دور الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد بين الفعالية والتعطيل

Written by

·

 

 

بوخضرة إبراهيم

القطب الجامعي العفرون

الملخص

يعتبر الفساد من اخطر الظواهر التي تهدد المجتمعات ويؤدي إلى تبديد المال العام و يعد مجال الرقابة المالية في معظم الدول من الأولويات التي تحظى باهتمام كل التشريعات خصوصا مجال الصفقات العمومية والتمويل وتعتبر الاتفاقية التي وقعتها الجزائر في مجال مكافحة الفساد بمقتضى المرسوم الرئاسي رقم 04/128 المؤرخ في 19/04/2004 النواة الأولى في ظهور قانون مكافحة الفساد إلى جانب ميلاد الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته لمحاسبة المتورطين في قضايا الفساد ومعاقبتهم ولمعالجة هذا الموضوع أتينا على الطبيعة القانونية لهذه الهيئة وظروف إنشائها ومدى استقلالها ومكانتها بين مؤسسات الدولة المختلفة.

Summary

Corruption is considered as one of the most dangerous of all phenomena that threats societies. It leads the waste the public wealth. The financial control is regarded as one of the most important priorities in the majority of the countries in the world. These countries give much importance to the legislation of this field. Especially, the public bargains and funding.

Algeria has signed a convention to fight corruption. Under the presidential decree number 128/04 of 2004/04/19 which is the core of the appearance of the law that fights corruption. In addition, to the birth of the national organization of the corruption prevention. Thus, for accounting for those involved in corruption cases and punish them. In order to deal with this subject we talked about the lawful nature of this organization and the conditions in which it was created and whether it is independent or not and its position among the other international institutions.

قام المشرع الجزائري بصياغة آليات تمنع وتحد من انتشار الجرائم، وذلك لمحاسبة كل المتورطين والمتسببين في أعمال الفساد، فاستحدث بذلك الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته، التي تهدف إلى تنفيذ استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد، وحتى تؤدي هذه الهيئة الدور المنوط بها لا بد أن تمنح القدر اللازم من الاستقلالية.

فما هو دور الهيئة كجهاز رقابة؟ وما المركز القانوني الذي تحتله هذه الهيئة، في المنظومة المؤسساتية؟

وللإجابة عن هذا التساؤل لابد من التطرق للطبيعة القانونية لهذه الهيئة وظروف إنشائها، وما مدى تمتعها بالاستقلالية التي تسمح لها بممارسة المهام الموكلة لها، بالإضافة إلى الوقوف عند حدود ممارسة الجهاز لصلاحياته.

الفرع الأول: تعريف الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد

الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد هيئة وطنية مكلفة بالوقاية من الفساد ومكافحته، تعمل على تنفيذ الاستراتيجية الوطنية في مجال مكافحة الفساد [(1)] وبذلك يكون المشرع الجزائري قد حذا حذو باقي التشريعات المقارنة في إنشاء الهيئة المكلفة بالوقاية من الفساد ومكافحته.

وتعد هذه الهيئة سلطة إدارية مستقلة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي وتوضع لدى رئيس الجمهورية [(2)]استنادا إلى النصوص القانونية، ويتضح لنا أن الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد سلطة إدارية تتمتع بالاستقلالية، وذلك بالرغم من أن المشرع يعبر عن هذا الجهاز تارة بمصطلح “سلطة” وتارة أخرى بمصطلح “هيئة” وهذا ما يؤدي لعدم الدقة وخلق لبس في كيفية التعبير عن هذه المصطلحات[(3)]

غير أن المهم في كل ذلك هو اعتبار هذه الهيئة من ضمن السلطات الإدارية المستقلة، ويكون المشرع بذلك قد حذا حذو المشرع الفرنسي في فكرة السلطة الإدارية المستقلة التي يهدف إنشاؤها إلى ضمان الحياد في مواجهة المتعاملين الاقتصاديين وكذا الشفافية في الحياة السياسية والشؤون العمومي (4) لذا؛ يمكن القول إن استقلالية الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته يعد أمرا ضروريا حتى تتمكن هذه الأخيرة من أداء مهامها وصلاحيتها بصورة فعالة.

دوافع إنشاء هيئة الوقاية من الفساد

رغم كل الأحكام والإجراءات القانونية التي عملت الدولة على وضعها في السابق للوقاية من الفساد ومكافحته، إلا أنها لم تتضمن تعبيرا حقيقيا للقضاء على الجرائم المتعلقة بالفساد، كما أنه لم يكن هناك تشريع قانوني يجمع فيه كل ما من شأنه القضاء على هذه الجرائم، لكن بعد مصادقة الجزائر على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد سنة 2003، بدأ العمل من أجل وضع آليات تسمح بمعالجة الفساد وفق أسلوب قانوني عالمي يهدف إلى القضاء على هذه الظاهرة، وكون الجزائر واحدة من الدول التي تسعى للقضاء على هذه الجرائم، تماشيا مع تطور أساليب الوقاية والمكافحة للقضاء على جرائم الفساد، وبالأخص في إطار مكافحة الفساد وأنشاء أجهزة تكلف بالرقابة أنشئت الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته، ولعل تمتعها بنوع من الاستقلالية قد يمكنها من القيام بالمهام الموكلة اليها.

تنص اتفاقية الأمم المتحدة في مادتها السادسة الفقرة الأولى على أنه “تكفل كل دولة طرف، وفقا للمبادئ الأساسية لنظامها القانوني وجود هيئة أو هيئات حسب الاقتضاء تتولى منع الفساد” ولم تكتف هذه الاتفاقية بإنشاء الهيئة فقط، إنما ذهبت إلى ابعد من ذلك في فقرتها الثانية من ذات البند حيث نصت على أنه: “تقوم كل دولة طرف بمنح الهيئة أو الهيئات ما يلزم من الاستقلالية لتمكينها من الاضطلاع بوظائفها بصورة فعالة وبمنأى عن أي تأثير لا مسوغ له”.

كما تجدر الإشارة هنا إلى أن الجزائر قد قامت قبل هذا بإنشاء هيئة نشطت في هذا المجال عرفت بالمرصد الوطني لمراقبة الرشوة والوقاية منها، حيث صدر يوم 09 جويلية 1996 مرسوم رئاسي يقضي بإنشاء مرصد وطني لمراقبة الرشوة والوقاية منها، اعتبر هيئة جديدة آنذاك لاقت استحسانا من المواطنين، وتعتبر أداة لتقديم اقتراحات عملية للحد منها ومعاقبة ممارسيها.

كما كان هدفه مكافحة الرشوة وإضفاء النزاهة والشفافية على المعاملات الاقتصادية، وكذا ضبط الإجراءات الإدارية والحد من انتشار الظاهرة داخل الأجهزة الحكومية ويتمثل دوره الأساسي في جمع المعلومات عن الراشين والمختلسين وتقديم آرائه إلى السلطات القضائية بشأن المخالفات التي ترتكب في الصفقات العمومية، وضبط حالات الرشوة أي أن له تقريبا ذات الاختصاصات التي تضطلع بها الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته، إلا أن هذا المرصد لم يحقق الأهداف المسطرة له ولم يحقق الغرض من إنشائه، وظل كذلك إلى أن حل نهائيا من قبل رئيس الجمهورية في 12 ماي 2002 ما يدل على الجهود المبذولة من قبل المشرع في استحداث آليات محلية تتولى مهمة مكافحة الجرائم المتعلقة بالفساد، وهو الدور الذي يرجى من الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته القيام به، لذلك يمكن القول إن الهيئة المكلفة بالوقاية من الفساد تعد هيئة قانونية جديدة في المنظومة القانونية المؤسساتية إنشاها المشرع الجزائري بموجب قانون الوقاية من الفساد ومكافحته.

الفرع الثاني: واقع الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد

إن أي استراتيجية فعالة لمكافحة الفساد، لا بد أن تبدأ أولا بالاعتراف الصريح بوجود الظاهرة، وأن هذه الأخيرة ناتجة في الأساس من طلب بعض الأفراد وممارستها من الموظفين العموميين عن طريق الأغراء فيعرضون هذه الخدمة بمقابل، وحتى تستطيع الهيئة القيام بتنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد والجرائم المتعلقة بالصفقات العمومية بصفة خاصة، لا بد من الاعتراف لها بالاستقلالية العضوية والوظيفية وعدم تبعيتها لأي سلطة أعلى، ومن أجل ضمان هذه الاستقلالية المنصوص عليها في القانون الاتفاقي، لجأ المشرع إلى النموذج الفرنسي المتمثل في فكرة السلطة الإدارية المستقلة والتي ظهرت لأول مرة في التشريع الجزائري بمناسبة إنشاء المجلس الأعلى للأعلام [(4)] ونورد فيما يلي واقع استقلالية الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته وقرائن استقلاليتها.

أ/ من حيث المبدأ

  • الاستقلالية: حتى تقوم الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته، بتحقيق الغرض الذي أنشئت من أجله لا بد من منحها مجموعة من الوسائل والآليات القانونية التي تضمن لها الاستقلالية، ذلك أن الهيئة تعد سلطة إدارية مستقلة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي وتوضع لدى رئيس الجمهورية [(5)] واستناد إلى المادة المذكورة نورد مظاهر تمتع الهيئة بالاستقلالية.

وتظهر قرائن استقلالية الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته في تمتع الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد بالاستقلالية في ممارسة اختصاصاتها ووظائفها بمجموعة من القرائن التي تجسد استقلاليتها.

ويمكن إن نعرف الاستقلالية بأنها عدم خضوع السلطات الإدارية المستقلة لأية رقابة هرمية، ولا رقابة وصائية، سواء كانت السلطة المعنية تتمتع بالشخصية المعنوية أولا، على أساس أن الشخصية المعنوية لا تعد بمثابة معيار أو عامل فعال لقياس درجة الاستقلالية.

إن الهدف من إنشاء هذه الهيئات هو تحقيق سياسة الدولة في المجالات المعنية بذلك، ومن أجل إنجاح هذه المهمة تعمد الدولة إلى منح هذه الهيئات نوعا من الاستقلالية كقوة دفع لها، بغية إتاحة الفرصة لها للعمل بحرية دون رقابة رئاسية أو خشية الرجوع إلى سلطات أعلى لأخذ إذن أو تصريح [(6)]

لذلك؛ يمكن القول إن الاستقلالية التي تطلبها الهيئة هي استقلاليتها في مواجهة السلطة التنفيذية، حتى تستطيع ممارسة اختصاصاتها بمنأى عن كل رقابة، وتتجلى قرائن استقلالية الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته في النواحي الآتية:

ب/من ناحية العضوية:

تتجسد معايير الاستقلالية العضوية لهذه الهيئة في العديد من المظاهر وذلك قصد ضمان حيادها أثناء ممارسة مهامها غير أن هذه الاستقلالية العضوية تبقى محدودة فغالبا ما تصطدم بمجموعة من القيود المفروضة عليها، ونتطرق إلى تشكيلة الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد لنستدل على المعايير التي تتمكن بموجبها من قياس مدى الاستقلالية العضوية التي تتمتع بها الهيئة.

  •   تعدد هياكل الهيئة: إن تشعب الأعمال الاقتصادية والمالية واتساعها يؤدي إلى عدم إمكانية جهاز واحد ببعض أعضائه في التحكم والضبط الفعلي لمهامه، ومن ثم يصبح تابعا لجهات أخرى مختلفة مما ينقص من استقلاليته، الأمر الذي دفع بالمشرع إلى وضع أمانة عامة إلى جانب الهيئة حيث تكون هذه المصلحة مزودة بهياكل إدارية وتقنية مختلفة، وقد حدد تشكيلة الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته وتنظيمها وكيفيات سير أجهزتها المرسوم الرئاسي رقم: 06/413 المؤرخ في 22 نوفمبر 2006 م وتتكون الهيئة من الأجهزة الآتية:
  •   مجلس اليقظة والتقييم: يتكون مجلس اليقظة والتقييم من رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وستة أعضاء، يتم اختيارهم من بين الشخصيات الوطنية المستقلة التي تمثل المجتمع المدني، والمعروفة بنزاهتها وكفاءتها، ويبدي المجلس رأيه فيما يلي:
  • برنامج عمل الهيئة وشروط وكيفيات تطبيقه، مساهمة كل قطاع في نشاط ومكافحة الفساد.
  • تقارير وأراء وتوصيات الهيئة.
  • المسائل التي يعرضها عليه رئيس الهيئة وميزانيتها.
  • التقرير السنوي الموجه إلى رئيس الجمهورية الذي يعده رئيس الهيئة.
  • تحويل الملفات التي تتضمن وقائع بإمكانها أن تشكل مخالفة جزائية إلى وزير العدل، حافظ الأختام.
  • الحصيلة السنوية للهيئة [(7)]

يجتمع المجلس مرة كل ثلاثة (03) أشهر بطلب من رئيسه بصفة عادية، ويمكنه أيضا الاجتماع بصفة غير عادية بطلب من الجهة نفسها، واستنادا إلى نص المادة 11 من المرسوم الرئاسي 06/413 نجد أن المشرع قد حدد صلاحيات مجلس اليقظة والتقييم على سبيل الحصر، كما يظهر الطابع العملي لهذا المجلس في تمتعه بصلاحية تحويل الملفات التي تتضمن مخالفات جزائية إلى وزير العدل حافظ الأختام، كما تزود الهيئة بأمانة عامة توضع تحت سلطة أمين عام يعين بموجب مرسوم رئاسي، وإلى جانب الأمانة العامة نجد الهياكل التي نص عليها القسم الثالث من المرسوم الرئاسي سابقا وهي:

  • مديرية الوقاية والتحسيس: وتضطلع بجملة من المهام منها اقتراح برنامج عمل للوقاية من الفساد وتقديم توجيهات تخص الوقاية من الفساد إلى كل شخص أو هيئة عمومية أو خاصة باقتراح تدابير لا سيما ذات الطابع التشريعي والتنظيمي للوقاية من الفساد، ومساعدة القطاعات المعنية العمومية والخاصة في إعداد قواعد أخلاقيات المهنة وأعداد برنامج يسمح بتوعية وتحسيس المواطنين بالآثار الضارة الناجمة عن الفساد، واستغلال كل المعلومات التي يمكن أن تساهم في الكشف عن عوامل الفساد والوقاية منه، بالبحث في التشريع والتنظيمات والإجراءات والممارسات الإدارية عن العوامل التي تشجع على ممارسات الفساد قصد إزالتها، وكذا التقييم الدوري للأدوات القانونية والتدابير الإدارية في مجال الوقاية من الفساد، قصد تحديد مدى فعاليتها، والبحث على كل نشاط وتقييم للأعمال المباشرة في مجال الوقاية من الفساد.
  • مديرية التحاليل والتحقيقات: تكلف مديرية التحاليل والتحقيقات – طبقا للمادة 13 من المرسوم الرئاسي 06/413 بالقيام بتلقي التصريحات بالممتلكات الخاصة بأعوان الدولة بصفة دورية، ودراسة واستغلال المعلومات الواردة في التصريح بالممتلكات والسهر على حفظها وجمع الأدلة والتحري في الوقائع الخاصة بالفساد بالاستعانة بالهيئات المختصة، وضمان تنسيق ومتابعة النشاطات والأعمال المباشرة ميدانيا على أساس التقارير الدورية والمنظمة والمدعمة بإحصائيات وتحاليل تتعلق بمجال الوقاية من الفساد ومكافحته، والتي ترد إليها من القطاعات والمتدخلين المعنيين، كما نجد أن هذه المديرية تضطلع بمهام ميدانية وعملية بحتة يمكن من خلالها الكشف عن العديد من جرائم الصفقات العمومية، وذلك من خلال صلاحيتها في الاطلاع على التصريحات بالممتلكات الخاصة بأعوان الدولة، كما أن لها دورا بارزا في الوقاية والمكافحة معا من خلال إسناد مهمة البحث والتحري في الوقائع التي من شانها أن تكشف عن ارتكاب هذه الجرائم، وتمكنها من الاستعانة بهيئات خاصة، والمقصود هنا هو اللجوء إلى الضبطية القضائية باعتبارها من الهيئات المختصة بالبحث والتحري.

نخلص مما تقدم أن الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد لها القدرة والإمكانية للقيام بمهامها وحسنا فعل المشرع بتزويدها بهذه الهياكل التي تتنوع اختصاصاتها بين وظائف استشارية ورقابية، وهي محددة بموجب التنظيم، ويعد تعدد هياكل هيئة الوقاية من الفساد معيارا وقرينة على استقلاليتها العضوية.

  • تحديد مدة انتداب الرئيس والأعضاء: تتشكل الهيئة من رئيس وستة (06) أعضاء يعينون بموجب مرسوم رئاسي لمدة خمس (5) سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وإن تحديد مدة الانتداب قانونا يعد بمثابة مؤشر يجسد استقلالية السلطات الإدارية المستقلة في المجال الاقتصادي والمالي من الناحية العضوية، حيث لو تم النص على تعيين الرئيس والأعضاء لمدة غير محددة قانونا، فلا يمكننا عندها إثارة أية استقلالية عضوية، إذ يكون هؤلاء عرضة للعزل والتوقيف في أي وقت مما ينفي تماما الاستقلالية العضوية للهيئة، وتحديد المشرع لمدة الانتداب بموجب التنظيم يعبر عن تمتع الهيئة بقدر واسع من الاستقلالية من الناحية العضوية

ج/ من الناحية الوظيفية:

تتميز الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بتنوع وظائفها ما يزيد من استقلالية الهيئة على الصعيدين الاقتصادي والمالي.

  • وظائف الهيئة الاستشارية: تكلف هذه الهيئة بمجموعة من المهام ذات طابع استشاري، حيث تقوم الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد بتجسيد مبادئ دولة القانون، كما تعكس النزاهة والشفافية والمسؤولية في تسيير الأموال العمومية، كما تعمل على تقديم توجيهات تخص الوقاية من الفساد لكل شخص أو هيئة عمومية أو خاصة، وتقترح إضافة لذلك تدابير خاصة منها ذات طابع تشريعي وتنظيمي للوقاية من الفساد، وتقوم بالتعاون مع القطاعات المعنية العمومية والخاصة لإعداد قواعد أخلاقيات المهنة، وبالإضافة لهذا فإنها تكلف بإعداد برامج تسمح بتوعية وتحسين المواطنين بالآثار الضارة الناجمة عن الفساد.
  • وظائف الهيئة الرقابية: إضافة إلى اختصاصات الهيئة الاستشارية، فهي تتمتع بوظائف ومهام رقابية حيث تكلف بجمع ومركزة واستغلال كل المعلومات التي يمكن أن تساهم في الكشف عن أعمال الفساد والوقاية منه، لاسيما البحث في التشريع والتنظيم والممارسات الإدارية عن عوامل الفساد من أجل أزالتها، كما تقوم بالتقييم الدوري للأدوات القانونية والإجراءات الإدارية الرامية إلى الوقاية من الفساد ومكافحته والنظر في مدى فعاليتها، كما تضطلع بمهام متعلقة باتخاذ بعض القرارات الإدارية منها:
  • تلقي التصريحات بالممتلكات الخاصة بالموظفين العمومين بصفة دورية ودراسة واستغلال المعلومات الواردة فيها والسهر على حفظها مع مراعاة أحكام المادة 06/01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته في فقرتيها 01 و03 من القانون.
  • الاستعانة بالنيابة العامة لجمع الأدلة والتحري في وقائع ذات علاقة بالفساد، ويمكن للهيئة من خلال ممارستها مهامها أن تطلب من الإدارات والمؤسسات والهيئات التابعة للقطاع العام أو الخاص، أو من كل شخص طبيعي أو معنوي آخر أية وثائق أو معلومات تراها مفيدة في الكشف عن أعمال الفساد ويظهر جليا من وظائف الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته، أن أغلبها ذو طابع استشاري رقابي وقائي بحت وتجريدها من كل سلطة للقمع والعقاب.

د/ من حيث وضع النظام الداخلي:

تعد الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد نظامها الداخلي الذي ينشر في الجريدة الرسمية بموجب مرسوم رئاسي وتصادق عليه، وتتجلى استقلالية الهيئة في حريتها اختيار مجموع القواعد التي من خلالها تقرر كيفية تنظيمها وسيرها ودون أية مشاركة مع الجهات الأخرى، حيث تكون الهيئة وحدها صاحبة الاختصاص في سن نظامها الداخلي والمصادقة عليه بعدها، وما على السلطة التنفيذية إلا نشره بموجب مرسوم رئاسي، بغض النظر عما يحتويه من قواعد وأحكام

هـ/ من حيث التمتع بالشخصية المعنوية:

يعترف المشرع الجزائري لهيئة مكافحة الفساد بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، الذي من شأنه أن يكسبها أهلية التقاضي والتعاقد، إلا أن الاعتراف بالشخصية المعنوية للهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته لا يعد أمرا حاسما لمعرفة استقلالية الهيئة إلا أن تمتعها بالشخصية المعنوية له عدة نتائج هامة، تتمثل في تمتعها بذمة مالية مستقلة إضافة إلى حصولها على أهلية في التقاضي ومعنى ذلك إعطاء الحق لرئيس هيئة مكافحة الفساد في تمثيل الهيئة لدى السلطات والهيئات القضائية وفي كل أعمال الحياة المدنية.

وحتى أهليتها في التعاقد وذلك من خلال تطوير التعاون مع هيئات مكافحة الفساد على المستوى الدولي وتبادل المعلومات بمناسبة التحقيقات، بمعنى إمكانية الهيئة في إبرام عقود واتفاقات مع هيئات أخرى تختص بمكافحة الفساد، سواء كانت هذه الأخيرة وطنية أو أجنبية في إطار التعاون الدولي، وأخيرا يمكن القول إن الهيئة من خلال وظائفها وهياكلها قد تمتعت بنوع من الاستقلالية التي تضمن نجاعة وفعالية الدور الذي تقوم به غير أن هذه الاستقلالية ترد عليها قيود تحد منها.

ثانيا: الاستثناء:

  •   تقييد الاستقلالية: إن الاستقلالية التي تتمتع بها الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته، ما هي إلا استقلالية شكلية ونسبية تتجلى على مستويين العضوي والوظيفي.
  •   تقييد استقلالية الهيئة من الناحية العضوية، حيث ينص المشرع من خلال المادة الخامسة (05) من المرسوم الرئاسي رقم: 06/413 على أن الهيئة تتشكل من رئيس وستة (06) أعضاء يتم تعيينهم بموجب مرسوم رئاسي، ما يفيد تراجع المشرع عن مبدأ كان قد أقره للهيئة ومن شأنه إثبات استقلاليتها، وهو اعتماده في تعيين أعضاء الهيئات الضابطة للقطاعات الأخرى على التعدد في الجهات والمصالح التي بإمكانها اختيار الأطراف العضوة في الهيئة وبما أن سلطة التعيين قد وضعت بين يدي السلطة التنفيذية، فهذا يعني أن الهيئة تابعة لها وهو ما يعد دليلا على تقييد الاستقلالية التي تحتاجها، كما تزود الهيئة بأمانة عامة توضع تحت سلطة أمين عام يعين بموجب مرسوم رئاسي، ما يعني أن كل أعضاء الهيئة وحتى رئيسها يتم تعيينهم من قبل رئيس الجمهورية مما يزيد من تقييد استقلالية الهيئة.
  •   تقييد استقلالية الهيئة من الناحية الوظيفية، حيث إن الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته، تمتاز بازدواجية الوظائف منها ذو الطابع الاستشاري ومنها الرقابي، غير أن تعدد وظائفها واختصاصاتها لم يضمن لها الاستقلالية المطلقة، فرغم التأكيد على استقلالية الهيئة ماليا، إلا أن تمويل الهيئة من قبل الدولة عن طريق الإعانات التي تقدم للهيئة هي ما يحد من استقلاليتها المالية، ومن ثم فهي حتما تمارس رقابتها على الهيئة، وهو مما يزيد من عدم استقلاليتها، حيث تخضع لرقابة مالية يمارسها مراقب مالي يعينه الوزير المكلف بالمالية، ومن هنا يظهر جليا تبعية الهيئة ماليا للسلطة التنفيذية، وبالرجوع إلى المادة 24 من القانون نجدها تنص على أنه: “ترفع الهيئة إلى رئيس الجمهورية تقرير سنويا يتضمن النشاطات ذات الصلة بالوقاية من الفساد ومكافحته، وكذا النقائص المعاينة والتوصيات المقترحة عند الاقتضاء.

وما يتنافى مع أهداف الهيئة المتعلقة بتعزيز الشفافية والمسؤولية والعقلانية في تسيير الأموال العمومية وإضفاء الشفافية على كيفية تسيير الشؤون العامة، هو عدم النص على إشهار ونشر التقرير في الجريدة الرسمية أو حتى في وسائل الأعلام مما يضفي الضبابية على تسيير الأموال العمومية [(8)]، أما من الجانب القضائي، فعلى الرغم من تمتع الهيئة بالشخصية المعنوية مما يعطيها حق التقاضي، إلا أن الهيئة عندما تتوصل إلى وقائع ذات وصف جنائي تحول الملف إلى وزير العدل حافظ الأختام الذي يخطر بدوره النائب المختص لتحريك الدعوى العمومية.

أي أنه ليس للهيئة حق النظر في جرائم الفساد وردع مرتكبيها، كما أنه ليس لها الحق في إحالة الملف مباشرة على القضاء، وإنما عليها تحويل الملف لوزير العدل وهو الذي يقدر مدى ملاءمة المتابعة في حال وقوع أي مخالفة أو وقائع ذات وصف جزائي، وفي ذلك تقييد لسلطتها في تحريك الدعوى العمومية.

على الرغم من أن الهيئة لها صلاحية البحث والتحري والذي هو عمل من اختصاص الشرطة القضائية، وليس لها حق التقاضي عند تحريك الدعوى العمومية، ما يفيد سيطرة السلطة التنفيذية بطريقة غير مباشرة على الهيئة فهي تمنحها نوع من الاستقلالية وتحدها عنها من جهة أخرى، والمكافحة تبدأ بإعمال تدابير للوقاية من وقوع الجرائم، غير انه بعد وقوعها لا بد من الإسراع لمكافحتها والحد منها، وهو ما لا تستطيع الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته القيام به دون الاعتراف باستقلاليتها.

خاتمة

إن الجرائم المتعلقة بالصفقات العمومية تتطلب الوقاية منها بأعمال تدابير الوقاية التي جاء بها قانون مكافحة الفساد، ومن دون قيام الهيئة بهذا الدور لن يتم القضاء عليها قبل وقوعها، فلحد الساعة وعلى الرغم من أداء أعضاء الهيئة والمستخدمين اليمين أمام المجلس القضائي، إلا أننا لم نشهد لها أي دور، لا في الوقاية ولا المكافحة، فحسب تسميتها يظهر ان دورها يتعلق أساسا بالوقاية والمكافحة، كما أن عدم اختصاص الهيئة بتلقي تصريحات الرئيس وأعضاء الحكومة وأعضاء البرلمان وغيرها من الشخصيات الفاعلة في السلطة التنفيذية، هو ما أضعف الدور والوظيفة الرقابية لهذه الهيئة في مجال مكافحة الفساد، وبخاصة وأن هذه هي الألية الوحيدة التي بمقتضاها تستطيع الهيئة تحريك الرقابة من خلال استغلال المعلومات الواردة في التصريح بالممتلكات .

لذلك يجب أن تكون الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد مستقلة تماما عن السلطة التنفيذية، حتى لا تفشل مهمتها كما فشل المرصد الوطني لمكافحة الرشوة.

الهوامش والمراجع المعتمدة

[(1)] المادة 17 من القانون 06/01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته

[(2)] المادة 18 من القانون 06/01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته

[(3)] KHELOUFI Rachid, Les institutions de regulation, Revue Algerienne de sciences juridiques, economiques et politiques, volume 41, n=° 02, Alger,, 2003, p 114

[(4)] رمزي حوحو، لبني دنش، الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته، مجلة الاجتهاد القضائي، العدد الخامس، سبتمبر 2009، ص 73

[(5)] المادة 02 من المرسوم الرئاسي رقم 06/413 المؤرخ في 22 نوفمبر 2006 يحدد تشكيلة الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته وتنظيمها وكيفيات سيرها

[(6)] عبد الله الحنفي، السلطات الإدارية المستقلة، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر 2000، ص10

[(7)] المادة 10 و11 من المرسوم الرئاسي رقم 06/413

[(8)] عبد العالي حاحة وأمال يعيش تمام، دور أجهزة الرقابة في مكافحة الفساد في الجزائر بين النظرية والتطبيق، الملتقي الوطني حول الآليات القانونية لمكافحة الفساد، كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية، جامعة قاصدي مرباح، ورقلة، يومي 03 ديسمبر 2008.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading