محمد معترف

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسطات

تعتبر وضعية أراضي الجيش مقارنة مع باقي الأنظمة العقارية الموجودة بالمغرب وضعية استثنائية، لأن أراضي الجيش غير مقننة، كما أن الأبحاث بشأنها ناذره ولا نكاد نعثر إلا على بعض الإشارات هنا وهناك حين الحديث عن الطبيعة القانونية للنظام العقاري المغربي.

ورغم هذه الصعوبات سنحاول في هذا العرض المتواضع التعريف بهذا الأراضي التي مازالت إلى يومنا قائمة.

ذلك أن البنية العقارية في المغرب تعرف أشكالا وتنظيمات مختلفة، ولكل تنظيم خصوصياته، سواء من حيث طريقة الاستغلال والانتفاع، أو من حيث التدبير، وكذا من حيث الأسس التي يستمد منها قواعده وأحكامه.

ومن بين هذه الأنظمة توجد أراضي الجيش، التي تحتل أهمية خاصة في النسيج العقاري المغربي نظرا لاعتبارات عديدة منها:

  • من حيث مساحتها إذ تتراوح حوالي 3000 ألف هكتار
  • من حيث طبيعتها حيث تتوزع بين الأراضي فلاحية، إما سقوية أو بورية أو إلى أراضي رعوية وأخرى غابوية، بل من هذه الأراضي ما يتوفر على مناجم سطحية تستخرج منها بعض المعادن، مثل الرخام والملح، والأحجار بمختلف أنواعها.
  • من حيث تعدد سكانها وتنوع أعرافهم وتقاليدهم، وكذا من حيث تواجدها بالقراب من أهم وأكبر ة المدن المغربية.

ورغم صدور مجموعة من النصوص القانونية التنظيمية في بداية القرن 20، لم تفقد الأعراف والعادات مكانتها ودورها في تدبير هذه الأراضي، وهذا راجع إلى تمسك القبائل بها، فترتب عن ذلك تعايش بين النصوص القانونية والأعراف.

إن موضوع هذا البحث “أراضي الجيش” يقودنا إلى طرح الإشكالية التالية:

  • إلى أي حد يمكن اعتبار الضوابط القانونية والتنظيمية لأراضي الجيش ضامنة لتدبير شؤونها؟

إن طرح هذه الإشكالية يحيلنا على طرح مجموعة من الأسئلة نوردها كالآتي:

ما هو الإطار القانوني المنظم لأراضي الجيش؟

ماهي الهيئات المكلفة بالأراضي اللجيش؟

ماهي حصيلة التصفية القانونية لأراضي الجيش؟

ما هي طبيعة النزاعات المتعلقة بأراضي الجيش؟

ما هي أوجه استغلال أراضي الجيش؟

ماهي وضعية أراضي الجيش على أرض الواقع ومن جهة القضاء؟

وللإجابة على هذه الأسئلة المتفرعة عن إشكالية البحث، حاولنا التطرق إلى الموضوع وفق التصميم الآتي:

المطلب الأول: أراضي الجيش في النظام العقاري المغربي.

الفقرة الأولى: نبذة تاريخية عن أراضي الجيش

الفقرة الثانية التعريف بأراضي الجيش

المطلب الثاني: طرق تدبير أراضي الجيش.

الفقرة الأولى: هيكلة جماعة الجيش.

الفقرة الثانية: خصائص أراضي الجيش.

المطلب الثالث: أراضي الجيش بين النصوص القانونية والأعراف.

الفقرة الأولى: النصوص القانونية المرتبطة بأراضي الجيش.

الفقرة الثانية: طرق استغلال وتقسيم أراضي الجيش.

المطلب الرابع: حماية أراضي الجيش والاتجاه القضاء بشأن هذه الأراضي.

الفقرة الأولى: وصاية الدولة وحماية أراضي الجيش.

الفقرة الثانية: أراضي الجيش من منظور القضاء المغربي

الخاتمة والاقتراحات

المطلب الأول: أراضي الجيش في النظام العقاري المغربي

الفقرة الأولي: نبذة تاريخية عن أراضي الجيش

حين البحث عن نشأت أراضي الجيش وبالرغم من الغموض الذي يكتنف هذا الموضوع إلا أنه يبدو أن هذا النمط يعود إلى القرن السادس عشر.

بعض الباحثين يرجعه ونه إلى عهد السلطان السعدي محمد الشيخ (1554 -1558) ([1]).

ففي غياب سلطة عسكرية ومنظمة ومؤطرة، كان الملوك يلتجأون إلى بعض القبائل من أجل الحفاظ على الاستقرار والدفاع على حدود البلاد من أي غزو أجنبي، وبطبيعة الحال لم تكن هذه الخدمة تؤدي بالمجان، حيث كان السلطان يصدر ظهائر من أجل منح حق الانتفاع القبائل في أراضي هي في الأصل ملك للدولة، مع إعفائهم كذلك من الضرائب (باستثناء الزكاة) مما يميزها عن أراضي الجموع ([2]).

وفي المقابل كان أفراد قبائل الجيش يلبون أي نداء للسلطان من أجل الدفاع باسمه ولفائدته على البلاد.

وقد أخد بهذا النظام (أراضي الجيش) جميع السلاطين والملوك الذين حكموا المغرب، إلا أن الملاحظ أنه في عهد الدولة العلوية وبالضبط بعد مولاي الحسن الأول بدأ هذا النظام يتراجع لأن الملوك المتعاقبون أصبحوا يعتمدون أكثر على الجيش النظامي، وهذا لم يحل بطبيعة الحال دون انتفاع تلك القبائل بالأراضي التي كانت تقيم بها.

في دراسة قام بها بول باسكو Paul pascon حول منطقة الحوز بمراكش سنة 1977 استخلص من خلالها أن التسجيل في ديوان الجيش لمولاي إسماعيل كان يخول للمعني بالأمر مجموعة من الامتيازات منها الاستفادة من استغلال الأرض، والإعفاء من الضرائب والحق في اللباس والتعويض…

وبعد فرض الحماية على المغرب سنة 1912 وجد المستعمر الفرنسي نفسه أمام هذا النمط الغير مألوف لديه، والمسمى أراضي الجيش فكان في بعض الأحيان لا يميز في التعامل بين هذه الأراضي وأراضي الجموع، إذ كان وهناك غموض وعدم وضوح رايا لديه حيث لجأ إلى ما يلي:

– تمليك جزئي أو كلي لبعض أراضي الجيش خاصة تلك المتعلقة بأهل فحص طنجة.

– تحويل مجموعة من الهكتارات إلى أراضي جماعية بمقتضى ظهائر خولت لها حق المنفعة مثال ظهير 18/ 5/ 1928 (كيش الشراردة، وجيش أولاد دليم).

– الاستحواذ على بعض العقارات بصورة رسمية خاصة أراضي جيش الغرب -الحوز –مكناس…) والغريب في الأمر أن ذلك كان متزام مع صدور مجموعة من المراسم والتدابير القانونية التي كانت تهدف إلى:

  1. الحد من الاستحواذ على هذه الأراضي بوسائل تدليسيه
  2. الدفاع على مصالح الجماعة التي استقرت لهذه الأراضي.
  3. إعطاء الدولة حق الرقابة وفرص وصاية إدارية عليها ([3])

وتبلغ مساحة أراضي الجيش حوالي 3000 ألف هكتار وهي صغيرة جدا إما قورنت بأراضي الجموع التي تزيد عن 12 مليون هكتار.

الفقرة الثانية: التعريف بأراضي الجيش

تعرف أراضي “الجيش” أو “الكيش” بيانها تلك الأراضي الفلاحية أو القابلة للفلاحة أو مراعي تستغل على وجع الشياع بين أفراد القبائل أو العشائر التي كانت مكلفة بحماية حدود البلاد أو بعض المناطق بالمغرب.

وقد كان الملوك والسلاطين يقتطعون هذه الأراضي لفائدة أفراد القبائل التي تقدم هذه الخدمة بقصد استغلالها والانتفاع بها مقابل خدماتهم العسكرية فمصطلح “الجيش” يطلق في المغرب على القوات المسلحة للسلطان لأن السلاطين كانوا لا يتوفرون إبانة على جيش نظامي، بل كانت قبائل محاربة يستعين بها السلطان مقابل منحهم امتياز على بعض الأراضي في نفس الوقت يحتفظ السلطان بحق الرقبة.

هذه الأراضي يتم نسبتها إلى هذه القبائل المسماة قبائل الجيش التي كانت تستغلها حتى إذا ما انقطعت عن تقديم الخدمة العسكرية أو كانت لا تشارك في الحروب لفائدة السلطان فإنها تمنع من حق الانتفاع والاستغلال إلا إذا ما قدمت مقابلا ماديا، وفي هذه الحالة كانت تسمى بأراضي “النايبة”.

فأراضي الجيش كما يتضح من تسميتها هي تلك الأراضي منحت في الماضي من طرف الملوك والسلاطين لفائدة القبائل أو العشائر التي كانت تقدم خدماتها العسكرية لفائدة السلطان.

وهذه الأراضي تتواجد في الغالب بالقرب من المدن الرئيسية كالرباط وفاس ومراكش.

وإذا كان مشغلي هذه الأراضي سلمت لهم قصد الانتفاع والاستغلال فإن ملكية رقبتها ظلت بيد الدولة، غير أن هذا لم يحل دون تحويل بعض الأراضي إلى أملاك مشاعة بين أفراد الجماعة كما جدث بأراضي الجيش الأوداية بالرباط أو ملكيات خاصة كما حدث بنواحي مراكش وأراضي الجيش لا تدخل ضمن أراضي الجموع، وإن كان البعض يعتبر أن ظهير 1919 المتعلق بأراضي الجموع يسري عليها كذلك لكن الأمر خلاف ذلك، لأن أراضي الجيش هي في أصل تابعة للملك الخاص للدولة سلمها المخزن لرجال الجيش من أجل معاشهم أو لقبائل كانت تقوم بحماية البلاد، وكانت تسلم إليها بمقتضى عقد السليم “التنفيذة” ويتضمن هذا العقد الانتفاع الشخصي ويعاد إعطاء هذا الحق إلى الأبناء في حالة وفاة المستفيد وذلك حسب الأعراف وتقاليد القبيلة المعنية، مما يطرح تساؤلات بشأن هيكلة جماعة الكيش وطريقة استغلالها وتقسيمها مع الإشارة أن مصطلح الجيش أو الكيش يطلق على نفس النمط وتعتبر مديرية الأملاك المخزنية التابعة لوزارة المالية هي المشرفة على تنظيم هذه الأراضي وطرق استغلالها…

ويمكننا التمييز من الناحية العملية بين نوعين من أراضي الجيش:

  • أراضي الجيش التي تم تسليمها للسلطان المقيمين عليها/جيش الأوداية/. فهذا النوع لم يعد خاضعا لمراقبة مديرية الأملاك المخزنية بل تسري عليه نفس القوانين السارية على الأراضي الجماعية.

أراضي الجيش التي لم يتم تسليمها بصفة نهائية للجماعات وهذا النوع يبقى تسييرها خاضعا لمديرية الأملاك المخزنية لأنه يعد من أملاك الدولة.

وللإشارة، فإنه ليس هناك أي قانون خاص ينظم هذه الأراضي وطريقة تسييرها واستغلالها حيث تنظمه الأعراف المحلية التي تختلف بدورها من قبيلة لأخرة وهذا يفرض علينا البحث بشأن هيكلة قبائل الجيش وخصائصها وطريقة استغلال أراضيها وتقسيمها.

المطلب الثاني: طرق تدبير أراضي الجيش

الفقرة الأولي: هيكلة جماعة الجيش

كانت هذه القبائل خاضعة لنظام تسلسلي هرمي على الشكل التالي: ([4])

قائد الجيش: وهو رئيس الجماعة، كان يمسك سجل يسمى الديوان تسجل فيه أسماء أفراد القبيلة.

قائد الرحى: كان يشرف على 1000 فرد.

قائد ماية (Mia) كان يشرف على100 فرد

المقدم أو الرباع: كان يؤطر 25 شخص

فهذه القبائل كانت تضطلع بمهام عسكرية، وكانت تشكل كل واحدة منها وحدة مستقلة عن الأخرى فلكل واحد قائد عسكري وتنقسم كما سبق إلى عدة فرق دائمة التنقل يعتبرون كأفراد المخزن، بينما يعتبر الرجال الآخرين القادرين على حمل السلاح والذين لم يتم تجنيدهم الفعلي كجنود احتياطيين فكيف كانت توزع هذه الأراضي؟

كانت الأرض توزع على أفراد جماعة الجيش حسب الأعراف والتقاليد المحلية، وكانت مساحة القطع الفردية الممنوحة تتراوح ما بين 3.5 هكتارات و25 هكتار، وكان متوسط هذا القطع أي 7 هكتارات تخصص لرب العائلة يضاف إليه حصة الأبناء والفرس والزوجة… مع العلم أن تم استثناء النساء من الاستفادة من هذا التوزيع وسبب هذا الإقصاء عدم مساهمتهن رسميا في العمليات العسكرية وكان التقسيم يختلف باختلاف ما إذا كانت الأراضي بورية أو سقوية وكانت كل قبيلة تقوم بعملية تقسيم أراضي الجيش بطريقة تختلف عن الأخرى، وعامة يتعلق التقسيم:

  • بتوزيع القطع على أصحاب الحقوق.
  • بإعادة توزيع القطع بعد وفاة صاحب الحق.

كانت هذه الأراضي لا تورث بل يتم إعادة توزيعا ومنحها إلى الابن الأكبر المنتمي إلى القبيلة ومع إقرار جيش نظامي كما سبق ذكره أصبحت هذه القبائل مستقرة بصفة دائمة، وأصبح التقسيم في الغالب غير وارد على ارض الواقع وبدأ المنتفعون بأراضي الجيش يتصرفون بها وكأنهم الملاك الفعليون لها وبالتالي أصبحنا نلاحظ ما يلي:

  • مساحة الأراضي الموزعة على ذوي الحقوق لم تعد تراعي فيها التقسيم الوارد سابقا.
  • أصبحت القطع تورث في بعض القبائل طبق قواعد الشريعة الإسلامية وأصبحت المرأة تستفيد من هذا الوضع.
  • أصبح الأفراد الأجانب عن القبيلة يتصرفون كذلك.
  • أصبحت الضاربات العقارية تتكاثر وأصبحت يباع ليس فقط حق الانتفاع بل أصبحت تبرم بيوعات ملكية بعض القطع ([5]).

وفي هذا النطاق نتساءل عن خصائص هذه الأراضي وعن النصوص المنظمة لهذه الأراضي.

الفقرة الثانية: خصائص أراضي الجيش

تتمتع أراضي الجيش بوضعية مزدوجة، إذ أنها كانت من الأملاك الخاصة للدولة ثم أعطى الانتفاع بها من طرف السلطان لقبائل كانت تؤدي خدمات عسكرية وحفظ النظام داخل مناطق نفوذه، وكانت ملكيتها تتفرع إلى:

  1. ملكية الرقبة للدولة
  2. حق المنفعة لفائدة الجيش والذي كان يستفيد منه الأفراد الذكور الذين يقومون بالخدمات العسكرية.

وهذه الازدواجية تتجلة في كونها:

  1. تدخل في إطار أملاك الدولة
  2. أنها تعد في عداد أراضي الجموع فهي مخصصة للانتفاع بها من طرف قبائل الجيش.

مما جعل جهازين إداريين يتجاذبان الاختصاص بشأنها وهما مديرية الشؤون القروية التابعة لوزارة الداخلية وكذلك وزارة المالية ونتيجة لهذه الازدواجية والتشابه مع النظام الجماعي، فإن أراضي الجيش هي كذلك غير قابلة للتفويت والحجز والاكتساب بالتقادم كما لا يمكن أن تكون موضوع نزع ملكية من أجل المنفعة العامة.

  • كما أن أراضي الجيش لا تخضع لنظام الإرث بل يتم نقل حق الانتفاع إلى الابن الأكبر الراشد من الذكور ومع التطور الديمغرافي ووجود جيش نظامي دائم أصبحت قبائل الجيش مستقرة بصفة دائمة، وبدأ أفراد هذه القبائل المنتفعون يتصرفون كما ول كانوا ملاكا.

ونتيجة لذلك فإن العديد من هذه القطع الأرضية التابعة لأراضي الجيش ثم تفويتها للغير كما سوف يتم توضيحه لاحقا.

المطلب الثالث: أراضي الجيش بين النصوص القانونية والأعراف

الفقرة الأولى: النصوص القانونية المرتبطة بأراضي الجيش

أول ما يمكن ملاحظته فيما يتعلق بأراضي الجيش هو قلة النصوص القانونية المنظمة لها مما أدى كما سبق إلى تحويل بعضها إلى أراضي جماعية والبعض الآخر إلى ممتلكات خاصة.

وفي الوقت الذي نجد فيه العديد من النصوص القانونية المتعلقة بأراضي الجموع فإن أراضي الجيش لم تحضي بتنظيم قانوني خاص إلا استثناءات واردة في النصوص القانونية والتدابير الإدارية التالية:

  1. المنشور الصادر بتاريخ 1912/11/1 عن الصدر الأعظم الذي أدرج أراضي الجيش من حيلة الأراضي الغير قابلة للتفويت.
  2. الظهير المؤرخ في7/7/1914 المنظم لكيفية التعامل بشأن الأراضي الغير محفظة والذي أدرج أراضي الجيش من حيلة الأراضي التي يتعين فيها إجراء بحث قبل إبرام أي رسم بشأنها.
  3. المنشور الوزاري المؤرخ في 1944/2/19 الذي أر صراحة عدم قابلية أراضي الجيش للتفويت.
  4. ظهير 3 يناير 1916 وإن لم يتعلق بأراضي الجيش، فإنه ينظم كيفية تحديد العقارات الخاضعة والتابعة للملك الخاص للدولة بما أن الدولة الملك الخاص المسؤولة عن إحصاء وتحديد أراضي الجيش.
  5. ظهير 1920/7/24 المحدد للقانون الأساسي لاختصاصات مديرية المالية والذي نص على أن مصلحة الأملاك المخزنية مختصة من أجل إحصاء وتحديد أراضي الجيش.
  6. ظهير1919/4/27 ([6]) المتعلقة بأراضي الجموع خاصة الفصل 16 الذي أشار إلى أراضي الجيش.

فإذا ما قارنا بين أراضي الجيش وأراضي الجموع من الناحية القانونية نجد أن لهذه الأخيرة عدة نصوص قانونية تنظمها وذلك قبل صدور ظهير 27 أبريل 1919 الذي نظم الوصاية على الأراضي الجماعية وكيفية استغلالها وفض النزاعات بشأنها، كان هناك ظهير 7 يوليوز 1914 الذي أحدث ما يسمى “بالبطاقة” وكذلك ظهير 21 نونبر 1916 الذي اعترف بالشخصية المعنوية للجماعات السلالية واختيار ممثلين عنها، إضافة إلى مراسيم وقرارات ومناشير ودوريات لا حصر لها لا تحض أراضي الجيش بأي تنظيم قانوني باستثناء المنشورين الصادرين عن الصدر الأعظم بتاريخ 1914/11/01 و 1944/02/19 تؤكد على عدم قابلية أراضي الجيش للتفويت الشيء الذي يفرض طرح التساؤلات التالية: في حالة قيام نزاعات بين أعضاء أراضي الجيش أو بينها وبين جماعات أخرى ما هي المسطرة والنصوص الواجب إتباعها لفض هذه النزاعات؟ وكذلك من الجهة المخولة لها قانونا البث في هذه النزاعات؟ هل هو المجلس أم المحاكم الابتدائية.

وللجواب على هذه التساؤلات فإننا سنركز على الفصل 16 من ظهير 27 أبريل 1919 لأنه هو الفصل الوحيد الذي تطرق لنظام أراضي الجيش.

وبالرجوع إلى الفصل 16 نجد أن فقرته الأولى تؤكد على أن مقتضيات ظهير 27 أبريل 1919 لا ينطبق على أراضي الجيش لكن فقرته الثانية والأخيرة أضافتنا بأن ذلك لا يمنع المكلف على الجماعات من القيام بما له من التفويضات للدفاع عن مصالح تلك الجماعات.

من خلال ما جاء به الفصل 16 يوحي بأن الأمر لا يشوبه أي غموض وبالتالي فإن سلطة الوصاية وقبلها المجلس النيابي لا دور لهما على أراضي الجيش، ولا يمكن تصور اختصاص أي منهما للبث في النزاعات التي تثار بين مستغلي هذه الأراضي إلا في حالة واحدة وهي المتعلقة بالمس بمصالح الجماعة.

أما إذا رجعنا إلى الواقع العملي فنجد أن ما جرى العمل به ومازال معمولا به لحد الآن هو أن جميع النزاعات وكيفما كان نوعها يقع البث فيها من طرف السيد القائد وبمحضر النواب ويرفع الاستئناف إلى مجلس الوصاية.

الفقرة الثانية: طرق استغلال وتقسيم أراضي الجيش

ليس هناك أي نص قانوني ينظم طريقة استغلال وتقسيم هذا النوع من الأراضي التي بقيت تخضع للأعراف والتقاليد السائدة في هذا المجال، وإجمالا لا يمكن القول أن هنا قاسم مشترك بين مختلف هذه القبائل سواء من حيث طريقة وشروط التقسيم واستغلال هذه الأراضي.

فكما سبق الإشارة إلى ذلك فإن حقوق القبائل أو العشائر المرتبطة بأراضي الجيش تقتصر فقط على حق الانتفاع أو الاستغلال، بينما يبقى حق الرقبة في يد الدولة.

وكانت هذه الأراضي تسلم إلى مستغليها بواسطة عقود تسمى عقود “التنفيذة” التي تتضمن أسماء وهوية المنتفعين وكذلك حق الرقبة للدولة (المخزن آنذاك) إلا أن هذه القبائل نظرا للدور العسكري الذي كانت تلعبه جعلها تخضع استغلال هذه الأراضي للأعراف والتقاليد السائدة في كل قبيلة على حدة، مما أدى إلى أن مقياس تحديد المنتفعين بها وحقوقهم تختلف من قبيلة لأخرى.

  1. شروط المشاركة في الاستغلال:

إجمالا يمكن تحديد شروط المشاركة في استغلال هذه الأراضي بين أفراد القبيلة على الشكل التالي:

  • الانتماء القبلي: يعد هذا الشرط ضروريا من أجل الانتفاع بحق الاستغلال، حيث لا بد أن يكون هذا الشخص منحدرا من القبيلة.
  • الاستقرار بالقبيلة: فلا بد أن يكون مستقرا بالقبيلة ويسكن بها هو وأفراد أسرته حتى يستفيد من مباشرة الاستغلال عليها فإن غادر القبيلة فإن حقه يسقط إلى حين الرجوع والاستقرار من جديد بها لمدة تفوق السنة على الأقل.
  • الذكورة ذلك أن الأعراف السائدة آنذاك تعتبر أن حق الاستغلال يعود بصورة مشتركة لأفراد القبيلة، ما دام أفراد القبيلة ينحدرون من أصل واحد فقد كانت الأعراف تستبعد النساء من المشاركة في هذا التقسيم والاستغلال المباشر. حيث أن التقسيم الوارد على هذه الأراضي يتعلق بقسمة دورية الاستغلال وليست قسمة بتيه نهائية. كما أنها تتم بين رؤساء الخيمات أو العائلات.
  • الزواج: كان الغير متزوجين يتم استبعادهم كذلك، الزواج كان يعتبر دليلا على وجود عائلة مستقرة وتحمل المسؤولية كذلك على الاستقرار بالقبيلة.
  1.    تقسيم حق الانتفاع بين ذوي الحقوق:

الملاحظ أن هذه القسمة لا تنصرف إلى الإرث ولا إلى قواعده وأحكامه. إلا أنه بعد مرور الوقت أصبحت هذه العائلات تتصرف في هذه الأراضي بشكل دائم، حيث استقرت كل عائلة بالقطعة التي تستغلها وأصبحت تنتقل بين أفراد العائلة فيما بينها حتى بعد الممات، مما جعل الإبقاء على بعض الشروط خاصة حرمان المرأة من هذا الحق موضع حيف وظلم، بل أدى إلى اعتبار الأمر فيه مخالفة للشريعة الإسلامية وللقانون والعدالة، كما أنه لا يواكب الدور الاقتصادي والاجتماعي الذي تلعبه المرأة في المجتمع.

  1.    طرق الاستغلال:

نميز بين الأراضي حسب طبيعتها ذلك أن الأراضي التي لا تصلح للزراعة سواء منها تلك الصالحة للرعي أو السكن فهذا غير قابل للتقسيم.

أما الأراضي الصالحة للزراعة فهي التي يتم توزيعها بصفة دورية بين رؤساء العائلات المنتمية لقبائل الجيش.

لقد كان السلطان يمنح لهذه القبائل امتيازا على بعض الأراضي الزراعية، بعبارة أوضح أن لهذه القبائل حق المنفعة بينما يحتفظ السلطان بحق الرقبة، وكانت هذه الأراضي تقسم على العائلات المكونة للقبيلة المحاربة وذلك تحت إمرة “باشا” الجيش الذي يتكلف بوضع سزجل للقسمة يدعى الديوان وذلك قصد أن يعطي لكل ذي حق حقه.

ومع أن هذا الامتياز العقاري لا ينتقل بالوراثة، وأنه يعود للمخزن متى هلك صاحبه، فقد كانت الفرصة تعطي لأبناء الهالك حتى يطالبوا بنصيب أبيهم أن هم التحقوا الجندية إلا أن هذه الوضعية سوف تتغير تدريجيا طيلة القرن 19 لتصبح شيئا أخر. فقد ساد الاعتقاد بأن الخدمة العسكرية تتوارث أبا عن جد وأصبح الامتياز العقاري يتوارث هو الآخر لدرجة أنه أضحى عرفا بين القبائل، فانعدمت المراقبة وأصبحت الأرض موضوع الامتياز تباع وتشتري بتواطؤ مع باشوات الجيش وحتى مع الأجانب مما أدى إلى خلق الفوضى في المجال العقاري قبيل إبرام عقد الحماية.

وبعد انقطاع الخدمات العسكرية صارت هذه القبائل تستغل هذه الأراضي مقابل مبلغ مادي فأصبح يطلق على هذه الأراضي اسم الأراضي النيابية، وكانت هذه الأراضي معفاة من الضرائب.

وبما أن أراضي الجيش تمنح لمستعمليها حق الانتفاع والاستغلال فإن ملكية رقبتها تبقى للدولة فكيف كانت وصاية الدولة على هذه الأراضي؟

المطلب الرابع: حماية أراضي الجيش والاتجاه القضاء بشأن هذه الأراضي

الفقرة الأولي: وصاية الدولة وحماية أراضي الجيش

فكما سبق الإشارة إلى ذلك فإن وصاية الدولة كرسها ظهير 1920/7/24 المحدد لاختصاصات مديرية المالية الذي نص على أن مصلحة الأملاك المخزنية تبقى المسؤولة على إحصاء وتحديد أراضي الكيش، وقبل ذلك جاء ظهير 1919/ 4/ 21 واضحا حين نص في فصله 16 على أن مقتضيات هذا القانون الذي يتعلق بأراضي الجموع لا ينطبق على أراضي الجيش. وقد تم تشبيه هذا الفصل بالفصل 8 من ظهير 19 أكتوبر 1937 الذي بالرغم من هذا التميز بين أراضي الجموع وأراضي الجيش هذا لا يمنع الوصي عن الجماعات السلالية من الحفاظ على أراضي الكيش ذلك أنها هي الأخرى تتكون من جماعة سلالية لها حق الانتفاع بهذه الأراضي وعليه وجدت أراضي الكيش تحت وصاية سلطتين مختلفتين، وزارة المالية ووزارة الداخلية مما أدى إلى صعوبة في اتخاذ قرارات إدارية بشأنها.

كما أنها يتعين الإشارة إلى خاصية أراضي الجيش بالمنطقة الشمالية، فيما يتعلق الوصاية والتحديد حيث كانت هناك ظهائر خليفيه (1935-1931-1929) ([7]).

ورغم ذلك ففي الواقع المعاش ما زالت تبث في نزاعاته المجالس النيابية ومجلس الوصاية بالرغم من أن الفصل 16 من ظهير 1919 المنظم لأراضي الجموع نص صراحة على ما يلي:

“لا تجري مقتضيات ظهيرنا الشريف هذا على الأراضي المختصة بالجيش ولا على الغابات التي تتصرف فيها العشائر الأصلية على وجه الاشتراك بينها بل تبقى هذه الأراضي غير قابلة للتفويت”.

وقد حسم المجلس الأعلى في الأمر واقفل كل باب للتأويل حول اختصاص المجالس النيابة للبث في قضايا أراضي الجيش في قراره الشهير الصادر في 4 مايو 1979 والذي جاء فيه ما يليه:

“حيث أجاب وزير الداخلية بأن الأرض تدخل ضمن أراضي الجيش التي تستغل كما تشغل الأراضي الجماعية بتدبير من مجلس الوصاية لوزارة الداخلية وتخضع مثلها للظهائر المنظمة لاستغلال الأراضي الجماعية طالبا رفض مطالب الطاعن.

لكن حيث أفادت عناصر الملف وخصوصا رسالة رئيس مصلحة الأملاك المخزنية بمراكش المؤرخة في 6 يناير 1975 إلى عامل إقليم مراكش أن الأرض داخلة في الملك الخاص للدولة وهي التي تتصرف فيها.

وحيث لم يثبت وزير الداخلية ما يدعيه من أنها أرض جيش على أنه وعلى فرض صحة ما أدعاه، فإن مجلس الوصاية غير نحتص بإصدار قرار فيما يخص استغلالها وكل اختصاصه حسبما يشير إليه الفصل 16 المذكور أعلاه، هو الدفاع عن مصالح الجماعة المتعلقة بها.

لهذا فإن تصديه للبت في النزاع المشار بين الطرفين هو النزاع غير متعلق قطعا بأرض جماعية ولا بمصالح الجماعة يعتبر خروجا عن دائرة اختصاصه وبالتالي يستوجب إلغاء مقرره المطعون به”.

الفقرة الثانية: تحفيظ أراضي الكيش

أراضي الكيش يمكن أن تخضع لمسطرة التحفيظ الاختياري العادي المنصوص عليها في ظهير 12 غشت 1913، وهي في واقع الأمر مسطرة طويلة يتخللها إشهار بالجريدة الرسمية وتعليق لدى السلطات المختصة وكذلك عملية تحديد وإعداد محاضر التحديد الرسمية وتعليق لدى السلطات المختصة وكذلك عملية تحديد وإعداد محاضر التحديد والتصاميم المرفقة له ونشر للإعلان عن انتهاء التحديد بالجريدة الرسمية وتعليق لدى السلطات المعنية ثم انتظار انتهاء أجال التعرضات، ليقوم المحافظ بدراسة إمكانية اتخاذ قرار التحفيظ وتأسيس رسم عقاري له.

كما أن أراضي الجيش المتواجدة داخل أراضي الضم أو تلك المتواجدة داخل التحفيظ الجماعي فهي تخضع للمسطرة الخاصة المنظمة بمقتضى نصوص قانونية خاصة (ظهير 30 يونيو 1962 وظهير رقم174/69/1 بتاريخ 25 يوليوز 1969).

هذا ويمكن اللجوء إلى مسطرة التحديد الإداري لهذه العقارات بغية ضبط حدودها ووعائها المادي بصفة نهائية وتطهيرها من حقوق الأغيار وحمايتها من الاغتصاب والترامي، خصوصا إذا علمنا أن مساحة هذه العقارات غالبا ما تكون مساحات شاسعة تفتح شهية المجاورين لها والمتطاولين عليها. ([8])

ويمكن القول أن الحديث عن أي تنمية على أراضي الجيش ليس له أي معنى ما لم يتم تصفيتها قانونيا وإذا كانت علميتنا التحفيظ والتحديد الإداري هما الوسيلتين الوحيدتان لتطهير هذه العقارات وصيانتها فإنه بات من الضروري تجنيد طاقات بشرية هائلة وتخصيص موارد مالية لإنجاز عمليات التحديد وإحصاء وضبط هذه العقارات حتى يمكن الدولة من اتخاذ استراتيجية من أجل تصفيتها بما يعود على الدولة ودوي الحقوق من منافع اقتصادية واجتماعية…

نعرض هنا لبيان مرفق ببطاقات معلومات تتعلق ببعض أراضي الجيش التابعون للنفوذ الترابي لعمالية مراكش المنارة وكذلك الرباط حتى يتسنى لنا أخذ نظرة عن الوضعية القانونية لبعض أراضي الجيش سواء تلك التي أسست رسوم عقارية أثر التحفيظ أو تلك التي تم تحديدها إداريا وذلك وفق الجدولين التاليين ([9]):

المرجع العقاريالموقعالمساحةالجماعة المعنية
72903/4جماعة أيت ايمور دائرة أحواز مراكش7798000م2جماعة أيت أيمور لها حق الانتفاع 1/1الدولة الملك الخاص لها حق الرقبة 1/1
72904/4مراكش المنارة دائرة الاوداية طريق سوق السبت7463000م2جماعة الاوداية لها حق الانتفاع 1/1الدولة الملك الخاص لها حق الرقبة 1/1
72905/4دائرة أحواز مراكش جماعة الاوداية فرقة أواد بو سبع1468000م2جماعة الاوداية لها حق الانتفاع 1/1الدولة الملك الخاص لها حق الرقبة 1/1
13978/مدائرة قبيلة الجيش دوار أولاد الطيب1186400م2* جماعة دوار أولاد الطيب لها حق الملكية التامة 2/5* جماعة دوار الشيخ البشير حيماد لها حق الملكية التامة 3/5
1926/مدائرة أحواز مراكش811000م2جماعة جيش اسكجور لها حق الملكية التامة 1/1.
101158/مجماعة أحواز مراكش9311891/م2جماعة جيش اسكجور لها حق الملكية التامة 1/1.

عقارات خضعت لمسطرة التحديد الإداري بمنطقة مراكش ([10])

المرجع العقاريالموقعالمساحة بالهكتارالتسمية
تحديد رقم 168قيادة الأوداية مراكش801.6سويهلة أولاد سيدي الشيخ
تحديد رقم 391قيادة الأوداية مراكش5.115الدار الجديدة
تحديد رقم 392قيادة الأوداية مراكش2.850بور ايت ايمور
تحديد رقم 650قيادة الأوداية مراكش2.727الجبيلة
تحديد إداري رقم 894قيادة الأوداية مراكش650تسليمت
تحديد إداري رقم 984قيادة الأوداية مراكش129.97اسكجور

الفقرة الثالثة: أراضي الجيش من منظور القضاء المغربي

يمكن اعتبار لقطة التحول في مجال قرار المجلس الأعلى بواسطة غرفته الإدارية الشهير المسمة بقرار “العيساوي” والذي بث في طهن قدم في قرار صادر عن مجلس الوصاية الذي بث في طعن قدم في قرار صادر عن مجلس الوصاية الذي بث كمرجع استثنائي في عقار يقع ضمن أراضي الجيش حيث إصدار قراره بتاريخ 4 ماي 1979 تحت عدد 136 ملف إداري رقم 51913 منشور لمجلة المحاماة العدد 16 صفحة 168 وقد ورد بهذا القرار: “مجلس الوصاية غير مختص بإصدار قرار فيما يخص استغلال أراضي الجيش وكل اختصاصاته شأنها حسب الفصل 16 المذكور هو الدفاع عن مصالح الجماعة المعلقة بها” ([11]).

ويبدو في الوهلة الأولى أن هذا القرار حسم فيما يتعلق بأراضي الجيش والجهة المختصة للبث فيها غير أت العكس هو الصحيح فالواقع يؤكد أن القواد ما زالوا يبثون في النزاعات كيفما كنت طبيعتها سواء همت منازعات بين الأفراد المنتمية لقبائل أراضي الجيش أو طابل علاقة هؤلاء بالجماعة.

وفي هذا الإطار بما أن المحاكم الإدارية لا تتردد في إلقاء المقررات الصادرة عن مجلس الوصاية باعتبار قراراتها غير شرعية وباثه في موضوع يخرج عن اختصاصاتها وفي هذا الصدد سنتطرق لبعض الإشكاليات المرتبطة بأراضي الجيش من خلال القرارات القضائية الصادرة بشأنها والتي يمكن تصنيفها إلى صنفين: أحدهما قضى بعدم قبول الطلب لكون الطعن انصب على قرار المجلس النيابي والأخر أكد قاعدة عدم الاختصاص وألفى القرارات الصادرة عن مجلس الوصاية.

ففي قرار صادر عن المحكمة الإدارية بمراكش بتاريخ 6/1/2002 ملف 01/130 أصدرت ما يلي: “استناد لمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل الرابع من ظهير 21 أبريل 1919 المنظم للوصاية الإدارية على الجماعات لا يمكن الطعن في مقررات جمعية المندوبين الخاصة بتقسيم الانتفاع إلا أمام المجلس الوصاية.

وحيث بناء عليه واعتبارا أن المدعي لم يعمل على استحضار قرار في الموضوع عن المجلس الوصاية قد يكون قابلا للطعن بالإلغاء فإن طعنه هذا والمنصب على قرار الجماعة النيابية يعتبر غير مقبول”

وهكذا فإن الأستاذ عبد القادر القطيب يرى في هذا الإطار أن المحكمة الإدارية لم تجرؤ على التصريح بعدم اختصاص الجماعة النيابية للبث في نزاع منصب على عقار تابع لأراضي الجيش. كما أنها لم تتخلص من نصوص 27 أبريل 1919 رغم صراحة الفصل الأعلى كمرجع استئنافي.

ومن جملة هذه القرارات القرار الصادر عن المحكمة الإدارية بمراكش بتاريخ 15/12/1999 والتي جاء فيه ما يلي “وحيث تبين من خلال الملف وخاصة القرار المطعون فيه أن الأراضي المتنازع في شأنها من حيث المنابهة ومن ثم فهي لا تخضع للظهير المذكور ولا يختص بالتالي بالبث فيما يتعلق مجلس الوصاية على الأراضي الجماعية وعليه يعتبر القرار المطعون صادر عن غير مختص ويتعين بالتالي الحكم بإلغائه لعدم شرعيته وقد سبق أن أصدرت المحكمة الإدارية في شرعية قرار صادر عن مجلس الوصاية حيث لم يثار أمامها كون العقار المذكور قد أصبح من أراضي الجموع بع أن كان داخلا في أراضي الجيش وأصدرت حكما بالإلغاء وتصدت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى وقضت بالإلغاء الحكم المستأنف والتصدي ورفض الطلب”.

وفي نفس الاتجاه أصدرت المحكمة الإدارية بمراكش قرارا بتاريخ 16/10/2001 ملف رقم 71/ 77 إلقاء ورد فيه ما يلي “حيث إن مقتضيات ظهير 27 أبريل 1919 بشأن تنظيم الوصاية الإدارية على الجماعات وضبط تدبير شؤون الأملاك الجماعية وتفويتها حسب ما وقع تتميمه وتغييره لا تشري على أراضي الجيش، ومن تم فإن بث مجلس الوصاية على الأراضي الجماعي بمقتضى القرار المطعون فيه في نزاع بشأن الأراضي يعتبر القرار فصلا منه في منازعة خارجة بحكم القانون المذكور من اختصاصه، وقضى بإلغاء القرار المطعون فيه”.

وقد ألغت الغرفة الإدارية للمجلس الأعلى هذا الحكم بدعوى أن الأمر يتعلق باستغلال أرض جماعية وورد في قراره الصادر في الملف إداري عدد 1/1/4/884/ بتاريخ 19 أبريل 2001 ما يلي: “لا يتصور وجود قرار إداري قابل للطعن بالإلغاء إذا تعددت الجماعة النيابية وبعدها مجلس الوصاية هذا الإطار وقضت في موضوع يتعلق بالاستحقاق أو إذا كانت الأرض موضوع النزاع من أراضي الجيش التابعة لملك الدولة الخاص، في حين أن النزاع كما هو ثابت في أوراق الملف بتعليق باستغلال أرض جماعية مما يكون معه الحكم المستأنف الذي قبل بالإلغاء ضد قرار مجلس الوصاية غير مؤسس”.

وفي نفس السياق أصدرت المحكمة الإدارية بمراكش قرار مماثلا بتاريخ 20/1/2002 ملف عدد 50/02 إلغاء قشي بما يلي: “وحيث استقر العمل القضائي في المادة الإدارية واجتهاد هذه المحكمة بالأساس على أن قرارات مجلس الوصاية لا تقبل أيي طعن قضائي إلا إذا تعدت مجال الانتفاع بالأراضي الجماعية في نقطة استحقاق أو في النزاعات المتعلقة بأراضي الجيش وحيث أن مجلس الوصاية حينما بث في النزاع المتعلق بأرض جيشيه يكون تجاوز اختصاصاته وعرض قراره للإلغاءه”.

وبعد عرض النزاع أمام المجلس الأعلى أصدر قرار بتاريخ 15/1/2004 ملف 1355/4/1 جاء فيه ما يلي: “وحيث إنه لا نزاع في المستندات المحتج بها كون عقار النزاع لم يعد ضمن أراضي الجيش وأن الحكم المستأنف عندما قضى بخلاف ذلك لم يجعل لما قضى بها أساس من القانون.

وهذين القرارين يجسدان واقعا تعرفه أراضي الجيش ولا يمكن تصوره في أراضي الجموع، وذلك أن الدولة ممثلة في إدارة أملاك الدولة قد تعمد إلى التنازل عن حق الرقبة للجماعة السلالية التي يتعاقد بالنيابة عنها السيد وزير الداخلية بصفته الوصي عليها فتصبح هذه الجماعات السلالية مالكة للعقارات التي تحت حيازتها أراضي جماعية. ([12])

الخلاصة

إن المتتبع للنزاعات التي تقع على أراضي الجيش يخرج بخلاصة مفادها أن المستغل الذي يجد نفسه مضطر للجوء إلى القضاء قصد المطالبة باستحقاقه لحق الاستغلال يصعب عليه الحصول على الوثائق المثبتى لهذا الحق وكذلك معرفة الجهة التي سيعرض عليها نزاعه.

وبالتالي فإن الأمر يتطلب وضع استراتيجية للقضاء على المشاكل التي تحول دون تسوية الوعاء العقاري لهذا النوع من الأراضي، لأن أراضي الجيش، وإن كانت في الأصل مسلمة للقبائل فإنها لن تخضع كلها لعملية التحفيظ فيبقى الحل بين إداري أملاك الدولة من أجل إحصائها وتحديدها وضبطها وكذلك لمراقبة مجموعة من التفويتات التي تتم لفائدة الجماعات السلالية وحتى لبعض الخواص والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية.

إضافة إلى أن هذه الأراضي اغلبها تم تسليمها لقبائل الجيش بمقتضى ظهائر سلطانية تنص على حق الملكية للقبيلة المسلمة لها وقد تمت الإشارة في هذه الظهائر إلى حدودها ومساحتها، وبالتالي فإن الظهائر لم يكن الطعن في مضامينها إلا بظهائر مماثلة، غير أنه في بعض الأحيان قد تعمد إدارة أملاك الدولة إلى تقديم طلبات تحفيظ مجموعة من الأراضي التابعة لقبائل الجيش في اسم الملك الخاص للدولة تم تعمد بعد ذلك إلى تفويتها وحينما يعرض المنتفعون بهذه الأراضي نزاعاتهم أمام القضاء في إطار دعوى التعويض عن الاعتداء المادي أو الاستحقاق فإنهم يواجهون بالرسوم العقارية المؤسسة في اسم الغير ويحكم بعدم قبول طلباتهم لانعدام الصفة مع العلم أن هنالك ظهائر سلطانية سلمت على إثرها هذه العقارات لفائدة جماعة الجيش.

لذا يتعين التفكير فيما يلي:

  • تحيين المعطيات والإحصائيات المتعلقة بكل جماعة كيش، وتجميع المعطيات في بنك معلومات مركزي.
  • تصفية الوضعية القانونية لأراضي الجيش عن طريق التحفيظ العقاري أو التحديد الإداري.
  • وضع لوائح ذوي الحقوق بشكل نهائي.
  • تحديد الإطار القانوني لأراضي الجيش بدقة وتبعا لذلك توضح من هو صاحب الحق ومنه الجماعة التي لها حق الاستغلال.
  • تحديد الإطار القانوني لأراضي الجيش بدقة وتبعا لذلك توضح من هو صاحب الحق ومنه الجماعة التي لها حق الاستغلال.
  • تحديد الإطار الاقتصادي لهذه الأراضي ذلك أن النصوص القانونية إلى جانب التدبير الإداري بل يتعين كذلك تبيان وتوضيح كيفية دمجها في النسيج الاقتصادي وبالتالي يتعين البحث عن الوضعية المثالية والملائمة التي لا تضر ذوي الحقوق وتقدم في نفس الوقت أحسن الطرق لاستغلال هذه الأراضي ذلك أن المغرب مع اعتماده مخطط المغرب الأخضر مطالب باستثمار كل مؤهلاته وخصوصا في المجال الفلاحي.
  • إدماج المرأة وإعطائها الحق في الاستغلال والتصرف شأنها في ذلك شأن الرجل.
  • صرف العائدات المتأتية من تفويت أراضي الجيش لفائدة الدولة أو الجماعات المحلية تلك المحاطة بالمدارات الحضرية والتي تم تفويتها وكذلك الشأن بالنسبة للعائدات المستخلصة مقابل كراء هذه الأراضي إذ لاحظنا أنه غالبا ما تبقى هذه العائدات مجمدة سنين طويلة لدى السلطات الإدارية المركزية، في انتظار إنجاز مشروع لفائدة ذوي الحقوق، ولا يتم الانتفاع بهذه الأموال سواء عن طريق توزيعها أو صرفها في أنجاز مشاريع إلا بعد تدخل السكان بطريقة أو بأخرى لذا ينبغي وضع مسطرة محدد في الزمان والمكان تضبط طريقة صرف المدخرات المتعلقة بتفويت هذه الأراضي سواء تعلق الأمر
    بتوزيعها على ذوي الحقوق أو صرفها في مشاريع ته الحياة الجماعية لقبيلة الجيش.

[(*)] -هذا الورقة البحثية قدمت تحت إشراف الدكتور عبد الرزاق أصبيحي، ماستر العقار والتعمير، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسطات، السنة الجامعية 2011-2012

[1] Jean le COZ: les tribus guiche au Maroc, Essai de géographie, RGM, n°7, (1965).

[2] Ahmed Daoudi: mode de fonctionnement du statut guich, la mise en valeur agricole, mémoire de 3ème cycle, Rabat, 1986.

[3] Amina Mahlaoui Mabrouk : Les status Foncière au Maroc approche juridique, Novembre, 2002.

[4] Ahmed Daoudi: op.cit.

[5] ينظر د. عبد الواحد شعير: “الممتلكات العقارية للجماعات المحلية”، ص.38.

[6] Amina Mabrouk, op.cit.

[7] -Amina Mahlaoui Mabrouk, op.cit.

[8] -لمزيد من التفاصيل يرجى مراجعة مجلة التحفيظ العقاري، العدد 7.

[9] -Amina Mabrouk Mahlaoui: “reflexion sur la délimitation administrative”.

[10]ينظر عبد الوهاب رافع: أراضي الجموع بين التنظيم والوصاية.

[11]ينظر عبد القادر القطيب: وضعية أراضي الجيش بالنسبة لأراضي الجموع، مجلة المحامي، العدد 46، ص .114.

[12] يراجع عبد القادر القطيب: مرجع سابق، ص .114.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading