قواعد الاحتفاظ بالوثائق المحاسبية في القانون المغربي

Written by

·

ذ. عبد العالي المكنوني

باحث في قانون الأعمال – جامعة الحسن الثاني – المحمدية

لما كانت عمليات تحقيق شروط الإنتاج وتسويق المنتجات ودورة رأس المال في النشاط التجاري والصناعي تتسارع وتتلاحق بشكل يستحيل معه أن يختزن التاجر جميع عناصر مشروعه التجاري في ذاكرته، كان لابد من إيجاد وسيلة أو أداة للتعبير الكتابي عن مختلف هذه العناصر . ومن هنا ظهرت الحاجة إلى الوثائق المحاسبية كوسيلة تعين التجار في تنظيم معاملاتهم وترتيب أمورهم المالية.

وقد حرصت مختلف التشريعات على تنظيم القواعد التي تحكم مسك الوثائق المحاسبية لما لهذه الأخيرة من أهمية سواء في مواد الإثبات أمام القضاء أو في ربط الضريبة على التاجر.

وفي سبيل تحديد الكيفية التي يتعين على التاجر مراعاتها عند مسك المحاسبة أشار القانون المغربي إلى نوعين من القواعد : قواعد خاصة بانتظام الوثائق المحاسبية، وقواعد خاصة بالاحتفاظ بهذه الوثائق . وسنعمل من خلال هذه الدراسة على تناول النوع الثاني من القواعد بالتحليل من خلال التركيز على مواطن الضعف والخلل في المقتضيات القانونية المنظمة لها، على أن نقدم بعض الحلول التي نرى أنها تتلاءم و متطلبات العمل التجاري الحديث.

أولا: مضمون الالتزام بالحفظ

تنص المادة 22 من القانون رقم 88 – 9 المتعلق بالقواعد المحاسبية الواجب على التجار العمل بها ([1]) على أنه : ((يحتفظ بالوثائق المحاسبية والمستندات الإثباتية طوال عشر سنوات)). وتنص المادة 26 من مدونة التجارة في السياق نفسه على أنه: “يجب أن ترتب وتحفظ أصول المراسلات الواردة ونسخ المراسلات الصادرة مدة عشر سنوات ابتداء من تاريخها”.

وكما هو ظاهر من هذين النصين فإنهما يكادان يتطابقان في المفهوم إلا أن العبارة الواردة في القانون المتعلق بالقواعد المحاسبية تذهب إلى إلزام التاجر بحفظ كافة الوثائق المحاسبية وكذا المستندات الإثباتية (الأصلية)، أما العبارة الواردة في مدونة التجارة فهي تفرق بين المراسلات ([2]) التي يرسلها التاجر وبين تلك التي يتلقاها. ففي الحالة الأولى يجب على التاجر أن يحتفظ فقط بصورة طبق الأصل من المراسلات والبرقيات الصادرة منه إلى غيره، أما في الحالة الثانية فيحتفظ التاجر بأصول هذه المستندات إذا كانت واردة إليه من الغير.

ولاشك أن كلتا العبارتين اللتين استعملهما المشرع المغربي يتسمان بعدم الدقة وتعوزهما المرونة المتطلبة في عالم التجارة، ذلك أنه قد لا يتمكن التاجر من الاحتفاظ بأصل الوثائق المحاسبية أو أصل المستندات أو المراسلات الواردة إليه بسبب تقديمه لأصل هذه المستندات إلى جهة من الجهات التي تتطلب تقديم أصل المستند كالمحاكم مثلا.

كما إن إلزام التاجر بحفظ المستندات الأصلية قد يكون مرهقا له، وقد لا يتمكن من تحقيقه عملا، لذلك فالمقبول أن ينص المشرع على احتفاظ التاجر بأصول المستندات كأصل عام أو صور منها إذا تعذر الاحتفاظ بالأصل.

وعلى صعيد آخر، يلاحظ أن المشرع، وبناءا على مضمون المادتين السابقتين، لم يتعرض لحالة التاجر المتوفى على خلاف باقي التشريعات التي استطعنا الإطلاع عليها، والتي جعلت نطاق الالتزام بحفظ الوثائق المحاسبية لا يقتصر على التاجر وحده وإنما يشمل ورثته أيضا . ([3])

والجدير بالذكر أن هذا الالتزام قد يتجاوز نطاق التاجر وورثته لينصرف إلى الخلف الخاص الذي يقوم بشراء المحل التجاري الذي تتعلق به دفاتر التاجر، وعلى ذلك لو باع التاجر مقاولته بما لها من حقوق وما عليها من ديون إلى شخص آخر انتقل الالتزام بحفظ الوثائق المحاسبية إلى هذا الشخص باعتباره المالك الجديد للمحل التجاري، ولكون الدفاتر المحاسبية تعد من ملحقات هذا الأخير، هذا بطبيعة الحال ما لم يتم الاتفاق على خلاف هذا في العقد فآنذاك يظل الالتزام بالحفظ على عاتق التاجر أو وورثته.

ثانيا: كيفية الحفظ

لم يحدد المشرع المغربي أيضا الطريقة التي ينبغي على التاجر الالتزام بها في حفظ وثائقه ومستنداته المحاسبية، بل ترك للتاجر حرية اختيار الوسيلة التي يراها ملائمة لذلك، وعليه فيمكن للتاجر أن يخصص ملفا لحفظ المراسلات الصادرة وآخر للمراسلات الواردة، كما يمكن أن يتم الحفظ بحسب العمليات بحيث يخصص لكل عملية من العمليات ملف خاص بمستنداتها.

وأيا كانت الطريقة التي يتبعها التاجر في حفظ مستنداته فإنه ينبغي أن يراعى ترتيبا معينا يساعده في الحصول على المستند المحفوظ في أي وقت دون مشقة أو استغراق وقت طويل.

ومن الوسائل الحديثة التي ظهرت في أوربا، في مجال حفظ وتسجيل المعلومات وسيلة الميكروفيلم ([4]) أو ما يسمى بالمصغرات الفيلمية ([5]) ، وهي نسخ بطريقة التصوير الضوئي بحيث يحصل التاجر على صورة مصغرة، وأحيانا متناهية في الصغر- طبق الأصل من المحرر الورقي، على هيئة فيلم فوتوغرافي – وبهذا يمكن الاحتفاظ بمجموعة كبيرة من السجلات على أفلام يمكن عرضها حسب الحاجة على آلات عرض خاصة . ولا شك أن حفظ المستندات والوثائق المحاسبية بهذه الوسيلة “الميكروفيلم” يمكن معها تلافي بعض عيوب نظام الحفظ بالطرق التقليدية، كما تشكل عونا للتاجر في التخلص من الكم الهائل من السجلات التي يكون ملزما بالاحتفاظ بها طيلة المدة المحددة قانونا ([6]).

هذا، وإذا كان المشرع المصري قد نص صراحة على إمكانية استعمال “الميكروفيلم” في مجال الدفاتر التجارية حيث نصت المادة 26 من قانون التجارة لسنة 1999 في فقرتها الثانية على أنه “يجوز للتاجر أو ورثته الاحتفاظ بالصورة المصغرة (الميكروفيلم) بدلا من الأصل ويكون لتلك الصور حجية الأصل في الإثبات إذا روعي في إعدادها وحفظها واسترجاعها القواعد والضوابط التي يصدر بها قرار من وزير العدل، ،. فالتساؤل الذي يمكن أن يثور هنا هو حول مدى إمكانية الاستعانة بهذه الوسيلة التقنية في حفظ المراسلات والوثائق المحاسبية في ظل التشريع المغربي؟

الحقيقة أن المشرع المغربي لم يتحدث عن وسائل محددة بذاتها لحفظ المراسلات والمستندات المحاسبية، وعليه فإن جميع الوسائل التي تحقق عملية الحفظ تظل مقبولة بما في ذلك الوسائل التقنية الحديثة ([7]) . ومما يزكي هذا القول أن المشرع المغربي نص صراحة في مدونة الضرائب، المحدثة بقانون المالية لسنة 2007، على إمكانية الاحتفاظ بالوثائق المحاسبية عن طريق استعمال الوسائل التقنية الحديثة، حيث نصت الفقرة الثالثة من المادة 212 من هذه المدونة على أنه: “إذا كانت المحاسبة ممسوكة بوسائل الإعلاميات أو كانت الوثائق محفوظة في ميكروفيشات (Microfiches) فإن المراقبة تشمل جميع المعلومات والمعطيات . . .، ،.

وعلى هذا، فاستعمال “الميكروفيلم”، أو غيره من التقنيات الحديثة السائدة حاليا في ميدان المعاملات الإلكترونية، في التشريع المغربي يبقى ممكنا على الرغم من عدم التنصيص عليه صراحة في القانون المتعلق بالقواعد المحاسبية أو في مدونة التجارة .

ثالثا: مدة الحفظ

بالرجوع إلى المادة 22 من القانون رقم 88- 9 المشار إليه آنفا نجد أنها توجب على التجار ضرورة الاحتفاظ بالوثائق المحاسبية والمستندات الإثباتية طوال عشر سنوات، وهي نفس المدة التي قررها المشرع في المادة 26 من مدونة التجارة .

والظاهر أن مدة العشر سنوات المحددة لحفظ الوثائق المحاسبية والمراسلات تبدأ، رغم عدم النص عليها، بالنسبة للدفاتر المحاسبية من تاريخ إقفالها واختتامها، وبالنسبة للقوائم التركيبية السنوية، فتبدأ من تاريخ الدورة المحاسبية التي أعدت من أجلها ([8]) . غير أنه يجوز للتاجر الاحتفاظ بالدفاتر والمراسلات والوثائق وصورها إلى ما يجاوز هذه المدة، متى كان له مصلحة أكيدة في ذلك، فمدة العشر سنوات المحددة قانونا ليست مدة تقادم مسقط، وإنما هي مجرد قرينة يمكن للتاجر معها أن يدفع بإتلاف الدفاتر والوثائق إذا ما طالبته المحكمة بالإدلاء بها، لذلك فإن هذه المدة ليس لها أي تأثير على مدة تقادم الالتزامات المدنية والتجارية عامة.

أضف إلى ما ذكر فإن انقضاء مدة العشر سنوات لا يمكن أن يمس القيمة القانونية للوثائق المحفوظة، ذلك أن الدفاتر المحاسبية والمراسلات تظل محتفظة بقوتها في الإثبات مادامت موجودة، وتكون لها نفس القيمة القانونية للمستندات الحديثة ([9]).

هذا، ولا يفوتنا أن نشير إلى أن المشرع الضريبي قد تناول موضوع الاحتفاظ بالوثائق المحاسبية من خلال المادة 211 من المدونة العامة للضرائب والتي جاء فيها أنه: (،يجب على الخاضعين للضريبة وكذا الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين المكلفين بحجز الضريبة في المنبع أن يحتفظ طوال عشر (10) سنوات في المكان المفروضة فيه الضريبة عليهم بنسخ فاتورات البيع أو بطاقات الصندوق والأوراق المثبتة للمصروفات والاستثمارات وكذا الوثائق المحاسبية اللازمة لمراقبة الضرائب ولاسيما السجلات المقيدة فيها العمليات والسجل الكبير وسجل الجرد والجرود المفصلة إن لم تكن مستنسخة بكاملها في هذا السجل والسجل اليومي …” .

وعلى هذا يكون المشرع في مدونة الضرائب قد أخذ أيضا بمبدأ مدة العشر سنوات كمدة للحفظ ([10])، مع خصوصية تجلت في تحديده للمكان الذي ينبغي أن يتم فيه الاحتفاظ بالوثائق المحاسبية والذي حدده في المكان المفروضة فيه الضريبة، وهذا على خلاف ما هو عليه الأمر في القانون المتعلق بالقواعد المحاسبية ومدونة التجارة حيث لم ينص المشرع على قاعدة من هذا القبيل وترك للتاجر أن يحتفظ بوثائقه ومستنداته المحاسبية في مركز أعماله أو أي مكان آخر يمكنه من الرجوع إليها في أي وقت.

وإذا كان المشرع المغربي قد تبنى مدة 10 سنوات لحفظ المستندات المحاسبية، سواء في مدونة التجارة أو في مدونة الضرائب، إلا أنه في اعتقادي أن هذه المدة تبقى طويلة جدا و مرهقة للتاجر، ولا تتناسب مع ظروف و طبيعة النشاط التجاري، ولعل هذا ما جعل المشرع المصري يتبنى كأصل عام خمس سنوات كمدة لحفظ كافة الدفاتر التجارية.


[1] الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 92.138. 1 في 30 جمادى الآخرة 1413 (25 دجنبر 1992)، منشور في الجريدة الرسمية عدد 4183 بتاريخ 30 دجنبر 1992، ص : 1867

[2] وكلمة المراسلات هنا يجب أخذها بمعناها الواسع فهي تشمل كافة مراسلات التاجر التي لها علاقة بتجارته بما فيها البرقيات والفاكسات، كما تشمل كافة المستندات والوثائق المتعلقة بتجارته من عقود وفاتورات وإيصالات ووثائق تأمين وشحن وتذاكر نقل وغيرها.

[3] تنص الفقرة الأولى من المادة 18 من القانون التجاري العراقي لسنة 1984 على أنه: “يجب على التاجر أو ورثته الاحتفاظ بالدفاتر والمحررات المؤيدة للقيود الواردة فيها مدة سبع سنوات تبدأ من تاريخ التأشير على الدفتر بانتهاء صفحاته، أو بوقف نشاط التاجر، وعلى هؤلاء أيضا الاحتفاظ بأصول الرسائل والبرقيات والتلكس أو صورها مدة سبع سنوات تبدأ من تاريخ إصدارها أو ورودها …”

كما تنص الفقرة الأولى من المادة 26 من قانون التجارة المصري لسنة 1999 على أنه: ” يجب على التاجر أو ورثته الاحتفاظ بالدفاتر التجارية والوثائق المؤيدة للقيود الواردة بها مدة خمس سنوات تبدأ من تاريخ التأشير على الدفتر بانتهائه أو قفله . . . “

[4] حول تطور استعمال هذه الوسيلة التقنية الحديثة في التشريعات الأوربية، راجع بالأساس :

.F. CHAMOUX : Les nouveaux supports de la comptabilité en Europe : informatique et microfilm, Rev Française de  la comptabilité, N° 105، Juillet 1980 , p348.

[5] تعرف المصغرات الفيلمية بأنها أوعية غير تقليدية للمعلومات تتمثل في دعامات مصنوعة من مادة فيلمية معينة تستخدم في التصوير المصغر للمحررات الورقية، وتتميز هذه المصغرات بإمكان مشاهدة الصور المسجلة عليها بالبصر وذلك عن طريق طبعها بصورة مكبرة على دعامة ورقية أو تكبيرها مباشرة بواسطة جهاز مكبر يسمى جهاز القراءة .

انظر للمزيد من التوسع حول هذه التقنية:

– محمد حسام محمد لطفي : الحجية القانونية للمصغرات الفيلمية في إثبات المواد المدنية، دار الثقافة والنشر والتوزيع، مصر 1988، ص 17. 

[6] . نشير هنا إلى مثال عملي يذكر في هذا الصدد يتعلق بمشكلة البنك الوطني لباريس و التي برزت بمناسبة تخزين الورق الذي يصدر منه،  ويتلقاه دوريا فأنشآ مجمعا ضخما في عام 1970 لاستيعاب عملية الحفظ.

راجع بهذا الخصوص :

CHAMOUX (f), la preuve dans les affaires : de 1′ écrit au microfilm. LITEC-1980 – P 130

[7] الحسين القمري : القيمة القانونية للوثائق الصادر عن الحاسوب، مجلة رسالة الدفاع، العدد الرابع، 2003، ص 70 .

[8] حددت الفقرة الثانية من المادة L123-22 من المدونة الفرنسية للتجارة مدة حفظ الوثائق المحاسبية في 10 سنوات، حيث نصت على أنه:

les documents comptables et les piéces justificatives sont conservés pensant 10 ans

[9]  CA Dijon. 29 fév. 1876; DP1877.2.94

[10] هذا على خلاف ما ذهب إليه المشرع الفرنسي الذي ميز بين مدة حفظ الوثائق المحاسبية طبقا لأحكام مدونة التجارة و هي 10 سنوات و بين مدة حفظ الدفاتر المحاسبية وفق للقانون الضريبي و هي 6 سنوات يبدأ سريانها من تاريخ أخر عملية قيدت في الدفتر أو السجل أو من تاريخ المستندات أو الوثيقة طبقا للفقرة الأولى من المادة L102من كتاب الإجراءات المالية.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading