل ضد الدولة في نطاق المسؤولية المدنية. حيث ينص الفصل الثامن من هذا النظام صراحة على أن مقتضياته لا تمنع المتضرر أو ذوي الحقوق من ممارسة الدعوى ضد الدولة في نطاق الفصل 85 مكرر من قانون العقود والالتزامات، سواء قد استفادوا من النظام الاحتياطي أم لم يستفيدوا غير أنه في حالة الاستفادة من النظام الاحتياطي يجب أن يقتطع مبلغ التعويض من القدر المحكوم به.
غير أن هناك من فهمه أنه ليس بنظام احتياطي وإنما هو نظام التأمين على المخاطر فذهبت بعض المحاكم لإخضاعه قياسا لمقتضيات حوادث الشغل لا لشيء إلا أنه يتحدث عن الإيراد ([15]).
وهذا النظام يخول للدولة حق الرجوع على الغير المسؤول عن الحادثة محل المصاب في حدود ما أدته للضحية من صوائر وتعويض عن الحادث. (Action Recursoire)
ب) أما بخصوص النظام القانوني:
إلى غاية 04 ماي 1942 كانت مسؤولية المعلم([16]) مبنية على قرينة الخطأ المفترض وتشمل جميع الأضرار التي يتسبب فيها التلاميذ أو تلحق بهم مع إمكانية دفع مسؤوليته هذه بإثبات أنه لم يتمكن من الحيلولة دون وقوع الفعل الضار. فجاء ظهير 04/05/1945 ([17]) فألغى قرينة الخطأ المفترض في حق المعلم فأصبح منذ ذلك الوقت لا يسأل إلا عند اثبات خطئه أو عدم احتياطه أو إهماله . ومن هنا نستشف أن طبيعة مسؤولية المعلم هي مسؤولية تقصيرية تمتد على إثبات الخطأ أو الإهمال أو عدم الاحتياط. ويجب أن نأكد على عنصر العلاقة السببية الذي يلعب دورا أساسيا في حالة تحديد المسؤولية الشخصية للمعلم.
ج) إحلال الدولة محل المعلم في المسؤولية:
عندما تكون مسؤولية المعلم قائمة وثابتة فإن مسؤولية الدولة تحل تلقائيا محله بحيث لا يمكن بأي حال من الأحوال مقاضاة المعلم من طرف المتضرر أمام المحاكم المدنية. هذا المنع من التقاضي ضد المعلم مباشرة هو من النظام العام بحيث يجب مباشرة التقاضي ضد الدولة وحدها لا غير في شخص الوزير الأول. وهذه المقاضاة تكون سواء أن صدر الفعل الضار من التلميذ أم ضده.
السؤال الذي يطرح نفسه هو هل إحلال مسؤولية الدولة محل مسؤولية المعلم يتم حتى في حالة مسؤوليته الشخصية؟
في حالة وجود الخطأ الشخصي وانعدام الخطأ المرفقي شريطة أن تكون أسماء التلاميذ مسجلة بالمؤسسات التعليمية العمومية وذلك في الفترة التي يكونون فيها تحت حراسة المكلفين بهم، حاز للمتضررين أو ذوي الحقوق أن يقاضوا المعلم في إطار مسؤوليته الشخصية طبقا للفصل 77 من قانون العقود والالتزامات. لكن بناء على الفصل 85 مكرر من ق.ع.إ، الذي بدوره ينص صراحة على أن مسؤولية الدولة تحل محل مسؤولية رجال التعليم، في هذه الحالة فالدولة مسؤولة مسؤولية كاملة إزاء المتضررين عن الحوادث المدرسية. وحكمة المشرع من منع المتضرر من مقاضاة المعلم
في حالة مسؤوليته المهنية ترجع إلى حصانة المؤسسة التعليمية من النزاعات بين المعلم وتلاميذه وأولياء الأمور من جهة، ومن جهة أخرى وإعمالا لمقتضيات الفصل 80 من ق.ع.أ الذي ينص على أن “مستخدمو الدولة والبلديات مسؤولين شخصيا عن الأضرار الناتجة عن تدليسهم أو الأخطاء الجسيمة الواقعة منهم في أداء وظائفهم، ولا تجوز مطالبة الدولة والبلديات بسبب هذه الأضرار إلا عند إعسار الموظفين المسؤولين عنها”.
فالمنع واضح وليس قابلا للمناقشة لأن إلقاء المسؤولية الشخصية على عاتق الموظفين (الأعوان) يقصي مسؤولية الإدارة في حالة انعدام الخطأ المرفقي، غير أن الفقرة الأخيرة من هذا الفصل تمنع نظام الجمع بين المسؤوليتين وهذه نقطة مهمة لأنه في حالة إعسار الموظف تتابع الإدارة من أحل التعويض عن الأضرار.
ويخالجنا شك حول أن إمكانية مقاضاة المعلم تتم فقط أمام المحاكم المدنية أو أن هذا المنع يمتد إلى مقاضاته أيضا أمام المحاكم الزجرية في حالة ثبوت خطأ المعلم الموجب لإثارة الدعوى العمومية في حقه؟
غير أن تعبير المحاكم العادية الوارد في الفصل 85 مكرر يقصد به المحاكم العادية المحاكم والزجرية لأن هذه الأخيرة تتحول إلى محاكم مدنية في حالة بثها في الدعوى المدنية، وبالتالي فالمنع يطال المحاكم الجنائية كما يطال طبعا المحاكم العادية. للاستئناس وقصد تعميق تعليقنا نورد بإيجاز بعض قضايا الحوادث المدرسية التي بث فيها المجلس الأعلى.
د) كيفية تعامل المجلس الأعلى مع نوازل الحوادث المدرسية
من أجل تحديد أوجه مسؤولية الدولة عن الحوادث المدرسية، وجب دراسة كيفية تعامل المجلس الأعلى مع مسؤولية الدولة عن الحوادث المدرسية. رغم كون هذا الموضوع من ضمن الحالات الاستثنائية التي تدخل فيها المشرع لتنظيم مسؤولية الدولة فيها (ظهير 26 أكتوبر 1942) إلا أن موقف المجلس الأعلى من خلال القضايا المعدودة المعروضة عليه لا يتسم بالثبات ولا ينم عن تأكيد مسؤولية موضوعية عن الإضرار الناتجة عن هذه الحوادث.
جاء في حكم: الفيلالي بتاريخ 22 يونيو 1972 ([18]) الذي يتعلق بحريق شب في إحدى المدارس فتسبب في حروق للطفل. فإذا كان ظهير 1942 ينص صراحة على إمكانية رفع المتضرر دعوى للمطالبة بتعويض عن الضرر طبقا لمقتضيات الفصل 85 مكرر من ظهير الالتزامات والعقود بالإضافة إلى التعويض الممنوح له بناء على الفصل 8 من ظهير 26 أكتوبر 1942 ([19]) إلا أن المجلس الأعلى يشترط “أن يسقط من المبلغ المحكوم به القدر الممنوح أولا من طرف اللجنة ” تطبيقا للفصل الثامن من قانون 26 أكتوبر 1942 مما يحد من مبلغ التعويض.
نلاحظ أن موقف المجلس الأعلى في هذا الحكم جاء متناقضا مع مضمون ظهير 1942 الذي يهدف أساسا إقرارا الضمان الاجتماعي بالنسبة للتلاميذ والمعلمين. ولا أدل على ذلك إحلال مسؤولية الدولة محل مسؤولية الموظفين حتى في حالة خطأ هؤلاء ومساءلتهم بناء على الفصلين 85 و85 مكرر من قانون العقود والالتزامات.
ويتبين أن المجلس الأعلى تراجع عن موقفه السابق في حكم آخر يتعلق بنفس الموضوع فلم يشر إلى الشرط الإضافي في حكم السيد القادري ([20]) نيابة عن ابنته الطفلة وفاء الذي جاء بحيثياته: “.. .. فيما يخص الوسيلة الأولى المستدل بها:
بناء على الفصل 8 من ظهير 26 أكتوبر 1942 المتعلق بالحوادث المدرسية التي يتعرض لها تلاميذ المؤسسات العمومية.
حيث ينص هذا الفصل على أن مقتضيات الظهير المذكور لا تمنع من ممارسة دعوى المسؤولية المدنية المنصوص عليها في الفصلين 85 و85 مكرر من ظهير العقود والالتزامات.
حيث تنص هذه الفقرات على أنه يسأل المعلمون وموظفو الشبيبة والرياضة عن الضرر الحاصل من الأطفال والشبان خلال الوقت الذي يوجدون فيه تحت رقابتهم، والخطأ أو عدم الحيطة أو الإهمال الذي يحتج به عليهم، باعتباره السبب في حصول الفعل الضار، يلزم المدعي بإثباته وفقا للقواعد القانونية العامة. وفي جميع الحالات التي تقوم فيها مسؤولية رجال التعليم وموظفي إدارة الشبيبة والرياضة نتيجة ارتكاب فعل ضار. في نفس الأحوال تحل مسؤولية الدولة محل مسؤولية الموظفين السابقين الذين لا تجوز مقاضاتهم أبدا أمام المحاكم المدنية من المتضرر أو من يمثله.
وحيث يستفاد من أوراق الملف أن نسبة العجز الدائم لا تقل عن 10%مع المصروفات الطبية والعلاجية القانونية إصلاحا يغطي النقص الحاصل في معيشة الضحية أو ذويه نتيجة الحادث على شكل إيراد أنيط تحديده بلجنة خاصة تكون مقرراتها نافذة وغير قابلة لأي إعتراض وهذه المسؤولية لا تغطي كافة الأضرار طبقا لظهير 26 أكتوبر 1942 ويبقى المجال مفتوحا لمسائلة الدولة والمطالبة بتعويضات تكميلية في إطار الفصل 85 مكرر من قانون العقود والالتزامات.
حيث أن محكمة الاستئناف عندما لم تقبل دعوى التعويض المقدمة في نطاق الفضل 85 مكرر لم تكن على صواب لكون اللجوء إلى مسطرة ظهير 26 أكتوبر 1942 اختيارية ولا يوجد أي فصل منه يوجب عدم قبول الدعوة المقدمة في نطاق القانون العام إلا بعد سلوك مسطرة الظهير الشريف وأنه على العكس فأن الفصل 8 منه ينص صراحة على أن مقتضياته لا تمنع من ممارسة دعوى المسؤولية المدنية المنصوص عليها في الفصلين 85 و 85 مكرر من قانون العقود والالتزامات.
ودائما في نفس سياق الحوادث المدرسية نورد موقف المجلس الأعلى من مسؤولية الدولة عن إعطاء أدوية ورغم أن المجلس الأعلى لم يقر بهذه المسؤولية إلا إذا وجدت علاقة سببية ومباشرة بين الخطأ والضرر في قضية الداودي ([21]) التي جاء في حيثياتها:
((حيث أن الدولة مسؤولية عن الإضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها، وأنه يجب لإثبات هذه المسؤولية أن يكون الخطأ هو السبب في الضرر. . .
وحيث أن الحكم المطعون فيه لم يبين العلاقة السببية بين الخطأ المدعى ارتكابه ….”
لكن نلاحظ إن المجلس الأعلى في إقرار مسؤولية الدولة عن الحوادث المدرسية مؤخرا وخاصة في قصية زويند ([22]) أنه يبدي نوعا من التوسع إذ وضع المجلس مبادئ يمكن إجمالها في ما يلي:
- تعتبر الدولة مسؤولية في شخص الصحة المدرسة.
- عندما تخفض محكمة الاستئناف مبلغ التعويض المحكوم به ابتدائيا لكونه مبالغا فيه، عليها أن تبين وجه المبالغة وإلا كان قرارها معيبا.
خلاصة:
حاولنا من خلال هذا التحليل أن نبين أن المسؤولية الإدارية عن الحوادث المدرسية هي مبدئيا مسؤولية بدون خطأ. حيث يكفي أن يكون هناك ضرر له علاقة بنشاط مؤسسة تعليمية لتقر مسؤولية الدولة. فظهير 26 أكتوبر 1942 اقتصر على ضمان الدولة للتعويض عن الحوادث المدرسية التي يتعرض لها التلاميذ، مشترطا أن تكون أسماؤهم مسجلة بانتظام بالمؤسسة التعليمية العمومية وذلك فقط أثناء الوقت الذي يوجدون فيه تحت حراسة المكلفين بهم، فضلا على أن المسؤولية فعلية وليست قانونية مما يحد من مجال مسؤولية الدولة. فهذا الظهير ما هو إلا نظام احتياطي مؤقت فرضته ظروف اجتماعية خاصة ترجع إلى انعدام التأمين الخاص عن الأخطار المدرسية لدى التلاميذ، فتدخل المشرع لجعل الدولة كفيلة احتياطيا بتولي التعويض عن الأضرار التي تلحق التلاميذ من الحوادث التي تصيبهم في المدرسة كيفما كان سببها هو نظام خاص بمعزل عن مسؤولية المعلم عن الأضرار التي تصيب التلاميذ أو يتسبب فيها التلاميذ للغير وهم تحت حراسة ورعاية المعلم. وإذا كان الفصل 85 مكرر من قانون العقود والالتزامات ينص صراحة على حلول مسؤولية الدولة محل مسؤولية موظفي التعليم العمومي إثر ارتكابهم خطأ شخصي تنم على أن المشرع قد أعطى صبغة خاصة للمسؤولية الإدارية أمام الحوادث المدرسية، كما تجدر الإشارة أن الفصل الثامن من قانون 1942/10/26 قد نصح صراحة أن بإمكان المتقاضي اللجوء إلى القضاء للحصول على تعويض كامل في حالة عدم اقتناعه بالتعويض الجزافي وفي هذه يجب عليه إثبات الخطأ المرتكب من طرف الموظف كما تجدر الإشارة إلى “أن يسقط من المبلغ المحكوم به القدر الممنوح أولا من طرف اللجنة “
المراجع المعتمدة :
– دعوى القضاء الشامل، أمينة جبران البخاري، المنشورات الجامعية المغاربية PUMG الطبعة الأولى، 1994.
– القانون الإداري المغربي، إدريس البصري، ميشال روسي، جان كرانيون وأحمد بلحاج، المطبعة الملكية، الطبعة الأولى 1988.
– ظهير 26 أكتوبر 1942.
– قانون العقود والالتزامات.
[1] وينص هذا الفصل على ما يلي ” يسأل المعلمون وموظفو إدارة الشبيبة والرياضة عن الضرر الحاصل من الأطفال والشبان خلال الوقت الذي يوجدون فيه تحت رقابتهم. والخطأ أو عدم الحيطة أو الإهمال الذي يحتج به عليهم، باعتباره السبب في حصول الفعل الضار، يلزم المدعي إثباته وفقا للقواعد القانونية العامة “.. وفي هذه الحالة تحل مسؤولية الدولة محل الموظفين إلا إذا ثبت أنه خطأ شخصي من طرفهم، وهنا يجوز للدولة أن تباشر دعوى الاسترداد إما على الموظف مرتكب الخطأ وإما على الغير وفقا للقواعد العامة.
[2] ظهير 26 أكتوبر 1942، المغير والمتمم بظهير 16 سبتمبر 1977 ج ر عدد 3388 بتاريخ 1977/10/05.
[3] ظهير شريف رقم 91.225. 1 صادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993 ) بتنفيذ القانون رقم 41.90 المحدث بموجبه محاكم إدارية.
[4] قرار رقم 591 بتاريخ 04/06/1998، ملف إداري بتاريخ 05- 1-1997.
قرار رقم 435 بتاريخ 13-06-2000، ملف إداري بتاريخ 07-08-2000.
قرار رقم 636 بتاريخ 10-10-2000، ملف إداري بتاريخ 36 ت 2000.
[5] الفصل الاول من ظهير 26 أكتوبر 1942.
[6] الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بتاريخ 11 ماي 1964، طوماس (حكم غير منشور).
[7] با حنيني الرئيس الأول للمجلس الأعلى.
[8] ينص الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود على أن ” الدولة والبلديات مسؤولة عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها)،. وتحقيق المسؤولية في نطاق هذا الفصل، يستوجب توافر العلاقة السببية بين الضرر المشتكى به والخلل في سير الإدارة العامة أو خطا أحد موظفيها. وتحقيق المسؤولية في نطاق هذا الفصل / يستوجب توافر العلاقة السببية بين الضرر المشتكى به والخلل في سير الإدارة العامة أو خطا أحد موظفيها.
[9] الخطأ الشخصي الذي من شأنه أن يلقي المسؤولية على المعلمة هو الخطأ الخارج عن نطاق المصلحة الذي يكشف عن الفرد، بضعفه وغرائزه وعدم تبصره وليس عن رجل الإدارة المعرض نوعا ما للأخطاء. لافيير.
[10] Principe posé par la jurisprudence Lemonier 1918 «la faute se detache peut etre du service, mais le service ne se détache pas de la faute». Affaire demoiselle Mimeur 1949, (accidents ou fautes non depourvues de tous liens avec le service, il n’y a pas une faute personnelle, mais elle engage cependant la responsabilité de I’administration car aucun n’est dépourvu de tous liens avec le service).
[11] يقوم ظهير 26 أكتوبر 1942 على ضمان التعويض للضحية بمجرد حصول الضرر وبغض النظر عن وجود مسؤول عنه أو عدم وجوده. فإنه لا مجال للحديث في هذا الظهير لا عن الخطأ ولا عن العلاقة السببية بمفهومها في إطار المسؤولية المدنية . فالمهم فيه، هو أن تقع الحادثة المدرسية. والعلاقة السببية في إطار هذا النظام، يقتصر مفهومها على التأكد من رجوع الضرر للحادثة المدرسية وليس لشيء آخر.
[12] من ظهير 1942/10/26. الفصل الرابع.
[13] الفقرة الأخيرة من الفصل السابع لظهير 26/10/1942.
[14] يخول هدا الإيراد للتلاميذ المصابين على إثر حادثة مدرسية، بعجز تعادل أو تفوق نسبته 10 %. ويمنح هذا الإيراد لمدة خمس سنوات. وبعد هذه المدة يمنح للمصاب إيراد نهائي إذا ثبت أنه مازال يعاني من عجز دائم ونهائي.
[15] محكمة الاستئناف بفاس 26/06/1978 حيث ذهبت إلى أن المطالبة بالتعويض المنصوص عليه في ظهير 1942/10/26 أمر ضروري ولا يمكن للمصاب الالتجاء للمحاكم العادية للمطالبة ضد الدولة بإيراد تكميلي الا في حالة عدم كفاية الإيراد الأصلي.
[16] مفهوم المعلم في هذا الفصل لا يقتصر على المعنى المحدد في النظام الإداري والتشريع المدرسي بل هو ذو معنى عتم ويشمل كل من لهم مهمة دائمة أو مؤقتة بالمقابل أو بالمجان داخل مؤسسة تربوية ولها علاقة بمراقبة وحراسة الأطفال.
[17] ظهير4/5/1942 المكون للفصل 85 مكرر من قانون العقود والالتزامات.
[18] حكم عدد : 132 بتاريخ 22 يونيو 1972، الوكيل القضائي للمملكة ضد الهادي الفيلالي بن عبد السلام ملف عدد 3343.
[19] ينص الفصل 8 من ظهير 26 أكتوبر 1942 على أن مقتضيات هذا الظهير لا تحول دون رفع دعوى المسؤولية المدنية من طرف آباء وأولياء التلاميذ المصابين والمنصوص عليها في الفصلين 85 و85 مكرر من الظهير المؤرخ في 12 غشت 1913 من قانون الالتزامات والعقود، وهذا أمر إيجابي يمكن المتضرر من الحصول على تعويضين مبنيين على أساسين مختلفين. غير أن الفقرة الثانية من نفس الفصل تحد من الضمان الذي يكفله للمتصدر إذ نصت على ما يلي ” في حالة إدانة الدولة نتيجة مباشرة هذه الدعوى فإن المبالغ المؤداة بمقتضى هذا الظهير الشريف تخصم من مبلغ التعويض الممنوح من طرف المحاكم “.
[20] ملف عدد 885227 : بتاريخ 3 يناير 1985، إدريس بن إبراهيم القادري نيابة عن إبنته الطفلة وفاء ضد الدولة المغربية في شخص الوزير الأول ووزير التربية الوطنية والتعليم العالي
[21] حكم عدد: 215 بتاريخ 1973/13/07، الدولة المغربية ضد محمد الداودي ملف رقم 39827.
[22] حكم عدد: 345 بتاريخ 16 نونبر 1979، زويند حمو ضد الدولة المغربية والعون القضائي. ملف رقم 58185.