م.م. ماجد حامد حمود الصراف
م.م. عقيل تكي صالح العارضي
م.م. حسن كريم مدلول الجنابي
المديرية العامة لتربية محافظة النجف الاشرف
الملخص:
يحتل موضوع مسؤولية الدولة عن أعمال سلطتها الإدارية أهمية كبيرة، وذلك نتيجة الترابط في المصالح بين ما تقوم به الإدارة من أعمال وبين الأشخاص، وتسعى الإدارة من خلال إدارتها لأنشطتها المختلفة وأدائها لواجباتها ومهامها إلى تحقيق منفعة عامة للمجتمع، إلا أنه قد ينتج في بعض الأحيان أضراراً للغير من جراء تلك الأعمال، وأن حدوث مثل تلك الأضرار للأشخاص هو مجال بحثنا، حيث يثار التساؤل حول مدى مسؤولية الإدارة أتجاه الغير ممن تضرروا من جراء قيام الإدارة بأعمالها.
الكلمات المفتاحية: (مسؤولية الإدارة التقصيرية،الأضرار المعنوية).
Responsibility of tortious management for moral damages
Majed Hamed Hammoud Al-Sarraf
Aqil Taki Saleh Al-Aridi
Hassan Karim Madlol Al-Janabi
Directorate General of Education Najaf Governorate
Abstracts:
The subject of the state’s responsibility for the actions of its administrative authority occupies great importance, as a result of the interdependence of interests between the actions of the administration and between people, and the administration seeks through its management of its various activities and the performance of its duties and tasks to achieve a general benefit to society, but it may sometimes result in damage To third parties as a result of these actions, and the occurrence of such damages to persons is the field of our research, as the question arises about the extent of the administration’s responsibility towards third parties who were harmed as a result of the administration’s conduct of its work.
Keywords: (management tort liability, moral damages).
الإشكالية :
أن من الأمور التي قد تثار في هذا المجال هو أن الإدارة ومن خلال ممارستها لأنشطتها المتعددة قد تصدر قرارات معيبة ومخالفة للقانون، وقد ينتج جراء ذلك حدوث أضرار مادية ومعنوية للفرد، وبذلك فأن سلطة القضاء لا تقتصر على الإلغاء لتلك القرارات وإنما تمتد لتعويض ذلك الفرد عن الاضرار التي لحقت به جراء تلك القرارات المعيبة في مشروعيتها وتلك هي الإشكالية التي نحب أن نسلط الضوء عليها، حيث يعتقد البعض بأن سلطة القضاء الإداري لا تتعدى الإلغاء، ووفقاً لما تقدم فقد يحدث من الناحية العملية إصابة شخص أو بعض الأشخاص بأضرار من جراء تصرفات الإدارة، مما يترتب عليه تحقق مسؤوليتها عن هذا النشاط، ومن ثم إلزامها بأن تعوض المتضرر من ذلك، من خلال دفعها له شكلاً من التعويض مقابل الضرر .
وبناءً على ما تقدم سنقوم بتقسيم هذا البحث إلى ثلاث مطالب.
المطلب الأول : مسؤولية الإدارة على أساس الخطأ.
المطلب الثاني : مسؤولية الإدارة من دون خطأ.
المطلب الثالث : الأثر القانوني المترتب على المسؤولية التقصيرية للإدارة.
المطلب الأول
مسؤولية الإدارة على أساس الخطأ
إن المقصود بمسؤولية الدولة عن أعمال السلطة الإدارية هو إلزام جهة الإدارة بتعويض الأضرار الناتجة عن مباشرتها بأعمالها والتي تلحق ضرراً بالأشخاص، وتتحقق تلك المسؤولية أما نتيجة الإخلال بالتزاماتها العقدية التي تبرمها بينها وبين أشخاص القانون الخاص وتسمى حينها بالمسؤولية العقدية، أو نتيجة لما تحدثه الإدارة من ضرر للغير نتيجة القيام بأعمالها بخطأ أو من دون خطأ .
وهنا تجدر الإشارة إلى أن القواعد التي تقرر مسؤولية الإدارة عن الأخطاء التي يرتكبها الموظف التابع لجهة الإدارة تختلف بشكل كلي عن القواعد التي تخضع لها منازعات الأشخاص في القانون الخاص، وبالتالي لا يمكن وضع الاشخاص في القانون المدني في نفس الموضع بالنسبة للإدارة، كون الإدارة دائماً ما تسعى إلى تحقيق منفعة عامة على خلاف الأشخاص الذين غالباً ما يسعون إلى تحقيق مكاسب ومنافع شخصية .
وعليه فأن الأساس الذي تقوم عليه مسؤولية الإدارة على أساس الخطأ هو تحقق الضرر للأشخاص، ومتى ما تحقق الضرر للأشخاص يكون له الحق في المطالبة بالتعويض عما أصابه ولحق به من ضرر .
وتسمى مسؤولية الإدارة على أساس الخطأ ( بالمسؤولية التقصيرية )، ولكي تتحقق تلك المسؤولية إتجاه جهة الإدارة لابد من تحقق أركان المسؤولية وهي ( الخطأ – الضرر – العلاقة السببية بينهما )
الفرع الأول
الخطأ المرتكب من قبل الإدارة
لم يتناول المشرع العراقي في القانون الإداري تعريفاً واضحاً وصريحاً للخطأ، وبذلك أصبح الأمر متروكاً لفقهاء القانون، وقد عرف بعضاً من الفقهاء الخطأ على أنه ” قيام الإدارة بعمل مادي أو تصرف قانوني مخالف لمبدأ المشروعية، وهو أما أن يكون في صورة عمل إيجابي من خلال إتيانها لأعمال يحضرها القانون، أو في صورة عمل سلبي ينشأ من عدم قيامها بما يوجبه القانون ” ([1])
وقد عُرف الخطأ أيضاً بأنه ” مخالفة أحكام القانون واللوائح المعمول بها سواءاً كانت المخالفة متمثلةً بعمل إيجابي، كأن تقوم الإدارة بأداء واجباتها، أو قد تكون تصرفاً سلبياً وذلك من خلال امتناعها عن القيام بعمل موكل بها . ([2])
والإدارة إنما هي شخص معنوي عام لا تقوم بأعمالها إلا من خلال موظفيها الذين يعملون لصالحها ويسعون إلى تحقيق أهدافها، ونتيجة لذلك فأن الموظف قد يقع أحياناً في الخطأ، وينتج من جراء تلك الأخطاء أضراراً مادية أو معنوية أو كلاهما للأفراد، فإن جهة الإدارة في ظل القضاء الإداري بالإمكان محاسبتها عن ما تقوم به من أعمال وإن لم تكن قائمة على أساس الخطأ، وذلك لاختلاف المنازعات المثارة في حقل القانون العام عن مثيلاتها الناشئة بين الأفراد في القانون الخاص . ([3])
وبما أن الإدارة لا تمارس أنشطتها إلا من خلال موظفيها، فإن وقوع الموظف بالخطأ يلزمه من حيث الأصل بتحمل مسؤولية خطأه، ولكن الفقه يرى بأن تحمل الموظف كامل المسؤولية وبصورة مطلقة يشكل عبئاً ثقيلاً على الموظف مما يجعله يحجم عن أداء الأعمال المناطة به خشية الوقوع في الخطأ، بالإضافة إلى أن الأمر لا يمكن أن يكون عادلاً كون الموظف يعمل لجهة الإدارة وما الأعمال التي يقوم بها إلا نتيجة لتكليفه بها . ([4])
وذهب الفقه بالقول إن الخطأ الذي يقع إما أن يكون خطأً شخصياً وبالتالي يسأل عنه الموظف، وإما أن يكون الخطأ مرفقياً، أي حصل نتيجة خطأ الإدارة وبالتالي تسأل الإدارة عن أخطائها، وقد بذل الفقه مجهودات كبيرة من أجل وضع معايير للتفرقة بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، وكان للقضاء الفرنسي الدور الكبير والبارز في وضع تلك المعايير، وكان الغرض من وضع تلك المعايير هو حماية الموظف العام . ([5])
وعرف الفقهاء الخطأ الشخصي بأنه الخطأ الذي يأتيه الموظف وله طابع شخصي، كما لو تصرف بدافع هوى خاص في نفسه أو عدم تبصره، أما الخطأ المرفقي فهو الخطأ الذي يرتكبه الموظف أثناء تأدية واجبه الوظيفي . ([6])
ومن أهم المعايير التي أخذ بها الفقه والقضاء في فرنسا ومصر والعراق للتمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي هي :
( أولاً ) معيار جسامة الخطأ : نادى بهذا المعيار عدد كبير من الفقهاء وعلى رأسهم الفقيه الفرنسي جيز (Jeze)، ويعد جسامة الخطأ المرتكب أساساً للتمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، فمتى ما كان الخطأ جسيماً وبلغ حداً لا يمكن اعتباره خطأً عادياً ففي ذلك الموضع يعد الخطأ شخصياً وبالتالي يسأل عنه الموظف بصورة مباشرة لا المرفق العام الذي يعمل فيه . ([7])
ووفقاً لهذا المعيار فإن التمييز بين الخطأ الشخص والمرفقي يكون بالنظر إلى إداء الموظف العادي ( متوسط الكفاءة )، وفي ظروف مماثلة للظروف التي أرتكب الخطأ فيها، فإن وقع في نفس الخطأ عُد الخطأ اعتيادياً وبذلك يكون الخطأ مرفقي وليس شخصي، والعكس صحيح . ([8])
إلا أن هذا المعيار لقي انتقاداً شديداً كونه لا يمثل ما جرى عليه القضاء في عديد من المواقف، حيث أعتبر القضاء بعض الأخطاء شخصية على الرغم من عدم جسامتها، في حين عَد بعض الأخطاء مرفقية على الرغم من جسامتها . ([9])
( ثانياً ) معيار النزوات الشخصية : إن هذا المعيار يُعد الأول للتمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، وأن الفقيه لافيريير ( Laferriere) كان في مقدمة الفقهاء الذين نادوا بهذا المعيار، وقد أطلقوا عليه تسمية الخطأ العمدي .
ووفقاً لهذا المعيار متى ما كان الخطأ الذي أرتكب ذو طابع شخصي يكشف من خلاله عن وجود ( سوء النية ) في ارتكاب الفعل، كأن يكون الفعل رغبةً في الانتقام أو لتحقيق منفعة شخصية فإن الخطأ يُعد خطأً شخصياً، وبالتالي يسأل عنه الموظف شخصياً وليس الجهة التي يعمل لصالحها . ([10])
وقد لقي هذ المعيار إنتقاداً أيضاً، وقد ذهب المنتقدون إلى أنه على الرغم من وضوح هذا المعيا من حيث الظاهر، إلا أنه يؤدي إلى استبعاد حالة الخطأ الجسيم من حالة الخطأ الشخصي، وذلك يتعارض مع ما أستقر عليه القضاء الإداري في فرنسا .
( ثالثاً ) معيار إنفصال الخطأ عن الوظيفة : وفقاً لهذا المعيار الذي نادى به جانب من الفقه فإن الخطأ يعتبر خطأً مرفقياً متى ما كان واقعاً ضمن أداء مهام الوظيفة، ويكون الخطأ شخصياً متى ما كان بالإمكان فصل هذا الخطأ عن نطاق أعمال وواجبات الوظيفة .
ومن أهم الفقهاء الذين نادوا بهذا المعيار هو الفقيه هوريو ( Hauriou)، إلا أنه لم يسلم من النقد حيث يرى الكثيرين من الفقهاء بأن هذا المعيار يستبعد من أطار الخطأ الشخصي جميع الأخطاء المتصلة بواجبات الوظيفة وإن كانت أخطاء جسيمة، وذلك لا يتفق مع ما تواترت عليه أحكام القضاء الإداري . ([11])
( رابعاً ) معيار الغاية : ومن أنصار هذا المبدأ هو الفقيه الفرنسي دكي ( Duguit) ويرى هذا الفقيه بأن معيار التفرقة بين الخطأين الشخصي والمرفقي يعتمد على الغاية من العمل الذي قامت به الإدارة من خلال موظفيها، وبالتالي إذا كانت الغاية من أداء العمل هو لتحقيق أغراض خاصة وشخصية فأن الخطأ وفقاً لذلك يكون شخصياً، أما إذا كانت الغاية من العمل تحقيق أحد أهداف الإدارة التي تسعى إلى تحقيقها فإن الخطأ يكون مرفقياً، إلا أنه على الرغم من بساطة هذا المعيار في التمييز بين الخطأين إلا أنه يؤخذ عليه أنه لا يعتد بأخطاء الموظف الجسيمة طالما أنه يعتبر الهدف من تحقيقها هو المصلحة التي تبتغيها الإدارة وبالتالي يعتبرها خطأ مرفقياً . ([12])
وعلى الرغم من وجود كل تلك المعايير الاساسية إلا أننا نجد القضاء في فرنسا لم يعتمد معياراً محدداً بذاته للتمييز بين الخطأ الشخص والخطأ المرفقي، وإنما استعان بها جميعاً في تحديد ذلك الخطأ والتمييز بينهما . ([13])
وهنا لابد من الإشارة إلى موقف كلٍ من الفقه والقضاء الإداري في كلٍ من مصر والعراق فيما يتعلق بالتفرقة بين الخطأين الشخصي والمرفقي .
ففي مصر نجد أن القضاء لم يأخذ بمعيار فقهي محدد بذاته للتفرقة بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، إلا أن أحكام مجلس الدولة قد استقرت على أن الخطأ يُعد خطأ شخصياً متى ما توافر فيه شرطان هما : ([14])
1- سوء النية : أي نية الموظف، فمتى ما كانت نية الموظف تحقيق منفعة شخصية، أو كان فعلة بدافع الانتقام .
2- جسامة الخطأ : أي إذا كان الخطأ الذي أرتكبه الموظف جسيماً، بحيث أن الموظف العادي ( متوسط الكفاءة ) لو وضع في نفس الظروف لما وقع في مثل ذلك الخطأ .
وفيما عدا ذلك فقد اعتبر القضاء الإداري في مصر أن الخطأ يكون مرفقياً . ([15])
ومن أحكام القضاء الإداري في هذا المجال حكمها الذي جاء فيه ” لبيان ما إذا كان خطأ الموظف خطأً مصلحياً، أو شخصياً يتعين البحث وراء نيته، فإذا كان يهدف من تصرفه الصالح العام كان خطأه مصلحياً، أما إذا تبين أن الموظف لم يعمل للصالح العالم بل كان مدفوعاً بعوامل شخصية، أو كان خطؤه جسيماً فإنه يعتبر خطأً شخصياً يسأل عنه في ماله الخاص . ([16])
أما في العراق كذلك نجد القضاء الإداري لم يتبنى معياراً محدداً للتفرقة بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، وإنما ترك الأمر إلى قواعد القانون المدني، وقد جاء في نص المادة ( 219-1 ) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 م المعدل أنه ” الحكومة والبلديات والمؤسسات الأخرى التي تقوم بخدمة عامة وكل شخص يشغل أحدى المؤسسات الصناعية أو التجارية مسؤول عن الضرر الذي يحدثه مستخدموهم، إذا كان الضرر ناشئاً عن تعدٍ وقع منهم أثناء قيامهم بواجباتهم ” .
وجاء في نص المادة ( 219-2 ) من نفس القانون أنه ” ويستطيع المخدوم أن يتخلص من المسؤولية إذا أثبت أنه بذل ما ينبغي من العناية لمتع وقوع الضرر، أو أن الضرر كان لابد واقعاً حتى لو بذل هذه العناية ” .
وبذلك فإن المشرع يقرر بأن المسؤولية هنا تقع على عاتق الإدارة، وبالتالي هي المسؤولة عن الاضرار التي يحدثها موظفيها، وذلك لما تملكه جهة الإدارة من حق الرقابة والأشراف والتوجيه لموظفيها . ([17])
أما القضاء الإداري في العراق نجد أنه لم يجيز النظر بطلبات التعويض عن الأضرار التي تحدث بسبب أداء الإدارة لأعمالها على وجه الاستقلال، وإنما كان يشترط أن تبت المحكمة في الطعن المقدم أمامها، وللمحكمة أن ترد الطعن، أو تلغي القرار المطعون فيه أو تقوم بتعديله مع الحكم بالتعويض، وذلك كون القانون بنص على أختصاص محكمة القضاء الإداري بالفصل في طلبات التعويض عن القرارات الإدارية الغير مشروعة دون تمييز بين تلك الموجهة لجهة الإدارة أو تلك الموجهة إلى موظفيها . ([18])
الفرع الثاني
الضرر من جراء خطأ الإدارة
يُعد الضرر هو المحور والعنصر الأساسي لقيام المسؤولية، وإذا كان بالإمكان تقرير المسؤولية دون خطأ، فإنه لا يمكن أن تتحقق دون وجود ضرر، وبمعنى أدق في حال لو صدر من قبل جهة الإدارة عمل معين وترتب نتيجةً لذلك العمل خطأ، أو لم يترتب عليه خطأ فإن مسؤولية الإدارة عن عملها تكون موجودة، ولكن لا يمكن أن نحمل جهة الإدارة تعويض الشخص الذي صدر الخطأ بشأنه ما لم يحقق هذا الخطأ ضرراً له . ([19])
وهنا لابد من الإشارة إلا أن الضرر أنواع، كما أن للضرر شروط يجب توافرها لتتحقق مسؤولية الإدارة وهذا ما سنتناوله تباعاً :
( أولاً ) أنواع الضرر : الضرر نوعان إما أن يكون مادياً ملموساً، كأن يصيب الشخص في ماله أو جسده، وقد يكون الضرر معنوياً، كأن يصيب الشخص في سمعته أو شرفه ونزاهته . ([20])
وقد استقرت أحكام مجلس الدولة الفرنسي على تعويض الأضرار المادية متى ما توافرت شروط المسؤولية، وكذلك الحال بالنسبة للأضرار المعنوية التي ترافقها أضراراً مادية، أما الأضرار المعنوية فقد كانت أحكام مجلس الدولة الفرنسي في بداياتها ترفض التعويض فيها ما لم يصحبها ضرراً مادياً، إلا أنه وبعد التطورات الكبيرة التي طرأت على أحكام مجلس الدولة نجد أن مجلس الدولة قد أخذ يحكم بالتعويض عن الأضرار المعنوية وإن لم تتضمن أضراراً مادية . ([21])
إما عن موقف القضاء في كلٍ من مصر والعراق نجد أن القضاء الإداري والقضاء العادي قد أخد بمبدأ تعويض الأضرار سواءاً كانت الأضرار ماديةً أم أدبية . ([22])
ومن أحكام محكمة القضاء الإداري في مصر في تعويض الضرر الأدبي، حكمها بتعويض أحد الموظفين بسبب قيام الإدارة بإصدار قرار نقل صاحب الشأن من وظيفته وكان محامياً، وتحويله كاتباً في قسم الإيرادات، وبما أن هذا القرار أصاب الطاعن بضرر أبي يمس سمعته وكرامته فقد حكمت له المحكمة بالتعويض . ([23])
( ثانياً ) شروط الضرر : يشترط في الضرر لكي تتحقق المسؤولية الإدارية عدة شروط لا بد من تحققها لتعويض المتضرر من جراء عمل الإدارة، ويمكن أيجاز تلك الروط بالتالي :
(1) أن يكون الضرر محققاً : وبعبارة أخرى يجب أن يكون الضرر مؤكداً لتتحقق المسؤولية الإدارية، وعليه فإذا كان الضرر محتملاً وليس مؤكداً فلا يمكن الحكم بالتعويض عنه . ([24])
وهنا تجدر الإشارة بنا إلى التفرقة بين الخطأ المحتمل والخطأ المستقبلي، حيث قلنا أن الخطأ المحتمل لا يمكن التعويض عنه، أما الخطأ المستقبلي فأن القضاء يرى بإمكانية التعويص عنه طالما أن تحققه مؤكداً، إلا أن المشكلة تظهر في مسألة تقدير التعويض عنه، وقد ذهب القضاء في ذلك الأمر إلى تأجيل الحكم بالتعويض لحين استكمال العناصر اللازمة لتقديره، أما إذا كان بالإمكان التنبؤ بتقدير التعويض فإن للقضاء الحكم بالتعويض دون تأجيل مع حفظ حق المتضرر بالمطالبة بتعويض أخر إذا ما استجدت أمور تقتضي ذلك . ([25])
(2) أن يكون الضرر خاصاً : والمقصود بخصوصية الضرر أن يكون الضرر يمس أو يصيب شخصاً محدداً بعينه، أو مجموعة من الأشخاص على وجه الخصوص، أما إذا كان الضرر يتصف بالعمومية وقد أصاب عدداً غير محدد بذاته فإنه لا يمكن التعويض عنه باعتباره من الأعباء العامة التي يجب على الجميع تحملها . ([26])
والأصل في ذلك أي في اشتراط الخصوية في الضرر إنما يتعلق بالمسؤولية على أساس المخاطر ( أي المسؤولية دون خطأ )، وهذا ما سنتناوله في المطلب الثاني من هذا البحث .
(3) أن يكون الضرر مباشراً : يشترط أيضاً في الضرر لتحقق المسؤولية والتعويض عنه أن يكون مباشراً، أي أن يكون هناك علاقة مباشرة ما بين الضرر الذي أصاب الشخص وبين عمل الجهة الإدارية المطلوب منها دفع التعويض، وعليه يجب أن يكون الضرر نتيجةً مباشرة لفعل الإدارة، وإذا ما تعددت الأسباب التي تحقق الضرر بسببها فإن القضاء في ذلك الحال يأخذ بالسبب المنتج والأقرب لتحقق الضرر . ([27])
(4) أن يكون الضرر قد وقع على حقٍ كمشروع : ويقصد به أن يكون الضرر قد أصاب مركزاً قانونياً للمتضرر، ولا فرق فيما لو تعلق الأمر بحق مشروع قانوناً أو مصلحة مالية مشروعة، ولا فرق في أن يكون ذلك الضرر قد أصاب حقاً مشروعاً مادياً أم أدبياً . ([28])
(5) أن يكون الضرر قابل للتقدير نقداً : ويشترط أيضاً أن يكون الضرر الذي أصاب الغير قابل للتقدير النقدي، ويكون من السهل على القضاء تعويض الأضرار المادية التي تصيب الأشخاص، وذلك لسهولة تقدير الأضرار المادية .
أما الأضرار الأدبية التي تصيب سمعة وكرامة الإنسان فلم يكن القضاء في بادئ الأمر يقبل بتعويضها على أعتبار أنها لا يمكن تقديرها بالنقود، إلا أنه بعد تلك التطورات التي حصلت في مجال القضاء الإداري مؤخراً فأنه أصبح من الممكن تعويض الأضرار الأدبية وأن كان القضاء يواجه صعوبة في تحديد مقدار التعويض الأدبي . ([29])
الفرع الثالث
العلاقة السببية بين الخطأ والضرر
سبق وأن تحدثنا عن الخطأ والضرر باعتبارهما شرطان لتحقق المسؤولية أتجاه جهة الإدارة، وقلنا بأن الخطأ هو ما يقصد به مخالفة القانون، وميزنا بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي من خلال المعايير التي تم تبنيها من قبل القضاء والتطورات التي طرأت على ذلك، وتناولنا أيضاً الضرر وذكرنا انواعه والشروط الواجب توافرها فيه لتحقق مسؤولية الإدارة في التعويض عن الأضرار التي تنتج جراء أداء أعمالها، بقي لدينا موضوع غاية في الأهمية ألا وهو التطرق إلى العلاقة السببية ما بين الخطأ والسبب .
وقد أكد الفقه والقانون على ضرورة وجود علاقة سببية بين الخطأ والضرر لتحقيق المسؤولية أتجاه جهة الإدارة، أي يجب أن يكون الخطأ الذي صدر من قبل الإدارة هو الذي تسبب بشكل مبار بوقوع الضرر وخلاف ذلك لا يمكن أن تقوم المسؤولية الإدارية . ([30])
وعليه فإن المسؤولية الإدارية لا يمكن أن تقوم في حال انقطعت العالقة السببية بين الخطأ الذي ارتكبته الإدارة والضرر الذي أصاب الأشخاص، كأن يكون الضرر نتيجة لقوة قاهرة، أو نتيجة لخطأ الغير، أو بناءاً على خطأ من المضرور نفسه . ([31])
ولكن التساؤل الذي يثار هنا في هذا المجال أنه ماذا لو تعددت الأسباب التي أدت إلى تحقيق الضرر، حيث نجد أن الفقه يميز بين معيارين للإجابة على هذا التساؤل وهما :
(1) معيار تحقق العلاقة السببية : ويقصد بذلك أنه قد يكون الضرر نتيجة لعدة عوامل وليس عامل واحد فقط، ومثال ذلك أنه لو قامت سيارة أحدى الدوائر بدهس أحد الأشخاص وتم نقل الشخص المصاب إلى المستشفى، وما أن وصل الشخص المدهوس إلى المستشفى قام شخص أخر بطعنه بسكين لوجود خلاف شخصي سابق بينهما ومات الشخص أثر ذلك، ففي ذلك الموقف على من تقع المسؤولية .
وللإجابة على ذلك التساؤل اوجد الفقه نظريات متعددة، ومن أهم تلك النظريات هي :
( أ ) نظرية تكافؤ الأسباب : وفقاً لتلك النظرية فإنه يجب الأخذ بعين الاعتبار بكل الأسباب التي أدت إلى حدوث الضرر مهما كانت نسبة تلك الأخطاء ومهما تفاوتت في الأهمية، وذلك على اعتبار أنه إذا تخلف أحد تلك الأسباب فإنه لا يمكن وقوع الضرر، وقد لاقت تلك النظرية عدة انتقادات كونها تتسم بالاتساع الشديد، فضلاً عن كونها تعجز عن حل مشكلة السببية حلاً حاسماً . ([32])
(ب) نظرية السبب المنتج : وفقاً لهذه النظرية فإنه لا يمكن الاعتداد بكل الأسباب التي أدت إلى وقوع الضرر، وإنما تأخذ فقط في الأسباب المنتجة للضرر.
والسبب المنتج للضرر هو السبب الذي يحدث الضرر في العادة أو وفقاً للمعتاد . ([33])
وقد أصبحت هذه النظرية هي السائدة، وذلك كونها ضيقت من نطاق النظرية الأولى ( نظرية تكافؤ الأسباب ) التي لاقت نقداً شديداً .
(2) معيار إنعدام العلاقة السببية : وفقاً لهذا المعيار فإن إنقطاع العالقة السببية بين الخطأ والضرر لا يقيم المسؤولية الإدارية، بمعنى أنه لو صدر عن الإدارة عمل معين وكان ذلك العمل خاطئاً كونه مخالف لمبدأ المشروعية وبالتالي مخالف للقانون، وقد أصاب بعض الأشخاص ضرراً ، إلا أن الضرر لم يكن نتيجة لخطأ الإدارة الغير مشروع ففي مثل تلك الحالة لا يمكن أن تتحمل الإدارة التعويض وتنعدم المسؤولية الإدارية في مثل تلك الحالة، وذلك لانقطاع العلاقة السببية بين الخطأ والضرر . ([34])
المطلب الثاني
مسؤولية الإدارة من دون خطأ
سبق وأن بينا في المطلب الأول بأن الأصل في قيام المسؤولية الإدارية هو حدوث خطأ من جانب الإدارة وأن هذا الخطأ يجب أن يصحبه ضرراً ومن الضروري أن تكون هناك علاقة ما بين الخطأ والضرر .
إلا أن ذلك الأمر لا يمكن التمسك به في كل الظروف، فقد تنشئ مسؤولية الإدارة دون وقوع خطأ من قبلها متى ما أصاب شخص أو مجموعة من الأشخاص ضرر معين . ([35])
وأن هذا النوع من المسؤولية الإدارية الذي يقوم من دون وجود خطأ من قبلها يسمى ( بالمسؤولية على أساس المخاطر ) أو تحمل التبعات، ويعود الفضل في إقرار هذا النوع من المسؤولية إلى مجلس الدولة الفرنسي الذي كان سباقاً لأغلب التطورات التي حصلت في مجال القانون الإداري، ويعتبر مجلس الدولة هو من أسس لهذا النوع من المسؤولية الإدارية .
ويشترط مجلس الدولة الفرنسي لقيام المسؤولية الإدارية دون خطأ توافر ركنين فقط وهما الضرر، والعلاقة السببية بين وقوع الضرر وتصرف الإدارة المشروع الذي لا يعتبر مخالفاً للقانون ولا لمبدأ المشروعية . ([36])
وفي معرض حديثنا هذا تجدر الإشارة إلى أن كلٍ من التشريع والقضاء لم يقرر مسؤولية الإدارة من دون خطأ إلا في حالات استثنائية وليست مطلقة، وقد تم تحديد تلك الحالات نتيجة التطور المستمر في استخدام الإدارة للآلات والمعدات الميكانيكية مما يتطلب من الإدارة بذل المزيد من العناية في سبيل المحافظة على أرواح وممتلكات المواطنين . ([37])
وبناءاً على ما تقدم سنتناول في هذا المطلب موقف كلٍ من المشرع الفرنسي، والمشرع المصري والعراقي فيما يتعلق بمسؤولية الإدارة من دون خطأ ومدى العمل بها من قبلهم .
الفرع الأول
المسؤولية من دون خطأ في فرنسا
سبق لنا القول بأن أساس فكرة المسؤولية من دون خطأ تعود إلى مجلس الدولة الفرنسي، حيث قرر القضاء في مناسبات عديدة مسؤولية الإدارة وإن لم تكن قد ارتكبت خطأً، وبالتالي تكون الإدارة مسؤولة عن الأضرار التي تلحق بشخص أو مجموعة من الأشخاص نتيجة لقيامها بعمل إداري مشروع وغير مخالف بطبيعته للقانون .
إلا أن تلك المسؤولية دون خطأ لم تكن مطلقة وإنما حددها المشرع والقضاء بضوابط محددة ومن أهم تلك الضوابط هي : ([38])
( أولاً ) أن المسؤولية دون خطأ تعد مبدأً استثنائياً، وبذلك فإن الأخذ بها يكون وفقاً لما حدده القضاء بصورة خاصة .
( ثانياً ) كما يشترط القضاء الفرنسي لقام تلك المسؤولية أن يكون الضرر نتيجة لعمل إداري مشروع من الناحية القانونية، وأن يكون هذا العمل متمتعاً بشرطين هما :
(1) أن يكون الضرر خاصاً، كـأن يصيب فرداً معيناً بذاته أو مجموعة معينة بذاتها وعلى وجه الخصوص .
(2) أن يكون الضرر على قدر من الجسامة تقتضي العدالة تعويضه .
( ثالثاً ) أن الأساس القانوني الذي أقام من أجله مجلس الدولة الفرنسي مسؤولية الإدارة من دون خطأ يقوم على فكرة المخاطر، وكذلك مبدأ المساواة في تحمل الأعباء العامة.
الفرع الثاني
المسؤولية من دون خطأ في مصر
يختلف موقف المشرع المصري عن موقف القضاء فيما يتعلق بمبدأ مسؤولية الإدارة من دون خطأ، لذا سنتناول موقف كلٍ منهما على أنفراد .
( أولاً ) موقف المشرع المصري : أخذ المشرع المصري بمبدأ مسؤولية الإدارة من دون خطأ شأنه في ذلك شأن المشرع الفرنسي، إلا أن ذلك كان على نطاق ضيق جداً، وفي حالات استثنائية أيضاً، وبالتالي فإن ذلك لا يعد مبدأً عاماً .
وقد أكدت المادة (3) من قانون العمل المصري رقم (89) لسنة 1950 م بأنه ” لكل عامل أصيب بسبب العمل وفي أثناء تأديته، الحق في الحصول من صاحب العمل على تعويض عن أصابته طبقاً للقواعد المقررة … ” .
وبناءاً على ما تقدم فإن للعامل الحق في الحصول على تعويض عما يصيبه من ضرر نتيجة القيام بأعماله، إلا أن ذلك محدد بشروط أيضاً منها أن لا يتعمد العامل بإصابة نفسه، أو أن تحدث الإصابة نتيجة لسلوكه الفاحش أو المقصود .
كما تنص المادة (178) من القانون المدني على أنه ” كل من تولى حراسة أشياء تتطلب حراستها عناية خاصة أو حراسة آلات ميكانيكية يكون مسؤولاً عما تحدثه هذه الأشياء من ضرر، ما لم يثبت أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبي لا يد له فيه، هذا مع عدم الإخلال بما يرد في ذلك من أحكام خاصة ” ([39])
وقد عملت محكمة النقض في مصر بهذه المادة، فقد جاء في أحد احكامها أن الحارس وفقاً لنص تلك المادة من القانون المدني هو ذلك الشخص الطبيعي أو المعنوي الذ تكون له السلطة الفعلية على الشيء قصداً، وبناءً على ذلك فإنه متى ما كان الضرر الذي لحق بشخص معين أو مجموعة أشخاص محددين وكان الضرر نتيجة لعدم أخذ الحيطة والحذر ودون بذل العناية اللازمة فإن الإدارة وفقاً لما تقدم تكون مسؤولة عما يصيب الأشخاص من ضرر . ([40])
( ثانياً ) موقف القضاء المصري : في بادئ الأمر أخذ مجلس الدولة بمبدأ مسؤولية الإدارة دون خطأ وذلك في بعض الحالات الخاصة، ولم يكن الأخذ بها مطلقاً ولم يتوسع في تحديد تلك الحالات كما هو الحال في مجلس الدولة الفرنسي الذي قرر في العديد من المناسبات مسؤولية الإدارة من دون خطأ، ومن الحالات التي أخذ بها مجلس الدولة المصري مسؤولية الإدارة من دون خطأ هي : ([41])
(1) الفصل بغير الطريق التأديبي .
(2) إلغاء التعيين .
(3) الإمتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية .
إلا أنه في وقتنا الحاضر نجد أن مجلس الدولة قد عدل عن ما كان عليه الوضع سابقاً، حيث أن الاتجاه السائد في أحكام محكمة القضاء الإدارية عدم الأخذ بمسؤولية الدولة من دون خطأ، وقد أكدت أحكامها على أن أساس مسؤولية الإدارة عن أعمالها يكون على أساس الخطأ من جانب الإدارة، كأن تكون قراراتها مشوبة بأحد عيوب المشروعية، أما إذا لم يكن هنالك خطأ من جانب الإدارة فلا يمكن أن تتحقق تلك المسؤولية . ([42])
الفرع الثالث
المسؤولية من دون خطأ في العراق
إن القانون المدني في العراق لم يأخذ بشكل صريح وعلني بمبدأ مسؤولية الإدارة من دون خطأ، إلا أنه جاء في نص المادة (231) منه بأن ” كل من تحت تصرفه آلات أو أشياء أخرى تتطلب عناية خاصة للوقاية من ضرر ٍ ما يكون مسؤولاً عما تحدثه من ضرر ما لم يثبت أنه أتخذ الحيطة الكافية لمنع وقوع الضرر مع مراعاة ما تقرره النصوص الأخرى الخاصة “، ومن خلال ما ورد في هذا النص نجد أن المشرع على الرغم من أنه جعل من الخطأ مفترضاً إلا أنه ترك المجال مفتوحاً لما تقرره القواعد الخاصة إن وجدت، ومن أمثلة تلك القواعد الخاصة التي وجدت لاحقاً هي قواعد قانون العمل، والضمان الاجتماعي، والتأمين عن حوادث السيارات وغيرها . ([43])
وقد تأكد ذلك في قرار محكمة التمييز الصادر بتاريخ (16/5/1957) والذي قضت بموجبه بصحة التعويض لمالك أرض زراعية تضررت مزروعاته وعدد من الآلات الزراعية والمنشآت وتلفت، وذلك بسبب قيام جهات حكومية مختصة لكسر سداد نهر دجلة اضطراراً لتفادي خطر الفيضانات الذي كان يهدد مدينة بغداد والمناطق المجاورة لها الواقعة على النهر . ([44])
أما في مجال التشريع والقضاء الإداري في العراق نجد أنه لا يمكن الأخذ بمبدأ مسؤولية الإدارة من دون خطأ، وذلك كون المادة ( 7/ثانياً/ ط) من قانون مجلس شورى الدولة قد أشترط للحكم بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن الأوامر والقرارات الإدارية أن تكون تلك القرارات والاوامر غير مشروعة وبالتالي لا يمكن التعويض عن الأضرار الناتجة عن تطبيق القرارات الإدارية الشرعية . ([45])
وهذا ما أكدت عليه المادة (7/ثامناً/أ) من قانون التعديل الخامس رقم (17) لسنة 2013 .
المطلب الثالث
الأثر القانوني المترتب على المسؤولية التقصيرية للإدارة
إن الأثر القانوني الذي يترتب كنتيجة لمسؤولية الإدارة عن أفعالها الضارة التي تحققت نتيجة خطأ الإدارة، أو التي تقوم في أحيان أخرى دون خطأ، هو التعويض عن تلك الأضرار .
فمتى ما توافرت الأركان الأساسية للمسؤولية الإدارية وهي (الخطأ، الضرر، العلاقة السببية بين الخطأ والضرر) وعلى النحو الذي تطرقنا اليه سابقاً، فأنه يكون لزاماً على جهة الإدارة الالتزام بتعويض المتضرر لجبر الضرر الذ لحق به، وبما ان التعويض يعد ضمان لجبر المتضرر في جبر الضرر الذي أصابه، فإن القانون والمشرع يحرصان دائماً على إيجاد وسائل قانونية تجبر الإدارة على تنفيذ التزاماتها متى ما أظهرت الإدارة المماطلة والتسويف في تطبيق قرارات القضاء في التعويض، او في إلغاء القرارات الإدارية المخالفة للقانون .
وبناءاً على ذلك فإننا سنتناول في هذا المطلب ثلاثة مسائل مهمة والتي تعد من الأثار القانونية التي تترتب على قيام المسؤولية الإدارية وهي :
الفرع الأول : التعويض عن الضرر .
الفرع الثاني : إمتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بالتعويض .
الفرع الثالث : وسائل إجبار الإدارة على تنفيذ الأحكام القضائية .
الفرع الأول
التعويض عن الضرر
إن الأساس في تعويض الأضرار في الأصل هو التعويض النقدي، إلا أن القانون قد أجاز في بعض الحالات الاستثنائية الخاصة أن يكون التعويض غير نقدي . ([46])
وقد أكدت على ذلك المادة ( 171/2) من القانون المدني المصري حيث جاء فيها ” يقدر التعويض بالنقد، على أنه يجوز للقاضي تبعاً للظروف وبناءاً على طلب المضرور، أن يأمر بإعادة الحال إلى ما كان عليه، أو أن يحكم بأداء أمر معين متصل بالعمل غير المشروع وذلك على سبيل التعويض ” .
وبذلك المعنى نجد أن الأصل في طريقة التعويض هو أن يكون جبر الضرر نقدياً، إلا أنه يمكن أن يكون عينياً، وذلك غالباً ما يكون في الالتزامات التعاقدية، ولا يمكن تصوره في تقدير المسؤولية الإدارية إلا في حالات استثنائية، كأن يكون بإزالة أثر الفعل أو العمل غير المشروع من قبل الإدارة . ([47])
وبناءاً على ما تقدم فإنه إذا كان بالإمكان في علاقات القانون الخاص أن يكون جبر الضرر ( التعويض ) عينياً أي غير نقدي، فإن المستقر في إطار القانون الإداري في النظم القانونية المعاصرة مثل ( فرنسا، مصر، العراق ) فإن الأصل فيها هو التعويض النقدي، وذلك لأسباب واعتبارات خاصة، من أهمها أن التعويض العيني قد يؤدي إلى إزالة تصرفات إدارية عينية ذات مصلحة عامة للمجتمع، بالإضافة إلى أن قاعدة التعويض النقدي تكون أكثر ملائمةً لتحقيق مبدأ الفصل بين السلطات، وذلك لاستقلال الإدارة عن القضاء، بحيث لا يجوز للقاضي إصدار أوامر إدارية وبذلك لا يكون أمام القاضي سوى الحكم بالتعويض النقدي . ([48])
وهنا تجدر الإشارة بنا إلى مسألة مهمة جداً وهي، أنه في فرنسا يستطيع القضاء العادي أن يحكم بالتعويض العيني كجزاء للمسؤولية الإدارية، كأن يأمر جهة الإدارة بإزالة التصرف الذي وقع من جهتها وذلك بإزالة أثر ذلك التصرف، كالرد أو الهدم، وذلك استناداً إلى قاعدة أوجدها القضاء العادي في فرنسا وهي ( نظرية الإعتداء المادي ) أو ما تسمى ( أعمال التعدي ) ويعد هذا إستثناءاً في فرنسا فقط . ([49])
أما فيما يتعلق في تقدير التعويض فإنه يكون على أساس جسامة الضرر الذي لحق بالمضرور نتيجة لتصرف الإدارة التقصيري، وهنا يجب أن يكون التعويض بقدر ما لحق المتضرر من خسارة، وكذلك ما يفوت عليه من كسب، والعبرة في تحديد مقدار التعويض تكون بوقت صدور الحكم، وذلك على أعتبار أن الأحكام القضائية بالتعويض غالباً ما تتأخر . ([50])
وغالباً ما تثير مسألة تحديد التعويض بعض المشاكل، وذلك في إطار الوظيفة العامة تحديداً، ومنها القاعدة التي تسمى قاعدة ( العمل الفعلي )، والتي أعتمد عليها قضاء مجلس الدولة الفرنسي .
فقد استقرت أحكام مجلس الدولة الفرنسي على أنه الموظف الذي يتم فصله بسبب غير مشروع من قبل الإدارة والذي تم الحكم بإلغائه من قبل القضاء، فإن له راتباً للمدة التي قضاها بعيداً عن الوظيفة، وبما أن الراتب لا يكون إلا مقابل ( العمل الفعلي ) فقد قرر مجلس الدولة التعويض عن تلك المدة بدلاً من اقتضاء الراتب . ([51])
وبذلك لا تؤدي الإدارة للموظف المحكوم له راتباً، وإنما هو تعويضاً له لما لحق به من ضرر نتيجة لعدم مشروعية قرار الفصل الصادر من جهة الإدارة .
ولم يتردد كلٍ من مجلس الدولة في مصر، وكذلك القضاء الإداري في العراق في الأخذ بما استقرت عليه أحكام مجلس الدولة في فرنسا، حيث يرون بأن هذا الحل هو الأكثر ملائمة ومرونة، كما أنه أكثر عدالة . ([52])
وكذلك الأمر في القضاء الإداري في العراق، فلم يتم الأخذ بقاعدة ( العمل الفعلي )، فقد ذهب مجلس الإنضباط العام بمجلس ورى الدولة إلى أنه إذا ألغي الأمر الصادر باعتبار الموظف مستقيلاً فإنه يستحق راتبه عن مدة غيابه نتيجة لذلك الأمر الذي منعه من الدوام في وظيفته . ([53])
الفرع الثاني
إمتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بالتعويض
إن رقابة القضاء على أعمال الإدارة يُعد الضمان الحقيقي لحقوق الأشخاص، فمتى ما تعرضت حقوق الأشخاص للانتهاك أو التعدي فإنه يكون بإمكانهم اللجوء إلى القضاء باعتباره جهة مستقلة ويتوفر لديها ضمانات حقيقية وتتمتع بسلطة كبيرة يكون بالإمكان من خلالها إنصاف المتضرر من قبل الإدارة، ويكون ذلك إما بإلغاء القرار الإداري المخالف لمبدأ المشروعية، أو تعديله، وقد يكون الحكم بالتعويض لجبر الأضرار التي يتعرض لها الأشخاص من جراء تلك القرارات . ([54])
وهنا يأتي دور الجهة الإدارية التي يقع على عاتقها الالتزام بتطبيق أحكام القضاء الصادرة بهذا الشأن، أياً كانت تلك الأحكام والقرارات، سواءاً كانت لصالح الإدارة، أو لصالح الأشخاص المتضررين .
وهنا لابد من الإشارة إلى أن تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية من قبل الإدارة غالباً ما يثير المشاكل، حيث تعمد الإدارة في كثير الأحيان على مخالفة الأحكام القضائية وذلك بعدم تطبيقها أو أنها تماطل وتسوف في التطبيق، وذلك يُعد مساساً بسلطة القضاء .
وبما أن مبدأ الفصل بين السلطات يشكل حاجزاً يمنع السلطة القضائية من التدخل في أعمال الإدارة، بحيث لا يسمح له بالتدخل في شؤونها وأعمالها، إلا أن إمتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بالإلغاء أو التعويض يثير تساؤلاً حول مدى حجية تلك الأحكام القضائية باعتبارها سلطة قضائية مستقلة ومختصة بالفصل في المنازعات الإدارية. ([55])
وهنا لابد من الإشارة إلا أن المدعي وهو الشخص المتضرر إنما يقيم دعواه أمام القضاء باعتباره جهة مستقلة لا يأمل فقط بالحكم لصالحة، وإنما يأمل بتنفيذه من قبل الإدارة، وهذا الذي قد يواجه بالرفض وعدم التطبيق من قبل الإدارة، وذلك لعدة أسباب من الممكن للإدارة التذرع بها .
وبصريح العبارة أن أمتناع الإدارة ومماطلتها في تنفيذ الاحكام القضائية ينفي القيمة الحقيقية لمبدأ المشروعية ومبدأ الفصل بين السلطات، والتي تؤكد عليها التشريعات القانونية، ما لم نؤمن إيماناً حقيقياً بضرورة احترام أحكام القضاء وتنفيذ أحكامه، وبالتالي لا قيمة للأحكام القضائية ما لم يتم تنفيذها .
وأن إمتناع الإدارة عن تنفيذ أحكام القضاء يكون بعدة طرق، منها ما يعود إلى المماطلة والتسويف في تنفيذ الأحكام، وغالباً ما يمون ذلك في حالة صدور حكم بالإلغاء للقرارات الإدارية، حيث غالباً ما تكون الأحكام القضائية غير محددة بمدد زمنية لتنفيذها، ويترك الأمر لتقدير جهة الإدارة، ومع ذلك فإن المدد غير مطلقة وتكون خاضعة لرقابة القضاء . ([56])
وقد يكون إمتناع الإدارة صريحاً عن تنفيذ أحكام القضاء، وذلك يشكل الخطر الأكبر لما له من أثر كبير في تحقيق المسؤولية الإدارية، وقد يكون الإمتناع من خلال التنفيذ الناقص لأحكام القضاء بتنفيذ جزء وترك الجزء الأخر . ([57])
وفي ذلك الصدد لابد من الحديث عن المسؤولية الإدارية التي تترتب نتيجة لامتناع الإدارة عن تنفيذ الاحكام القضائية، حيث أن إمتناعها عن التنفيذ يُعد مخالفة صريحة تستوجب إقامة المسؤولية الإدارية، على أعتبار أن إمتناعها عن التنفيذ له أثار سلبية كبيرة وفي حال عدم التصدي لها سيؤدي إلى إنعدام ثقة الأشخاص بالقانون، وكذلك يؤدي إلى إشاعة الفوضى، بالإضافة إلى أنه يُعد خرقاً لمبدأ حجية الأحكام القضائية .
ففي حال أمتنعت الإدارة عن تنفيذ الاحكام القضائية الصادرة بالضد منها، فإنه يكون بإمكان المتضرر رفع دعوى جديدة امام القضاء وتلك الدعوى لا تتعلق بأثبات أصل الحق، كونه يُعد ثابتاً بالأصل في الدعوى الأولى، وإنما يتعلق بمسؤولية الأشخاص المسؤولين عن عدم تنفيذ الأحكام القضائية وتكون الدعوى موجهة بالضد منهم . ([58])
الفرع الثالث
وسائل إجبار الإدارة على تنفيذ الأحكام القضائية
وهنا يثار التساؤل حول ما هو السبيل لحمل الإدارة على تنفيذ أحكام القضاء، فقد تناول المشرع والقضاء مسألة إمتناع الإدارة عن تنفيذ أحكام القضاء التي تصدر بالضد منها في مواجهة الأشخاص، ولأجل بسط سلطة القضاء واحترام القانون وعدم إشاعة الفوضى فلا بد من وجود وسائل ضغط تمارس أتجاه الإدارة لحملها على تنفيذ تلك الأحكام القضائية .
ومن خلال بحثنا في النظم القانونية المعاصرة مثل ( فرنسا، ومصر، والعراق ) نجد أن تلك الوسائل تنقسم إلى قسمين، الأولى تتعلق بجهة الإدارة باعتبارها شخصاً معنوياً، والثانية تتعلق بالموظف المسؤول عن التنفيذ، فأما التي تتعلق بالإدارة غالباً ما يكون وسيلة الضغط هو التهديد بالغرامات والتعويض، أما ما يتعلق بالأشخاص فإن إمتناع الموظف عن التنفيذ يثير المسؤولية الجزائية .
ففي فرنسا نجد أن القضاء العادي اتخذ من الغرامات التهديدية وسيلة لإجبار الإدارة على تنفيذ الأحكام القضائية، وذلك بخلاف موقف القضاء الإداري، حيث نجد أن مجلس الدولة الفرنسي كان رافضاً لهذا المبدأ، بل وذهب إلى أبعد من ذلك فقد كان رافضاً لمبدأ فرض الغرامة التهديدية حتى في مواجهة الأشخاص المتعاقدين مع الإدارة . ([59])
إلا أن موقف مجلس الدولة الفرنسي هذا لم يستمر طويلاً، وذلك لتأثره ببعض النظم القانونية المعاصرة، وكذلك لوجود حالات تشكل إستثناءاً تكون فيها الإدارة مجردة من أي وسيلة في مواجهة الأشخاص الخاصة المتعاقدة مع الإدارة، وبالتالي لا تملك الإدارة وسائل تحملهم من خلالها على ضرورة الالتزام بشروط العقد المبرم بين الإدارة وبين تلك الأشخاص .
فقد صدر القانون رقم (80) بتاريخ (16/7/1980) والذي تضمن استخدام الغرامات التهديدية لحمل الإدارة أو الأشخاص المتعاقدين معها على تنفيذ أحكام القضاء، وبالتالي أصبح من الممكن للقاضي الإداري الحكم على الإدارة أو المتعاقد معها بغرامة تهديدية لحمل أيٍ منهما على تنفيذ أحكام القضاء في حال أمتنع أحدهما عن التنفيذ . ([60])
أما في مصر نجد أن النظام القضائي فيها لم يتبنى مبدا الغرامات التهديدية إلا على مستوى القضاء العادي، أما القضاء الإداري نجده يركز على تجريم سلوك الإمتناع عن تنفيذ أحكام القضاء من قبل الموظفين، وذلك بخلاف ما هو عليه الحال في فرنسا، وبالتالي فإن مجلس الدولة المصري لم يأتي بحلول حقيقية من شأنها الضغط على الإدارة وحملها على تنفيذ أحكام القضاء، وإنما تطرق فقط حول إقرار المسؤولية الجزائية للموظف الذي يمتنع عن تنفيذ أحكام القضاء . ([61])
حيث أن المشرع المصري جعل من تجريم سلوك إمتناع الموظف عن تنفيذ الأحكام القضائية مبدأً دستورياً، فقد نص على ذلك في المادة (72) من دستور مصر لعام 1972 م والتي جاء فيها ” تصدر الأحكام وتنفذ بأسم الشعب، ويكون الإمتناع عن تنفيذها أو تعطيل تنفيذها من جانب الموظفين العموميين المختصين جريمة يعاقب عليها القانون، وللمحكوم له في هذه الحالة حق رفع الدعوى الجنائية مباشرةً إلى المحكمة “
وكذلك نجد أن قانون العقوبات المصري ينص على فرض عقوبات إتجاه الموظف الذي يمتنع عن تنفيذ أي حكم أو أمر صادر من الجهات القضائية المختصة . ([62])
بناءاً على ما تقدم نجد أن القضاء الإداري في مصر لم ينص على فرض غرامات تهديدية من شانها حمل الإدارة على تنفيذ أحكام القضاء، وذلك خلافاً لموقف القضاء العادي الذي تبنى مبدا فرض الغرامات التهديدية حيث نص عليها المشرع في المادتين ( 213، 214 ) من القانون المدني المصري . ([63])
لذلك نجد الكثير من فقهاء القانون في مصر ينادون بضرورة الأخذ بهذا المبدأ في القضاء الإداري، وذلك كوسيلة لإرغام الإدارة على تنفيذ أحكام القضاء واحترام القانون .
أما الوضع في العراق فنجد أن القانون المدني العراقي لا يسمح بالحجز على أموال الإدارة في حالة عدم تنفيذها لأحكام السلطة القضائية، ويبرر ذلك على أساس ان أموال الإدارة عي في الأصل أموالاً عامة، وقد استقرت على ذلك أحكام القضاء في العراق .
إلا أنه بموجب قانون البنك المركزي رقم (56) لسنة 2004 م فإنه بالإمكان الحجز على اموال المصارف لدين ناشئ من طبيعة عملها وذلك بموجب حكم قضائي يصدر من المحاكم المختصة، وهنا ينبغي التفريق بين الأموال العامة العادية التي لا يمكن الحجز عليها، وبين الأموال العامة التجارية التي يمكن الحجز عليها وفقاً للقانون . ([64])
ومن خلال ما تقدم نجد أن القضاء الإداري في العراق لم يأخذ بمبدأ الغرامات التهديدية كوسيلة ضغط أتجاه الإدارة لحملها على تنفيذ الأحكام القضائية شأنه في ذلك ان المشرع المصري، إلا أننا نلاحظ أن المشرع في العراق نحى منحى المرع المصري في تجريم سلوك الموظف الذي يمتنع بدوره عن تنفيذ الأحكام القضائية .
وقد أكد على ذلك قانون العقوبات العراقي حيث ورد فيه أنه ” 1- يعاقب بالحبس وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين كل موظف أو مكلف بخدمة عامة أستغل سلطة وظيفته في وقف أو تعطيل تنفيذ الاوامر الصادرة من الحكومة أو أي حكم أو أمر صادر من إحدى المحاكم 2- ويعاقب بالعقوبة ذاتها كل موظف أو مكلف بخدمة عامة أمتنع عن تنفيذ حكم أو أمر صادر من إحدى المحاكم أو أي سلطة عامة مختصة بعد مضي ثمانية أيام من إنذاره رسمياً بالتنفيذ متى كان تنفيذ الحكم أو الأمر داخلاً في اختصاصه ” ([65])
الخاتمة:
تناول البحث محل الدراسة موضوعاً غاية في الأهمية ألا وهو مسؤولية الإدارة عن الأضرار التي تنجم من جراء قيام الإدارة بأداء مهامها وواجباتها، حيث أن الإدارة وفي أثناء القيام بأعمالها قد تتسبب بأضرار للغير، فهل تتحقق المسؤولية الإدارية وماهي الأثار التي تترتب على تحقق تلك المسؤولية .
وسبق القول بإن أعمال الإدارة تخضع في الأساس إلى مبدأ المشروعية الذي يقضي بضرورة عدم مخالفة القانون، وبالتالي يجب على الإدارة أن لا تخالف في ما تصدره من قرارات وتقوم به من أعمال النصوص القانونية والتشريعية .
وتطرقنا في معرض بحثنا إلى أن المسؤولية الإدارية هي من ولادة العصر الحديث، حيث كان المبدأ السائد قديماً يقضي بعدم إمكانية مسائلة الإدارة عن اعمالها كونه يعتبر أن ما تقوم به هو من أعمال السيادة، إلا أن هذا المبدأ لم يستمر طويلاً لما لقي من نقد شديد من قبل فقهاء القانون، وإن الفضل في إقرار المسؤولية الإدارية يعود إلى فرنسا، وقد مر بمراحل متطورة إلى أن أستقر الوضع إلى إمكانية تعويض الأضرار التي تنتج من جراء خطأ الإدارة وليس فقط إلغاء أو تعديل القرارات الإدارية المخالفة للقانون .
وعلى ذلك الأساس قسنا بحثنا إلى ثلاث مطالب، تناولنا في المطلب الأول مسؤولية الإدارة على أساس الخطأ، وإن مسؤولية الإدارة في هذا النطاق يجب أن تتوفر فيها ثلاث شروط وهي ( الخطأ، والضرر، والعلاقة السببية بينهما )، وتناولنا كل واحدة من تلك الشروط في فرعٍ خاص، وبينا الفرق بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، وكذلك تناولنا الضرر وبينا أنواعه وشروطه، ومن ثم تم التطرق إلى ضرورة وجود علاقة سببية بين الخطأ والضرر لقيام المسؤولية الإدارية .
أما المطلب الثاني فقد تناولنا فيه مسؤولية الإدارة من دون خطأ، ويعود الفضل في إقرار هذا النوع من المسؤولية إلى مجلس الدولة الفرنسي، ويشترط لقيام تلك المسؤولية توافر شرطين هما ( الضرر، والعلاقة السببية الضرر وتصرف الإدارة المشروع )، وبينا في البحث أن هذا النوع من المسؤولية لم يتطرق له التشريع والقضاء إلا في حالات خاصة جداً، وذلك نتيجة لاستخدام الإدارة للآلات والمعدات الحديثة في أداء أعمالها، ووضحنا موقف كل من القضاء في فرنسا ومصر والعراق من إقرار مسؤولية الإدارة من دون خطأ .
وفي المطلب الثالث من هذا البحث تطرقنا إلى مسألة غاية في الأهمية ألا وهي الأثار التي من الممكن أن تترتب على مسؤولية الإدارة التقصيرية، وبينا بإن تلك الأثار إما أن تكون بإلغاء القرار الإداري، أو تعديله، أو بالحكم بالتعويض لجبر الأضرار التي تنتج عن فعل الإدارة، كما تعرضنا إلى الحالات التي تمتنع فيها الإدارة من تطبيق أحكام القضاء في هذا الشأن وماهي الوسائل التي يتخذها القضاء لحمل الإدارة على تنفيذ أحكامه .
ومن خلال كلِّ ما تطرقنا إليه توصلنا في نهاية البحث إلى نتائجَ عدةٍ وتوصياتٍ، يمكننا إجمالها في الآتي :-
(1) إن الفضل في إقرار مسؤولية الإدارة عن أعمالها سواءاً تلك التي حدثت بخطأ أو من دون خطأ يعود إلى فرنسا، فهي من أقرت تلك المسؤولية واستمرت بالتطور إلى أن أخذت تقبل دعوى التعويض لجبر الأضرار التي تحدث نتيجة لقيام الإدارة بأعمالها .
(2) أن المشرع العراقي وكذلك القضاء حسناً فعل حين لم يأخذ بمبدأ مسؤولية الإدارة من دون خطأ شأنه في ذلك شأن المشرع الفرنسي، وذلك لما له من أثار سلبية وتفتح الباب أمام القضاء لدعاوى لا طاقة للقضاء على الفصل فيها .
(3) نأمل بأن ينحى المشرع والقضاء الإداري في العراق منحى المشرع والقضاء في فرنسا وذلك فيما يتعلق بإمكانية فرض الغرامات التهديدية لحمل الإدارة على تنفيذ أحكام القضاء دون مماطلة أو تسويف، باعتباره ضمانه للمتضرر أيضا، حيث لم يأخذ المشرع العراقي ولا القضاء الإداري بهذا المبدأ .
الهوامش:
[1] – د. ماجد راغب الحلو : القانون الإداري ، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، سنة 1998، ص 476 .
[2] – د. محمد رفعت عبد الوهاب، القضاء الإداري ( قضاء التعويض )، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، سنة 2002، ص 236-237 .
[3] – د. إسماعيل صعصاع غيدان البديري، مسؤولية الإدارة عن الضرر المعنوي في القانون العراقي (( دراسة مقارنة ))، أطروحة دكتوراه، كلية القانون، جامعة بغداد، سنة 2003، ص 114 .
[4] – د. سليمان الطماوي، القضاء الإداري ( قضاء التعويض )، دار النهضة العربية، القاهرة، بدون سنة نشر، ص 320 .
[5] – د. محمود عاطف البنا، الوسيط في القضاء الإداري، بدون دار نشر، سنة 1999، ص 520 .
[6] – د. فهد عبد الكريم أبو العثم، القضاء الإداري بين النظرية والتطبيق، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن، سنة 2005، 549-550 .
[7] – د. ماجد راغب الحلو، مرجع سابق، ص 465 .
[8] – د. محمود عاطف البنا، مرجع سابق، ص 530 .
[9] – د. محمد رفعت عبد الوهاب، مرجع سابق، ص 241 .
[10] – د. علي سعد عمران، مرجع سابق، ص 286 .
[11] – د. نجيب خلف أحمد الجبوري، القضاء الإداري، بدون دار نشر، سنة 2018، ص 263 .
[12] – د. رمضان محمد بطيخ، شروط قبول دعوى التعويض، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، بدون سنة نشر، ص 172 .
[13] – د. وسام صبار العاني، مرجع سابق، ص 335 .
[14] – د. محمود عاطف البنا، مرجع سابق، ص 528-529 .
[15] – د. محمد رفعت عبد الوهاب، مرجع سابق، ص 242 .
[16] – حكم محكمة القضاء الإداري بتاريخ 2/2/1950، مجموعة أحكام محكمة القضاء الإداري في مصر، السنة الرابعة، ص 305 .
[17] – د. علي سعد عمران، مرجع سابق، ص 289 .
[18] – د. وسام صبار العاني، مرجع سابق، ص 339 .
[19] – د. محمود عاطف البنا، مرجع سابق، ص 595 .
[20] – د. محمد رفعت عبد الوهاب، مرجع سابق، 275 .
[21] – د. نجيب خلف أحمد الجبوري، مرجع سابق، ص 274 .
[22] – د. علي سعد عمران، مرجع سابق، ص 296 .
[23] – حكم محكمة القضاء الإداري، مجموعة المبادئ التي قررتها محكمة القضاء الإداري، السنة الخامسة، ص 243 .
[24] – د. وسام صبار العاني، مرجع سابق، ص 336 .
[25] – د. محمود حلمي، القضاء الإداري ( قضاء التعويض )، بدون دار نشر، بدون سنة نشر، الطبعة الأولى، ص 263 .
[26] – د. محمود عاطف البنا، مرجع سابق، ص 596 .
[27] – د. نجيب خلف أحمد الجبوري، مرجع سابق، ص 273 .
[28] – د. وسام صبار العاني، مرجع سابق، ص 337 .
[29] – د. محمود عاطف البنا، مرجع سابق، ص 598 .
[30] – د. علي سعد عمران، مرجع سابق، ص 296 .
[31] – د. ماجد راغب الحلو، مرجع سابق، ص 519 .
[32] – د. محمد طه حسين الحسيني، مرجع سابق، ص 284 .
[33] – د. محمود عاطف البنا، مرجع سابق، ص 606 .
[34] – د. محمد حسين الحسيني، المرجع نفسه، ص 289 .
[35] – د. محمود عاطف البنا، مرجع سابق، ص 569 .
[36] – د. وسام صبار العاني، مرجع سابق، ص 340 .
[37] – د. محمد رفعت عبد الوهاب، مرجع سابق، ص 279 .
[38] – د. محمد رفعت عبد الوهاب، مرجع سابق، ص 281 .
[39] – المادة (178 ) من القانون المدني المصري .
[40] – د. سعاد الشرقاوي، القضاء الإداري، سنة 1970، ص 158 .
[41] – د. محمود عاطف البنا، مرجع سابق، ص 590 .
[42] – أنظر حكم محكمة القضاء الإداري بتاريخ (15/12/1956)، القضية رقم (1519)، لسنة (2) قضائية، مجموعة السنة الثانية، ص 215 .
[43] – د. علي سعد عمران، مرجع سابق، ص 299 .
[44] – د. إبراهيم طه الفياض، مسؤولية الإدارة عن أعمال موظفيها في العراق، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، القاهرة، سنة 1973، ص 582 .
[45] – د. وسام صبار العاني ، مرجع سابق، ص 342 .
[46] – د. محمد رفعت عبد الوهاب، مرجع سابق، ص 278 .
[47] – د. محمود عاطف البنا، مرجع سابق، ص 619 .
[48] – د. ماجد راغب الحلو، مرجع سابق، 532 .
[49] – د. وسام صبار العاني، مرجع سابق، ص 345 .
[50] – د. مصطفى أبو زيد فهمي، القضاء الإداري ومجلس الدولة، منشأة المعارف، الإسكندرية، سنة 1966، ص 810 .
[51] – د. ماجد راغب الحلو، مرجع سابق، ص 533 .
[52] – د. مصطفى أبو زيد فهمي، مرجع سابق، ص 810 .
[53] – قرار مجلس الإنضباط العام في مجلس شورى الدولة في العراق، الصادر بتاريخ (26/11/1980)، أنظر أيضاً د. وسام صبار العاني، مرجع سابق، ص 348 .
[54] – د. أزهار هاشم أحمد، مسؤولية الإدارة الناشئة عن مخالفة التزاماتها بتنفيذ أحكام القضاء الإداري، بحث منشور في مجلة الحقوق، الجامعة المستنصرية، ستة 2012 .
[55] – د. فيصل شنطاوي، الأحكام القضائية الإدارية الصادرة ضد الإدارة وإشكاليات التنفيذ، بحث منشور في مجلة علوم الشريعة والقانون، الأردن، سنة 2016، ص 505 .
[56] – د. أبو يونس، الغرامة التهديدية كوسيلة لإجبار الإدارة على تنفيذ الأحكام الإدارية، دار الجامعة الحديثة، الإسكندرية، سنة 2001، ص 168 .
[57] – د. شحاته، الأثار الإيجابية للأحكام الصادرة بإلغاء قرارات الترقية ودور الإدارة في تحقيقها، مجلة مجلس الدولة المصري، السنة الثامنة، القاهرة، ص 265 .
[58] – وسام صبار العاني، مرجع سابق، ص 349 .
[59] – د. فتحية هنيش، ضمانات تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية، بحث منشور في كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد خيضر، الجزائر، سنة 2013، ص 42 .
[60] – د. بن صاوله شفيقة، إشكالية تنفيذ الإدارة للقرارات القضائية الإدارية ( دراسة مقارنة )، دار هومه للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، سنة 2010، ص 275 .
[61] – د. فتحية هنيش، مرجع سابق، ص 46 .
[62] – أنظر المادة ( 123) من قانون العقوبات المصري رقم (58) لسنة 1937 المعدل .
[63] – أنظر المادتين ( 213، 214 ) من القانون المدني المصري رقم (131) لسنة 1948 م .
[64] – أنظر المادة ( 72 ) من قانون البنك المركزي العراقي لسنة 2004 م .
[65] – أنظر المادة ( 329 ) من قانون العقوبات العراقي رقم ( 111 ) لسنة 1969 .
المصادر :
( أولاً ) الكتب القانونية :–
1. حمدي ياسين عكاشة، القرار الإداري في قضاء مجلس الدولة، منشأة المعارف، الإسكندرية، سنة 1987 .
2. رياض عبد عيسى الزهيري، دعوى إلغاء القرارات الإدارية في القانون العراقي والمقارن، بدون دار نشر، الطبعة الأولى، بغداد، سنة 2013 .
3. زين بدر فراج، القضاء الاداري “قضاء الإلغاء”، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة 2002 .
4. سعد عصفور؛ محسن خليل، القضاء الإداري، منشأة المعارف، الإسكندرية، بدون سنة نشر.
5. شاب توما منصور، القانون الإداري “الكتاب الثاني”، الطبعة الأولى، بدون دار نشر، سنة 1980 .
6. شريف يوسف خاطر، القضاء الإداري “دعوى الإلغاء”، دار الفكر والقانون، المنصورة، مصر، سنة 2016 .
7. صلاح الدين فوزي، مبادئ القانون الإداري، مكتبة الجلاء، سنة 1994 .
8. طارق فتح الله خضر، دعوى الإلغاء، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة 1997 .
9. عبد العزيز عبد المنعم خليفه، دعوى إلغاء القرار الإداري وطلبات لإيقاف تنفيذه، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2009 .
10. عبد الفتاح حسن، مبادئ القانون الإداري، مكتبة الجلاء الجديدة، المنصورة، مصر، سنة 1984.
11. غازي فيصل مهدي؛ وعدنان عاجل عبيد، القضاء الإداري “دراسة قانونية حديثة مقارنة بالأنظمة القضائية المقارنة الفرنسي والمصري والعراقي”، بدون دار نشر، الطبعة الثانية، سنة 2013 .
12. ماجد راغب الحلو، القضاء الإداري “مبدأ المشروعية، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، الطبعة الأولى، سنة 1999 .
13. ماهر صالح علاوي، القرار الإداري، دار الحكمة للطباعة والنشر، بغداد، سنة 1991 .
14. محسن خليل، قضاء الإلغاء، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، سنة 1989 .
15. محمد رفعت عبد الوهاب، القضاء الإداري، الكتاب الثاني “قضاء الإلغاء”، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، سنة 2002 .
16. محمد عبد العال السناري، دعوى التعويض ودعوى الإلغاء “دراسة مقارنة”، دار النهضة العربية، القاهرة، بدون سنة نشر .
17. محمد عبد الله الفلاح، شروط قبول دعوى الإلغاء “دراسة مقارنة”، بدون دار نشر، بدون سنة نشر .
18. محمد ماهر ابو العينين، دعوى الإلغاء وفقاً لأحكام وفتاوى مجلس الدولة حتى بداية القرن 21، بدون دار نشر، بدون سنة نشر .
19. محمود سامي جمال الدين، القضاء الإداري، منشأة المعارف، الإسكندرية، سنة 2008 .
20. محمود محمد حافظ، القضاء الإداري “دراسة مقارنة”، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة السابعة، سنة 2013 .
21. مصطفى أبو زيد فهمي، قضاء الإلغاء “شروط القبول، أوجه الإلغاء”، دار الهدى لمطبوعات، الإسكندرية، سنة 2001 .
(( ثانياً )) الرسائل العلمية :–
1. أبو بكر أحمد عثمان النعيمي، حدود سلطات القضاء الإداري في عوى الإلغاء “دراسة مقارنة”، رسالة ماجستير، كلية القانون، جامعة الموصل، العراق، سنة 2005 .
2. سليم بن سهلي، الأحكام الإدارية الصادرة بالإلغاء وكيفية مواجهة إمتناع الإدارة عن تنفيذها “دراسة مقارنة”، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة المنصورة، الطبعة الأولى، سنة 2011 .
3. صالح إبراهيم المتيوتي، شروط الطعن أمام محكمة القضاء الإداري في العراق، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة بغداد، سنة 1991 .
(( ثالثاً )) البحوث والدوريات :–
1. علي محمد بدير، أنواع القرارات الإدارية، بحث منشور في مجلة القانون والاقتصاد، جامعة القاهرة، العدد الرابع، السنة الثانية، سنة 1970 .


