صفاء الخياري
باحثة بسلك الدكتوراه
جامعة محمد الخامس-الرباط-
تعتبر الضرائب والرسوم من أهم الموارد المالية للدولة، باعتبارها تساهم بشكل فعال في تمويل النفقات العمومية، وأيضا إنعاش الحياة الإقتصادية والإجتماعية للدولة وضمان السير العادي لدواليها. فالضريبة تحتل مكانة متميزة ضمن القوانين المالية لكل الدول فهي تشكل أداة فعالة لتحقيق سياستها الاقتصادية والاجتماعية كما أنها تعتبر رمزا لسيادتها إذ تمكنها من فرض سياستها المالية على شكل نفقات تسييرية واستثمارية[1]، كما تعمل من خلالها الدولة على توجيه الاقتصاد بما يعود بالنفع على المجتمع برمته.
هذه الضرائب والرسوم تتضمن سائر النزاعات التي تتولد عن تطبيق القوانين والقواعد الجبائية المنظمة للعلاقة بين الخاضعين للضريبة والإدارة الجبائية.
ومن بين هذه النزاعات التي قد تنشب بين هذين الطرفين الرئيسيين والتي ينقضي بموجبها الدين الضريبي النزاعات المتعلقة بالتقادم الجبائي، والتي تعتبر من الأحكام التي يصدرها الجهاز القضائي لفصل حالة الخلاف بين الإدارة الضريبية والخاضع للضريبة، على اعتبار أن الضريبة التزام قانوني يسقط كغيره من الإلتزامات القانونية الأخرى بالتقادم.
ويقصد بالتقادم مضي مدة معينة من الزمن على حق قائم لم يتم المطالبة به سواء كان هذا الحق مصدره المجتمع أو الفرد أو الدولة.
وبالنسبة لأحكام الشريعة الإسلامية فإنها لا تسلم بالتقادم كوسيلة لكسب الحقوق أو كدفع بسقوط هذه الحقوق، فهي تعتبر أن الإنسان مستخلف في الأرض وأن الملك لله وأن الحق حتى ولو كان حقا خالصا للعبد لا يخلو من حق لله تعالى، وفي هذا تقول محكمة النقض بأن الشريعة الإسلامية لا تعترف بالتقادم المكسب أو المسقط وتقضي ببقاء الحق لصاحبه مهما طال به الزمن، إلا أنه إعمالا لقاعدة تخصيص القضاء بالزمان والمكان شرع منع سماع الدعوى بالحق الذي مضت عليه المدة، وعدم السماع ليس مبنيا على بطلان الحق وإنما هو مجرد نهي للقضاء عن سماعها، ولما كان السماع في هذه الصورة لا أثر له على أصل الحق ولا يتصل بموضوعه، وإنما يقتصر حكمه على مجرد سماع الدعوى أو عدم سماعها، فإنه لا يكون في هذا المجال محل لإعمال قواعد التقادم الواردة بالقانون المدني[2].
وقد تعرض التقادم للعديد من النقض، ذلك أنه يمكن أن يساعد الغاصب على اكتساب الملكية، كما يمكن أن يساعد المدين المماطل على عدم أداء دينه.
ويرجع التقادم في جدوره إلى القانون الروماني إذ انه نشأ وتطور وتحددت سماته وخصائصه في ظل هذا القانون، وقد كانت أهميته محدودة في بادئ الأمر ولكنها ما فتئت تتعاظم رويدا رويدا، كما أن ضرورته لنظام المجتمع طفقت تتأكد حينا فحينا.
وقد أقرت جل الشرائع نظام التقادم وأدخلته ضمن نظمها القانونية لما يسديه لنظام المجتمع من خدمات، فبفضله تستقر الأوضاع في المجتمع وتسود الثقة والطمأنينة بين أفراده، ولما يتوفر عليه من ضمانات، ذلك أن هذا النظام لئن كان وثيق الصلة بالمصلحة العامة، فإنه ليس من النظام العام إذ أن للمستفيد منه حرية التمسك به أو التنازل عنه[3].
والتقادم كما هو معلوم شرع لفائدة المصلحة العامة والاستقرار في المعاملات، فالسماح للدائن بالمطالبة بحقه مهما طال الزمن ومهما طالت مدة استحقاقه من شأنه أن يرهق المدين ويجعله في حالة من عدم الاستقرار والاطمئنان.
لذلك فإن مسألة التقادم الجبائي قد تكون من المسائل التي لا ترغب الدولة في حدوثها، إلا أنه نظرا لقواعد العدالة وتوفير الاستقرار في المجتمع وإشاعة الاطمئنان والثقة بين أفراده من جهة وبين هؤلاء الأفراد و الدولة من جهة أخرى، وضع المشرع قواعد وشروط المطالبة بالحقوق في آجال معينة اخذا بمبدأ التقادم لكي لا تتجدد المنازعات باستمرار في كل حين. فالقانون الجبائي شأنه في ذلك شأن القانون المدني حدد الفترة القانونية التي يسمح فيها للإدارة الجبائية بمواجهة الخاضعين قصد المطالبة أو تصحيح المادة الخاضعة للضريبة، وعليه يحق للخاضعين إثارة التقادم في مواجهة الإدارة الجبائية عند مطالبتهم بالأداء أو محاولتها تصحيح أو تعديل المادة الضريبية.
وتعتبر المنازعات المتعلقة بانقضاء الدين الضريبي من أكبر المنازعات من حيت الممارسة، وذلك نظرا لكثرة الديون الضريبية التي تسقط بالتقادم، ونظرا لصرامة النظام القانوني فيما يخص هذه المسطرة، وبالتالي فإن التقادم يعتبر من بين العوارض القانونية لأداء الدين الضريبي والتي قد تؤدي إلى استحالة تحصيله.
فانقضاء الدين الضريبي بسبب التقادم، يكون إذا لم تحترم الإدارة الضريبية والخزينة العامة للنصوص القانونية الواجبة التطبيق بشكل سليم.
وهكذا فقد عرفت المنازعات القضائية المتعلقة بسقوط الدين الضريبي ارتفاعا ملحوظا، خاصة المنازعات المتعلقة بالتقادم الضريبي، إذ أن أغلب منازعات التحصيل المعروضة أمام المحاكم الإدارية تتعلق بتقادم إجراءات التحصيل.
لذلك كان لزاما على القاضي الإداري أن يقوم ببسط رقابته على هذه الديون، وذلك من أجل حمايتها من السقوط بالتقادم، وبالتالي حرمان خزينة الدولة من مبالغ طائلة.
لذلك ارتأينا أن نتطرق لخصائص التقادم وتمييزه عن بعض المفاهيم المشابهة في المطلب الأول، على أن نتطرق في المطلب الثاني إلى رقابة القاضي الإداري على تقادم الديون الضريبية.
المطلب الأول: خصائص التقادم الجبائي وتمييزه عن بعض المفاهيم المشابهة
يكتسي التقادم الجبائي أهمية بالغة في المنازعات الجبائية، نظرا لكونه يتعلق بسقوط حق الدولة في الأموال العمومية الموجهة لخدمة المصالح العامة، الناتج عن تهاون الإدارة الضريبية وعدم اتخادها للتدابير اللازمة الكفيلة بتحصيل هذه الأموال أو تدارك الإغفالات التي من الممكن أن تعتريها.
يضاف إلى ذلك أن موضوع التقادم في المنازعات الجبائية لم يحض كغيره من مجالات المنازعة الجبائية للدراسة والتحليل المستفيضين.
وعليه فالموضوع يطرح تساؤلات عدة منها ما يتعلق بماهية التقادم الجبائي وتحديد مفهومه من جهة (الفقرة الأولى)، ومنها ما يتعلق بتمييز التقادم المسقط عن السقوط من جهة أخرى (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: مفهوم التقادم الجبائي
من المعلوم أن تحليل أي موضوع والخوض في ثناياه يتطلب بداية الوقوف عند بعض الجوانب المفاهيمية المرتبطة به أو ما يطلق عليه عند بعض الفقه التنظيم المفاهيمي[4].
ثم إن مسألة وضع تعريف جامع ودقيق لنظام معين كالتقادم، مسألة دقيقة وشائكة كانت وما تزال محل خلاف في الفقه والقضاء والتشريع.
وسنحاول في إطار هذه الفقرة وضع تعريفين رئيسيين للتقادم وذلك من خلال وضع تعريف تشريعي من جهة (الفرع الأول)، ثم تعريف فقهي من جهة أخرى (الفرع الثاني).
الفرع الأول: التعريف التشريعي
نظرا لما يكتنف تعريف التقادم من صعوبات فإن معظم التشريعات لا سيما الحديثة منها، ومن ضمنها قانون الإلتزامات والعقود المغربي، آثرت عدم وضع تعريف للتقادم سيرا منها على نهج التقليل من وضع التعاريف تاركة الأمر للفقه، لأن مسألة وضع التعاريف مسألة فقهية بحثة. ثم إن إعطاء تعريف لنظام كالتقادم يتطلب بعض التفاصيل مما يتنافى والصياغة الفنية للنصوص القانونية[5].
إلا أنه بالرجوع إلى المادة 371 من قانون الإلتزامات والعقود نجد أنها أشارت إلى أن “التقادم خلال المدة التي يحددها القانون يسقط الدعوى الناشئة عن الإلتزام”.
وبالتالي فالتقادم هو سبب لانقضاء الحقوق المتعلقة بالذمة المالية ولا سيما الإلتزامات إذا توانى صاحبها عن ممارستها أو أهمل المطالبة بها خلال مدة معينة يحددها القانون[6].
فالتقادم إذن يعني مضي مدة معينة من الزمن على حق قائم لم يتم المطالبة به سواء كان هذا الحق مصدره الفرد أو الدولة.
ويختلف التقادم بحسب القانون الذي يحكمه وينظم قواعده، إذ أن هناك تقادما يقع في إطار القانون المدني وآخر في إطار القانون الجنائي ثم تقادم في القانون الجبائي وهو موضوع دراستنا.
فالإدارة الضريبية قد ألزمتها القوانين الجبائية بممارسة حقها بصفتها دائنة في فرض العبء المالي على الخاضعين داخل آجال محددة وإلا سقط حقها في ذلك، بمعنى أن الضريبة خاضعة لنظام التقادم المسقط.
وتميز القوانين الضريبية منها بالخصوص في تقادم الدعوى الضريبية بين الدعاوى المرتبطة بتقدير وعاء الجباية والمتعلقة بتحصيل الدين الضريبي من جهة، ومن جهة أخرى بين غيرها من الدعاوى الأخرى المتعلقة بفرض الضريبة.
ويبرز الأساس الذي شرع من خلاله التقادم الضريبي في كونه يرتكز على فكرة توفير الإستقرار في المجتمع وإشاعة الإطمئنان والثقة بين أفراده[7].
فالتقادم شرع إذن لفائدة المصلحة العامة والإستقرار في المعاملات، فالسماح للدائن بالمطالبة بحقه مهما طال الزمن ومهما طالت مدة استحقاقه من شأنه أن يرهق المدين ويجعله في حالة من عدم الإستقرار والإطمئنان، من هذا المنطلق وضع المشرع قواعد وشروط المطالبة بالحقوق في آجال معينة أخدا بمبدأ التقادم لكي لا تتجدد المنازعات باستمرار في كل حين.
الفرع الثاني: التعريف الفقهي للتقادم
لقد أثار تفسير نظام التقادم وتحديد مفهومه خلافا في الرأي، الأمر الذي ترتب عنه تعدد المذاهب وتعدد النظريات في هذا المضمار وذلك بسبب طبيعة التقادم، مما صعب مهمة الإتفاق على تعريف موحد ومتفق عليه.
فقد عرفه دوما (DOMAT) بأنه “وسيلة لكسب وفقد الملكية على شيء وكذلك أي حق آخر وذلك نتيجة للزمان”.
يؤخد على هذا التعريف تركيزه على الزمان دون غيره من أركان التقادم الأخرى وإطلاقه وعموميته.
أما دينو فقد عرفه بأنه “طريقة لاكتساب ملكية الأشياء ووضع اليد عليها بصفة مالك، وللتخلص من الحقوق المعنوية ومن الدعاوى ومن الإلتزامات إذا أهمل صاحبها استعمالها مدة معينة”.
في حين نجد بوتيي (POTIER) أعطى تعريفا آخر للتقادم المسقط والذي جاء فيه “التقادم دفع بعدم القبول يستطيع المدين أن يوجهه ضد دعوى الدائن الذي أهمل في استعمال حقه أو في المطالبة به في المدة التي حددها القانون”.
لذلك فضل كثير من الفقهاء الفرنسيين تعريف بوتيي على غيره بما في ذلك التعريف المنصوص عليه في القانون المدني الفرنسي[8].
من هذا المنطلق نستنتج أن اختلاف الفقهاء في تحديد مفهوم دقيق وموحد للتقادم[9] منشأه ما يمتاز به هذا النظام من طبيعة خاصة، يضاف إلى ذلك أن نظام التقادم هو نظام يتسم بالتعقيد بسبب القواعد المنظمة له فظلا عن طابعه التقني.
الفقرة الثانية: نوعي التقادم وتمييزه عن السقوط
تعتبر قواعد التقادم من القوانين الأساسية التي تحمي المعاملات سواء بين صاحب الحق أو المطالب به، لأنها تؤدي إلى استقرار الحقوق وإيجاد التقة في الأخد والعطاء[10]، فتارة يكون مكسبا وتارة يكون مسقطا وهو ما سنحاول توضيحه في (الفرع الأول)، كما أن التقادم في نوعه الثاني أي المسقط يختلف في مفهومه وقواعده عن السقوط، وهو ما سنتطرق له في (الفرع الثاني).
الفرع الأول: نوعي التقادم
إن الإدارة الضريبية قد ألزمتها القوانين الجبائية بممارسة حقها بصفتها دائنة في فرض العبء المالي على الخاضعين للضريبة داخل آجال محددة وإلا سقط حقها في ذلك، بمعنى أن الضريبة خاضعة لنظام التقادم، هذا الأخير الذي يمكن تصنيفه إلى نوعين، التقادم المكسب والتقادم المسقط.
فالتقادم المسقط والذي هو محور دراستنا، سبب لانقضاء الحقوق المتعلقة بالذمة المالية ولا سيما الإلتزامات، إذا توانى صاحبها في ممارستها أو أهمل المطالبة بها خلال مدة معينة يحددها القانون، أما التقادم المكسب فهو يسمح لحائز الحق العيني أن يكسب هذا الحق إذا استمرت حيازته مدة من الزمن حددها القانون[11]، وهو سبب من أسباب كسب الملكية والحقوق العينية الأصلية ويقوم على الحيازة، ويرد التقادم المكسب على جميع الأشياء المادية، سواء أكانت عقاراً أم منقولاً، ويخرج عن دائرة التقادم المكسب الأموال العامة، كما تحظر قوانين بعض الدول تملك أموال الدولة الخاصة بالتقادم أيضاً، وتمنع بعضها كسب أموال الأوقاف الخيرية بالتقادم.
ويشترط لحصول التقادم المكسب:
– وجوب توفر الحيازة القانونية الخالية من العيوب،
– السبب الصحيح: وهو السند القانوني الذي يستند إليه الحائز في حيازته والذي كان من شأنه أن ينقل الملكية لو أن الحائز كان قد تلقاه عن مالك أو صاحب حق. وهو في القانون المصري وقوانين أخرى تصرف قانوني من شأنه نقل الملكية أو الحق العيني، كعقد أو وصية، فالبيع أو الهبة أو المقايضة أو تقديم حصة في شركة أو الوفاء بمقابل يعتبر سبباً صحيحاً.
– حسن النية: وهو جهل الحائز أنه يعتدي على حق الغير، أو هو اعتقاده انه تلقى الحق عن صاحب حق، وبشرط ألا يكون هذا الجهل ناشئاً عن خطأ جسيم. ولا يشترط حسن النية إلا وقت تلقي الحائز لحق، وحسن النية مفترض ما لم يثبت العكس.
– المدة: وأياً كانت مدة التقادم المكسب، فإنها تخضع من حيث حسابها ومن حيث وقفها وانقطاعها لأحكام التقادم المسقط.
ويوجد بين نوعي التقادم المكسب والمسقط اختلافات كما أنهما مشتركان في بعض الأحكام القانونية.
أولا: أوجه الإختلاف
فهما يختلفان من حيث الموضوع، حيث أن التقادم المكسب يؤدي إلى اكتساب حق الملك وما تفرع عنه من الحقوق العينية.
أما التقادم المسقط من حيث الموضوع، فإنه خاص بالتعهدات والإلتزامات فهو ينطبق على سقوط كل الحقوق العينية ، ولا ينطبق التقادم المسقط على حق الملك لأن الملك لا يسقط بعدم الإستعمال.
ومن حيث كيفية استعمال التقادم، فإنه في التقادم المكسب ولو أنه في أغلب الأحيان يحصل التمسك به كدفع عند نظر دعوى أصلية مرفوعة على واضع اليد، إلا أن هذا لا يمنع الحائز بأن يرفع دعوى مستقلة يطلب فيها ثبوت الملك بوضع اليد مدة طويلة مكسبة للملكية بالقيود والشروط التي يشترطها القانون.
أما التقادم المسقط فلا يتم التمسك به إلا عن طريق الدفع عند نظر دعوى أصلية -مثلا- يرفع الدائن الدعوى بمقتضى سند يطالب مدين بدينه بدين عليه، فيدفع هذا الأخير دعوى سقوط الحق بمضي المدة.
إضافة إلى هذا فإن أساس التقادم المكسب واقعة إيجابية هي واقعة الحيازة، أما التقادم المسقط فأساسه واقعة سلبية، هي سكوت صاحب الحق عن المطالبة به أو عن استعماله.
كما أن التقادم المكسب يختلف عن التقادم المسقط في أن هذا الأخير أوسع نطاقاً من الأول، ففي حين يقتصر التقادم المكسب على حق الملكية وبعض الحقوق العينية المتفرعة عنه وهي حق الانتفاع وحقوق الارتفاق، فإن التقادم المسقط يؤدي إلى سقوط الحقوق الشخصية (الالتزامات) وجميع الحقوق العينية عدا حق الملكية.
ثانيا: أوجه التشابه
كل من التقادم المسقط والتقادم المكسب يتفقان في الأحكام القانونية، فيخضعان لقواعد واحدة فيما يتعلق بحساب المدة ووقف التقادم وانقطاعه و التمسك به[12]، مع أنهما نوعان يختلفان عن بعضهما، إلا أن القانون المدني الفرنسي جمع بينهما في باب واحد، و ينتقد أغلب فقهاء القانون هذا الجمع و يعدونه عيباً في التقنين حينما جمع بين نظامين يختلفان اختلافاً جوهرياً في الغاية و النطاق و المقومات .
وقد ذهب بعض المشرعين للقول إلى أن التقادم المكسب ليس سببا لكسب الملكية بالمعنى الحقيقي بقدر ما هو وسيلة لتأييد ملكية مهددة بالإنتزاع، أما التقادم المسقط فإنه ليس سببا لانقضاء الحقوق بقدر ما هو وسيلة للدفاع عن المطالبة المتأخرة[13].
وما يمكن أن نستنتجه من خلال ما سبق هو أن التقادم المكسب يسمح لصاحب الحق العيني أن يكسب هذا الحق إذا استمرت حيازته مدة من الزمن عينها القانون، أما التقادم المسقط فهو سبب يؤدي إلى انقضاء الحقوق إذا سكت عليها صاحبها وأهمل المطالبة بها زمنا حدده القانون.
الفرع الثاني: تمييز التقادم المسقط عن السقوط
يختلف نظام التقادم المسقط عن السقوط، فهذا الأخير يعني الجزاء المترتب عن عدم مباشرة الإجراء في الوقت المعين في القانون للقيام به، وبمعنى آخر الإجراء الذي يتم بعد فوات الوقت يكون غير مقبول لانقضاء الحق في مباشرته[14].
أولا: أسس التقادم المسقط وشروطه
يرتكز التقادم المسقط على أسس وشروط سنتطرق إليها فيما ما يلي:
- أسس التقادم المسقط
إن الأساس الأول الذي ترتكز عليه فكرة التقادم ، هو فكرة الإستقرار في المجتمع، وإشاعة الإطمئنان والثقة بين أفراده، ففتح باب المنازعات على وجه الديمومة يشيع جوا من الفوضى والإظطراب، فلو أننا سمحنا للدائن بأن يطالب بحقه مهما مر الوقت من الزمن على نشوء هذا الحق، فإننا نكلف المدين في هذه الحالة بالمحافظة إلى ما لا نهاية على التوصيل الذي حصل عليه من الدائن وإبرازه في أي وقت شاء للدائن للمطالبة بالدين.
لهذا فمن الأفضل في مثل هذه الحالات توفير الإستقرار والطمأنينة وتقرير مبدأ التقادم المسقط ووضع حد للمطالبة بالدين.
يضاف إلى هذا الأساس الأول، المستمد من وجوب توفير الاستقرار، اعتبارات مستمدة من قرينة براءة الذمة لمصلحة المدين، ومن أن الدائن المهمل يجب أن يتحمل هو وزر إهماله، فلئن كان يعفي المدين من إقامة الدليل على براءة ذمته ويكتفي منه بالإدلاء بالتقادم المسقط عندما يسكت الدائن عن المطالبة بحقه مدة طويلة، فما ذلك إلا لحصول الظن القوي بأن السكوت لم يقع إلا مستندا إلى النزول عن ذلك الحق لسبب يقتضيه، إذ لا يعقل أن يترك الدائن حقه مدة طويلة دون أن يكون قد استوفاه أو أبرأ ذمة المدين منه، فقد يحصل ولا ريب أن يستغل نظام التقادم المسقط مدين لم يدفع دينه ولم يحصل على إبراء من دائنه فيحتمي وراء هذا النظام ليدفع دعوى الدائن ويلحق به الحيف، ولكن ذلك ناذر الوقوع.
وعليه فوضع التقادم المسقط في متناول المدين الذي يقاضيه الدائن من بعد مدة طويلة، إنما تبرره قرينة على براءة المطالبة بالحق المترتب له، وهو قادر على المطالبة واستمر في إهماله دون عذر زمنا طويلا، فإنه ليس من المستغرب حرمانه من المطالبة بحقه. ففي مثل هذا الحرمان عقوبة مشروعة على إهماله، وإذا ما أدى هذا الحرمان إلى الإضرار به، فمرد ذلك إهماله، وعليه أن يتحمل وزر إهماله الصادر عنه[15].
يضاف إلى هذه الأسس اعتبار يتعلق برغبة المشرع في عدم إرهاق المدين
وذلك بمنع تراكم الديون عليه، بحيث إذا تراكمت هذه الديون عليه لسنوات طويلة فإن هذا الأمر سيرهق المدين ويثقل كاهله، لهذا فإن المشرع ومنعا للتعسف والعنت يسقط عنه ما مضى عليه من الزمن مدة طويلة .
وإزاء هذه الاعتبارات فإن نظام التقادم يبدو ضرورة حتمية للمصلحة الاجتماعية، فكما يجب وضع حد للمنازعة في الحقوق وذلك بتقرير قوة الأمر المقضي، كذلك يجب وضع حد للمطالبة بالحقوق وذلك بتقرير مبدأ التقادم.
إلا أن هناك اعتراضات على نظام التقادم بدعوى أنه قد يتضمن أحيانا تقنينا للنصب، لأن المدين على الرغم من أنه لم يفي بالدين، يستطيع إذا تمسك بالتقادم أن يؤدى إلى إخفاق مطالبة الدائن بحقه على الرغم من انه لم يستوف هذا الحق فعلا، وقد يبدو هذا الاعتراض صحيح ظاهريا، إلا انه ليس من شأنه إهدار كل قيمة للتقادم، ذلك أن الفرض الذي يؤدى فيه التقادم إلى ضياع الحق على صاحبه نادر الحدوث والنادر لا حكم له.
- شروط تحقق التقادم المسقط
إن تحقيق التقادم المسقط يتطلب توفر شرطين وهما: أن يكون الحق أو الدعوى مما يتقادم، ثم وجوب انقضاء المدة المحددة قانونا لتحقيق التقادم.
- الشرط الأول: أن يكون الحق أو الدعوى مما يتقادم
فالقاعدة الأصلية تقوم على أن كل الإلتزامات والدعاوى الناشئة عنها تخضع للتقادم المسقط، وهذا ما أكدت عليه المادة 371 من قانون الإلتزامات والعقود، على أن ” التقادم خلال المدة التي يحددها القانون يسقط الدعوى الناشئة عن الإلتزام”[16] مؤيدا بذلك مبدأ سريان التقادم على أي التزام وعلى أي دعوى تنشأ عنه، إلا أن هذا الشرط تدخل في إطاره استتناءات نص عليها قانون الإلتزامات والعقود في المواد 377 و378 و981.
- الشرط الثاني: وجوب انقضاء المدة المحددة قانونا لتحقيق التقادم
لا بد حتى يتحقق تقادم الدعوى أن تنقضي المدة التي حددها القانون، لذلك علينا أن نحدد طول هذه المدة، ثم نبين بدءها وكيفية حسابها، فقد يحصل أحيانا أن تعترض سبيل التقادم عقبات تعيق تحقيقه وتعطل مضيه، فتكون سببا لوقفه أو تزيل كل أثر سابق له فتكون سببا لقطعه[17].
ثانيا: التقادم المسقط والسقوط
يختلف نظام التقادم المسقط عن السقوط في مجموعة من النقط الأساسية، ولتمييزها بشكل أدق من الضروري الإحاطة بالنصوص القانونية المنظمة له لاستنباط أوجه التشابه والإختلاف بين النظامين، وباستقرائنا لأغلب النصوص القانونية في هذا المجال سواء الحديث منها أو القديم، نجد أن المشرع استعمل في العديد من النصوص كلمة تقادم وهو ما نجده مثلا في المادة 13 من قانون الضريبة العامة على الدخل[18]، والمادة 54 من قانون الضريبة على القيمة المضافة[19]، والمادتين 19 و51 من قانون الضريبة على الشركات[20]، والمادتين 48 و49 من مدونة التسجيل والمادة 27 من قانون التمبر[21]، والتي نسخت مقتضيات هذه القوانين لتجميع قانون واحد هي المدونة العامة للضرائب[22]، والتي خصص فيها المشرع للتقادم المواد من 232 إلى 234 حيث نجد أن الآجال المنصوص عليها في هذه المواد هي آجال تقادم وليست آجال سقوط، وذلك سيرا على هذى المشرع الفرنسي الذي يعتبره أجل تقادم حسب الفصول 169.L إلى 189.L من كتاب المساطر الجبائية[23].
والقضاء المغربي سار في عدة أحكام إلى اعتبار هذا الأجل أجل تقادم، وهذا ما أكده القضاء الإداري في العديد من أحكامه، حيث جاء في حيثيات حكم للمحكمة الإدارية بوجدة بتاريخ 13/09/2000، ما يلي “حيث أن الأمد الرباعي المنصوص عليه في المادة أعلاه، مقرر لحماية الأوضاع المستقرة، وكجزاء لإهمال الدائن بالمطالبة بحقوقه داخل الأجل المحدد، ويعتبر أمد تقادم وليس بسقوط وبالتالي تسري عليه قواعد وقف وقطع الميعاد”[24].
أما القضاء في مصر وتماشيا مع المشرع المصري، فقد اعتبر في عدة أحكام له، أن الأجل الذي يسقط فيه حق إدارة الضرائب في فرض هاته الضرائب على الملزمين هو أجل تقادم، ومن ذلك الأحكام والقرارات المنشورة في كتاب المستحدث في القضاء الضريبي والذي جاء في إحداها ”إذا كان الثابت أن مصلحة الضرائب قد عملت بواقعة شراء الأطيان المتنازع على إيرادها بتاريخ 30/11/1958 وأخطرت المطعون ضدهم بالرباط التكميلي على إيراد هذه الأطيان في 14/07/1965 فإن الضريبة تكون قد سقطت بالتقادم الخمسي”[25].
كما أن المشرع الليبي اعتبر بدوره أن هذا الأجل هو أجل تقادم ونص في قانون الضرائب على سقوط حق الحكومة في المطالبة بما هو مستحق لها بمضي خمس سنوات.
ونظام التقادم يختلف عن نظام السقوط كونه قابل للقطع والتوقف عن طريق القيام بأي إجراء قانوني لا يتصل بالنظام العام، لكن السقوط غير قابل لا للقطع ولا للتوقف[26] وهو من النظام العام.
وذلك لأنه بفوات المدة المعتبرة كأجل للقيام المتطلب قانونا، يعدم الحق من أساسه، وما يميز السقوط عن التقادم المسقط هو أن الحق محدود في الزمن، فإذا مر هذا الزمن المحدد انقضى الحق نهائيا وكليا.
ويضاف إلى عامل الزمن بالنسبة للتقادم المسقط قرينة الوفاء أو الإبراء والقائمة على أساس عدم المطالبة من جانب الدائن، أما السقوط فليس فيه شيء من ذلك، إذ أن المشرع يفرض على صاحب الحق التزامات المطالبة به واستعماله خلال مدة معينة، فالزمن وحده هو الذي يِؤدي إلى حرمان الشخص المهمل من حقه[27].
كما أن أجل التقادم تعتريه أسباب القطع والوقف في حين لا تعتري آجال السقوط مثل هاته الأسباب، إذ بانصرام هاته الآجال تسقط الحقوق المعلقة عليها مهما كانت الأسباب الداعية إلى عدم ممارسة هذا الحق داخل الأجل المذكور[28].
كما أن آجال السقوط من النظام العام وللمحكمة أن تثيره تلقائيا، كميعاد تقديم الدعوى وميعاد الطعن، أما التقادم المسقط فلا يدخل ضمن إطار النظام العام وعلى من له المصلحة في ذلك إثارته[29].
إجمالا يمكن تلخيص الإختلاف بين آجال التقادم وآجال السقوط في النقط التالية:
– آجال السقوط من النظام العام، فهو غير قابل للقطع والتوقف، عكس التقادم المسقط الذي تكون فيه إدارة الضرائب بوصفها الجهة التي تنوب عن وزير المالية وكذا الخزينة العامة التي ينوب عنها الخازن العام، بإمكانها قطع التقادم عن طريق مباشرة كل إجراء من الإجراءات الكفيلة بذلك، وذلك ضمانا لحق الدولة من الضياع سواء في مرحلة التأسيس أو التحصيل.
– نظام السقوط معناه مباشرة حق من الحقوق المتصلة بالإجراءات الضريبية داخل أجل محدد ومثل ذلك استئناف أحكام المحاكم الإبتدائية، حيث يجب أن يقدم خلال ثلاثين يوما من تاريخ التبليغ في الجلسة إذا كان ذلك مقررا بمقتضى القانون -المادة 134 من قانون المسطرة المدنية- وإلا سقط هذا الحق[30]، حيث أنه بفوات الزمن المحدد للقيام بالإجراء المذكور ينقضي حق رفع الدعوى الإستئنافية ويعدم الحق من أساسه لأنه غير قابل للقطع والوقف عكس ماهو عليه نظام التقادم المسقط.
– إن مدد الإسقاط لمساسها بالنظام العام لا يتوقف إعمالها على تمسك ذي المصلحة بها، بل إن من حق القاضي ومن واجبه أن يتمسك بمدد الإسقاط من تلقاء نفسه وبدون طلب من الخصوم[31].
– آجال السقوط أقصر من آجال التقادم كقاعدة عامة، وإن كانت بعض آجال التقادم أقصر من آجال السقوط[32]، إلا أن أجل التقادم يكون عادة أطول، فقد تصل إلى ثلاثين سنة كما في تقادم تنفيذ الأحكام المدنية، أو التقادم الذي يخص الرسوم والغرامات المستحقة على تفويت العقارات التي لم تسجل[33].
وعليه يمكن القول بأن آجال فرض الضرائب بصفة عامة، هي آجال تقادم وليست آجال سقوط، وذلك تبعا لجل النصوص الضريبية التي تنص صراحة على ذلك، وحفاظا على الأموال العامة للدولة، مادام أجل التقادم قابل للتمديد والوقف، وذلك على خلاف أجال السقوط التي لا يمكن وقفها أو قطعها.
وتجدر الإشارة إلى أنه في حالة وقوع شبهة في شأن مدة ما، كمعرفة ما إذا كانت هي مدة سقوط أو مدة تقادم، فخير معيار لتحديد طبيعتها هو التعرف على الغرض الذي قصده المشرع من تقرير هذه المدة، فإن كان القصد منها غرضا من أغراض التقادم، أي حماية الأوضاع المستقرة أو تسهيل أمر الإثبات على المدعي فهي مدة تقادم، وإن كان الهدف منها أن يحتم على صاحب الحق ممارسة حقه خلال أجل مضروب وإلا عوقب بفقده حقه فهي مدة إسقاط[34].
وبالتالي فالمواعيد المسقطة هي مواعيد حتمية، لا بد أن يتم العمل المعين خلالها وإلا كان باطلا، ولذلك فهي تختلف عن مدد التقادم في مختلف النواحي المذكورة[35].
نستنتج إذن أن التقادم المسقط يختلف عن السقوط من حيث الآثار القانونية، فإذا كان أجل التقادم تعتريه أسباب القطع والوقف، فإن آجال السقوط لا تعتريه مثل هذه الأسباب، إذ بانصرام هذه الآجال تسقط الحقوق المعلقة عليها مهما كانت الأسباب الداعية إلى عدم ممارسة هذا الحق داخل الأجل المذكور. وما يميز كذلك السقوط عن التقادم، هو أن الحق محدود في الزمن، فإذا مر هذا الزمن المحدد انقضى الحق بصفة نهائية وكلية[36].
كما يمكن التمييز بينهما في إطار النص القانوني نفسه بحيث يسهل عند الإستناد إليه معرفة ما إذا كانت المدة التي حددها المشرع هي مدة تقادم أم هي مدة سقوط، فعندما ينص المشرع على وجوب ممارسة الحق أو الدعوى خلال مدة معينة وإلا سقط الحق أو اعتبرت الدعوى غير مقبولة أو لم يكن للحق أو الدعوى أثر، فنحن نكون أمام مدة سقوط.
أما إذا كان القصد منها حماية الأوضاع المستقرة أو تسهيل أمر الإثبات على المدعي فهي مدة تقادم.
المطلب الثاني: رقابة القاضي الإداري على تقادم الديون الضريبية
فإن عدم قيام المحاسب المكلف بالتحصيل بأي إجراء لتحصيل الديون الضريبية، داخل الأجل القانوني للتقادم، يترتب عليه انقضاء الدين الضريبي، لكن لاستفادة المدين من انقضاء الدين يجب عليه التمسك بالتقادم أمام القضاء[37].
لذلك ارتأينا أن نتطرق لوجوب التمسك بالتقادم في الفقرة الأولى، على أن نتطرق في الفقرة الثانية إلى موقف القاضي الإداري من الدفع بالتقادم.
الفقرة الأولى: وجوب التمسك بالتقادم أمام القضاء
كما هو معلوم فإنه ليرتب التقادم آثاره القانونية، يجب التمسك به أمام القضاء ممن له المصلحة في ذلك، وليس للقاضي أن يثيره من تلقاء نفسه، لأن التقادم الضريبي ليس من النظام العام.
وهكذا؛ فبالرجوع إلى قانون الالتزامات والعقود، نجد الفصل 372 منه ينص على أن “التقادم لا يسقط الدعوى بقوة القانون، بل لابد لمن له مصلحة فيه أن يحتج به، وليس للقاضي أن يستند إلى التقادم من تلقاء نفسه”[38].
استنادا إلى هذا يمكن القول بأنه لا يجوز للمحكمة أن تقضي بالتقادم من تلقاء نفسها، بل يجب ان يكون ذلك بناءا على طلب المدين أو أي شخص اخر له مصلحة فيه[39].
نفس المقتضى نجده في فرنسا، إذ يجب على المدين أن يثير التقادم، ولا يمكن للقاضي إثارته تلقائيا، طبقا للمادة 2223 من القانون المدني الفرنسي، حيث نصت على أن القاضي لا يمكنه أن يستخلص من ظاهر الوثائق وجود التقادم[40].
كما ذهب المشرع المصري في نفس الاتجاه، حيث نص القانون المدني على أن الدين لا ينقضي قبل التمسك بالتقادم لمجرد انقضاء المدة المسقطة، وإنما يظل دينا أو التزاما مدنيا إلى أن يدفع بتقادمه[41].
ويعتبر الدفع بالتقادم دفعا في الجوهر، وليس من الدفوعات الشكلية، لذا لا يستطيع المدعي الذي رفض طلبه على أساسه، أن يجدد الدعوى، ويجوز التمسك بالتقادم في أي مرحلة من مراحل الدعوى[42]، كما يمكن للمدين التنازل مسبقا على التقادم، سواء كان التنازل صريحا أو ضمنيا[43].
والأصل أن المدين هو الذي له الحق في التمسك بالتقادم، فهو الذي يريد أن يبرئ ذمته من الدين عند مطالبة الدائن به، ثم إن المدين هو الذي يعلم إن كانت ذمته قد برئت من الدين، أو أن الدين باق في ذمته.
غير أنه يمكن التمسك بالتقادم كذلك من طرف الخلف العام أو الخلف الخاص للمدين، فوارث المدين له الحق في الدفع بالتقادم، ولو كان الدين قد تقادم وهو في ذمة المدين، كما يجوز لكل ذي مصلحة أن يتمسك بالتقادم، فالمدين المتضامن له أيضا الحق في الدفع بتقادم الدين المترتب في ذمة المدين الأصلي[44].
وبالتالي فليس للقاضي أية سلطة تقديرية في أن يحكم بسقوط الدين بالتقادم، باستثناء الغرامات الجنائية التي يعتبر تقادمها من النظام العام، والذي يمكن أن يثار بصفة تلقائية من طرف القاضي، ذلك أن الضرائب والرسوم والديون الأخرى لا يعتبر تقادمها من النظام العام، فهو يرتبط مباشرة بمصلحة المدين[45].
ولا يشترط لرفع دعوى تقادم إجراءات التحصيل سلوك المطالبة الإدارية، حيث يمكن للمدين اللجوء مباشرة للقضاء لإثارة التقادم، و قد أكد العمل القضائي هذا المقتضى، ونذكر في هذا الصدد قرار لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط بتاريخ 12/12/2012، إذ جاء فيه “…حيث أن سلوك مسطرة المطالبة الإدارية جاءت حصرا على الحالات المحددة في المادة 119 من مدونة تحصيل الديون العمومية، وليس من بينها حالة التقادم المثار بصفة جدية في نازلة الحال، مما يكون معه الملزم غير مطالب بسلوك المسطرة المنصوص عليها بالمادة 120…”[46].
كما لا يشترط تقديم ضمانة لإثارة التقادم، وهذا ما سار عليه العمل القضائي، ونذكر في هذا الصدد حكم للمحكمة الإدارية بمكناس بتاريخ 21/11/2012، حيث جاء فيه “…إثارة المدعي لتقادم الدين العمومي لا يلزمه بمسطرة إيداع الضمانة طبقا للمادتين 118 و119 من مدونة تحصيل الديون العمومية…”[47].
من هذا المنطلق ارتأينا أن نتطرق في الفرع الأول إلى جواز التمسك بالتقادم في أي مرحلة من مراحل الدعوى،على ان نتطرق في الفرع الثاني إلى اثار التمسك بالتقادم أمام القضاء.
الفرع الأول: جواز التمسك بالتقادم في أي مرحلة من مراحل الدعوى
يجوز لدي المصلحة التمسك بالتقادم في أي مرحلة من مراحل الدعوى أمام المحاكم، فله الدفع بالتقادم أمام محكمة الدرجة الأولى ولو بعد أن أدلى بدفوع أخرى شكلية أو موضوعية. شرط أن يقع ذلك قبل قفل باب المرافعة لأنه يمتنع على الخصوم الإدلاء بأي طلب أو دفع بعد ذلك.
وإذا فاته التمسك بالتقادم أمام محكمة الدرجة الأولى، فله أن يستدرك الأمر في طور المحاكمة الإستئنافية، ويدلي بالتقادم الأول مرة أخرى أمام محكمة الإستئناف. وفي أية حال كانت عليها الدعوى شرط ان يقع ذلك قبل قفل باب المرافعة.
ولكن ليس لذي المصلحة، إذا كان لم يسبق له أن أدلى بالتقادم في المرحلتين الإبتدائية والإستئنافية، أن يتمسك بالتقادم الأول مرة أمام محكمة النقض في معرض الطعن بالنقض، ذلك أن محكمة النقض لا تنظر إلا في الدفوع التي أثيرت أمام محاكم الأساس ما لم يكن من الدفوع المتعلقة بالنظام العام، والدفع بالتقادم ليس له مساس بالنظام العام.
على أن محكمة النقض، إذا نقضت الحكم المطعون فيه لسبب من الأسباب، وأحالت القضية على محكمة من محاكم الأساس، فإن لذي المصلحة الإدلاء بالتقادم أمام محكمة الإحالة لأنها محكمة أساس، والتمسك بالتقادم جائز أمام محاكم الأساس في أي حالة كانت عليها الدعوى[48].
الفرع الثاني: اثار التمسك بالتقادم أمام القضاء
في هذه الحالة يجب التمييز بين المرحلة السابقة على التمسك بالتقادم، وبين المرحلة التي تعقب ذلك، فكما سبقت الإشارة فإن التقادم إذا اكتملت مدته لا يسقط الدعوى بقوة القانون، بل لا بد لمن له المصلحة أن يحتج به.
فبالنسبة لآثار التقادم الذي اكتمل في المرحلة السابقة على التمسك به: فإن الإلتزام الذي اكتملت مدة تقادمه لا ينقضي بمجرد اكتمال هذه المدة، بل يظل التزاما مدنيا ملزما للمدين إلى أن يدفع بتقادمه.
ويترتب على ذلك نتائج عديدة نخص بالذكر منها ما يلي:
أولا: إذا وفى المدين بالتزامه فلا يستطيع استرداد ما دفع بحجة أن إلتزامه قد انقضى بالتقادم وأنه دفع غير المستحق، وذلك حتى لو كان وفى بالإلتزام وهو يجهل وقوع التقادم.
ثانيا: إذا كان المدين. رغم علمه بتقادم دينه، قدم كفالة أو أي ضمان آخر فإنه يعتبر قد تنازل ضمنا عن الإدلاء بالتقادم، وصحت الكفالة كما صح الضمان. أما إذا كان يجهل كون دينه قد تقادم وقت قدم الكفالة أو الضمان، فإنه يستطيع الطعن بهذه التصرفات للغلط في القانون إذا توافرت الشروط التي يتطلبها القانون لإبطال الإلتزام لغلط في القانون، كما يستطيع أن يدلي بعد ذلك بانقضاء دينه بالتقادم.
ثالثا: إذا أصبح الدائن مدينا لمدينه بدين توافرت فيه شروط المقاصة، وتمسك الدائن بالمقاصة قبل أن يتمسك المدين بالتقادم انقضى الدينان بمجرد تلاقيهما، لأن الدين الذي اكتملت مدة تقادمه يبقى قائما رغم اكتمال هذه المدة، ومن حق الدائن إجراء المقاصة بينه وبين دين ترتب عليه لمصلحة مدينه والتمسك بهذه المقاصة، ما دام وقع ذلك في وقت لم يكن المدين قد تمسك بعد بالتقادم.
أما بالنسبة لآثار التقادم الذي اكتمل في المرحلة اللاحقة للتمسك به: فإنه إذا اكتملت المدة وتمسك المدين بالتقادم ترتب الأثران التاليان:
أولا: انقضاء الإلتزام وامتناع سماع الدعوى به.
ثانيا: تخلف التزام طبعي في بعض الأحيان عن الإلتزام المدني الذي انقضى بالتقادم[49].
وتجدر الإشارة إلى أنه إذا تمسك المدين بالتقادم، فإن الدين يسقط ولا يستطيع الدائن أن يجبر المدين على أدائه، وتسقط مع الدين توابعه من فوائد التأخير وصوائر المتابعات باعتبارها توابع للدين حتى لو لم تكن هذه الفوائد والمصاريف قد سقطت هي ذاتها استقلالا بالتقادم، وحتى لو لم يمض عليها مدة التقادم الخاص بها.
وكما يجب على المدين التمسك بالتقادم حتى يستفيد منه، يمكنه كذلك التنازل عن التقادم بعد ثبوت الحق فيه بصفة صريحة أو بطريقة ضمنية.
فالتنازل الصريح يمكن أن يتم عن طريق الكتابة كما يمكن أن يكون شفويا وذلك بتعبير عن الإرادة يفيد معنى التنازل، أما التنازل الضمني فيستخلص من طلب المدين مهلة من الدائن لدفع الدين بعد تقادمه أو من تقديمه للدائن كفالة أو دفعة قسطا من الدين.
وإذا تنازل المدين عن التقادم صراحة أو ضمنا على النحو الذي تقدم كان نزوله هذا تصرفا قانونيا صادرا من جانب واحد ولا حاجة فيه إلى قبول الدائن.
ومن وقت النزول عن التقادم يبدأ تقادم جديد كما هو الأمر في قطع التقادم، والأصل أن تكون مدة التقادم الجديد يلي نفس مدة التقادم القديم الذي تنازل عنه المدين[50].
الفقرة الثانية: موقف القاضي الإداري من الدفع بتقادم الديون الضريبية
كما هو معلوم، تنصب أغلب المنازعات الضريبية على الدفع بالتقادم من طرف الخاضع للضريبة سواء تعلق الأمر بشخص طبيعي أو معنوي، مع الإشارة هنا إلى أن الدفع بالتقادم من قبل الشخص الطبيعي يمكن استساغته على اعتبار أن هذا الأخير غير ملم بالقانون الضريبي بالشكل الذي يخوله حساب الاجال الضريبية وغير ذلك، إلا أن الدفع بالتقادم من قبل الشخص المعنوي لا يمكن تقبله على اعتبار أن كل شخص معنوي لديه مستشار قانوني يفترض فيه الإلمام بالقانون الضريبي وبالآجال التي تحول دون تحصيل الضرائب.
والمنازعات الضريبية التي تسقط حق الخزينة في تحصيل الدين الضريبي لا عدد ولا حصر لها، بل إن ما يزيد عن نصف المنازعات الضريبية تتأسس على الدفع بالتقادم كوسيلة للتهرب الضريبي[51]، حتى وإن كان هذا الدفع قانونيا من الناحية النظرية، إلا أنه في نظرنا يعد غير قانوني ولا مشروع، إذ أن المواطنة الحقة تستلزم التضحية بالمال من أجل تقاسم الأعباء العامة.
الفرع الأول: كيفية تعامل القضاء الإداري مع الدفع بالتقادم
كما سبق الذكر، تشكل المنازعات المتعلقة بالتقادم السواد الأعظم من المنازعات الضريبية، حيث يدفع المتهربون بالتقادم قصد الإفلات من الواجب الضريبي، مستغلين في ذلك النقص المهول في الموارد البشرية في الإدارة الضريبية، وأيضا تهاون المحاسبين في القيام بما من شأنه أن يقطع مدة سريان التقادم.
ولعله من غير المستغرب ان تكون نسبة الدعاوى المدفوع فيها بالتقادم مرتفعة وذلك نظرا لسهولة ربحها، ولعدم استنفاذ الدافعين بالتقادم لأي جهد يذكر سوى معرفتهم بانقضاء مدة أربع سنوات دون قيام المحاسب المكلف بالتحصيل بأي إجراء قاطع للتقادم.
وإذا ما اعتبرنا أن الدفع بالتقادم هو تلك الوسيلة الآمنة والبسيطة التي يلجأ إليها الخاضعون للضريبة الراغبون في التهرب في غالب الأحيان قصد تحقيق مآربهم اللأخلاقية، فكيف تعامل القاضي الإداري مع المنازعات المتعلقة بالدفع بالتقادم؟ وهل من آليات للتقليل من خسائر الخزينة العامة نتيجة الدفع بالتقادم؟
من هذا المنطلق، ومن خلال استقرائنا لمختلف الأحكام والقرارات الصادرة عن المحاكم الإدارية ومحاكم الإستئناف الإدارية والغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، يتضح لنا أن الإجتهاد القضائي الإداري المغربي، استقر على عدم التساهل مع أي إخلال أو تماطل للإدارة المكلفة بالوعاء أو التحصيل بخصوص اجال تحصيل الديون الضريبية للدولة والجماعات الترابية.
حيث أكد العمل القضائي المتواتر على أن حق الخزينة العامة يسقط في استخلاص الضرائب المفروضة على الخاضعين للضريبة، إذا لم يتم تحصيلها بالكيفية الصحيحة المقررة في النصوص الضريبية وداخل الآجال المقررة في التشريع المغربي.
بل أكثر من ذلك، فإن القضاء الإداري لم يكتفي بضرورة سلوك الإدارة المكلفة بالتحصيل لإجراءات التحصيل قصد استخلاص الديون الضريبية تحت طائلة سقوط حقها في ذلك إذا تقاعست عن القيام بالتحصيل، أو أن تكون على الأقل قد قامت بإجراء من إجراءات التحصيل التي تقطع التقادم، بل يتعين أن تكون هذه الإجراءات سليمة حتى يمكن أن تنتج أثارها بخصوص سريان أجل التقادم[52]، حيث أن القضاء لم يرتب أي أثر قانوني يذكر بالنسبة لإجراءات التحصيل المخالفة للنصوص القانونية، كما هو الشأن مثلا بالنسبة لعدم تبليغ المعني بالأمر بإجراءات التحصيل، أو لعدم توفر الشروط التي تجعل هذا الإجراء صحيحا وقاطعا لأجل التقادم. أو كذلك من خلال ضرورة التسلسل القانوني لإجراءات التحصيل الجبري حتى يعتد بها من قبل القضاء كإجراءات التحصيل القاطعة للتقادم، إذ أن فساد هذه الإجراءات وعدم سلامتها القانونية وعدم تسلسلها القانوني لم يرتب عليه القضاء الإداري أي أثر بخصوص قطع أمد التقادم فهذا الإجراء هو والعدم سواء[53].
وهكذا فمن خلال الوقوف على العمل القضائي للمحاكم الإدارية ومحاكم الإستئناف الإدارية وكذاك الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، يتبين لنا أن معظمها إذا لم نقل أن 99% من المنازعات الضريبية هي عبارة عن دفوعات بالتقادم[54]، حيث تتعلق معضمها في عدم أحقية الإدارة في تحصيل الضريبة بفعل سقوط حقها في التحصيل لمرور أمد التقادم أوعدم القيام بالإجراءات التي تؤدي إلى قطع أو وقف التقادم.
الفرع الثاني: الوقوف على دور العمل القضائي للمحاكم فيما يخص الدفع بالتقادم
وفي هذا الصدد سنكتفي بذكر بعض الأمثلة من الأحكام التي تنصب على الدفوع المتعلقة بالتقادم، وذلك نظرا لكون هذا الدفع هو المثار بصفة كبيرة من طرف الخاضعين للضريبة، ونظرا كذلك لكثرة الأحكام والقرارات التي تصب في هذا الإتجاه بحيث أصبح التقادم يملأ رفوف المحاكم الإدارية.
وهكذا فقد صدرت مجموعة من الأحكام عن المحكمة الإدارية بالرباط تصب كلها في هذا الإتجاه، وتقضي تبعا لذلك بسقوط حق الخزينة في استخلاص الضريبة بفعل انصرام أجل التقادم، وعدم مبادرة إدارة التحصيل للقيام بأي من الإجراءات القاطعة للتقادم. فقد جاء في حكم صادر عن هذه المحكمة مايلي: “وحيث في نازلة الحال فإن الضرائب موضوع النزاع ترجع إلى السنوات 1988 و1989 و1995، وأن اخرها وضع للتحصيل بتاريخ 29 شتنبر 1995، دون أن يدلي القابض بما يفيد سلوك إجراءات التحصيل منذ ذلك التاريخ، الشيء الذي يجعلها متقادمة بحلول 29 شتنبر 1999 على أبعد تقدير، مما يتعين معه الحكم بتقادمها”[55].
وجاء في حكم اخر لنفس المحكمة ما مضمونه: “وحيث دفع قابض أكدال بأنه قام بمجموعة من الإجراءات القاطعة للتقادم.
وحيث إنه بالرجوع إلى مستخرج الجداول المدلى به في الملف يتضح أن جميع الضرائب المطعون فيها حدد تاريخ الشروع في تحصيلها ابتداءا من 1998 في الوقت الذي لم يدل فيه القابض بما يفيد مباشرة إجراءات التحصيل في مواجهة المدعية طيلة مدة الأربع سنوات التالية للتاريخ المذكور، وأن تمسك القابض بالقائمة الجماعية فإنه لا يوجد بالملف ما يفيد واقعة تعذر التبليغ قبل التعليق لتتمكن المحكمة من مراقبة صحتها مما يجعل الوسيلة المستمدة من تقادم إجراءات التحصيل في محلها ويكون بذلك حق الخزينة في استخلاص الضرائب المطعون فيه قد سقط بالتقادم”[56].
وفي حكم اخر للمحكمة الإدارية بالرباط، قضت فيه بسقوط حق الخزينة في المطالبة بالضرائب لتقادم مسطرة تحصيلها، وقد أوردت الحيثيات التالية: “حيث تمسك المدعي بتقادم مسطرة تحصيل الضرائب موضوع النزاع.
وحيث إنه طبقا لمقتضيات المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية، تتقادم مسطرة التحصيل بمرور أربع سنوات من تاريخ الشروع في التحصيل.
وحيث أحجمت الخزينة العامة عن مناقشة هذه القضية كما استنكفت عن الإدلاء بما يفيد قطع التقادم الرباعي أعلاه.
وحيث إنه والحالة هاته تكون مسطرة تحصيل الضرائب المتعلقة بسنوات من 1986 أي 2000 قد طالها التقادم”[57].
وفي حكم اخر لنفس المحكمة، حيث قضت بإلغاء أمر باستخلاص متعلق هذه المرة برسوم التسجيل معتبرة أن الإنذار الموجه إلى المدعي بعد مرور أربع سنوات على إصدار الأمر بتحصيل رسوم التسجيل تلك يجعله متقادما، وقد اوردت المحكمة الحيثيات التي أسست عليها حكمها وفق التالي ذكره: “حيث التمس المدعي إلغاء الأمرين بالإستخلاص عدد 2078 و3153 بعلة عدم استحقاق الضريبة لانعدام الواقعة المنشئة لها ولتقادمها من جهة.
وحيث أنه فيما يخص الأمر بالإستخلاص رقم 2078 فقد أوضحت مديرية الضرائب أنه يتعلق بنقصان في ثمن شراء المدعي لعقار فلاحي بموجب عقد عرفي مؤرخ في 01/10/1993 وأنها قامت بمراسلته بتاريخ 20/06/1996، ثم تقدم على إثر ذلك بطلب صلح ضمنه رفع ثمن الشراء من 400.000 درهما إلى 625.000 درهما فصدر الأمر بالإستخلاص رقم 2078 بتاريخ 26/06/1996.
وحيث إنه بإقرار الإدارة بإصدار الأمر بالإستخلاص رقم 2078 بتاريخ 26/06/1996 والحال أنها لم تقدم بعده على إجراء للتحصيل إلا من خلال الإنذار المؤرخ في 9/01/2003 وهو الإجراء الذي جاء خارج الأجل المخصص لتحصيل الديون العمومية، مما يجعل الدين المذكور متقادما ويتعين التصريح بإلغائه”[58].
وفي حكم صادر عن المحكمة الإدارية بأكادير، نحت فيه المحكمة منحى سابقتها وقضت بالحكم بإبطال ضرائب مترتبة عن المدعي قد طالها التقادم، لأن الإنذار الموجه في شأنها إلى الخاضع كان بعد مرور أربع سنوات مما جعله لا يؤثر في قطع التقادم، وقد جاء فيه: “حيث أن المحكمة بعد دراستها لملف القضية واطلاعها على الوثائق المدلى بها من قابض الحي الصناعي وخاصة الإنذار بالأداء الموجه للخاضع للضريبة تحت رقم 4562 والذي يؤكد فيه قابض الحي الصناعي بأن المدعي قد تسلمه بتاريخ 3/10/2006 فغنه من الثابت من وثائق الملف أن اخر ضريبة مطعون فيها بالتقادم تتعلق بسنة 2002 وأن تاريخ الشروع في تحصيلها حسب مستخرج الجدول المدلى به من طرف القابض هو 29/02/2002.
وحيث أنه انطلاقا من مقتضيات المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية، فإنه يتقادم مسطرة تحصيل الديون العمومية بمرور أربع سنوات من تاريخ الشروع في تحصيلها ما لم يتم قطع هذا التقادم بكل إجراء من إجراءات التحصيل الجبري داخل نفس المدة.
وحيث إن الإنذار المدلى به من طرف القابض كإجراء من إجراءات التحصيل الجبري التي تقطع التقادم إنما هو إجراء تم تنفيذه خارج أجل أربع سنوات أي بعد أن أصبحت الضرائب المذكورة متقادمة، لأن اخر ضريبة شرع في تحصيلها بتاريخ 29/02/2002 وبالتالي فإن أجل أربع سنوات ستنقضي بتاريخ 06/03/2006 في حين أن الإنذار المدلى به من طرف القابض صادر بتاريخ 08/09/2006 وتوصل به المدعي حسب ما جاء في مذكرة القابض بتاريخ 03/10/2006 الشيء الذي يجعله غير منتج في قطع التقادم ويكون بذلك الدفع المثار بهذا الصدد مبني على اساس سليم ويتعين من أجل ذلك التصريح بإبطال الضريبة على التضامن الوطني برسم سنة 1993 والضريبة الحضرية وضريبة النظافة برسم السنوات 1989-1999 و2000-2001-2002 لتقادم تحصيلها”[59].
يتضح لنا مما سبق، أن العمل القضائي لعب دورا كبيرا بخصوص المنازعات المتعلقة بالدفع بالتقادم، وذلك من خلال ترجمة الضمانات القانونية المخولة للخاضعين للضريبة في كل مراحل الدعوى على أرض الواقع، حيث لم تتردد المحاكم الإدارية من خلال نماذج الأحكام المشار إليها أعلاه وأحكام أخرى، في إلغاء عمليات التحصيل واستخلاص الضرائب المطعون فيها كلما ظهر لها عدم احترام المقتضيات القانونية المتعلقة بالتقادم الضريبي.
[1] عبد المنعم فوزي، المالية العامة والسياسة المالية، دار النهضة العربية، بيروت ،1972، ص 172.
[2] علي عوض حسن، الدفع بالتقادم والسقوط والإنقضاء، دار المطبوعات الجامعية، سنة 1996، ص 13.
[3] سعيد الدغيمر، قطع التقادم ووقفه في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق بالرباط، السنة الجامعية 1974-1975، ص 2.
[4] Mohamed Elyaagoubi « la notion de la régionalisation avancée dans le discours royaux » Remald , N94/95, Septembre/Decembre 2010,P 40.
[5] سعيد الدغيمر،قطع التقادم ووقفه في ضوء قانون الإلتزامات والعقود المغربي، مرجع سابق، ص4.
[6] عبد العزيز اليونسي، تقادم إجراءات تحصيل الديون العمومية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة عدد 31، 2001 ص 78.
[7] عبد العزيز اليونسي، تقادم إجراءات تحصيل الديون العمومية، مرجع سابق، ص 78.
[8] سعيد الدغيمر،قطع التقادم ووقفه في ضوء قانون الإلتزامات والعقود المغربي، مرجع سابق، ص 5/6.
[9] إن التقادم هو الاجل المعتبر كاجل قانوني لانقضاء الإلتزام بوجه عام وهو إما مكسب وإما مسقط، وفي الميدان الضريبي هو الأجل الخاص في فرض واستخلاص الضرائب سواء تعلق الأمر بفرض الضريبة (مرحلة التأسيس) أو استخلاص الضرائب (مرحلة التحصيل)، وأجل التقادم يختلف من ضريبة لأخرى، وإن كانت محاولة المشرع المغربي ليست شاملة فيما يتصل بتوحيد أجل التقادم بالنسبة لعموم النظام الظريبي المغربي. أورده محمد بن شريف، التقادم في تأسيس وتحصيل الضرائب في التشريع المغربي، مجلة المناظرة عدد 6، يونيو 2001، ص 145.
[10] رمضان جمال كامل، التقادم المسقط في التقنين المدني، الطبعة الأولى، سنة 2008، ص 9.
[11] محمد النجاري، نظرية حول التقادم الضريبي، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 19، أبريل – يونيو، 1997، ص 67.
[12] رمضان جمال كامل، التقادم المسقط في التقنين المدني، مرجع سابق، ص 16،17،18.
[13] سعيد الدغيمر، قطع التقادم ووقفه في ضوء قانون الإلتزامات والعقود المغربي، مرجع سابق، ص 7.
[14] أحمد أبو الوفا، المرافعات المدنية والتجارية، منشأة المعارف الإسكندرية، الطبعة الأولى، سنة 1990، ص 519.
[15] مأمون الكزبري، نظرية الإلتزامات في ضوء قانون الإلتزامات والعقود المغربي، الجزء الثاني، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، سنة 1970، ص 117، 118، 119.
[16] القانون رقم 95.27 من قانون الإلتزامات والعقود الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 57.95.57 الصادر في 13 من ربيع الأول 1416، (11 أغسطس 1995).
[17] مأمون الكزبري، نظرية الإلتزامات في ضوء قانون الإلتزامات والعقود المغربي، مرجع سابق، ص 526.
[18] القانون رقم 89.17 الصادر بتاريخ 21/11/1989 الجريدة الرسمية عدد 4023 بتاريخ 06/12/1989.
[19] القانون رقم 35.30 الصادر بتاريخ 20/12/1989 الجريدة الرسمية عدد 2818 بتاريخ 01/01/1986
[20] القانون رقم 24.86 الصادر بتاريخ 31/12/1986 الجريدة الرسمية عدد 7338 بتاريخ 21/01/1987
[21] مرسوم رقم 1151-58-2 بتاريخ 12 جمادى الثانية 1378 موافق 24/12/1958 الجريدة الرسمية عدد 2416 بتاريخ 13/02/1995، ص 478.
[22] المدونة العامة للضرائب المحدثة بموجب المادة 5 من قانون المالية رقم 06-34 للسنة المالية 2007 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 232.06.1 بتاريخ 10 دي الحجة 1427 الموافق ل 31 ديسمبر 2006.
[23] محمد النجاري “نظرة حول التقادم الضريبي” مرجع سابق، ص 69-70.
[24] حكم المحكمة الإدارية بوجدة، رقم 210، بتاريخ 13/09/2000، غير منشور.
[25] عبد النبي اضريف، التقادم الضريبي، مقال منشور في الصفحة الرسمية للأستاد محمد اضريف.
[26]– Pierre Dupont Delestraint “Droit civil”Dalloz, neuvième edition 1983, P:156.
[27] محمود سالم، السقوط والتقادم في الأوراق التجارية، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الأولى 1986، ص 146.
[28] محمد النجاري، نظرية حول التقادم الضريبي، مرجع سابق، ص 68.
[29] مصطفى بن شريف، التقادم في تأسيس وتحصيل الضرائب في التشريع المغربي، مرجع سابق، ص 147.
[30] عبد العزيز اليونسي، تقادم إجراءات تحصيل الديون العمومية، مرجع سابق، ص 78-79.
[31] مأمون الكزبري، نظرية الإلتزامات في ضوء قانون الإلتزامات والعقود المغربي، مرجع سابق، ص 593.
[32] عبد العزيز توفيق، أجال الإجراءات في التشريع المغربي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، سنة 1990، ص 13.
[33] العربي الكزداح، الطعون الجبائية في ظل المحاكم الإدارية بالمغرب، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق أكدال، السنة الجامعية 2003/2004، ص 321-322.
[34] مأمون الكزبري، نظرية الإلتزامات في ضوء قانون الإلتزامات والعقود المغربي، مرجع سابق، ص 594.
[35] رمضان جمال كامل، التقادم المسقط في التقنين المدني، مرجع سابق، ص 21.
[36] مصطفى بن شريف، التقادم في تأسيس وتحصيل الضرائب في التشريع المغربي، مرجع سابق، ص 146.
[37] عبد الرحيم حزيكر، إشكالية تحصيل الضرائب بالمغرب، ، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق، الدار البيضاء، السنة الجامعية 2004-2005، ص:193.
[38] قانون الالتزامات و العقود، إعداد و تقديم: امحمد لفروجي، طبعة 2011.
[39] عبد العزيز اليونسي، تقادم إجراءات تحصيل الديون العمومية، مرجع سابق، ص 85.
[40] Pierre Dupont Delestraint “Droit civil” op-cit, P:156.
[41] موريس صادق، قضاء منازعات الضرائب، دار الكتب القانونية، طبعة 1999، ص: 358.
[42] حمادة بن المختار، السندات التنفيذية لاستخلاص ديون الدولة من طرف قباضة الخزينة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون، السنة الجامعية 2004-2005، ص:341.
[43] Raoul reynal. les particularités du droit fiscal par rapport au droit privé en matière d’enregistrement au maroc. Edition la porte. Edition.1962. p.194.
[44] عبد الرحيم حزيكر، إشكالية تحصيل الضرائب بالمغرب، مرجع سابق، ص:193.
[45] عبد العزيز اليونسي، تقادم إجراءات تحصيل الديون العمومية، مرجع سابق، ص 85.
[46] قرار محكمة الاستئناف الإدارية، ملف عدد 343، بتاريخ 12/12/2011، غير منشور.
[47] حكم المحكمة الإدارية بمكناس، رقم 629 بتاريخ 21/11/2012، غير منشور.
[48] مأمون الكزبري، نظرية الإلتزامات في ضوء قنون الإلتزامات والعقود المغربي، مرجع سابق، ص 581.
[49] مأمون الكزبري، نظرية الإلتزامات في ضوء قنون الإلتزامات والعقود المغربي، مرجع سابق، 584.
[50] عبد العزيز اليونسي، تقادم إجراءات تحصيل الديون العمومية، مرجع سابق، ص 86.
[51] محمد خياري، التهرب الضريبي بالمغرب: الأسباب وسبل الحد منه، رسالة لنيل الماستر في القانون، جامعة الحسن الأول، كلية العلوم القانونية والأقتصادية والأجتماعية بسطات، السنة الجامعية 2011/2012، ص 118.
[52] عبد الحميد الصحراوي، حماية القضاء الإداري للملزم في المنازعات الضريبية، رسالة لنيل الماستر في القانون العام، جامعة الخامس السويسي، السنة الجامعية 2010، ص106.
[53] اسماعيل زكير، فاطمة غيلالي، منازعات تحصيل الديون العمومية على ضوء اجتهادات القضاء الإداري دعوى التقادم نمودجا، مطبعة الأمنية، الرباط، سنة 2007، ص 436.
[54] مداخلة للأستاد محمد بيصة بمناسبة إقامة ماستر التقنيات الضريبية (جامعة الحسن الأول، كلية العلوم القانونية والأقتصادية والأجتماعية بسطات) في مائدة مستديرة في 20/02/2013 بعنوان، مدونة تحصيل الديون العمومية: 13 عاما على دخولها حيز التنفيذ، الضمانات والإكراهات.
[55] حكم المحكمة الإدارية بالرباط، رقم 503، بتاريخ 2010/02/18 في الملف الإداري رقم 535/07/2009، غير منشور.
[56] حكم المحكمة الإدارية بالرباط، رقم 24، بتاريخ 2010/01/12 في الملف الإداري رقم 1364/07/2009، غير منشور.
[57] حكم المحكمة الإدارية بالرباط، رقم 3، بتاريخ 2007/01/09 في الملف الإداري رقم 05/3/923، غير منشور.
[58] حكم المحكمة الإدارية بالرباط، رقم 529، بتاريخ 30/03/2006 في الملف الإداري رقم 61/03/ش.ض، غير منشور.
[59] حكم المحكمة الإدارية بأكادير، رقم 145، بتاريخ 19/04/2007 في الملف الإداري رقم 328/2006ش.، غير منشور.


