نور الدين الحسوني
طالب باحث بسلك الدكتوراه
جامعة محمد الخامس الرباط
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – سلا
مقدمة:
إن السمة الأساسية التي طبعت دائما العلاقة القائمة بين الملزم والإدارة الضريبية عبر التاريخ هي النفور والنزاع وشد الحبل بينهما، لذلك نجد أن موضوع الضريبة من المواضيع الأكثر إثارة للنزاع أمام المحاكم الإدارية. ولا شك أنه عند الحديث عن المنازعة الجبائية فإنه يتبادر إلى أدهاننا العديد من الأسئلة والإشكالات المطروحة بخصوصها، والتي تحتاج إلى الكثير من البحث والتمحيص حتى تتم الإجابة عنها بشكل واضح ودقيق، وذلك بالنظر إلى طبيعة هذه المنازعة المتسمة بالتشعب والتعقيد وتعدد الأنظمة القانونية المؤطرة لها.
وبما أننا نكون أمام منازعة بين طرفين غير متكافئين، تكون فيها الإدارة الضريبية الطرف الأقوى، فإن السؤال الأكثر إلحاحا من بين كل الأسئلة المثارة في هذا الإطار، هو ذلك المطروح بخصوص الضمانات المخولة للملزم أثناء المنازعة الجبائية في جميع مراحلها[1]، بدءا بالمراحل السابقة للمرحلة القضائية، والتي يلجأ الملزم فيها في مرحلة أولى إلى الطعن الاستعطافي أو النزاعي لدى الإدارة الضريبية مصدرة القرار لرفع الحيف عنه وتصحيح الأوضاع بشكل ودي[2]، مرورا بالمرحلة الثانية وهي مرحلة الطعن اللجاني التي يعهد فيها النظر في النزاع إلى لجنتين مختلطتين؛ وهما اللجنة المحلية للنظر في الطعون الضريبية والتي تنظر في النزاع كدرجة أولى، ثم اللجنة الوطنية التي تنظر في النزاع باعتبارها درجة ثانية[3]، وصولا إلى المرحلة القضائية التي تعد المرحلة الحاسمة في فض النزاع القائم.
وإن كان للمرحلتين السابقتين عن المرحلة القضائية السالفتي الذكر مجموعة من الايجابيات التي تصب في صالح طرفي العلاقة الضريبة وخاصة الملزم، حيث يتمتع فيهما هذا الأخير ببعض الضمانات التي قد ترفع عنه حيف الإدارة الضريبية نسبيا. إلا أن الضمانة الحقيقية التي يراهن عليها الملزم لاسترجاع حقوقه وحماية أوضاعه هي المرحلة القضائية التي تتيح له عرض نزاعه على القضاء عندما يكون الفشل هو مصير المرحلة ما قبل القضائية. إذ أنه سيكون بصدد مرحلة جديدة تختلف عن سابقاتها، مرحلة تتسم بضمانات فعالة ومتينة لا على مستوى الهيئة القضائية المخول لها البث في النزاع الجبائي، ولا على مستوى المسطرة المتبعة لفض النزاع، ولا على مستوى طبيعة وخصوصية الأحكام الصادرة عن هذه الهيئات. كل هذا يجعل من هذه المرحلة السبيل الأكثر أهمية من بين باقي السبل الأخرى لفض النزاع بشكل حيادي وعادل من شأنه أن يحمي حقوق الملزم.
ومن خلا هذه التوطئة المقتضبة يتضح بأن الإشكالية الرئيسية التي ستدور حولها هذه الدراسة التي بين أيدينا، ستتمحور أساسا حول طبيعة وماهية الضمانات المخولة للملزم أثناء المرحلة القضائية لفض النزاع القائم بينه وبين الإدارة الضريبية.
وهي إشكالية سنحاول معالجتها من خلال ثلاث محاور أساسية:
المحور الأول: ضمانات مرتبطة بالهيئة القضائية المكلفة بالبث في النزاع
المحور الثاني: مظاهر حماية الملزم من خلال مسطرة البث في النزاع الضريبي
المحور الثالث: ضمانات مرتبطة بطبيعة الأحكام الصادرة عن القضاء
المحور الأول: ضمانات مرتبطة بالهيئة القضائية المكلفة بالبث في النزاع
إن من بين الضمانات المهمة التي يراهن عليها الملزم في المرحلة القضائية بشكل كبير، هي تلك الضمانات المرتبطة بالهيئة أو الجهة التي خول لها فض النزاع الجبائي في هذه المرحلة والمجسدة في الجهاز القضائي، حيث يمكن أن نجملها في ضمانتين رئيسيتين، الضمانة الأولى تتعلق بالاستقلالية التي يتمتع بها القاضي وهو يبث في النزاع، أما الثانية والتي لا تقل أهمية عن سابقتها فهي التي تتعلق بالصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها القاضي الإداري الذي له الولاية الشاملة على المنازعات الإدارية بالمقارنة مع ما يتمتع به القاضي العادي من صلاحيات محدودة وهامش ضيق في النزاع.
أولا: استقلالية السلطة القضائية
يعتبر استقلال القضاء أهم مظهر من مظاهر دولة الحق والقانون، ونتيجة حتمية لمبدأ فصل السلط[4] الذي يؤطر العلاقة بين السلطات الثلاث ويفرض على كل سلطة أن تمارس اختصاصاتها في استقلالية تامة عن السلطة الأخرى. ويبقى الهدف الرئيسي من هذا الفصل من جهة هو منع تجبر سلطة على سلطة أخرى تماشيا مع المبدأ السائد أن السلطة فقط تحد السلطة، ومن جهة ثانية منع تعسف أي سلطة من السلطات الثلاث على حقوق الأفراد، ولا سيما من طرف السلطة التنفيذية باعتبارها السلطة الأكثر احتكاكا بالأفراد.
كما يعتبر أيضا مبدأ استقلال القضاء من المبادئ الدستورية التي تجعل السلطة القضائية بعيدة عن احتمالات التدخل في اختصاصاتها من قبل باقي السلطات. حيث يفيد هذا المبدأ انحصار الوظيفة القضائية بالقضاء وعدم تدخل السلطتين التنفيذية والتشريعية، بما يفيد عدم التدخل في عمل القاضي من أية جهة كانت بغية توجيه عمله بطريقة معينة أو عرقلة مسيرته أو التعرض على أحكامه، بمعنى أن استقلال القاضي يجعله متمتعا بحرية إصدار الحكم بالمسائل المعروضة عليه بحيث يحكم استنادا إلى الوقائع بموجب القانون بعيدا عن التدخل أو التأثير من جانب الحكومة أو من يمثلها، أو التدخل والتأثير الذي ينشأ بين القضاة أنفسهم بسبب اختلاف المنصب الإداري فيما بينهم أو اختلاف مستويات محاكمهم، فالقضاة جميعهم مستقلون لا يتبع أحد منهم أحدا آخرا مهما علت درجته أو ارتفع مقامه، فالاستقلال يكون بعدم تبعية القضاة لأي فرد كان سواء أكان قاضيا أو غيره[5].
وعلى غرار معظم دساتير العالم، والدساتير السابقة التي عرفها المغرب والتي جعلت من مبدأ استقلالية القضاء مبدأ دستوريا لا يقبل التراجع عنه في ظل دولة الحق والقانون[6]، فقد أضفى دستور 2011 على مبدأ الاستقلالية نوع من القداسة وأولاه أهمية بالغة، مستمدا ذلك من الخطاب الملكي الذي ألقاه الملك بمناسبة دستور 2011، والذي خص في ثناياه موضوع استقلالية القضاء وإصلاحه محورا كاملا، وذلك وعيا منه لما يمثله استقلال القضاء في بناء دولة الحق والقانون، وباعتباره كذلك معيارا أساسيا لقياس مدى ديمقراطية أي دولة كيفما كانت[7].
وسيرا على المنوال الذي رسمه الملك في الخطاب السالف الذكر قام دستور 2011 بترسيخ هذا المبدأ أكثر من أي وقت مضى، حيث أناط مسألة ضمان سريانه وحمايته للملك، وذلك من خلال الفصل 107 والذي نص على أن “السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية. والملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية”[8]، ليأتي في الفصول التالية ويبرز أهم النتائج التي تترتب عن هذا المبدأ، فنجده يتطرق في الفصل 108 إلى عدم إمكانية عزل قضاة الأحكام ولا نقلهم إلا بمقتضى القانون[9]، وفي نفس السياق نص الفصل 109 على أنه يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط. كما يجب على القاضي، كلما اعتبر أن استقلاله مهدد، أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
كما يعد كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد خطأ مهنيا جسيما بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة، ويعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة[10].
وكنتيجة حتمية لهذا المبدأ فقد رسخ دستور 2011 مبدأ سيادة القانون وسريانه على الجميع بدون استثناء ولا يخرج عن نطاقه أي تصرف أو عمل أو أي قرار يصدر مخالفا للقانون، وذلك من خلال منع استثنائهم من الطعن، حيث جاء في الفقرة الثانية من الفصل 118 على أن ” كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة”[11]، وهو المقتضى الدستوري الذي اعتبر بمثابة إعدام للمعيار العضوي في القرار الإداري وجعل كل من يأخذ قرارا أو تصرفا قانونيا في المجال الإداري يخضع لمراقبة القضاء الإداري سواء تعلق الأمر بأشخاص القانون العام أو الخاص.
ومبدأ سيادة القانون هذا مبدأ جوهري وشرط أساسي لبلوغ هدف استقلالية السلطة القضائية، إذ لا يمكن الحديث عن مبدأ سيادة القانون في ظل قضاء غير مستقل يوجه من تحت الطاولة، يسري على البعض ويستثني البعض الآخر بغير موجب شرعي، ويتداخل هذا المبدأ مع مبدأ دستوري آخر جد مهم وهو مبدأ الولاية العامة للقضاء، والذي يقصد به سريان سلطة القضاء على الأشخاص الطبيعيين والمعنويين كافة والنظر في المنازعات والخصومات التي تقع بين الأفراد دون استثناء في الدولة، لأن السلطة القضائية سلطة يؤسسها الدستور كما رأينا ذلك سابقا، ويعطيها حق الفصل في جميع المنازعات فلا يمكن بعد ذلك أن يصدر قانون معين يقتطع جزءا من تلك الولاية سواء كان بإخراج أشخاص معنيين أو استثناء موضوعات معينة لأن ذلك يمس باستقلال القضاء[12]
ويزداد مطلب استقلالية السلطة القضائية في المجال الضريبي أكثر إلحاحا من غيره من المجالات، وذلك لأننا عندما نتحدث عن المجال الضريبي نتحدث عن المجال الخصب الذي تسوده احتكاكات ونزاعات كثيرة بين الإدارة والأفراد، زيادة إلى طبيعة العلاقة القائمة الغير متكافئة بين الطرفين إذ تكون فيها الإدارة الطرف الأقوى[13]، إضافة إلى طبيعة حقوق مصالح طرفي العلاقة التي قد تضيع والمتسمة أصلا بالتعارض والتنافر بينهما- المصلحة العامة في مقابل المصلحة الخاصة-، الشيء الذي يفرض على الإدارة الضريبية حماية حقوق الخزينة العامة دون انتهاك حقوق الملزم، مما يجعل مسألة الموافقة بينها أمرا في غاية الصعوبة ويتطلب تدخل جهة محايدة للسهر على الحفاظ على هذا التوازن في حالة فشل الإدارة في ذلك. ونظرا كذلك لما تمثله الضريبة بالنسبة لخزينة الدولة باعتبارها المورد الأهم لها لا سيما في الدول النامية، والذي يعتبر هدف الرفع من مداخيله غاية رئيسية لأي نظام مالي حديث لتغطية النفقات العمومية المتزايدة، مما قد يدفع الدولة ممثلة في أجهزتها التنفيذية إلى محاولة التأثير على أحكام القضاء بين الفينة والأخرى.
إن كل هذا العوامل يجعل تبعية القضاء وانعدام استقلاليته في المجال الضريبي له تأثير أكثر وطأة من باقي المجالات. وتبقى استقلالية الجهة المكلفة بفض النزاع أهم شيء مفقود في المرحلة الإدارية التي تكون فيها الإدارة الجبائية المكلفة بالنظر في النزاع تستأثر بحيز خاص ومكانة متميزة لكونها خصم وحكم في نفس الوقت، في حين تكون الهيئات القضائية مستقلة ومحايدة، مما يجعل الرقابة القضائية على تصرفات الإدارة الجبائية وأعمالها المادية تفضل على غيرها من الرقابات[14].
ثانيا: اتساع نطاق صلاحيات القاضي الإداري في المنازعة الضريبية
ظلت خاصية القانون الإداري قانون قضائي لصيقة به مند نشأته، وهي خاصية انبثقت من الدور المهم الذي يلعبه القضاء الإداري في خلق قواعده وأحكامه، فهو الذي يبتكر هذه القواعد بل ويعمل على تطويرها لتتناسب مع الظروف المتغيرة، وأحيانا يفسر بعض النصوص القانونية الغامضة. كما أنه يقوم بإيجاد الحلول للنزاعات التي تنشأ بين الإدارة والمواطنين متوخيا في ذلك البحث عن نقطة التوازن بين احتياجات المرافق العامة والمصالح الخاصة لهذا قيل بأن القضاء الإداري هو قضاء إنشائي، لا يقتصر دوره على مجرد تطبيق القانون على المنازعات المعروضة عليه[15].
والمنازعات الجبائية لم تكن استثناءا من هذا، إذ يخول للقاضي الإداري صلاحيات وسلطة واسعة في فض النزاعات الجبائية وخاصة في إطار القضاء الشامل[16]، حيث يقوم بتصحيح الأوضاع الواقعية والقانونية المختلة عن طريق محاولة الاجتهاد لسد الفراغ التشريعي، والعمل على تطبيق النصوص القانونية طبقا لإرادة المشرع على ضوء مبادئ قانونية تتمثل في الجنوح إلى التفسير الضيق للقانون الجبائي في مواجهة الملزم وتفسير الشك لصالحه وإلغاء عبء إثبات صحة سلوك مسطرة فرض الضريبة وتصحيح وعائها وإلزامها بإثبات الواقعة المنشئة للضريبة وإقرار القواعد العامة التي تحكم كل نزاع ضريبي وهي عدم رجعية القانون الضريبي ولا ضريبة إلا بنص مع استكمال ذلك بالدور الايجابي للقاضي الإداري في حل النزاع عن طريق التكليف بإصلاح المسطرة والإثبات واستنفاد جميع إجراءات التحقيق[17].
إن القاضي الإداري وهو ينظر في النزاع الضريبي، يستطيع أن يتخذ كل الإجراءات التي يراها مناسبة وتمكنه من الاطلاع على المعلومات المرتبطة بالنزاع، وأثناء إصداره الحكم فإنه لا يتقيد سوى بالنصوص القانونية، وله كل الصلاحية في أن يلغي القرار الإداري الجبائي أو يعدله كليا أو جزئيا[18] وقد يتعدى ذلك إلى توجيه الإدارة إلى ما يجب عمله أو الامتناع عنه[19].
الأمر الذي يشكل ضمانة حقيقية للملزم الذي يجد نفسه بالفعل أمام مؤسسة تستطيع أن توقف الإدارة الجبائية وتحد من سلطاتها الواسعة، ولا يطلب من الملزم سوى تقديم الأدلة وإثبات عدم شرعية القرار. وهذا ما ذهبت إليه المحكمة الإدارية بفاس في حكم لها تحت عدد 35/95 صادر بتاريخ 22/03/1995 في الملف رقم 17/95 على أن:
“المنازعة في المادة الجبائية سواء ما أرتبط منها بالمطالبات أو المتابعات التي قد تنشأ بمناسبة الإجراءات المتبعة في تحصيلها أو بالأساس القانوني المعتمد في فرضها هي منازعة ذاتية صرفة تخول للمحكمة دورا تحكيميا كاملا للنزاع بفحص الوقائع والقانون، وتمكنها من إعادة المراكز القانونية للحالة التي كانت عليها أو بتغيير الاقتطاعات الجبائية التي قامت بها الإدارة الجبائية، ومن ثم فهي من صميم ولاية القضاء الشامل”[20]
ولا يتوقف دور القاضي في فض النزاع وتدخله لإرجاع الحقوق إلى أصحابها فقط، بل يتعداه إلى البحث عن بعض الضمانات الموجودة داخل نصوص قانونية غامضة يمكن تفسيرها لصالح الملزم، فتكون بذلك الاجتهادات القضائية آلية مهمة من شأنها خلق ضمانات جديدة موجودة بين سطور النصوص القانونية[21]، ويجعل منها جهازا استثنائيا للتشريع، يكرس الحماية القضائية للملزم علاوة على الحماية القانونية العادية والواضحة[22]. وقد أفرزت المحاكم الإدارية ورغم حداثة إنشائها اجتهادا قضائيا خصبا كرس العديد من القواعد والمبادئ الهامة[23] التي تعكس نهجا لتثبيت دعائم دولة الحق والقانون[24].
المحور الثاني: مظاهر حماية الملزم من خلال مسطرة البث في النزاع الضريبي
بالاطلاع على الإجراءات المسطرية المتبعة في فض النزاع ابتداء من تقديم عريضة الطعن، يتضح بأن هناك مجموعة من الضمانات المسطرية التي تؤطر عمل القاضي الإداري، والتي تصب جميعها في حماية جميع أطراف النزاع بما فيهم الملزم، بدءا بتخويله حق المساعدة القضائية، واعتماد القاضي على آليات مسطرية تمكن من التحقق والتثبت من حيثيات النزاع، قبل البث فيه، والتي تهم وسائل الإثبات والتحقيق واعتماد مسطرة تواجهية بين جميع أطراف النزاع ليكون الجميع ملما بجزئيات موضوع النزاع.
أولا: إمكانية استفادة الملزم من المساعدة القضائية
تكتسي المساعدة القضائية أهمية بالغة بالنسبة للنزاعات التي ترفع أمام المحاكم الإدارية، وخصوصا تلك المتعلقة بالمجال الضريبي، إذ أن العديد من الملزمين قد لا يستطيعون رفع الدعوى الضريبية بسبب عسرهم، الأمر الذي قد يعرض حقوقهم للضياع، فلا يجدون إذن سوى مسطرة طلب المساعدة القضائية من المحكمة الإدارية[25]. التي يبقى على عاتقها حماية الملزم من تعسف الإدارة الضريبية في جميع الأحوال. فالمساعدة القضائية في هذا المجال وكما قال ROBERT HERTZOG وسيلة تمكن ذوي الاحتياجات من اللجوء إلى القضاء الجبائي[26].
وتخضع مسطرة منح المساعدة القضائية لمقتضيات المرسوم الملكي رقم 514.65 بمثابة قانون صادر في فاتح نونبر 1966م، والذي نص فصله الأول على أنه: ” يمكن منح المساعدة القضائية لدى جميع محاكم المملكة وكيفما كان الحال إلى الأشخاص والمؤسسات العمومية أو ذات المصلحة العمومية والجمعيات الخصوصية القائمة بعمل إسعافي والمتمتعة بالشخصية المدنية والجنسية المغربية التي نظرا لعدم كفاية مواردها تكون غير قادرة على ممارسة حقوقها أو الدفاع عنها أمام القضاء وذلك علاوة على الحالة التي يستفيد فيها الأجانب من هذه المساعدة عملا بالمعاهدات”[27].
ومن طبيعة الحال فإن منح هذه المساعدة تتم وفق كيفيات وشروط مسبقة، حيث تعتبر المساعدة القضائية وسيلة بيد رئيس الحكومة يمكن أن يمنحها لأي متقاضي، شريطة الإدلاء بشهادة صحيحة من حيث الشكل يسلمها الباشا أو القائد تثبت عسره وتتضمن وسائل عيشه[28] ، والتي من شأنها أن تدعم طلبه الذي يتقدم به الطالب إلى رئيس المحكمة الإدارية التي ينوي الطالب رفع الدعوى أمامها، شريطة أن يكون النزاع من اختصاص هذه المحكمة، وتمنح إما للإعفاء من الرسوم القضائية أو تعيين محامي أو هما معا.
كما يمكن سحب هذه المساعدة كلما اتضح عدم أهلية المتقاضي للاستفادة من هذه المساعدة كما جاء ذلك في الفصل 14 من نفس المرسوم الذي نص على أن: ” الاستفادة من المساعدة القضائية يمكن سحبها في أي حال من الأحوال قبل الحكم أو بعده”، وذلك في حالات معينة[29].
ويعتبر تعيين محامي لمؤازرة المتقاضي كما أشرنا إلى ذلك أعلاه من أبرز تجليات وصور هذه المساعدة. فنظرا لصعوبة دفاع المتقاضي على حقوقه أمام القضاء وتعقد إجراءات التقاضي وعدم درايته الواسعة بالمقتضيات القانونية المؤطرة للمجال الضريبي، كل هذا يجعل من تعين محامي لمؤازرته أمرا لا مفر منه، وأمرا محتما على المحكمة المعنية متى اتضح لها عسر المعني بالأمر وتوفر الشروط الضرورية لذلك.
كما يمكن للمستفيد من المساعدة القضائية أن يرفض المحامي المنصب له إذا كانت هناك أسباب وجيهة ومعقولة تستدعي ذلك، وفي هذه الحالة ينبغي على النقيب أن يعين له محاميا آخرا.
إضافة إلى تعين محامي نجد أيضا إمكانية إعفاء المتقاضي من رسوم وأعباء التقاضي وإن كانت هذه الأخيرة تسري فقط على طعون القضاء الشامل على اعتبار أن طعون دعوى الإلغاء معفية من الأساس من هذه الأعباء من الأصل وفق المادة 22 من قانون المحاكم الإدارية. وإن كان الأمر يتطلب من المشرع إعادة النظر في هذه الأعباء بكيفية لا تجعل منها عبئا ثقيلا وعائقا يحول دون الولوج لمرفق القضاء، وتعزيز ثقافة مقاضاة أشخاص القانون العام في حالة الإخلال بالتزاماتهم.
ورغم ما يتاح للملزم من تسهيلات في إطار المساعدة القضائية إلا أن نظام المساعدة القضائية يعرف بعض الإشكالات المرتبطة بطبيعة بنية المحاكم الإدارية التي لا تتوفر على الأجهزة المكلفة بالبث ومنح هذه المساعدة والمتمثلة النيابة العامة، ومكتب المساعدة القضائية[30]، فكلا هاتين البنيتين ليس لهما وجود في البنية الهيكلية للمحاكم الإدارية، مما يجعل مسألة منح المساعدة القضائية في إطار المنازعات الإدارية بشكل عام والمنازعات الضريبية على وجه الخصوص يشوبه بعض الغموض في غياب هذه البنيات. ذلك أن طلب المساعدة القضائية يقدم بصفة عامة قبل إنشاء المحاكم الإدارية، كما جرت به العادة في المحاكم العادية إلى رئيس المحكمة الابتدائية، وهذه الأخيرة بطبيعة تكوينها تضم جهازا للنيابة العامة، كما أن السيد وكيل الملك أو من ينوب عنه يتولى عادة تهيئ تقرير على ضوء المعلومات المتوفرة لديه للقول أن الطالب يستحق المساعدة القضائية أم لا[31]، وبالتالي يطرح إشكال من هو الأحق بالنظر في طلب المساعدة القضائية؟ فهل نكتفي بشهادة من رئيس المحكمة الإدارية للقول أن الطالب يستحق المساعدة القضائية، أم نكتفي بشهادة من مصلحة الضرائب تفيد أن هذا الطالب غير ملزم بالضريبة، أو بشهادة من مقدم الحي تفيد أنه معوز؟
وفي هذا السياق يرى بعض رجال القانون أن الواقع يفرض إدخال تعديل على المرسوم الملكي المنظم للمساعدة القضائية، حيث يرى مصطفى التراب ” ضرورة سن مسطرة خاصة بالمساعدة القضائية أمام المحاكم الإدارية بدلا من الإحالة إلى المسطرة العادية “، في حين يقترح كل من بلهاشمي محمد التسولي ورافع عبد الوهاب “باستبدال كل كلمة تتعلق بالنيابة العامة برئيس المحكمة الإدارية حتى يتسنى له تلقي طلبات منح المساعدة القضائية للإعفاء من الرسوم القضائية في القضايا التي تستوجب الأداء، وتنصيب محام أو أحدهما مدعمة بشهادة الغير، وبعد إجراء البحث عند الاقتضاء حول الوضعية المادية للطالب، يعرض الملف على المكتب الذي يريان لزوما تكوينه من: رئيس المحكمة الإدارية أو قاض بعينه، ممثل وزارة المالية، ومحام يمثل الهيئة، وهذا المكتب هو الذي يقرر المنح أو الرفض، ليبقى لرئيس المحكمة الإدارية منح المساعدة القضائية المؤقتة في انتظار صدور قرار من المكتب[32]
وعلى العموم يجب الحسم في هذا الإشكال وإعادة النظر فيه عن طريق تعديل القوانين المتعلقة بالمساعدة القضائية لتتماشى مع التنظيم الهيكلي للمحاكم الإدارية بكيفية تتحدد معها البنيات الإدارية المكلفة بتسلم طلبات المساعدة القضائية والبث فيها بعيدا عن الارتجال الحاصل اليوم. وكذا العمل على تيسير وتمكين كل من له أهلية الاستفادة من هذه المساعدة وفقا لإجراءات قانونية وتنظيمية محددة ودقيقة، وتبسيط مسطرة الاستفادة من المساعدة القضائية.
ثانيا: إمكانية اللجوء إلى الخبرة القضائية
من المؤكد أن القاضي الإداري ملزم بالفصل في كل منازعة تعرض عليه وتكون داخلة في حدود اختصاصه، إلا أنه ونظرا لطبيعة مواضيع النزاع الجبائي التي غالبا ما تدور حول طريقة حساب الضريبة وتأسيسها يجعل هذه المنازعات تكتسي طابعا تقنيا وفنيا معقدا يخرج عن المجال الأصيل لثقافة القاضي الذي يشترط فيه فقط الإلمام بالقانون، مما يجعله في معظم الأحيان عاجزا أمام مجموعة من الحالات المعروضة عليه. هذا المعطى فرض على المشرع أن يمنح القاضي إمكانية الاستعانة بأطراف أخرى لها دراية بالمادة الضريبية، والمقصود هنا الخبير القضائي وذلك للبث في هذا النوع من النزاعات لإثبات وقائع معينة، وتنحصر مهمة الخبير هنا في النظر في المسائل التقنية والحسابية دون أن يتعداها إلى النظر في المسائل القانونية التي تبقى اختصاصا حصريا للقاضي.
ولأهمية الخبرة القضائية فقد عملت بعض القوانين الضريبية المعاصرة على إقرار قواعد خاصة بالخبرة الضريبية، تتميز عن ما تنص عليه قوانين المسطرة المدنية في هذا الإطار، كالقانونين الفرنسي والجزائري[33]
ورغم أن تقارير الخبير تبقى مجرد وسيلة من وسائل الاستئناس، بمعنى أنها غير ملزمة للقاضي إلا أنها تعتبر من بين أهم وسائل الإثبات في الميدان الجبائي، بدليل أن المحاكم الإدارية تثق في تقارير المحاسب وتتخذها كحجية قاطعة في أحكامها[34]، حتى قيل في هذا الصدد، أن الخبير هو القاضي الفعلي في المادة الجبائية[35] .
وتبقى مسألة انتداب الخبير وحججه في المنازعات الجبائية رهينا بالسلطة التقديرية للقاضي؛ فهو وحده من يقرر اللجوء إلى الخبرة القضائية من عدمها، وهو الذي يملك حق تقييم الحجج والوثائق المدلى بها في الملف الجبائي،[36]، كما يحدد له المسائل التي تجري فيها الخبرة، والتي يفترض فيها أن لا تكون لها علاقة بتفسير القانون الجبائي أو تأويله وذلك بناءا على حكم تمهيدي واضح المعالم[37].
إلا أنه لا يمكن للقاضي تجريح الخبير الذي عينه هو تلقائيا، إذ يبقى الحق في ذلك مخولا فقط للملزم أو للإدارة الجبائية حينما يتم تعيينه في غير مجال اختصاصه تطبيقا لمقتضيات الفصل 62 من قانون المسطرة المدنية[38]، وذلك إعمالا لقاعدة “القاضي لا يقضي بعلمه[39]، التي تفرض على أن تكون المبادرة من طرف المتضرر من نتائج الخبرة التي قام بها الخبير المعني بالأمر.
ثالثا: التحقيق في النزاع الضريبي
فبمجرد تسجيل مقال الدعوى، يحيل رئيس المحكمة الإدارية ملف القضية حالا إلى القاضي المقرر الذي يتعين عليه أن يطبق الفصل 329 والفصل 333 وما يليه إلى الفصل 336 من قانون المسطرة المدنية التي تمت الإحالة عليها في الفقرة الثانية من المادة 4 من القانون رقم 41- 90 المحدث بموجبه المحاكم الإدارية.
فبحكم أن المنازعات الجبائية تدخل ضمن القضاء الشامل، فإن الأمر يتطلب من القاضي أن يعدل أو يغير أو يبقي على الأسس أو الوعاء المعتمد في تحديد الضريبة الواجبة[40]، وبالتالي فإذا ما تبين للقاضي الإداري أن عناصر الإثبات من كلا الطرفين لا تمكن من تكوين نظرة وافية عن النزاع أو لا تكفي لتكوين هذه النظرة يجوز له بناء على طلب أحد الأطراف أو هما معا، أو بشكل تلقائي أن يأمر باتخاذ إجراءات التحقيق الخاصة، كما ينص عليه الفصل 55 من قانون المسطرة المدنية[41] في إطار تحقيق شامل في ملف المنازعة قد يقوم به القاضي بنفسه، وقد يلجأ إلى الخبير للقيام به، لكن في غالبية الحالات فالقاضي يملك سلطة تقديرية واسعة في موضوع المنازعة، إذ يبحث في الوثائق والمستندات المقدمة، كما يستمع إلى الأطراف وأحيانا إلى غيرهم، كما قد ينتقل إلى عين المكان إذا دعت الضرورة إلى ذلك، فهو كمفتش الضرائب يلجأ إلى جميع الوسائل التي تمكنه من تكوين رؤية شاملة عن موضوع المنازعة، وهو ما يؤهله لاتخاذ موقف عادل منه[42].
رابعا: الإثبات في المنازعة الجبائية:
إن تطبيق قاعدة الإثبات التزام على مدعيه كما نص على ذلك “الفصل 399 من قانون الالتزام والعقود” لا تتماشى وطبيعة النزاع الضريبي، فنجد الملزم في أغلب الحالات هو الطاعن ويقع على عاتقه مبدئيا إثبات ما يدعيه، وتبعا لهذه القاعد سيكون الملزم مجبرا على تحمل عبء الإثبات في غالب الأحيان هذا إن لم يكن بشكل دائم، وهذا ما يجعل لعبء الإثبات في المنازعة الجبائية خصوصية متفردة[43] تعطي للقاضي الإداري الحق في تخفيف تطبيق هذه القواعد بحكم الطبيعة التواجهية لمسطرة النزاع الضريبي، وبإمكانه أيضا أن يعكس عبئ الإثبات تماما في حالة ما إذا أساء أحد الأطراف في استعمال حقه بغية تعطيل المسطرة النزاعية[44].
كما يتحمل الملزم فقط عبئ إثبات قيامه بالالتزامات المنوطة به وفق ما يتطلبه القانون الجاري به العمل، ومتى تمكن من ذلك فإنه ينقل عبء الإثبات على الإدارة التي عليها في إطار الإثبات المضاد أن تقدم الحجة على أن الملزم لم يحترم إحدى التزاماته الجبائية، أو أن قيامه بالالتزام المعني لم يكن وفق المتطلب قانونا، كتقديمه مثلا خارج الأجل القانوني[45].
وهناك حالة أخرى جد مهمة يلقى فيها عب


