إعداد الباحث / نجيب عبده أحمد أمير

ماجستير في القانون الخاص – النيابة العامة

مقدمة:

بادئ ذي بدء نود أن نشير إلى أن التحكيم أصبح من المواضيع التي تأخذ مجالاً واسعاً واهتماماً كبيراً في المجال القانوني، فهو يتبلور في اتفاق يقوم على احترام إرادة طرفي التحكيم بإفساح الحرية لهما لتنظيمه بالكيفية التي تناسبهما، وبذلك نجد أن الحرية هي أهم ما يرتكز عليه نظام التحكيم، ويعرف على أنه طريق استثنائي لفض الخصومات قوامه الخروج على طريق التقاضي العادي وما تكفله من ضمانات.

وقد جاء قانون التحكيم رقم 22لسنة 92م ليحل محل القانون القديم رقم 33لسنة 88م متأثراً بالتوجهات الحديثة في مجال التحكيم ومستمداً نصوصه بشكل أساسي من القانون النموذجي لسنة 1985م الذي وضعته لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي “اليونسترال.”

واتفاق التحكيم هو الذي يقرر الأطراف من خلاله اللجوء إلى التحكيم في حالة وجود نزاع ولا يختلف الأمر سواء كان هذا الاتفاق خلال إبرام العقد فيسمى شرطاً تحكيمياً أو بعد إبرام العقد ويتم في عقد مستقل فيسمى مشارطة التحكيم.

بينما يقصد بالتحكيم في القانون اليمني اختيار الطرفين برضائهما شخصاً آخر أو أكثر للحكم بينهما دون المحكمة المختصة فيما يقوم بينهما من خلافات أو نزاعات وفقاً لنص المادة” 2″ تحكيم.

وعرفه القانون النموذجي المعد من قبل اليونسترال على أنه اتفاق بين الطرفين على أن يحيلا إلى التحكيم جميع أو بعض المنازعات المحددة التي نشأت أو قد تنشأ بينهما بشأن علاقة قانونية محددة تعاقدية كانت أو غير تعاقدية، ويجوز أن يكون اتفاق التحكيم في صورة اتفاق منفصل قائم بذاته.

إن هذه الدراسة التي سوف نسلط الضوء من خلالها على اتفاق التحكيم للفصل في المنازعات التجارية والاستثمارية بما فيها المنازعات المصرفية وفقاً لما ورد في القانون اليمني من خلال التطرق إلى موضوعين رئيسين هما:

  • شروط صحة اتفاق التحكيم.
  • الآثار المترتبة على اتفاق التحكيم.

أولاً:- شروط شحة اتفاق التحكيم:

إن اتفاق التحكيم الصحيح ينزع اختصاص القضاء الوطني، لذلك فإن اتفاق التحكيم هو حجر الأساس الذي يمثل إرادة طرفي النزاع، بالتالي فلابد من توافر شروط معينة في هذا الاتفاق حسب نصوص القانون حتى يكون له الأثر القانوني المطلوب، هذه الشروط تنقسم إلى شروط موضوعية وشروط شكلية نتناولها على النحو الآتي:

1 الشروط الموضوعية:

إن اتفاق التحكيم هو عبارة عن عقد وهو بذلك يخضع لنفس الشروط الموضوعية التي تخضع لها باقي العقود وهي كالتالي:

أ  أهلية أطراف اتفاق التحكيم:

يشترط القانون لصحة اتفاق التحكيم أن يتمتع أطراف الاتفاق بأهلية التعاقد، أي أن يكونوا كاملي الأهلية لأن اتفاق التحكيم عقد يشترط فيه الرضا وسلامة الإرادة من العيوب وأن يكونوا أهلاً لإبرام التصرفات القانونية بحيث لا يجوز الاتفاق على التحكيم إلا لمن لديه المقدرة على التصرف في الحقوق، ولابد هنا من التفرقة بين أهلية الأشخاص الطبيعية والأشخاص الاعتبارية الخاصة، حيث يبطل اتفاق التحكيم في حال كان أحد طرفيه فاقداً الأهلية القانونية عند إبرامه، وبالنتيجة يبطل حكم التحكيم الصادر وفقاً لأحكام المادتين” 6″و”53/ب”من قانون التحكيم اليمني.

فبالنسبة للشخص الاعتباري العام فإن مشكلة مقدرته على إبرام اتفاق التحكيم هي مشكلة مثارة في العديد من الأنظمة القانونية، حيث قضت بعض الدول في السابق بعدم الإجازة للأشخاص الاعتبارية العامة بأن تكون طرفاً في اتفاق التحكيم.

لا يوجد في القانون اليمني نص يمنع الدولة وأشخاص القانون العام من إبرام اتفاقيات التحكيم إذا اقتضت الضرورة ذلك ولكن نرى أنه يجب عمل ضوابط معينة نظراً لخطورة التحكيم الدولي، ولأنه يمس استقلال الدولة فإن وضع شرط التحكيم مع شركة استثمارية تقوم بأعمال التنقيب عن النفط والمعادن في الإقليم اليمني فإن هذا الشرط ينقص من ولاية القضاء اليمني.

وللتقليل من هذه التخوفات ومن أي آثار سلبية قد تنتج عن دخول الأشخاص الاعتبارية العامة أطرافاً في اتفاقيات التحكيم، يتوجب أن يصاغ بدقة وحرص شديدين وبطريقة تحمي الدولة وثرواتها القومية ومقدراتها الوطنية، حينئذ إذا تضمنت هذه العقود شروطاً للتحكيم فإن ذلك لا يعتبر من انتقاص سيادة الدولة أو مكانتها .

أما بالنسبة للشخص الاعتباري الخاص فإنه لابد من توافر الأهلية للأشخاص الخاصة اعتبارية كانت أم طبيعية وذلك وفقاً للقانون اليمني إذا كان أطراف اتفاق التحكيم يمنيين أما بالنسبة للأجانب فتخضع أهليتهم لقانونهم الشخصي.

أ الرضا بين أطراف اتفاق التحكيم:

إن اتفاق التحكيم من حيث تسميته باتفاق، فإنه لا يقوم إلا على اتجاه إرادة الأطراف والرضا بينهم في اختيار التحكيم كوسيلة بديلة لفض النزاع القائم، وهذا يقتضي توافر إرادة حرة خالية من أي عيب من العيوب التي تشوب العقود إجمالاً مثل الإكراه والغلط، ومن نافلة القول إن البطلان يكون دائماً لمصلحة من تقرر البطلان لمصلحته فلا يستفيد منه غيره.

ج أن يكون محل الاتفاق مشروعاً وغير مخالف للنظام العام أو الآداب:

يشترط قانوناً أن يكون محل الاتفاق أي موضوع التحكيم مشروعاً، حيث يكون الاتفاق باطلاً إذا كان متعلقاًُ بتجارة غير مشروعة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الاتفاق التحكيمي يجب ألا يخالف النظام العام أو الآداب وإلا كان الاتفاق باطلاً.

هذا بالإضافة إلى أن موضوع النزاع يجب أن يكون من المسائل التي يجوز تسويتها بطريق التحكيم، فكل ما يجوز تسويته صلحاً يجوز تسويته تحكيماً.

ب  الشروط الشكلية:

إضافة إلى ما ذكر سابقاً من حيث ضرورة توفر شروط موضوعية في اتفاق التحكيم وإلا كان باطلاً، فإنه لابد من توافر شروط شكلية تتعلق بشكل اتفاق التحكيم حتى يكون صحيحاً ومنتجاً لآثاره القانونية نوردها كالآتي:

أ الكتابة:

يشترط القانون الكتابة لصحة اتفاق التحكيم، ويترتب البطلان في حال تخلف شرط الكتابة، وتأخذ الكتابة أشكالاً متعددة فيكون اتفاق التحكيم مكتوباً إذا تضمنه مستند وقعه الطرفان، أو إذا تضمنه ما تبادله الطرفان من رسائل أو برقيات أو عن طريق الفاكس أو التلكس أو غيرها من وسائل الاتصال المكتوبة والتي تعد بمثابة سجل للاتفاق، ونشير كذلك إلى أن القانون النموذجي لعام 1985م قضى بأنه يجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوباً، ويعتبر الاتفاق مكتوباً إذا ورد في وثيقة موقعة من الطرفين أو في تبادل رسائل أو تلكسات أو برقيات أو غيرها من وسائل الاتصال السلكي واللاسلكي تكون بمثابة سجل لاتفاق أو في تبادل لبيانات الادعاء والدفاع يقول فيه أحد الطرفين بوجود اتفاق ولا ينكره الطرف الآخر، وتعتبر الإشارة في عقد ما إلى مستند يشتمل على شرط للتحكيم بمثابة اتفاق تحكيم شريطة أن يكون العقد وأن تكون الإشارة قد وردت بحيث تجعل ذلك الشرط جزءً من العقد.

واتساقاً مع أحكام القانون النموذجي “اليونيسترال” لعام 1985م قضى التشريع اليمني بهذا الشرط من خلال المادتين” 4،15″، ويترتب على تخلف هذا الشرط بطلان اتفاق التحكيم، وبذلك فإن الكتابة هي شرط للانعقاد وليست شرطاً للإثبات بحيث لا يجوز الالتجاء إلى وسائل الإثبات الأخرى غير الكتابة مثل شهادة الشهود مثلاً.

ب  شرط الإحالة:

يعد في حكم الاتفاق المكتوب إذا تضمن العقد إحالة إلى أحكام عقد نموذجي أو اتفاقية دولية أو أي وثيقة أخرى تتضمن شرط تحكيم، وهنا يشترط أن تكون هذه الإحالة واضحة وصريحة على اعتبار شرط التحكيم جزء من العقد “والمقصود هنا الشرط الأصلي فيما بين الأطراف”، كذلك لابد أن يكون شرط الإحالة المتعلق بالتحكيم كافياً من الناحية القانونية باعتباره اتفاقاً صحيحاً.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن الإحالة قد تثير إشكالات متعلقة بتفسيرها أمام القضاء، خاصة فيما يتعلق بعلم المتعاقدين بإحالة النزاع إلى التحكيم عند إيراد نص إحالة في العقد إلى عقد نموذجي أو اتفاقية دولية، بالنتيجة فإن المحكمة عند تفسيرها لنص إحالة في العقد فإنها تتحقق ابتداءً من علم المتعاقدين بوجود نص تحكيم في النص المحال إليهم، وذلك لتفعيل نص الإحالة من عدمه، وبالتالي إحالة النزاع إلى التحكيم كوسيلة بديلة لتسوية النزاع.

وتثور هذه الحالة أساساً عند إحالة سند الشحن إلى مشارطة إيجار السفينة التي تتضمن بدورها شرط تحكيم، والتساؤل الذي يثور هنا هو هل يعتبر سند الشحن متضمناً لشرط التحكيم لمجرد إحالته إلى مشارطة إيجار السفينة التي تتضمن مثل هذا الشرط ؟ نصوص قانون التحكيم اليمني تؤكد على إنه إذا كانت الإحالة واضحة وصريحة إلى الوثيقة التي تتضمن شرط التحكيم فإن شرط التحكيم الموجود في مشارطة إيجار السفينة يسري على سند الشحن، لأنه بهذه الإحالة يعتبر سند الشحن متضمناً لاتفاق التحكيم، وبالتأكيد إذا كان الأمر يتعلق بإشارة عامة وغير صريحة فهذا لا يكفي للإحالة، فالقاعدة إذاً هي ضرورة توافر نص يشير إشارة واضحة وصريحة للإحالة وذلك يستفاد من نص المادة 13 من القانون التي اعتبرت كل إحالة في العقد إلى أحكام عقد نموذجي أو اتفاقية دولية أو أي وثيقة أخرى تتضمن شرط تحكيم جزء من هذا العقد شريطة أن تكون هذه الإحالة واضحة وصريحة.

ثانيًاً: الآثار المترتبة على اتفاق التحكيم:

يترتب على إبرام اتفاق التحكيم الآثار التالية:

  1. الآثار بالنسبة للأشخاص.
  2. الآثار بالنسبة للموضوع.
  3. الآثار بالنسبة للهيئة المكلفة بنظر النزاع سواءً أكانت هيئة التحكيم أو القضاء الوطني.
  4. الآثار المترتبة على اتفاق التحكيم بالنسبة للأشخاص:

القاعدة العامة هي أن العقد شريعة المتعاقدين ولا ينتج آثاره إلا بين أطرافه، بعبارة أخرى إن الحقوق والالتزامات الواردة في العقد تنصرف لأطرافه دون سواهم وتؤثر في مراكزهم القانونية وحدهم دون غيرهم.

وبالرغم من ذلك هناك حالات كثيرة يثار بشأنها النقاش حول مدى سريان أثر شرط التحكيم على أطراف أخرى غير المتعاقدين الأصليين، كما في حالة الحوالة، فهل يلتزم المحال له بشرط التحكيم أم لا؟ والغالب أنه طالما أن الحوالة لم تنفذ في مواجهة المحال له فإنه لا يلتزم بشرط التحكيم الوارد في العقد الأصلي.

  1. الآثار المترتبة على اتفاق التحكيم بالنسبة للموضوع:

تتحدد آثار اتفاق التحكيم من حيث الموضوع تبعاً لإرادة واتفاق الأطراف أنفسهم، ومن هنا فإن صياغة شرط التحكيم لها قدر كبير من الأهمية، فإذا كان نص الاتفاق على أنه مقصور على تفسير العقد اقتصرت فاعلية اتفاق التحكيم على تفسير العقد، وبالتالي إذا ثار النزاع حول تنفيذ العقد أو خلافه فإن ذلك لا يدخل في إطار شرط التحكيم الذي أشار إلى التفسير فقط، إذا لابد من تحديد نطاق اتفاق التحكيم والمواضيع التي يشملها بدقة متناهية كون أن هذا الاتفاق هو الذي يحدد اختصاص هيئة التحكيم بنظر النزاع من عدمه.

  1. الآثار المترتبة على اتفاق التحكيم بالنسبة للجهات المكلفة بالفصل في النزاع:
  2.  بالنسبة للقضاء الوطني:

يتمثل أثر اتفاق التحكيم سواءً كان شرطاً أو مشارطة في أن يتعين على محاكم الدولة أن تحكم برد الدعوى إذا دفع المدعى عليه بوجود اتفاق تحكيم، وطبقاً للمادة “19” من قانون التحكيم فإن الدفع بعدم وجود شرط تحكيم يجب أن يبدى قبل الدخول في أساس الدعوى أو إبداء أي دفوعات فيها، ؟ولا يمنع رفع الدعوى من الاستمرار في إجراء التحكيم، وعلى المحكمة الفصل في الطلب المقدم إليها من أي طرف في الدعوى يطلب إصدار حكم بالدفع بوجود شرط تحكيم، ويفهم من ذلك أن الالتزام بعدم الالتجاء إلى القضاء هو التزام لا يتعلق بالنظام العام، بمعنى أن المحكمة لا تقضي فيه من تلقاء نفسها وإنما يتعين أن يدفع به المدعى عليه قبل إبداء أي طلب أو دفاع الدعوى، باعتبار أن ذلك – الاتفاق على التحكيم – استثناء من الأصل العام في حرية الالتجاء إلى القضاء وبالتالي يكون لكل منهما النزول إلى حقه بالإرادة وحدها، وهذا النزول كما يمكن أن يكون صريحاً يمكن كذلك أن يكون ضمنياً.

  1.  بالنسبة لهيئات التحكيم:

منح قانون التحكيم في المادة” 28″ منه هيئة التحكيم الحق في الفصل بالمسائل المتعلقة باختصاصها وهو ما يطلق عليه بالفقه بمبدأ الاختصاص بالاختصاص، حيث أتاح لها الفصل في الدفوع المتعلقة بعدم اختصاصها بما في ذلك الدفوع المبنية على عدم وجود اتفاق تحكيم أو سقوطه أو بطلانه أو عدم شموله لموضوع النزاع، وهنا يجب الإشارة إلى موضوع هام جداً ألا وهو مبدأ استقلالية شرط التحكيم والذي يعتبر الأساس العملي والقانوني لمبدأ الاختصاص بالاختصاص السالف الذكر.

ومما تجدر الاشارة إليه هنا هو أنه يجب على المحكمين عند نظر دعوى التحكيم الالتزام بالاتفاق الذي يوقعه الطرفان والذي يتضمن كافة ما اتفقا عليه، ومن ثم فهذا هو الإطار الذي يلتزم المحكمون به سواءً من حيث الأطراف – كقاعدة عامة – أومن حيث الموضوع، وهذا يفهم بالمخالفة من خلال المادة” 53/أ،د” من قانون التحكيم اليمني التي تنص على أنه تقبل دعوى البطلان في عدة حالات بما فيها حالة إذا فصل حكم التحكيم في مسائل لا يشملها اتفاق التحكيم أو تجاوز حدود هذا الاتفاق، عن أجزائه الخاصة بالمسائل غير الخاضعة له فلا يقع البطلان إلا على الأجزاء الأخيرة وحدها.

استقلالية شرط التحكيم:

يعد شرط التحكيم اتفاقاً مستقلاً عن شروط العقد الأخرى، ولا يرتب القانون اليمني على بطلان العقد أو فسخه أو إنهائه أي أثر على شرط التحكيم الذي يتضمنه إذا كان هذا الشرط صحيحاً في ذاته، بعبارة أخرى إن شرط التحكيم يبقى صحيحاً ومنتجاً لآثاره القانونية من حيث تسوية النزاع بالتحكيم، مادام أن هذا الشرط صحيح بذاته حتى لو كان الشرط الذي يتضمنه هذا الشرط باطلاً أو تم فسخه لأي سبب قانوني آخر.

إن مبدأ استقلالية شرط التحكيم من المبادئ المهمة التي تضمن وجود عقد التحكيم، واللجوء إلى التحكيم كوسيلة لفض النزاع، لذلك فإنه من الضروري أن نعرض للاتجاهات التي تناولت هذا الموضوع.

أولاً: الاتجاه التقليدي:

إن هذا الاتجاه في بعض النظم القانونية يرى بأنه إذا كان العقد الأصلي باطلاً أو أبطل أو فسخ أو انفسخ لأي سبب، فإن ذات الأثر ينصرف على شرط التحكيم باعتباره تابعاً له وجزءً منه، فينقضي العقد برمته بما في ذلك شرط التحكيم، فالتحكيم وجد باتفاق وهذا الاتفاق انتهى، فالنتيجة الطبيعية والمنطقية لذلك هي انتهاء هذا الشرط تبعاً لانقضاء الأصل.

ومن هنا هذا الاتجاه يربط شرط التحكيم وجوداً وعدماً بصحة العقد الأصلي ،وهذا مالم يتجه إليه المشرع اليمني.

ثانياً: الاتجاه الحديث:

الاتجاه الحديث في التحكيم التجاري، وخاصة الدولي منه، يؤيد استقلالية اتفاق التحكيم عن العقد الأصلي موضوع التحكيم، خاصة إذا ورد الاتفاق في صيغة شرط التحكيم، فهذا الاتجاه يعتبر شرط التحكيم مستقلاً عن العقد ذاته، بحيث إذا اعتبر هذا العقد باطلاً أو مفسوخاً فإن شرط التحكيم يبقى قائماً مادام أن شرط التحكيم صحيح بذاته بمعزل عن العقد الوارد فيه الشرط.

إن أساس هذا الاتجاه ينطلق من سبب شرط التحكيم وهمه هو تسوية النزاع عن طريق التحكيم بدلاً من اللجوء إلى القضاء، حيث أن مؤدى التحكيم سيكون كمؤدى القضاء في هذا الصدد، ويطبق هذا المبدأ حيث لا يلحق سبب البطلان أو الفسخ شرط “اتفاق” التحكيم ذاته، فعلى سبيل المثال: إذا أصاب البطلان اتفاق التحكيم أيضاً فإن العقد برمته يكون باطلاً بما في ذلك شرط التحكيم.

وهنا نرى أن المادة” 16″ من قانون التحكيم اليمني قد أخذت بهذا الاتجاه حيث جاء نصها كالآتي: “يجوز أن يكون اتفاق التحكيم على شكل عقد مستقل عن وثيقة التحكيم” على شكل بند في عقد “شرط التحكيم” وفي الحالة الأخيرة يعامل شرط التحكيم باعتباره اتفاقاً مستقلاً عن شروط العقد الأخرى وإذا حكم ببطلان العقد ذاته أو بفسخه فإنه لا يترتب على ذلك بطلان شرط التحكيم..

ولابد من لفت النظر للأهمية المتناهية لصياغة شروط التحكيم بدقة وحرص شديدين، حيث منح القانون أهمية بالغة لإرادة أطراف النزاع، ولذلك إذا كان الأطراف يرغبون في وضع شرط التحكيم بطريق أو تصور معين فيجب عليهم الحرص على إبراز ذلك صراحة في شرط التحكيم، فإذا أرادوا تحديد مكان التحكيم مثلاً فعليهم ذلك لأنه في حالة عدم تحديد المكان ستقوم هيئة التحكيم بتحديده وهذا ما تأخذ به معظم قواعد التحكيم المختلفة وكذلك الحال بالنسبة لتحديد اللغة المراد استخدامها في إجراءات التحكيم وغير ذلك من الأمور.

فمن الأحرى أن تتم صياغة شروط التحكيم بالشكل الذي يتلاءم مع حماية حقوق كافة الأطراف حتى يؤدي اتفاق التحكيم دوره المأمول في حل المنازعات بطريقة ودية.

وقد أخذت بذلك معظم تشريعات وقواعد التحكيم المختلفة التي تتبعها مؤسسات التحكيم الدولية.

ونخلص إلى القول أن موضوع اتفاق التحكيم هو من أهم مواضيع التحكيم مهما كان نوع النزاع الذي يعنى به التحكيم، ويجب أن يولى الأهمية القصوى حيث أنه حجر الأساس لآلية التحكيم وإجراءاته.

وبذلك فإن المنازعات التجارية هي الناتجة عن التعاملات التجارية التي يقوم بها الشخص بقصد تحقيق الربح ولو كان غير تاجر وبغض النظر عن صفة القائم به أو نيته وفقاً لنص المادتين”8،10″من القانون التجاري رقم” 32″ لسنة 91م وتعديلاته.

ومن ذلك عمليات البنوك وهي:

  1. الإيداع.
  2. وديعة النقود.
  3. الحساب الجاري.
  4. إيجارات الخزائن.
  5. التسهيلات الائتمانية.
  6. الاعتماد المستندي.
  7. خطاب الضمان.
  8. سلف البنوك.

والحقيقة بأن هذه العمليات المصرفية الناتجة عن تعامل البنوك مع عملائها من التجار أو من غيرهم باعتبارهم المستفيدين من تلك العمليات المصرفية والتي تتم عادة وفقاً لعلاقة تعاقدية بين البنك والعميل محددة فيها طبيعة التزام كل طرف بما عليه، وفي حالة إخلال أي طرف بتلك الالتزامات التعاقدية المتفق عليها في العقد المصرفي تنشأ منازعات مصرفية يتم اللجوء بعد ذلك لحسمها عن طريق القضاء ولا يوجد في قانون التحكيم اليمني ما يمنع من لجوء أطراف المنازعات المصرفية إلى التحكيم.

بل إن قانون البنوك رقم”36″ لسنة 91م قد أشار صراحة في نص المادة” 75″ منه على ضرورة إنشاء مركز تحكيم متخصص للفصل في المنازعات المتعلقة بعمل البنوك وكذلك المنازعات التجارية الأخرى وهو ما تم بالفعل حيث أصدر وزير العدل الأستاذ إسماعيل الوزير القرار رقم” 9″ لسنة98م بتأسيس المركز اليمني للتوفيق والتحكيم ويمارس نشاطه بالفصل في المنازعات التي تعرض عليه مثله مثل المراكز الإقليمية الأخرى.

وبالتالي فإن اتجاه المشرع إلى إيراد ذلك النص في قانون البنوك يمثل اتجاهاً واضحاً وصريحاً لحسم المنازعات المصرفية التي قد تثار بين البنوك والمستفيدين بواسطة نظام التحكيم بهدف توفير الوقت وحتى تتمكن البنوك من استعادة أموالها “ديونها لدى العملاء” بأقل كلفة وحتى لا تتأخر تلك الأموال في السوق ومما يمكنها من إعادة استثمارها في مشاريع تعود على البنوك بالأرباح وتجنب إطالة التقاضي أمام القضاء ويعزز ثقة المودعين بالبنوك من جانب آخر، وبما من شأنه تشجيع البنوك على تمويل المشاريع التجارية الكبيرة التي تحتاج إلى رأس مال واسع يؤدي إلى خلق فرص عمل للشباب وتحد من البطالة وتحارب الفقر.

ونتيجة انتشار التحكيم في التجارة الدولية وجدت مراكز ومؤسسات متخصصة بالتحكيم لها مكانة دولية ساهمت بوضع قواعد خاصة بالإجراءات التي تتبع في عملية التحكيم وقانون يسمى بالقانون النموذجي للتحكيم يمكن للدول اتخاذها مصادر لتطوير قوانينها الخاصة بالتحكيم لتصبح منسجمة مع التطورات التي عرفها المجال التجاري على الصعيد الدولي.

وفي الأخير آمل أن أكون قد وفقت فيما توصلت إليه، والله حسبي ونعم الوكيل.


قائمة المراجع

اسم المؤلفاسم المرجع
د/نجيب أحمد عبد الله الجبلي رئيس قسم قانون المرافعات جامعة صنعاء -2003م-2004م.1- التحكيم في القانون اليمني – دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي والأنظمة الوضعية.
أ.د/أحمد عبد الحميد عشوش مؤسسة شباب الجامعة 1990م.2- التحكيم كوسيلة لفصل النزاعات.
د/ عبد الحميد الأحد بدار نوفل بيروت 1992م.3- التحكيم.. أحكامه ومصادره.
د/ أحمد عبد الكريم سلامه دار النهضة العربية 1989م.4- العقد الدولي الطليق.
5- قانون التحكيم اليمني.
6- القانون التجاري اليمني.
7- قانون البنوك .
https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading