د. أدم أبكر صافي النور

كلية القانون-جامعة الرباط الوطني

تعريف:

اتفاق التحكيم، هو: “اتفاق بين الطرفين على أن يحيلا إلى التحكيم، جميع أو بعض المنازعات المحددة التي تنشأ بينهما بشأن علاقة قانونية محددة، تعاقدية كانت، أو غير تعاقدية” ([1]).

ولا تفرق اتفاقية نيويورك كذلك بين ما إذا كان النزاع الذي اتفق الأطراف على التحكيم في شأنه متعلقا بعلاقة تعاقدية أو غير تعاقدية، ومن أمثلة العلاقة غير التعاقدية دعوى المنافسة غير المشروعة التي تتأسس على فكرة الخطأ التقصيري.

ونبادر إلى بيان أن اتفاق التحكيم يعتبر دوليا طالما كانت العلاقة محل النزاع دولية. بمعنى دولية العلاقة محل النزاع هي التي تضفي الطابع الدولي على اتفاق التحكيم سواء أدرج شرط التحكيم في العقد الأصلي، أم اتخذ شكل اتفاق مستقل.

ولما كان الاعتراف بحكم التحكيم وتنفيذه لا يتأتى إلا بالاعتراف باتفاق التحكيم وإقرار كل ما حواه هذا الاتفاق من ضوابط شكلية وموضوعية. إذ يؤثر اتفاق التحكيم من حيث صحته وبطلانه ومدى تجاوز نطاقه ومدى قابلية موضوعه للتحكيم، عند الفصل في النزاع، أو عند تنفيذ الحكم الصادر فيه.

كما يؤثر هذا الاتفاق الصحيح في التنازل عن الحصانة القضائية للدولة الطرف في النزاع. ومن ثم كان لزاما التصدي لاتفاق التحكيم من حيث أثر التمسك به في التنازل عن الحصانة القضائية للدولة التي تقبل الخضوع الاختياري لقضاء التحكيم، وفي إمكان تنفيذ الحكم الصادر ضدها في هذا الخصوص، ثم نعرض لضرورة كتابة شرط التحكيم، ثم تحديد القانون الواجب التطبيق على اتفاق التحكيم ونطاقه وسلطة إبرام اتفاق التحكيم. وتفسيره والفصل في وجوده وصحته وأثره، وحوالة شرط التحكيم، ومبدأ استقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي، وما يترتب على ذلك من آثار، وأثر بطلان أحد شروط اتفاق التحكيم ذاته.

اتفاق التحكيم وأثره في التنازل عن الحصانة القضائية:

  1. يستمد شرط التحكيم قوته من تراضي أطرافه:

لما كان هذا الشرط يعتبر استثناء بموجبه يتم استبعاد النزاع كله، أو بعضه، من ولاية القضاء العادي، فإن إدراج شرط التحكيم في العقد المبرم بين الدولة وأي طرف آخر، يعتبر بمثابة تنازل ضمني عن تمسك الدولة بسيادتها أو حصانتها أمام هيئة التحكيم. والدولة إذ تفعل ذلك، فإنها تضع نفسها على قدم المساواة مع الطرف الآخر، ولا يجوز لها من بعد الدفع بالحصانة أو السيادة أمام هيئة التحكيم ([2]).

ونرى أن تدخل الدولة في خصومة تحكيم قائمة يعتبر نزولا ضمنيا من جانبها عن امتياز الحصانة القضائية وعلى الأخص متى تطرقت إلى موضوع النزاع، لكن مجرد عدم مثول الدولة أمام قضاء التحكيم-رغم إعلانها لا يعتبر نزولا عن حصانتها.

وكانت تحرص بعض اتفاقات التحكيم-التي تعرض على المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار بين الدول المتعاقدة ومواطني الدول الأخرى المتعاقدة في ضوء معاهدة واشنطن-على النص صراحة على تنازل الدولة الطرف في العلاقة عن الاحتجاج بالحصانة بهدف تجريد هذه المنازعات من الطابع السيادي.

وفي الواقع لا حاجة إلى وضع مثل هذا الشرط “لأن التراضي بتحكيم المركز في حد ذاته يؤدي إلى نزول تلقائي عن التمسك بالحصانة بمجرد صيرورة حكم المركز نهائيا. وهذه النتيجة تتمشى مع أهداف الاتفاقية والرضاء بالتحكيم في ظل المركز”. كما أن الدفع بالحصانة يستهدف أساسا القول بأن القضاء لا يمكنه أن يقضي في أمور ينبغي ترك البت فيها للسلطة التنفيذية للدولة. وهذا المنطق لا محل له في حالة تنفيذ حكم المركز، ذلك أن الهدف الأساسي للاتفاقية، فض منازعات الاستثمار بعيدا عن جو السياسة، وأن الدولة يمكنها أن تدفع بالحصانة لحماية الملكية أو الأموال المخصصة لخدمة عامة، ولكن هذا الهدف يكون منتفيا عندما تكون الملكية أو الأموال مخصصة لأغراض تجارية ([3]).

هذا الاتجاه اعتنقته محكمة النقض الفرنسية-الدائرة المدنية-في حكمها الصادر في 18 نوفمبر 1986 إذ قضت بأن الدولة الأجنبية التي تخضع لقضاء التحكيم بموجب شرط التحكيم في العقد، تكون قد قبلت بمقتضى الشرط ذاته ووضعت الصيغة التنفيذية على الحكم.

مؤدى هذا الحكم من ناحية أخرى، إن إدراج شرط التحكيم في العقد المبرم بين الدولة وطرف آخر، يعد أيضا بمثابة تنازل ضمني ([4]) عن التمسك بحصانتها ضد إجراءات التنفيذ، ويعتبر قبولا منها لان يكون حكم المحكمين مشمولا بالأمر بالتنفيذ.

  1. والرأي مستقر في الفقه الفرنسي، أنه إذا كان يبين من طبيعة العلاقة موضوع النزاع-محل إجراءات التحكيم-ومن الظروف المحيطة بها، أنها تعتبر من قبيل المنازعات الخاصة ذات الطابع التجاري أو الاقتصادي، وأن الدولة التي لا تعمل في إطار العلاقة بوصفها سلطة عامة، تتجرد من الحصانة ضد إجراءات التنفيذ. ذلك أن نظام الاعتراف وتنفيذ حكم المحكمين لا تتحقق له فعاليته إلا بضمان تنفيذ الحكم، ومجرد الاتفاق على عرض المنازعة على التحكيم، لا يقطع بأنها متعلقة

بالنشاط التجاري أو الاقتصادي، وهذا المعيار مأخوذ به في القانون الإنجليزي الصادر في 2 يوليو 1978 ([5]).

ويصدق هذا الاتجاه إذا كانت إجراءات التنفيذ يتم اتخاذها على الأموال المملوكة لشخص معنوي تابع للدولة، أو مستقل عنها، طالما كانت هذه الأموال مخصصة لنشاط تجاري خاص ([6]).

فأعمال الدولة التي تدخل في أنشطة القانون الخاص لا تقع في منطقة الحصانة، فقد تم هجر نظرية الحصانة المطلقة للدول.

ونضيف إلى ما تقدم، ما اتجه إليه بعض الفقه من أن الدولة لا تتمتع بالحصانة القضائية إلا في مواجهة قضاء دولة أخرى تتكافأ معها في السيادة. ولما كان التحكيم لا يعد قضاء تابعا لسيادة دولة معينة، ومن ثم فإن التمسك بالدفع بالحصانة الذي يستند إلى السيادة-لا يجد محله أصلا أمام هيئة التحكيم سواء أكان تحكيما خاصا، أم تحكيما تابعا لمراكز دائمة.

قد ذهب بعض الفقه إلى أنه إذا كان الطابع المختلط المعترف به لعقد الامتياز من حيث إنه يحتوي في نفس الوقت على عناصر السلطة العامة وعناصر تعاقدية فلا شك أن إدخال العناصر الأجنبية في العقد يؤدي إلى استقرار الطابع التعاقدي للامتياز.

ويمكن تفسير ذلك، بأنه لا وجود لفكرة السيادة إلا داخل إقليم الدولة على رعاياها. أما خارج الاقليم فإن للسيادة مفهوما آخر، فهي تعني المساواة القانونية بين الدولة والمتعاقد الآخر.

ضرورة كتابة اتفاق التحكيم:

  1. اتجه القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي إلى توحيد شكل اتفاق التحكيم، فأوجب الكتابة كشرط لانعقاد الاتفاق، وهو ما رددته المواد 32 من قانون التحكيم التجاري الصادر لسنة ـ1950، والمادة (8) من قانون التحكيم السوداني لسنة 2005 م، والمادة 1466 من قانون المرافعات المدنية الفرنسي الجديد ([7])، والمادة 1677 من القانون البلجيكي الصادر سنة 1972 كما تطلبته أيضا اتفاقية نيويورك (مادة 2/ 1) ونص المعاهدة يقرر في هذا الخصوص قاعدة مادية، وليست قاعدة تنازع.

ولتسهيل ظروف التجارة الدولية، وتحررها من القيود، لم تحدد هذه النصوص شكلا كتابيا معينا، فاكتفت بورود هذا الاتفاق في صورة مراسلات أو برقيات بين الطرفين، أو غيرها من وسائل الاتصال السلكي واللاسلكي، طالما كانت قاطعة في الدلالة على إرادة اللجوء إلى التحكيم من جانب الطرفين ([8]).

ويؤكد الفقه الفرنسي ([9]) أن توقيع الأطراف ليس مطلوبا في هذه الأحوال.

وهذه النصوص تسري على اتفاق التحكيم وشرط التحكيم على السواء، فإذا اتفق الأطراف على اتفاق التحكيم دون كتابته تطبيقا لقانون وطني معين، عندئذ لا تكون الدول المنضمة لاتفاقية نيويورك ملزمة بهذا الاتفاق، بمعنى أن الكتابة دائما هي الإفادة والاعتراف به في إطار معاهدة نيويورك.

وهذه القاعدة الموحدة في معاهدة نيويورك، لا تتغير طبقا لقوانين الدول الموقعة على المعاهدة. وهي تمثل حدا أقصى، بمعنى أنه لا يجوز الاستناد إلى قانون داخلي أكثر شدة. وهي تمثل حدا أدنى، بمعنى أنه لا يجوز الاعتداد باتفاق التحكيم الشفوي ([10]).

ومع ذلك فإن أحكام اتفاقية نيويورك، لا تخل-طبقا للمادة السابعة منها-بصحة الاتفاقيات الجماعية أو الثنائية التي أبرمتها الدول المتعاقدة بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم أو تنفيذها، كما أنها في الوقت ذاته لا تخل بحق أي صاحب شأن في التمسك بقرار التحكيم بالكيفية وفي الحدود التي يسمح بها التشريع القائم، أو المعاهدة القائمة في الدول المطلوب منها الاعتراف بقرار التحكيم أو تنفيذه.

ولكن لا يشترط في الكتابة أن تكون في محرر رسمي، بل يكفي الشكل العرفي. ومع ذلك فإن الاتفاق على التحكيم كتابة لا يطهر الاتفاق ذاته من كافة العيوب الأخرى التي قد تشوبه وتؤدي إلى بطلانه، عندئذ، تعتبر الكتابة كأن لم تكن.

وعلى أية حال، فإن الكتابة بالمفهوم السابق تعد ركنا شكليا لوجود اتفاق التحكيم، أي لانعقاده وهذا يسمح باعتبار اتفاق التحكيم الشفوي صحيحا بالقدر الذي لا يمكن المطالبة بموضوعه بمقتضى معاهدة نيويورك.

واتفاق التحكيم قد يتم بمناسبة منازعة حالية أو مستقبلية بهدف استبعاد النزاع كله أو بعضه من ولاية القضاء الوطني لأي من الطرفين.

والالتجاء إلى التحكيم في منازعات التجارة الدولية، غالبا ما يكون تنفيذا لأحد شروط العقد، وهي مسألة شائعة في العقود الدولية النموذجية.

وقد يتضمن اتفاق التحكيم الإجراءات الواجب اتباعها في مراحل النزاع وفي المواد المدنية، حكم في فرنسا بأن شرط التحكيم المحكوم بقانون أجنبي، لا يكون صحيحا، إلا إذا كان مدرجا في عقد دولي.

وتنص المادة السابعة من نظام التحكيم لغرفة التجارة الدولية ([11])، بأنه إذا لم يوجد لأول وهلة، اتفاق تحكيم بين الأطراف أو كان بينهما اتفاق لا يشير إلى غرفة التجارة الدولية. ولم يقم المدعي عليه بالرد خلال مهلة الثلاثين يوما التي تبدأ في السريان من اليوم الذي تعتبر فيه إجراءات التبليغ قد تمت أو رفض تحكيم غرفة التجارة الدولية، أبلغ المدعي أن هذا التحكيم متعذر.

  1. وصحة اتفاق التحكيم تعتبر شرطا لتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية وهو ما تطلبته كل من معاهدتي نيويورك، وجامعة الدول العربية، ويجب الرجوع إلى قواعد الإسناد المنصوص عليها في المعاهدتين المشار إليهما، للتحقق من مدى سلامة وصحة اتفاق التحكيم.

وقد يكون اتفاق التحكيم باطلا، لتعلقه بحقوق مما لا يجوز الصلح فيها أو كان موضوعه يخالف النظام العام في العلاقات الدولية ([12]) لحق البطلان، حكم التحكيم الصادر بناء على هذا الاتفاق الباطل وامتنع بالتالي تنفيذ الحكم
المذكور.

تقضي المادة 1466 من قانون المرافعات الفرنسي الجديد بأنه إذا كان شرط التحكيم باطلا فإنه يعتبر كأن لم يكن ولا يؤثر ذلك في بقاء العقد الأصلي صحيحا. ويسترد القضاء العادي ولايته في النزاع الذي يثور بشأن هذا العقد بدلا من التحكيم.

وهناك اتفاقات تنظم نوعا من التعاون مبرمة بين بعض مراكز التحكيم ومن هذا القبيل الاتفاق المبرم بين الجمعية الإيطالية للتحكيم مع غرفة التجارة الصناعية في روسيا سنة 1974. وهذه الاتفاقات المزدوجة تتضمن توصية بوضع شرط تحكيم مختلط لمواطني كل من المركزين المتعاقدين في علاقات هؤلاء المواطنين المتبادلة يسمح بتحديد مكان التحكيم، والمحكمين، واختيار المنظمة المختصة، ونظام التحكيم المطبق.

وفي نطاق القانون البحري، يحتوي شرط التحكيم غالبا على تحفظ يلزم المجهز والربان بقبول أمين السفينة المعين أو المحدد من مستأجري السفينة (الشاحنين).  ويجوز أن تشتمل المشارطة أيضأ على شرط من مستأجري السفينة يمنع المجهز من اللجوء إلى بعض الأشخاص عند تعيين أمين السفينة، وهذا الشرط صحيح، حتى دون إبداء أسباب.

القانون المختص بحكم اتفاق التحكيم:

  1. لم تتعرض قواعد القانون النموذجي لبيان متى يكون اتفاق التحكيم الذي يتسم بالطابع الدولي قد توافرت فيه شروط صحته من الناحية الموضوعية لانعدام الرضا أو لعيب فيه، كما أنها لم تبين النظام القانوني الذي يحكم هذه الشروط.

لهذا يتعين الرجوع إلى معاهدة نيويورك (مادة 5/ 1 بند “1”) التي تصدت لهذه المسألة، فحددتها بقاعدة أصلية وهي قانون الإرادة، أي القانون الذي تخضع له سائر العقود ذات الطابع الدولي، وقاعدة احتياطية لا يتم اللجوء إليها إلا عند تخلف الاختيار، وهو قانون مكان صدور حكم التحكيم.

ويخضع اتفاق التحكيم لقانون الإرادة وكذلك يخضع لهذا القانون إجراء اتفاق الأطراف ولا يشترط في اختيار القانون أن يكون على صلة باتفاق التحكيم، لان القيد على الاختيار يجب إسقاطه في مجال التجارة الدولية حيث إن هناك عقودا نموذجية تتضمن شروطا عامة تنص على تطبيق قانون معين على اتفاق التحكيم. برغم أن هذا القانون منبت الصلة تماما باتفاق التحكيم ولا علاقة له بهذا الاتفاق على عكس ما هو مقرر بالنسبة للعقود الأخرى من اشتراط ارتباطها بالقانون المختار وفقا للاتجاه الموضوعي الغالب.

وقد يكون هذا القانون وطنيا، مثل قانون جنسية أحد الطرفين أو قانون مقر التحكيم أو قانون مكان إبرام العقد الأصلي، أو قد يكون واردا في معاهدة دولية حيث معاهدة نيويورك أنها اعتدت بالإرادة الصريحة للأطراف وعند تخلف الأطراف عن الاختيار يرجع إلى قانون مكان صدور الحكم.

ولما كان الهدف هو توحيد قواعد الإسناد، فإن واضعي الاتفاقية استبعدوا تماما فكرة الإرادة الضمنية. فالإرادة في نظرهم إما أن توجد صراحة أو لا توجد. وإن فكرة الإرادة الضمنية-في رأيهم-مجرد وهم أو خيال. وهي تؤدي إلى اختلاف الحلول وتضاربها في المسألة الواحدة بين الدول المنضمة، والتي قد تنتهي تارة إلى تطبيق قانون مكان الإبرام، وتارة أخرى إلى تطبيق قانون مكان التنفيذ، وتارة ثالثة إلى تطبيق قانون جنسية الأطراف، مما يؤدي إلى اضطراب النتائج، لأن الأطراف لم يكن لهم في الواقع رأي في المسألة فلا يمكن أن يستخلص لهم بشأنها نية. وعلى ذلك، فإنه من المشكوك فيه أن تقنع نصوص اتفاقية نيويورك بالاختيار الضمني ([13]).

أما قاعدة الإسناد الاحتياطية وهي قانون مكان صدور حكم التحكيم عند تخلف قانون الإرادة. فيمكن أن تجد أساسها في أن قانون هذا المكان هو الذي يتحدد على ضوئه ما إذا كان حكم التحكيم الصادر بناء على اتفاق التحكيم قد أصبح نهائيا أم لا، وبيان ما إذا كانت السلطة المختصة في مكان التحكيم قد أوقفته أو ألغته. مما يكون له أثره على اتفاق التحكيم وبالتالي على تنفيذ الحكم.

والمقصود هو قانون الدولة التي يجب أن يصدر منه حكم التحكيم، وليس قانون الدولة التي صدر فيها الحكم.

هذا هو المفهوم، طالما أن الأمر يتعلق بحالة المحكمة التي كان مطروحا عليها الدفع بعدم الاختصاص استنادا إلى قيام اتفاق التحكيم أمامها، وهو ما يكون متحققا قبل صدور حكم التحكيم.

نطاق القانون المختص بحكم اتفاق التحكيم ([14]):

يجب التمييز بين موضوع التراضي-الذي يشترط لوجود اتفاق التحكيم-وموضوع الاتفاق. فالعيوب التي تشوب التراضي ونطاق تفسيراته تكون محكومة بالقانون الذي يحكم اتفاق التحكيم. أما موضوع الاتفاق أو محله، فهو يثير مسألتين أساسيتين:

أولاهما: القابلية الشخصية “”Subjective”للتحكيم التي تتعلق بأهلية الدول أو الدولة التي تخضع للمجموعات العامة والأشخاص المعنوية للقانون العام في الالتجاء إلى التحكيم. وهذه يحكمها سواء القانون الشخصي للدولة الطرف في الاتفاق أو الدولة التي تخضع للمجموعات العامة أو الشخص المعنوي في القانون العام، وسواء لقانون العقد الأصلي الممتد إلى اتفاق التحكيم. مع مراعاة أن أهلية الدولة والأشخاص المعنوية في القانون العام-في القانون الفرنسي-تعتبر قاعدة قانون دولي مادي.

ثانيتهما: القابلية الموضوعية “”Objective”التي تتعلق بموضوع النزاع، فإنها تتحدد طبقا للقانون المطبق على اتفاق التحكيم للمسألة المتنازع عليها، إذا كانت تخرج عن نطاق قانون العقد.

بالنسبة للسبب المشروع، فالأمر ضروري ولازم لتكوين اتفاق التحكيم أسوة بأي عقد آخر، ومسألة مدى تحقق هذا العنصر تدخل في إطار فكرة القابلية الموضوعية للتحكيم. ويستبعد اختصاص القانون المطبق على التحكيم في شأن أهلية أو سلطة الشخص الذي أبرمه. فالأولى تخضع للقانون الشخصي للمتعاقد، والثانية يحكمها قانون “منظمة التحكيم” أو العقد الناتج منه هذه السلطة.

بالنسبة للآثار والحوالة والانقضاء، فهذه يحكمها القانون الذي يخضع له الاتفاق، ولكنه بالنسبة للآثار المتعلقة بالاختصاص القاصر لقضاء الدولة-في مواجهة المنازعات التي اتفق الأطراف على إحالتها للتحكيم، فإن قانون القاضي يحتفظ بالنسبة لها بنطاق التطبيق. ولا شك أن ولاية قاعدة الإسناد المذكورة، تمتد لتحكم تفسير اتفاق التحكيم، فتبين حدوده، ومدى اعتداد الاختصاص للقضاء الوطني بالمسائل التحفظية والوقتية.

  1. من ناحية شكل اتفاق التحكيم في إطار المبادئ العامة، فإنه يخضع لقاعدة الشكل، بحيث يكون اتفاق التحكيم صحيحا من حيث الشكل متى أبرم في الشكل الذي يتطلبه القانون المحلي، أي قانون مكان الإبرام، أو القانون الذي يحكم الموضوع، أو قانون الموطن المشترك للمتعاقدين، أو قانون الجنسية المشتركة للمتعاقدين. ولا يمكن إجراء اختيار خارج هذا النطاق، حتى ولو كان يهدف إلي جعل العقد صحيحا. وهذه القوانين الأربعة تنزل منزلة واحدة بالتساوي. ذلك أن إلزام المتعاقدين بوجوب اتباع الشكل المحلي ([15]) يتنافى مع التيسير الذي تهدف القاعدة إلى تحقيقه، خاصة عندما يكون محل إبرام اتفاق التحكيم مكانا عارضا يتعذر على الأطراف العلم بأحكام قانونه.

تطبيق قواعد مادية مباشرة على أتفاق التحكيم:

  1. تم التوسع في اتفاقية نيويورك طبقا لنصوص المادة الثانية منها، وذلك بتطبيق قواعد مادية مباشرة على اتفاقات التحكيم، بصرف النظر عن الإجراء الاحتمالي المتعلق بالاعتراف، أو تنفيذ حكم التحكيم في تاريخ لاحق، دون أية فائدة من التحديد المكاني الذي قد يترتب على تركيز هذه الاتفاقات أو التحكيم المترتب عليها.

وقد أكدت محكمة التحكيم لدى غرفة التجارة الدولية في الدعوى رقم 4131 لسنة 1982، أن اتفاق التحكيم يمكن أن يخضع للعادات التي تتمشى مع حاجات التجارة الدولية.

وقد فصلت العديد من هيئات التحكيم في وجود وصحة اتفاق التحكيم دون الاستناد إلى قانون وطني، بل اعتمادا على مبادئ القانون، وعادات التجارة الدولية.

وأشارت هيئة التحكيم الكائنة في”Zuich” ([16]) إلى الفقه والقضاء السويسري في مسألة القانون الواجب التطبيق على اتفاق التحكيم الذي يجب الفصل فيه طبقا لمبادئ قانون المرافعات السويسري. وقد استند الحكم الصادر من غرفة التجارة الدولية لسنة 1984 ([17]) في شأن صحة اتفاق التحكيم ووجوده، إلى نظام غرفة التجارة الدولية الذي كان الأطراف قد أشاروا إليه.

وقد حكمت محكمة النقض الفرنسية في 3 يونيو 1997، و 7 إبريل1998 ([18])في مسألة التحكيم الدولي بأن شرط التحكيم بالإحالة في مستند تم اشتراطه فيه، يكون صحيحا متى كان الطرف الذي يحتج به على علم بمضمونه وقت إبرامه بما يستخلص منه أنه قبل الإحالة.

وهذان الحكمان يتعلقان بالشكل المكتوب لاتفاق التحكيم في المسائل الدولية. فقد أكدا استبعاد منهج التنازع في مسألة اتفاق التحكيم، وأوضحا المضمون للقاعدة المادية الفرنسية “حكم coDai”دون الرجوع المسبق لاختصاص النظام القانوني الفرنسي، وقد قررت محكمة النقض أن الإحالة المشار إليها يتم تقديرها طبقا للإرادة المشتركة للأطراف. دون ضرورة إسناد المسألة إلى قانون دولة معينة إذ لم يتم استبعاد منهج التنازع الذي تم “هجره” فحسب، بل أيضا استبعاد كل اتجاه يميل نحو قوانين الدول التي تحكم شروط التحكيم، فضلا عن أن الإرادة المشتركة لا تكفي في حد ذاتها في إطار نظرية مستقلة مع التحفظ بالنسبة للقوانين الآمرة في التشريع الفرنسي والنظام العام الدولي.

وهذه القاعدة تطبق بوصفها قانون القاضي ويبرر M. M. Fouchard أن الأمر متعلق بتقدير ما إذا كان الحكم الصادر في موضوع اتفاق التحكيم محل الخصومة مهيئا لاستقباله في النظام القانوني الفرنسي، ومن ثم يكون صحيحا تقدير صحة هذا الاتفاق بالنسبة للأفكار المأخوذ بها في القانون الفرنسي في تلك المسألة الدولية. وإذا كانت هذه الصحة مؤكدة، فإنها لا تبرر السبب الذي من أجله اتجه الأمر إلى ضرورة تفضيل أفكار القاضي عن مفاهيم دولة أجنبية ترتبط بالتحكيم بروابط وثيقة.

القانون الواجب التطبيق على عيوب التراضي في اتفاق التحكيم:

  1. من المستقر علبه أن عيب التراضي يخضع لقانون العقد ([19]) كما يخضع لنفس القانون السبب غير المشروع، وجزاء عدم المشروعية. ويمكن القول بأن الأحكام الفرنسية التي صدرت في شأن عيوب الإرادة “الغش والخطأ لا تستند إلى أفكار خاصة بقانون معين، وعلى الأخص القانون الفرنسي، ولكنها لجأت صراحة في هذا الصدد إلى عادات وأعراف التجارة الدولية.

إن اتفاق التحكيم المشوب بمثل عيب الخطأ، يجب اعتباره مخالفا للنظام العام بمفهومه الدولي، أو على الأقل يعد بمثابة قاعدة مادية للتحكيم الدولي. ونضيف في هذا الخصوص. أن بروتوكول جنيف لسنة 1923، معاهدة جنيف سنة 1927، معاهدة نيويورك لسنة 1958، واتفاقية جنيف لسنة 1961، لا تحتوي على قواعد مادية خاصة بالتراضي المتعلق باتفاق التحكيم، وذلك دون المساس بالقواعد المادية المتعلقة بشكل اتفاق التحكيم ([20])

  1. من المقرر أن الأهلية وسلطة الالتجاء إلى التحكيم تخرج عن نطاق القانون الذي يحكم اتفاق التحكيم، مع التحفظ بالنسبة لمدى قدرة الأشخاص المعنوية للقانون العام في الالتجاء إلى التحكيم ([21])

أهلية إبرام اتفاق التحكيم:

  1. لما كان اتفاق التحكيم لا يتضمن عادة أية إشارة إلى القانون الذي يحكم الأهلية، فإنه يجب الاعتراف بأنه يشير في هذه المسألة إلى القانون الدولي الخاص لكل من الأطراف المتعاقدة، سواء أكان هو القانون الوطني أم كان قانون الموطن.

ويلاحظ أن أهلية الشركات والأشخاص المعنوية في القانون الخاص يحكمها القانون الوطني، وإذا أردنا أن نتفادى هذا التعبير الذي قد يكون منتقدا من الناحية النظرية، فإنه يمكن من الناحية العملية إسناد هذه الأهلية إلى قانون البلد الذي تكونت فيه تلك الشركات، ويكون لها مركز رئيسي حقيقي في ذلك البلد، وعندئذ، فإن هذا القانون هو الذي يقرر ما إذا كان للشخص المعنوي أو للشركة أهلية الالتجاء إلى التحكيم.

في بلاد أخرى، مثل بريطانيا وهولندا والسودان، تخضع أهلية الشركة للقانون الذي نشأت في ظله، وتمت فيه الإجراءات أو الشكليات حتى لو لم يكن لها مركز رئيسي فيها. وتوجب نصوص معاهدة نيويورك خضوع الاعتراف وتنفيذ حكم التحكيم الذي يدخل في نطاق تطبيقها في شأن أهلية الشركات أو الأشخاص المعنوية الأطراف في التحكيم، والأشخاص الطبيعية طبقا لنصوص القانون المحدد بمعرفة القانون الدولي الخاص لقاضي التنفيذ، إذ تنص المادة (51a) أنه يتعين رفض الاعتراف وتنفيذ حكم التحكيم إذا أثبت الطرف الذي يحتج عليه بالحكم أنه كان عديم الأهلية وفقا للقانون المطبق عليه.

سلطة إبرام اتفاق التحكيم:

  1. لا يكون اتفاق التحكيم قد أبرم صحيحا بمعرفة شخص معين، متى تعلق بأموال أو حقوق تخصه، أو لكونه صاحب حقوق جزئية، ولكنه لا يملك التصرف فيها، وفي بعض الأحوال تكون هذه السلطات محددة بالإرادة، وعلى سبيل المثال، في القانون الفرنسي، الزوجان أو الزوجة في إطار النظام المالي المشترك، أو التاجر الذي يخضع لإجراءات التصفية الجماعية أو في شأن أموال لا يملكها، وهذا هو الحال بالنسبة للممثلين القانونيين لناقصي الأهلية أو بالنسبة لسنديك تصفية الأموال.

إن مبدأ وجود ونطاق سلطة التعهد بشأن الأموال أو الحقوق المتعلقة بالشخص الذي يبرم التعاقد يمكن أن تقيد من هذه السلطة أو بالنسبة للأموال التي لا تخصه، تكون محكومة بالقانون المنظم، أو العمل القانوني الذي يمنحها، أو يرفضها، أو يحد من تلك السلطة، وعلى ذلك فإن سلطات الزوجين بشأن أموال الأسرة تكون محكومة بالنظام المالي المشترك، وسلطات الممثل القانوني لناقص الأهلية يحكمها القانون الذي يحمي ناقص الأهلية، وبالنسبة لالتزام السنديك بشأن الاستمرار في عقد مبرم قبل اللجوء إلى القضاء لتنفيذ شروط التحكيم الذي يتضمنه.

إن تحديد القانون الواجب التطبيق يمثل أهمية عملية فيما يتعلق بسلطات الوكالة الاتفاقية حيث يكون ضروريا بيان ما إذا كانت صحة اتفاق التحكيم المبرم بمعرفة وكيل يخضع أو لا يخضع لوكالة خاصة. ولمعرفة مدى هذه الخصوصية. وهل هي وكالة الالتجاء إلى التحكيم بوجه عام، أو وكالة إبرام شرط التحكيم أو اتفاق التحكيم أو الاثنين معا، وهل هي وكالة لنزاع محدد أم لكل نزاع يخص الموكل ([22]).

تحديد موضوع اتفاق التحكيم ونطاقه:

  1. إن تحديد موضوع النزاع في مشارطة التحكيم، أو في شرط التحكيم، يعتبر شرطا لصحة الشرط أو المشارطة. ويجب أن يتم هذا التحديد في عبارات واضحة، فلا يكفي لتحديد الموضوع أن يثبت في مشارطة التحكيم أو في شرط التحكيم، أنه يتعلق بتنفيذ أو تصفية أو تفسير جميع المنازعات المتعلقة بالأطراف لان الأمر يتطلب تحديدا قد لا يطابق النية المشتركة الحقيقية للأطراف، لكن يكفي تقرير أن موضوع النزاع يتعلق بحسم المنازعات التي تنشأ بمناسبة دعوى معينة أو عقد معين. وإذا اتفق على التحكيم قبل نشوء النزاع، فإنه يكفي تحديد موضوعه أثناء المرافعة ([23]). ولا يجوز تحديد النزاع في خطاب يوجه إلى أحد الأطراف يتضمن دعوته أمام هيئة التحكيم. وإذا تعددت الأطراف وكان النزاع على التحكيم مما لا يقبل التجزئة سواء بحسب طبيعته أم بحكم القانون، أم بالاتفاق، فلا يكون التحكيم صحيحا إلا إذا تم الاتفاق بينهم جميعا. أما إذا تعددت الأطراف وكانت المنازعات بينهم قابلة للتجزئة، فيجوز لبعض أطراف الاتفاق على التحكيم بشأن بعض هذه المنازعات وللأطراف الأخرين رفع بعض هذه المنازعات أمام القضاء العادي، ويمتنع على من اتفق على التحكيم أن يعاود طرح خصومته أمام القضاء العادي بحجة الارتباط بالمنازعة أمام القضاء، ما دام قد أقامها على من كان طرفا معه في اتفاق التحكيم ([24]).
  2. من حيث نطاق اتفاق التحكيم، أنه يجب على المحكم أن يمتنع عن الفصل في أية مسألة لا تدخل في اتفاق التحكيم، إلا بتجاوز المسائل التي لا تدخل في نطاق الاتفاق. إذ يتعين أن يقف على حدود اختصاصه فلا يقضي بما لم يطلبه الخصم، وإلا كان حكمه باطلا. ومع ذلك إذا كان من الميسور عزل ما قضي به حكم التحكيم في المسائل التي تدخل في الاتفاق، عن تلك التي تخرج عن نطاقه، جاز الأمر بتنفيذ المسائل الأولى وحدها. هناك مسائل لا تدخل في اتفاق التحكيم، وإنما تعتبر من مقتضياته، حيث يتعين على المحكم الفصل فيها. فإذا كان المعروض على هيئة التحكيم تنفيذ عقد فليس ثقة ما يمنع من النظر في مسألة بطلانه، لان التنفيذ لا يتأتى إلا إذا كان العقد صحيحا. ولان صحة العقد هو الوجه المقابل لبطلانه، ولهذا فإن مسألة بطلان العقد تعتبر مطروحة على التحكيم بطريق اللزوم والاقتضاء. حيث لا يملك المحكم سوى سلطة الفصل في النزاع المتفق عليه. فلا يتعرض لنزاع آخر ([25]) ولو كان مرتبطا بالنزاع المطروح إلا بموافقة الأطراف أنفسهم. إذ لا يصدق على التحكيم “أن يكون قاضي الأصل هو قاضي الفرع”.

أطراف التحكيم:

  1. يلتزم باتفاق التحكيم كل من وقع عليه، ما لم يكن الاتفاق مشوبا بعيب من عيوب الرضا، أو عارض من عوارض الأهلية. وقد حكم بأن الشركة الأم تلتزم باتفاق التحكيم الموقع عليه من الشركة الوليدة ([26]) حتى ولو لم تكن هذه الشركة الوليدة تتمتع بالشخصية المعنوية ([27]).

كما حكم بأنه يستحيل على الشركة الباطلة اللجوء إلى التحكيم، لأن البطلان الذي يترتب على ذلك، يتعلق في ذات الوقت بالنظام العام وبحقوق الغير.

ويسري اتفاق التحكيم على المتعاقدين والخلف العام والخاص. واتفاق التحكيم المبرم بمعرفة شركة التضامن، يكون ملزما لجميع الشركاء المتضامنين فيها. وإذا أبرم المدين اتفاق تحكيم فإن أثره ينصرف إلى المدينين المتضامنين معه. ولا يعتبر الكفيل سواء كان عاديا أو متضامنا طرفا في شرط التحكيم الذي يحتويه العقد المكفول.

في إطار التعهد عن الغير، فإن التصرف المبرم بين المتعهد عن الغير والمتعاقد معه لا يلزم الغير بشرط التحكيم، فيظل هذا الغير أجنبيا عنه. ولا يملك الوكيل إبرام اتفاق التحكيم بغير إذن خاص. والتوكيل الذي يبيح للوكيل إبرام شرط التحكيم باسم الموكل لا يمنحه سلطة تمثيل الموكل في إجراءات التحكيم.

يلاحظ أن رئيس الشركة الأم يعمل أيضا بوصفه ممثلا للشركة الوليدة استنادا إلى فكرة روابط النظم أو الحقيقة الاقتصادية التي تسمح بالقول بأن نشاط الشركة الوليدة يعتبر منضما إلى الشركة التي ترتبط بها. وهذا الاتجاه المتبع بمعرفة هيئات التحكيم يؤدي إلى التوسع في صحة اتفاق التحكيم، كما لو كان الأمر متعلقا بشخصية معنوية وقعت على هذا الاتفاق. وقد نصت المادة 36 من قواعد القانون النموذجي أن من أسباب رفض الاعتراف وتنفيذ حكم التحكيم، أن يقدم الطرف المطلوب التنفيذ ضده إلى المحكمة المختصة المقدم إليها طلب الاعتراف، دليلا يثبت أن طرفا في اتفاق التحكيم مصاب بأحد عوارض الأهلية.

  1. قد تطلبت معاهدة نيويورك ضرورة توافر أهلية الأطراف اللازمة للوصول إلى إبرام اتفاق التحكيم، وفقا للقانون الذي ينص على أهليتهم وهو القانون الشخصي، سواء أكان القانون الوطني (الجنسية) أم قانون الموطن حسب الأحوال، ويطبق هذا القانون الشخصي حتى ولو كانت إجراءات التحكيم تتم في أكثر من دولة، وبالنسبة لأهلية الأشخاص المعنوية في إبرام اتفاق التحكيم إنما يكون وفقا للقانون الذي يحكمها. ولا يملك الدائن إبرام اتفاق تحكيم فيما يتعلق بحقوق مدينة قبل الغير ولا يسري اتفاق التحكيم الذي أبرمته الشركة المندمجة على الشركات التي أدمجت فيها. ولوكيل الدائنين الاتفاق على التحكيم في شأن الصلح دون الحصول على إذن من المحكمة. ولكن يتعين لنفاذه تصديق المحكمة المختصة.

أثر اتفاق التحكيم:

  1. يترتب على اتفاق التحكيم أثر سالب لاختصاص القضاء، ولكن هذا الأثر السالب، لا يجوز للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها، فليس لها أن تقضي بعدم الاختصاص والإحالة إلا إذا تمسك به الخصوم. ويعتبر السكوت عن إبدائه قبل نظر الموضوع، نزولا ضمنيا عن التمسك به، بمعنى أنه يسقط الحق في التمسك بشرط التحكيم فيما لو أثير متأخرا بعد الكلام في الموضوع. وغنى عن البيان، أن طلب التأجيل لا يدل بذاته على مواجهة الموضوع.

وتقضي الفقرة الثانية من المادة الثامنة من القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي، بأنه إذا رفعت دعوى أمام القضاء في مسألة أبرم بشأنها اتفاق تحكيم، فلا يؤثر ذلك في التحكيم، إذ يجوز مع ذلك افتتاح إجراءات التحكيم، والبدء أو الاستمرار فيه، حتى ولو كانت الدعوى لا تزال منظورة أمام المحكمة. وقد لا تحيل المحكمة النزاع إلى التحكيم طبقا لاتفاقيات نيويورك أو قواعد القانون النموذجي، ولم يتم التمسك به قبل مواجهة الموضوع، متى قدرت أن الاتفاق على التحكيم باطل، أو غير قابل التنفيذ، أو لا يقبل التطبيق.

ورغم أن شرط التحكيم، يسلب القضاء الوطني اختصاصه ([28]) فإن هذا القضاء قد تعرض علبه أ حيانا بعض المسائل التي ترتبط بموضوع النزاع في أحوال معينة، إما أثناء نظر هيئة التحكيم للنزاع، كما لو اقتضى الأمر اتخاذ إجراء تحفظي أو وقتي، يخرج عن ولاية هيئة التحكيم، ولا يمس الموضوع أمامها، وأما بعد صدور حكم التحكيم وبمناسبة الطعن عليه بالبطلان أمام القضاء، كما يتم في النهاية اللجوء إلى القضاء للحصول على أمر تنفيذ حكم التحكيم، للتحقق من أن الحكم قد استوفى الإجراءات التي تكفل تنفيذه، ولضمان عدم مخالفة الحكم للنظام العام بمفهومه الدولي.

ومن هنا يتضح مدى التعاون بين التحكيم والقضاء.

تشكيل هيئة التحكيم

86 م. يحكم تشكيل هيئة التحكيم مبدآن أساسيان:

أولهما: أن تكون إرادة الخصوم هي المرجع الأول في اختيار الهيئة، فإذا اتفق الأطراف على طريقة اختيار المحكمين، فإنه يجب الالتزام بما تم الاتفاق عليه، وغالبا ما يختار الخصم محكما، يكون هناك تقارب بينهما في الآراء على دراية بموقفه أكثر من القاضي، وأن الثقة في حسن تقدير المحكم وعدالته، وحيديته، هي بواعث الاتفاق على التحكيم.

ثانيهما:

مراعاة المساواة بين طرفي النزاع من حيث اختيار المحكمين، فلا يكون لأحدهما أفضلية على الآخر، بمعنى أنه لا يجوز أن يسند إلى أحدهما اختيار جميع المحكمين دون الآخر. وهذه القاعدة من النظام العام فلا يجوز النزول عنها إلا بعد قيام النزاع ويترتب على مخالفتها البطلان. ويؤخذ على فكرة ترك الأمر لإرادة الأطراف، أن المحكم المختار بمعرفة الخصم يشعر بتبعيته له، وانتمائه إليه ويعتبر نفسه بمثابة محام يدافع عن وجهة نظره وعن مصالحه في النزاع. وهو ما يؤدي إلى اهتزاز الحيدة والاستقلال والتجرد والنزاهة، الواجب توافرها فيه. خاصة أن المحكم لا يحلف اليمين، ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك، والمحكم يعتبر قاضيا سواء كان محكما وفقا للقانون أو العدالة، ولكنه لا يتمتع بضمانات القاضي، وهو إذا امتنع عن عمله، لا يعتبر منكرا للعدالة، وإن كان يلتزم بالتعويض، إذا لم يتوافر لديه عذر لامتناعه.

ومع ذلك فإن تعيين كل محكم ليس تصرفا من جانب واحد، حتى ولو كان قد تم بمبادرة أحد الأطراف، وذلك أن هذا التعيين، وهو العنصر الجوهري، في اتفاق التحكيم المترتب على الإرادة المشتركة للأطراف. ونسبة لان المحكمين ليسوا أطرافا في اتفاق التحكيم، ومن ثم فلا يلتزمون بمباشرة إجراءات التحكيم إلا بقبولهم، ومؤدي ذلك أن هذا القبول من جانب المحكمين لمباشرة التحكيم يتطلب أن تكون هناك علاقة تعاقدية أخرى تخضع لقانون الإرادة، وتختلف تماما عن اتفاق التحكيم وتستقل عنه. ويتعين أن يقبل المحكم المهمة المسندة إليه حيث لا تشترط قواعد القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي الكتابة لقبول المحكم مهمته، كما ذهب التشريع السوداني ([29]).

ويجوز أن يكون هذا القبول صراحة أو ضمنا. وقد يراعى في اختيار المحكم أن يكون مرتبطا بوظيفة ما دون الاعتداد بشخصه. ويجب في إطار تشكيل هيئة التحكيم، بيان أهلية المحكم، واختيار المحكمين وردهم ([30]).

أهلية المحكم ([31]):

  1. لا يكفي توافر الأهلية المدنية التي تخضع للقانون الشخصي عند الفرد ليكون محكما، إنما يلزم توافر شروط أخرى، هي شروط صلاحيته لممارسة العمل القضائي، مثل شرط الجنسية أو شرط مزاولة مهنة معينة، أو مراعاة القيود الواردة في القوانين الوطنية المختلفة: مثل ألا يكون المحكم قاصرا أو محجورا عليه أو محروما من حقوقه المدنية أو مفلسا. فهذه الشروط تتعلق بالاختصاص بالتحكيم، ولها أثرها في صحة الحكم أو بطلانه. وهي تخضع للقانون الذي يحكم الإجراءات ([32]).

اختيار المحكمين:

  1. للأطراف الاتفاق على عدد المحكمين، وهم إما أن يتفقوا على قيام محكم واحد، أو ثلاثة محكمين. فإذا لم يتفق الأطراف على قيام محكم واحد بالتحكيم، قام بالتحكيم ثلاثة محكمين (مادة 10/2 من القانون النموذجي).

وقصد بهذا النص أن يكون عدد المحكمين مفردا، فيجوز أن تكون هيئة التحكيم مشكلة من محكم واحد أو ثلاثة أو خمسة. وفي حالة قيام ثلاثة محكمين بالتحكيم، يختار كل طرف محكما ويختار المحكمان محكما ثالثا، وهو يعتبر رئيس هيئة التحكيم، وإذا لم يتمكن المحكمان من اختيار المحكم الثالث خلال ثلاثين يوما، تولت تعيينه الجهة المختارة وفقا للطريقة المتبعة في حالة اختيار المحكم الواحد.

وعند عدم تمكن المحكم من أداء مهمته، أو في حالة وفاته، أو استقالته أثناء إجراءات التحكيم، يعين محكم بنفس الطريقة التي عين بها سلفه.

وتراعي سلطة التعيين أو المحكمة الاعتبارات التي من شأنها ضمان اختيار محكم مستقل ومحايد، وأن تأخذ بعين الاعتبار أنه من المستحسن ألا يكون المحكم من جنسية أحد الأطراف، ومؤدى ذلك أن اختيار محكم من جنسية أحد الأطراف يكون صحيحا متى توافرت فيه الحيدة والاستقلال. فلا يمنع أي شخص من العمل كمحكم، ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك. ومن المستحسن أن يكون المحكم الوحيد للهيئة من جنسية مغايرة عن جنسية أطراف النزاع لان ذلك قرينة على توافر الحيدة والاستقلال.

وتجدر هنا الإشارة إلى أنه لا تستطيع سلطة التعيين أن تمارس حق تعيين أحد الأشخاص ابتداء كمحكم أو كمحكم ثالث رئيس هيئة التحكيم، إلا إذا تعذر الوصول إلى قبول شخص معين، تراعى فيه الحيدة والاستقلال وهي مهمة قضائية لا يمكن تفسيرها في الإطار التعاقدي ([33]). ويكون القرار الذي تصدره المحكمة أو السلطة التي حددتها الدولة-التي تعتنق القانون النموذجي-بتعيين المحكم نهائيا، غير قابل للطعن (مادة 11/5 من القانون النموذجي). ومن الجائز اتفاق الخصوم على تعيين محكم واحد لا يعرف القراءة والكتابة بشرط أن يعينوا شخصا آخر لأغراض كتابة الحكم وتحرير الأوراق اللازمة لمباشرة العملية ([34]).

ولا يجوز عزل المحكم إلا بتراضي الأطراف جميعا، وهذه القاعدة تتماشى مع إرادة الأطراف، التي يقوم أساسا عليها التحكيم التجاري. وفي نطاق غرفة التجارة الدولية، تختص هيئة التحكيم بالغرفة بالتصديق على اختيار المحكم بمعرفة الخصوم. فهذه الهيئة لا تقوم بالتحكيم بنفسها، وإنما تقوم بإدارته. ولها حق الاعتراض على المحكم وطلب ترشيح محكم آخر، وفضلا عن ذلك فإنها تختار المحكم المرجح.

  1. من المقرر أن تحديد المحكم تنفيذا لشرط التحكيم، سواء أكان بمعرفة الأطراف أو كان بمعرفة محكمين معينين سلفا أو من منظمة تحكيم، تشكل جزءا من إجراءات التحكيم، وهي تبعا تكون محكومة بالقانون الذي يحكم الإجراءات وكذلك إجراءات السلطة العامة المحتمل تدخلها.
  2. وإذا بطل حكم التحكيم لأي سبب من الأسباب، واتفق الأطراف على إجراء تحكيم جديد، فليس ثقة ما يمنع من اختيار ذات المحكم الأول محكما مرة أخرى، طالما أن البطلان لا يعزى إلى سبب يتعلق به. وإذا توفي المحكم أو استقال أو زالت صفته، فلا يتقيد المحكم الجديد إلا بالأحكام القطعية التي صدرت في شق من النزاع. أما الشق الآخر الذي لم يصدر فيه حكم في الموضوع، فإنه يتعين بشأنه إعادة سماع المرافعة الشفوية التي سبق تقديمها من جديد، متى كان من تم استبداله هو المحكم الواحد أو المحكم الرئيسي. ولا يبطل الحكم بزوال صفة المحكم بالوفاة أو الاستقالة أثناء إجراءات التحكيم وقبل إتمام مهمته.

رد المحكم:

  1. طلب الرد هو في حقيقته دفع ببطلان تشكيل هيئة التحكيم. فيجوز رد المحكم إذا وجدت ظروف تثير شكوكا لها ما يبررها حول حياده أو استقلاله (م 16 من قانون التحكيم السوداني لسنة 2005 م). ومن ثم، لا تخضع أسباب الرد إلى قوالب جامدة أو نصوص محددة بل يجب منح الجهة المنوط بها الفصل في طلب الرد سلطة تقديرية واسعة، لتقييم مدى قوة الشكوك المثارة حول حيدة المحكم ومدى نصيبها من الصحة، على ضوء الاعتبارات المحيطة بالمحكم والمصالح المشتركة أو المتضاربة.
  2. قد ألزمت المادة 12/1 من القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي “الشخص حين يفاتح بقصد احتمال تعيينه محكما، أن يصرح بكل الظروف التي من شأنها أن تثير شكوكا لها ما يبررها حول حيدته واستقلاله”([35]).

وهذا الالتزام الحتمي يعتبر شرطا، يتعين على المحكم “منذ تعيينه وطوال إجراءات التحكيم، أن يفضي بلا إبطاء إلى طرفي النزاع بوجود أي ظروف من هذا القبيل، إلا إذا كان قد أحاطهما علما بها”.

وللخصوم أن يثقوا في عدالة المحكم رغم الإفضاء لهم بهذه الظروف، وقد تضمنت المادة 13/2 من القانون النموذجي سببا جديدا من أسباب الرد، إذا تبين “أن المحكم لم يكن حائزا لمؤهلات اتفق عليها الطرفان”، كما إذا اتضح أنه ليس لديه من الخبرة المطلوبة ما تؤهله للفصل في النزاع بحسب طبيعته.

ولا يجوز لأي من طرفي النزاع رد محكم عينه أو اشترك في تعيينه إلا لأسباب تبينها، أو لم يكتشفها إلا بعد تعيين هذا المحكم.

ولكي يتفادى المحكم إجراءات رده، يجوز له التنحي عن نظر الدعوى دون إبداء أسباب، ولا يعتبر التنحي إقرارا منه بصحة الأسباب التي يستند إليها طالب الرد.

  1. وقد أجازت المادة 13/ 1 من القانون النموذجي للخصوم الاتفاق على طريقة رد المحكمين سلفا. وفي حالة عدم الاتفاق، فقد حرصت قواعد القانون النموذجي في المادة 13/ 1 منها على تحديد فترة زمنية يجب أن يتم خلالها طلب الرد، وهي 15 يوما من تاريخ علمه بتعيين المحكم أو هيئة التحكيم، أو 15 يوما من تاريخ العلم بالشكوك المثارة حول حيدة المحكم أو استقلاله. وقصد بهذا الميعاد قطع دابر مسألة الرد في أسرع وقت.

وتقضي معظم التشريعات الداخلية، أنه إذا كان سبب الرد أو عدم الصلاحية قائما قبل تعيين المحكم وكان الخصم عالما به، فإنه لا يصلح طلبا للرد وتفصل هيئة التحكيم في طلب الرد ([36]) وهذا حكم جديد لم يكن موجودا في قواعد الأمم المتحدة لسنة 1976، التي كانت تسند هذا الاختصاص إلى سلطة التعيين. وكان يجب أن تنظر طلب الرد هيئة محايدة، فلا يصح أن تنظر هيئة التحكيم في طلب رد أحد أعضائها ([37]) ومع ذلك، فإن اتباع هذا الحل الجديد يتعذر متى كانت الهيئة مشكلة من محكم واحد، إذ يستحيل أن يفصل هذا المحكم في طلب رد نفسه، ولا يصح من حيث المنطق أن يعهد إلى هذا المحكم الفرد المطلوب رده بالفصل في مسألة تتعلق بحيدته واستقلاله. وكانت قواعد الأمم المتحدة السابقة أفضل، حيث إنها كانت تعهد بذلك إلى سلطة التعيين.

وتضيف قواعد القانون النموذجي “أنه ريثما يفصل في طلب الرد، يجوز لهيئة التحكيم، بما في ذلك المحكم المطلوب رده، أن تواصل إجراءات التحكيم وأن تصدر قرار التحكيم”، وهذا المبدأ أكده قانون التحكيم الجديد (م 19/4(. وهذا الحكم، وإن كان قد قصد به تفادي بطء إجراءات التقاضي، وعلى الأخص إذا ما تعلق الأمر بإثبات حالة مستعجلة يخشى زوال معالمها أو دليلها عن النزاع فيها، إلا أنه معيب. فما هو الحل إذا صدر حكم برد المحكم في تاريخ لاحق لصدور الحكم الذي اشترك فيه هذا المحكم وعلى الأخص إذا كان هذا الحكم الصادر في النزاع ضد مصلحة طالب الرد. وطبقا للمادة 4/18 من قانون التحكيم إذا حكم برد المحكم سواء من هيئة التحكيم أم المحكمة عند نظر الطعن ترتب على ذلك اعتبار إجراءات التحكيم التي تمت-بما فيها حكم التحكيم-كأن لم تكن.

ولهذا كان يجب وقف إجراءات التحكيم حتى يفصل في طلب الرد واللجوء إلى قاضي الأمور المستعجلة المختص في أي إجراء عاجل يجب الإسراع في اتخاذه. وذلك لتفادي صدور حكم تعلق بأحد أعضائه سبب من أسباب الرد أو عدم الصلاحية مما يجيز الطعن فيه بالإلغاء أو التمسك بعدم تنفيذه.

ولا يبطل حكم التحكيم برد المحكم أثناء إجراءات التحكيم وقبل إتمام مهمته.

وعلى أية حال، لا يجوز تقديم طلب الرد بعد صدور حكم التحكيم، لأنه إذا صدر حكم التحكيم لا يكون الأمر حينئذ متعلقا بالمحكم أو برده، إنما ينصرف إلى حكم التحكيم ذاته، فيمكن للخصم الذي يحتج برد المحكم، التمسك برفض طلب التنفيذ، استنادا إلى أن تشكيل هيئة التحكيم كان معيبا لعدم صلاحية أحد الأعضاء الذي اشترك في نظر النزاع وإصدار الحكم. وبالتالي وقع إخلال في أحد ضمانات التقاضي الجوهرية المتعلقة بحيدة المحكم واستقلاله، وهو ما يعيب الحكم بالبطلان المطلق، الذي لا يصححه حضور الخصوم، أو تقديم طلبات أو مذكرات في الموضوع. واستنادا إلى هذا المبدأ، قضت المحكمة الأمريكية العليا ([38]) ببطلان حكم تحكيم، كان قد أصدره محكم ثبت أنه كان يعمل مهندسا وأعطى استشارة هندسية قبل التحكيم لأحد الأطراف مقابل أتعاب.

كل هذا بشرط ألا يكون الطاعن المتمسك بالبطلان على علم بوقوع المخالفة، ولهذا رفضت محكمة استئناف باريس في حكمها الصادر في 10/5/1994 م في دعوى البطلان المرفوعة من الشيخ محفوظ عن حكم التحكيم الصادر في 22 يونية سنة 1992 م تأسيسا على وجود معرفة سابقة بين الطيار والمحكم الذي أصدر حكم التحكيم واستندت المحكمة في هذا الرفض إلى أن المحكم كان معينا باتفاق الطرفين، وأنه قد أقر في مسألة حيدته قبل مباشرة التحكيم أنه تقابل مع الطيار منذ سنة سابقة في أحد الاجتماعات المهنية، وأن الطاعن لم يتخذ من جانبه في ذلك الوقت أي إجراء لرد المحكم. وهو ما يعتبر بمثابة نزول ضمني عن حقه في الاعتراض.

  1. وإذا رفض طلب الرد، يكون للطرف الذي قدم طلب الرد الطعن فيه خلال ثلاثين يوما من تاريخ إخطاره به أمام المحكمة أو السلطة الأخرى التي تحددها الدولة، ويكون القرار غير قابل لأي طعن (مادة 13/3) من القانون النموذجي. وهذا الحكم جديد ولم يكن موجودا في قواعد الأمم المتحدة السابقة، وبداهة، لا يجوز للمحكم الطعن في حكم الرد، لأنه ليس طرفا في خصومة موجهة إليه.

ولا شك في تحقق أسباب الرد، متى ثبت أن المحكم كان محاميا وأفتى لاحد الأطراف في موضوع النزاع، أو كان المحكم يعمل في شركة أو مؤسسة أو في الدولة التي تعتبر طرفا في التحكيم، لان هذه العلاقة توحي بالشك في حيدة المحكم واستقلاله. وكذلك إذا أبدى رأيا في النزاع أثناء نظر الدعوى، وقبل صدور الحكم، وأيضا إذا كان المحكم من أرباب المهن أو الأنشطة التجارية المنافسة لاحد أطراف النزاع.

وقد حكم برد المحكم الذي يعمل محاميا شريكا لمحام عن أحد الأطراف ([39]).

ولا يجوز لأي من الطرفين رد المحكم الذي اختاره إلا لأسباب لم يتبينها إلا بعد تعيينه ([40]). ولا يجوز للدائن أو الكفيل أن يكون محكما في خصومة بين المدين والغير ويجوز رد المحكم الذي كان دائنا أو مدينا لاحد الخصوم، وتنص المادة 4/19 من قانون التحكيم الجديد على أنه لا يقبل طلب الرد ممن سبق له تقديم طلب برد المحكم نفسه في ذات التحكيم.

علاقة المحكم بالنزاع:

  1. من المقرر أن حياد المحكم ضروري لنجاح التحكيم الداخلي والدولي على حد سواء، فلا يصح للمحكم اتخاذ صورة “المحكم المحامي” ولا يجوز له اتخاذ صورة “المحكم الخصم” وهذان المظهران شائعان في دول العالم الثالث التي تأخذ بنظام التحكيم.

المحكم مثل القاضي، فلا يجوز له أن يحكم متأثرا بمصالحه الشخصية، ويجب أن يفصل في النزاع من واقع الأوراق، ولا يقضي بمعلوماته الشخصية، ومع ذلك فإن هذه القاعدة الأخيرة يجب التخفيف منها في مجال التحكيم، ذلك أن المحكم قد يكون من رجال الأعمال الملمين بالظروف والملابسات المعروفة في الأوساط التجارية، والتي يستطيع من خلالها أن يعرف ما يجري عادة بين التجار مما قد يكون له أثره الفعال عند الفصل في النزاع إذ إن أطراف النزاع والمحكمين يجمعهم نفس الوسط الفني والاقتصادي. وفي الغالب يتم اختيار المحكم بسبب معرفته الفنية في التحكيم المهني، وعلى الأخص معرفته الشخصية بالسوق وخبرته بشئون التجارة الدولية، وعادات الفرد من النشاط المراد أن يتم الفصل في النزاع بشأنه، وأن الأطراف يتوقعون من المحكم أن يعمل هذه العادات عند فحص النزاع، ومن ثم فإن حكمه يعتبر بمثابة حكم الخبير المحكم ولهذا فإن الأطراف-بوجه عام-غالبا ما يتطلبون شكلا معينا لمحكمة التحكيم، تكون فيه المحكمة مشكلة من اثنين من الفنيين، وأحد رجال القانون كرئيس للهيئة، بهدف تفادي الرجوع إلى أهل الخبرة ([41]).

وليس هنالك ما يمنع المحكم من أن يكون وسيطا للتوفيق متى طلب منه الأطراف ذلك بخلاف وسيط التوفيق الذي تقتصر مهمته على المساهمة في تسوية ودية للنزاع فحسب.

ويشترط بعض الفقه ([42]) أن يكون المحكم الدولي صاحب فكر موضوعي بحيث يستجيب للثقافات المختلفة، ويستطيع أن يستجيب للنظم السياسية والاجتماعية المتغايرة، فلا يفصل في النزاع متشبعا بثقافة معينة، فقد ظهرت في المعاملات الدولية الراهنة عقود جديدة، مثل عقد نقل التكنولوجيا وعقود التعاون الصناعي التي طغت على العقود التقليدية مثل البيوع الدولية ([43]).

وتستلزم بعض هيئات التحكيم الدائمة، تعيين مساعدين قانونيين بجانب التحكيم، لإرشاد الهيئة إلى الإجراءات الواجب اتباعها، وإلى حكم القانون في المسائل المعروضة، ويكون هذا النظام مفيدا إذا كانت هيئة التحكيم مشكلة من فنيين ليس من بينهم أحد رجال القانون ([44]).

وتنتهي مهمة المحكم بصدور الحكم المنهي للخصومة، ولا يجوز له بعد ذلك أن يتدخل في عملية التنفيذ.

وعندما يتم التحكيم بواسطة مركز تحكيم تحكمه لائحة معينة فان نصوص لائحة المركز هي التي تفرض على المحكم، ويفترض أنه قد ارتضى الخضوع لها، ومخالفة المحكم لنص إيجابي من هذه اللائحة يمكن أن تعتبر بمثابة عدم تنفيذ المحكم لمهمته بما يؤدي إلى بطلان حكم التحكيم.


[1] المادة (47) من القانون النموذجي للتحكيم الدولي لسنة 1994 م.

[2] د. سعد علام: في منازعات التحكيم البترولية، مذكرات مؤتمر القاهرة سنة 1989 م، ص 3،8.

[3] د. جلال محمدين: التحكيم تحت مظلة المركز الدولي لفض منازعات الاستثمار، ندوة المركز الدولي للتحكيم التجاري بالإسكندرية سنة 1991 م، ص 980.

[4] د. عبد الحكيم مصطفى عبد الرحمن، الحصانة القضائية ضد التنفيذ في القانون الدولي الخاص المقارن لسنة 1991 م، ص 140 رفع 100.

[5] Articles 2,3 Rev. Crit. 1980. P. 165.

[6] د. محسن شفيق: التحكيم الدولي في قانون التجارة الدولية، 1974 م، ص 230.

[7] Goldman, J .C. L dr. international Fase 584-no-27-27.

[8] Goldman, J .C. L. op. cit no-44.

[9] Goldman, J .C. L. op. cit. p. 8,9 no-28.

[10] Goldman, J .C. L. op. cit. p. 12 no-45.

[11] النظام الجديد للمصالحة ونظام التحكيم المعدل والساري اعتبارا من أول يناير سنة 1988 لغرفة التجارة الدولية، ص 19.

[12] وكذلك في العلاقات الداخلية. كما إذا كان الباعث والدافع إلى إبرام اتفاق التحكيم غير مشروع. ومن هذا القبيل إذا أبرم شخص اتفاق تحكيم مع سيدة لعلاقة غير مشروعة بينهما أو للفصل في نزاع يرتبط بالدعارة أو لعب القمار.

[13] VANDEN BERG, The New York Arbitration Convention of 1958, no. 293.

[14] د. هشام صادق: تنازع القوانين، الطبعة الثالثة، صفحتا 386، 387.

[15] د. هشام صادق، المرجع السابق، ص 397، 398.

[16] Clunet. 1988. P. 1198.

[17] Clunet .1986 p. 1103.

[18] Rev. Crit. 1999. P. 93 et s.

[19] Rev. Crit. Op. cit, p. 94 et..

[20] Goldman-op cit. p. 7- no 27.

[21] . -Goldman-op cit, p. 7-no .47

[22] د. جلال محمدين: التحكيم تحت مظلة المركز الدولي لفض منازعات الاستثمار، 1991 م، ص 770.

[23] د. أحمد شرف الدين، دراسة ي منازعات العقود الدولية، ص 82.

[24] د. أحمد أبو الوفا، في التحكيم الاختياري والإجباري، الطبعة الثالثة 1987، ص 112.

[25] ويقضي قانون التحكيم الجديد بأن الدفع بعدم شمول اتفاق التحكيم لما يثيره الطرف الآخر من مسائل أثناء نظر النزاع يجب التمسك به فورا، وإلا سقط الحق فيه (م 2/22).

[26] Parise 26 nov. 1986. Note Chapelle. Rev. Arb. 1988. P. 133.

[27] حكم محكمة التحكيم لدى غرفة التجارة الدولية في القضية رقم 5721 لسنة 1990.

[28] وطبقا لاتفاقية نيويورك يخضع اتفاق التحكيم أو شروط التحكيم في سلب اختصاص القضاء بنظر النزاع لقانون دولة تنفيذ الحكم.

[29] المادة (8) من قانون التحكيم السوداني لسنة 2005 م.

[30] المادة (12) و(13) من قانون التحكيم السوداني لسنة 2005 م.

[31] د. عز الدين عبد الله، تنازع القوانين في مسائل التحكيم الدولي في القانوني الخاص، مجلة مصر المعاصرة، السنة (69) العدد 371-يناير 1978، ص 54.

[32] المادة (13) من قانون التحكيم السوداني لسنة 2005 م.

[33] د. هدى عبد الرحمن، دور المحكمة في خصومة التحكيم سنة 1997، ص 152.

[34] د. شمس مرغني: التحكيم في منازعات المشروع العام، 1974، ص 421.

[35] د. عكاشة عبد العال في المفترضات الموضوعية والشروط الذاتية في المحكم، مذكرات بيروت، ص 34.

[36] ورغم أن المحكم يرد لنفس الأسباب التي يرد بها. فإنه ليس ثمة ما يمنع من أن يكون المحكم-في ظروف معينة-قريبا لأحد الخصوم حتى يمكن فض النزاع في محيط عائلي بعيدا عن جو المحاكم. ومن هنا، لا تطابق بين أسباب المحكم وأسباب رد القاضي.

[37] وهذا هو ما نصت عليه المادة 19 من قانون التحكيم الصادر بالقانون رقم 27 لسنة 1994.

[38] Rev. Arbi. 1969. P. 69.

[39] Cass. Civ. 16 juilet 1964, Rev. 1964, p. 125.

[40] وإذا اعتذر المحكم قبل البدء في العملية، فلا مسئولية عليه. أما إذا اعتذر بعد البدء في المهمة دون مسوغ أو مبرر مشروع، أو أبعد من قبل أحد الطرفين لأسباب غير مشروعة، جاز في هاتين الحالتين مطالبته بالتعويض، متى ترتب على إنذاره أو استبعاده ضرر بأطراف النزاع أو بأحدهم.

[41] المستشار: أحمد منير فهمي، دراسة موجزة للتحكيم التجاري الدولي، ص 52، ص 56.

[42] “لا ليف” مشار إليه في مؤلف الأستاذ/ أحمد منير فهمي، دراسة موجزة للتحكيم التجاري الدولي، ص 34 رقم 65.

[43] د. محسن شفيق: التحكيم الدولي، دراسة في قانون التجارة الدولية، 1973-1974، ص 140 رقم 151.

[44] وتستلزم بعض التشريعات متل التشريع النرويجي تعيين محكم احتياطي ليحل محل المحكم الأصلي في حالة وفاة هذا الأخير، أو عدم قيامه بالمهمة المنوطة به.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading