يونس أبلاغ
طالب باحث في سلك الدكتوراه
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سلا
جامعة محمد الخامس الرباط
تقديم
يتميز القانون الإداري[1] بخصائص تحدده بين جميع القوانين[2]، باعتباره قانون حديث النشأة، غير مقنن، مرن و متطور، وقانون قضائي بالأساس[3]؛ و يقوم القانون الإداري على مبدأين أساسيين، أولهما أن الدولة ومن يمثلها تتمتع بحقوق وامتيازات خاصة في علاقتها بالأفراد، وثانيهما مبدأ الفصل بين السلطة التنفيذية، والسلطة القضائية. فخصوصية المبدأين الجوهريين تتقوى بوجود قاضي، أي القاضي الإداري، الذي يتميز عن قاضي المحاكم المدنية في نظام قضائي كالتنظيم القضائي الفرنسي القائم على ازدواجية المحاكم ( محاكم مدنية ومحاكم إدارية )، وهو الاتجاه الذي يسير فيه التنظيم القضائي بالمغرب[4].
تقترن دراسة القانون الإداري بمعرفة الاجتهاد القضائي، من خلال حصر الأحكام والقرارات القضائية ـاجتهادات مجلس الدولة ومحكمة التنازع الفرنسيينـ لفترات زمنية مختلفة عرف فيها مفهوم القانون الإداري جدالا فقهيا حادا[5]، و تحديد أهميتها في تأسيس وبلورة نظريات أحكام وقواعد ومبادئ القانون الإداري؛ هي حلول قضائية ناشئة عن منازعات كانت القواعد القانونية الخاضعة لها غامضة أو لم يكون تشريع بشأنها، وهي اجتهادات بقيت علامة في بنيان القانون الإداري لإسهامها في تطويره، وتحديد مجاله عن القانون الخاص.
تتحقق هذه الدراسة بالبحث عن الجذور القضائية التي أثارت جدالا بين فقه القانون الإداري[6]، تتجسد أيضا بالربط بين القانون الإداري قضائي بالأساس والقانون الإداري مرن ومتطور، غير مدون و غير مقنن. فلماذا القانون الإداري قانون قضائي بالأساس؟ وكيف ساهم الاجتهاد القضائي في تمييزه عن القانون الخاص؟
أرست القرارات و الأحكام القضائية الإدارية بفرنسا أسس القانون الإداري٬ وشكلت دعائمه وأسهمت في تطويره وبنيانه (I). واختلف دور القاضي الإداري الإنشائي من ابتكار مبادئ قانونية، وتأسيس قواعد، إلى تكريس مفاهيم. هذه العلاقة الجدلية بين الاجتهاد القضائي والقانون الإداري تستشف فيما أحدثه القاضي الإداري في القانون الإداري، ويختلف هذا الاستحداث من منازعة إلى أخرى، فالقاضي الإداري يعود للنصوص التشريعية قبل إيجاد حل للدعاوى فإن لم يجد، يجتهد و يؤسس(II).
(I): أسس تطوير القاضي الإداري للمادة الإدارية
في القرن التاسع عشر في فرنسا، بني معيار القانون الإداري على معيار السلطة العامة، التي هي في يد الدولة، والتي تميزها عن غيرها. وكان هذا المعيار مقبول، لما تشتمل عليه فكرة السلطة العامة، من إبراز لقواعد الإداري المتميزة عن قواعد القانون الخاص، وتطبيقها علاقة على الإدارة بالخواص، وهي تؤدي مهامها، والتي اقتصرت على أداء وظائف الأمن، الدفاع، والقضاء. والتي يسهل تمييزها عن باقي الأنشطة التي يقوم بها الخواص.
بالمقابل منذ أوائل القرن العشرين، لم يعد معيار السلطة العامة صالحا لإخضاع منازعات الإدارة مع الخواص، لأحكام القانون الإداري والقضاء الإداري. مما أصبح معه البحث عن معيار أخر لتحديد مجال تطبيق القانون الإداري، واختصاص القضاء الإداري، هذا المجال الجديد هو معيار المرفق العام كأساس يتحكم في تطبيق القواعد القانونية، وبالتالي فإذا كانت المنازعة إدارية، يعقد الاختصاص للقضاء الإداري، ويتحتم تطبيق قواعد القانون الإداري.
إن أول حديث فقهي عن مفهوم المرفق العام، يعود إلى الفقيه جورج تيسي “Teissier” أحد مستشاري مجلس الدولة الفرنسي، باعتباره أول من يتكلم عن مفهوم المرفق العام، في كتابه المعنون ب ” مسؤولية السلطة العمومية “، الصادر سنة 1906، ودافع فيه عن فكرة المرفق العام كمعيار لتطبيق القانون الإداري، وبني فكرته على اجتهادات قضاء مجلس الدولة (أولا) [7] ؛أما في الوقت أصبح ما يسمى بأزمة المرفق العام، استند الفقيه “مارسيل فالين waline” على اجتهاد قضائي لمجلس الدولة الفرنسي، ونادى بفكرة المنفعة العامة، كمعيار جديد لتطبيق القانون الإداري(ثانيا)[8].
أولا: القانون الإداري مرتبط بفكرة المرفق العام
يقول الأستاذ “Teissier” أن المرفق العام يعتبر أساس نظرية شاملة لتطبيق قواعد القانون الإداري، وبني هذه الفكرة انطلاقا من وقائع حكم بلانكو الشهير بتاريخ 8 شتنبر1973[9] .
تعد الحادثة التي كانت ضحيتها الطفلة “Agnés Blance” من أهم الحوادث التي عرضت على محكمة التنازع الفرنسية، في تاريخ القانون الإداري. والتي سبقتها قضية “Rotshild” ( 6 دجنبر 1855 )، لكن يبقى حكم “بلانكو” في نظر الفقه هو حجر الزاوية في تحديد أساس القانون الإداري، واختصاص القاضي الإداري والنظام القانوني للمسؤولية الإدارية [10].
فحكم بلانكو أخذ هذه المكانة المهمة في بنيان القانون الإداري، نتيجة لما أسس له في مجموعة من الاتجاهات :
- حول مفهوم القانون الإداري :
بحسب محكمة التنازع الفرنسية، فإن النشاط الإداري يدور حول فكرة اختلال المساواة، لأنه يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، مما يكون معه وجود سلطات استثنائية بيد الإدارة، بالمقابل هناك القانون المدني الذي يتأسس على المساواة بين المواطنين .
- حول الاختصاص القضائي :
الأسباب النظرية لعدم تطبيق القانون المدني على نشاط الأشخاص المعنوية العامة، يرجع إلى محكمة التنازع التي أقرت على أن القاضي الإداري، يكون مختصا كلما استهدف تحقيق المصلحة العامة من طرف أشخاص معنوية عامة، وفي حالة نادرة أشخاص معنوية خاصة، إنه معيار العلاقة بين الاختصاص والمضمون .
- حول المسؤولية الإدارية :
أيضا تتجلى أهمية حكم بلانكو في كونه أسس لقواعد جديدة تهم المسؤولية الإدارية :
الإدارة يجب أن تتحمل المسؤولية عن الأضرار التي تسببها للأفراد، وإذا كانت ميزة القضاء الإداري في البداية تتمثل في غياب الطابع العام والمطلق لمسؤولية الدولة، فإن هذه الأخيرة قد توسعت شيئا فشيئا إلى غاية إقرار المسؤولية دون خطأ، بناء على المخاطر أو على اختلال المساواة أمام الأعباء العامة، وبذلك ظهر نظام أكثر من القانون المدني [11].
فمسؤولية الدولة، أو بمعنى أدق المسؤولية الإدارية، هي كون الإدارة بوصفها سلطة عامة، ملزمة باحترام القانون في جميع تصرفاتها وأعمالها، وإذا حصل العكس، وتم الإخلال بمبدأ المشروعية، فمن حق الأفراد أن يطعنوا في نشاطهعبر ضمانة القانون الإداري والقضاء الإداري .
ثانيا: المنفعة العامة عنصر أساسي في تحديد المرفق العام
في بداية القرن التاسع عشر،كانت الدولة تلعب في حياة المواطنين دورا محدودا، وتتدخل فقط لتنظيم مرفق الدفاع الوطني والشرطة والقضاء، هكذا كانت تسمى بالدولة الحارسة (Etat gendarme ) ، وكان معيار السلطة العامة كاف كمعيار لتطبيق القانون الإداري.
وبعد تطور وظائف الدولة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتشعب تدخلاتها في ميادين متعددة لإرضاء حاجات العموم، جعل الإدارة في حاجة للتمتع بامتيازات وقواعد التعاون الإداري، وهكذا انتصرت فكرة المرفق العام، وتوجت بحكم بلانكو وأصبح المرفق العام أساسا لتطبيق القانون الإداري [12].
بالمقابل، ومع توسع النشاط الإداري، وتدخل الإدارة في مجموعة من المجالات الاقتصادية، أدى إلى ظهور أنواع جديدة من المرافق العامة الصناعية والتجارية، تقوم بنشاط لا يختلف عن النشاط الذي يقوم به الخواص، وتوكيلهم تسيير و إدارة بعض المرافق العامة، وبذلك لم يعد معيار المرفق العام كافيا لتطبيق القانون الإداري [13].
هذا الغموض الذي أصبح يلف معيار المرفق العام، كأساس لتطبيق قواعد القانون الإداري، أدى إلى ما يسمى بأزمة معيار المرفق العام، إلا أن هذه الأزمة لا ترتبط بالمرفق العام بمعناه العضوي، أو الشكلي، أو ترتبط بالمرفق العام بمعناه المادي أو الوظيفي، بل هي أزمة ترتبط بمفهوم المرفق العام .
هذا الوضع الجديد، دفع بالفقه إلى التشكيك في قيمة المرفق العام كأساس ومعيار لتحديد نطاق القانون الإداري، وعليه اتجه إلى فكرة المنفعة العامة، كمعيار جديد لتطبيق القانون الإداري، وعلى رأسهم الفقيه “مارسيل فالين” ، تبعا لذلك يبقى السؤال هنا على ماذا بني هذه الفكرة الجديدة ؟
اعتمد “waline” في تأسيس هذه النظرية، والدفاع عن فكرة المنفعة العامة، على حكم مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 10 يونيو 1921، في قضية “بلدية مونسيجور Commune de Monségur”[14].
تبنى “waline” فكرة المنفعة العامة كأساس لتطبيق القانون الإداري، ومعيار اختصاص القضاء الإداري، فالنشاط الإداري يستهدف تحقيق النفع العام، وهو ما يميزه عن النشاط الخاص[15] .
إن أخد الفقه بمعيار المرفق العام، كأساس لتطبيق القانون الإداري، يجد سنده في الاجتهاد القضائيحكم بلانكو ـ. وبعدتراجعالفقه عن هذا المعيار، و التشكيك في فكرة المرفق العام، بعد تخلي الدولة عن بعض المرافق للخواص، و خاصة المرافق العامة الاقتصادية و الاجتماعية، كما هو الحال بالنسبة للكنائس في قضية بلدية “مونسيجيور” . اتجه الفقه إلى الأخذ بفكرة المنفعة العامة، كأساس لتطبيق القانون الإداري، كون المنفعة العامة أشمل و أوسع من المرفق العام. وهذا ما ينم عن تطابق أراء الفقه مع الحلول القضائية، بل إن الاجتهاد القضائي يستند عليه الفقه لمعرفة المعيار الصالح لتطبيق قواعد القانون الإداري.
(II): أشكال تطوير القاضي الإداري للمادة الإدارية
يتميز القاضي الإداري بمكانة مهمة داخل المجتمع، هذه المكانة لم يتبوأها بالصدفة، بل هي نتيجة للعمل الذي يقوم به في استلهام أحكام القانون، والحفاظ على مبدأ المشروعية. ولما عرف القانون الإداري بأنه قانون غير مقنن وغير مدون، وهو ما يفيد عدم وجود النصوص القانونية التي يعتمدها القاضي الإداري للقيام بعمله أحسن قيام (أولا). وهذا ما يجعله ينشئ قواعد ويبتكر مبادئ ومفاهيم و حلول حتى لا ينطوي فعله على إنكار العدالة، ولهذا أصبح للقاضي الإداري دور كبير في تطوير قواعد القانون الإداري، بل شكل القضاء الإداري دعامة كبيرة تكرست في قواعد القانون الإداري (ثانيا).
أولا: دور القاضي الإداري في تطوير المادة الإدارية
إن للقاضي الإداري دور غاية في الأهمية، بتأثيره على القانون الإداري يلمس هذا الدور من خلال ما يقوم به من إنشاء لقواعد قانونية، ويخص بالذكر هنا القضاء الإداري الفرنسي، بل إن القاضي الإداري أصبح يؤسس لقواعد من خلال الأحكام التي تصدر عن المحاكم الإدارية. تلك القواعد إن لم تكرس في نصوص قانونية، يمكن أن تكون منبها للمشرع في بعض الأحيان.
أـ الدور الإنشائي للقاضي الإداري
كان لزاما على القاضي الإداري أن يقدم بديلا أكثر مسايرة لنشاط الإدارة ولأهدافها، فبعد محاولة إيجاد حل للمنازعة المعروضة عليه وفي ظل غياب نصوص قانونية، لا بد للقاضي الإداري أن يقدم بديلا، وهذا ما يجعله يخلق قواعد قانونية من حين لآخر. لكن إنشائية القاضي الإداري ترتبط ارتباطا وثيقا بكون القانون الإداري غير مدون وغير مقنن، وعليه فالقاضي الإداري، لا يتراجع في إنشاء قواعد قانونية في حالة غياب نصوص قانونية، لكي لا ينطوي فعله وتصرفه على إنكار العدالة .
يقوم القاضي الإداري بدور غاية في الأهمية في مجال إرساء قواعد القانون الإداري، واليه يعود الفضل في الكشف عن الكثير من القواعد[16]، فالقواعد والنظريات التي ابتدعها القضاء الفرنسي، أصبحت قواعد عامة ومضمون قاعدي للمادة الإدارية، فالقاضي الإداري يمتلك ما أضحى متداولا بالدور الإنشائي للقاضي الإداري، ويعني بالأساس ابتداع الحلول المناسبة للروابط القانونية التي تنشأ بين الإدارة في تسييرها للمرافق العامة وبين الأفراد مع الكشف عنها، حيث يجد القاضي الإداري نفسه مجبرا على ابتداع الحلول المناسبة للروابط القانونية عندما لا يجد من مصادر القانون الإداري المكتوبة وغير المكتوبة ما يعالج به المنازعة، ويعد هذا حقا مشروعا له، كونه قاضيا لقانون حديث ومتطور، ويصعب تقنينه في ظل مجموعة من العوامل المتصارعة، فإن لم يفعل ذلك انطوى فعله على إنكار العدالة، فلم يكن له من خيار سوى العمل الجاد على ابتداع الحلول المناسبة، وهو ما يفعله القاضي الإداري لحماية مبدأ المشروعية، حيث له دور غاية في الأهمية لحماية هذا المبدأ من خلال مهمته في الكشف والإعلان عن وجود القواعد القانونية [17].
تتجسد أهمية الدور الإنشائي[18]، كون القاضي الإداري يشكل إفرازا لنبض المجتمع الذي يمارس فيه مهامه، والذييستلهمه من تنظيماته وثقافته وعاداته، وسلوكيات أفراده وأحكامه، لأن مميزات القاضي الإداري، تتمثل في صيانة الحقوق والحريات التي أصبحت ذات بعد عالمي، وليست حكرا على قطر معين دون غيره، فضمان الحريات وصيانة الحقوق أصبح مرادفا للانفتاح وعدم الانغلاق [19].
إذا كان القانون الإداري قانون قضائي، باعتباره قانون ابتدعه فكر القاضي الإداري، فإن ذلك يجعل القاضي الإداري متميز بعدد من الخصوصيات والمميزات، التي تفرض نفسها، حتى يمكنه القيام بمهامه على أكمل وجه، حيث يتفق الكثير من الفقهاء على وجودها اتسام القاضي الإداري بها، وذلك من خلال قدرته على إعطاء مفهوم متطور للقانون وخلق المبادئ والقواعد القانونية، إضافة إلى مواكبته للتطورات التي يعرفها مع تأطير عمل الإدارة ورسم حدوده [20].
صحيح أن القاضي الإداري غالبا ما ينشئ قواعد قانونية، ويخلق مبادئ ونظريات وقواعد في القانون الإداري. لكن وعلى اعتبار أن أجزاء كبيرة أصبحت مدونة في القانون الإداري. فهل القاضي الإداري إن وجد نص قانوني سواء في إطار القانون الإداري أو غيره، فهل يتقيد به، أم أن القاضي الإداري دائما هو قاضي إنشائي ؟
بتراجع الدور الإنشائي للقاضي الإداري
توجد في القانون الإداري المغربي، مجموعة من المجالات المقننة. وفي حالة إثارة نزاع في الموضوع، فالقاضي الإداري لا يتردد في الرجوع إلى تلك النصوص القانونية على تعددها[21] فنجد مثلا:
- القانون 90/12 المتعلق بالتعمير [22]؛
- القانون 08/17 المتعلق بالميثاق الجماعي [23]؛
- القانون 00/79 المتعلق بالعمالات والأقاليم [24]؛
- القانون 96/47 المنظم للجهات [25]؛
- القانون 05/54 المنظم للتدبير المفوض [26]؛
- القوانين المنظمة للأملاك على تعددها [27].
وهذا ما يرتب لنقطتين أساسيتين :
إن الدور الإنشائي للقضاء الإداري، ارتبط فقط بالقاضي الإداري الفرنسي، لأنه هو من وضع الأسس واللبنات الأساسية الأولى للقانون الإداري، ثم أن القاضي الإداري لا ينشئ دائما قواعد جديدة، في ظل وجود نصوص قانونية تتدخل في صلب القانون الإداري، ويعتمد عليها مباشرة لإيجاد حل للنازلة المعروضة عليه.
هكذا فالنصوص القانونية المدونة غالبا ما يلجأ إليها القاضي الإداري، وأحكامه عديدة ومتنوعة، والتي تم فيها تطبيق نصوص تشريعية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فرخصة الاحتلال المؤقت للملك العام، التي يستأذن فيها الراغب فيه من السلطة الإدارية المختصة، استغلال أملاكها العامة لمدة معينة ولأغراض كثيرة كاستخراج مياه معدنية، مزاولة تجارة فوق الأرصفة، مراكز التموين، وأرصفة المقاهي، إذا كان ذلك لا يضر بالمنفعة العامة[28] .وتبعا لذلك تمنح هذه الرخصة[29] لمدة أقصاها عشر سنوات ويجوز تمديدها بصفة استثنائية إلى عشرين سنة [30].
ثانيا: الدعامة القضائية للقانون الإداري
إن القاضي الإداري أثناء قيامه بالدور المنوط به، يقوم باستلهام أحكام القانون، واستنباط الأحكام من خلال الاجتهاد. فالقاضي الإداري كلما عرضت عليه قضية من القضايا على كثرتها، لا يتوانى في وضع حكم وقاعدة تكون أساسا تشريعيا، بل يضع مبادئ بقيت علامة في تاريخ القانون الإداري. و تأسيس مفاهيم شكلت بنيان للقانون الإداري.
أـ “ابتكار” مبادئ قانونية
يقوم القاضي الإداري بدور كبير عن طريق ملأ الثغرات، والكشف عن أسس جديدة لتطوير القانون الإداري، وتبعا لذلك فالقاضي الإداري أغنى المادة الإدارية عبر إرساء مجموعة من المبادئ، كالمبادئ العامة للقانون، وأرسى كذلك مبادئ أخرى كمبدأ المساواة في إطار مباريات التوظيف، متبوع بتواتر لمجموعة من الأحكام التي تبنته وارتكزت عليه.
أ.1ـ المبادئ العامة للقانون
هي مبادئ غير مكتوبة، وغير منصوص عليها صراحة في نصوص قانونية، لكنها مستقاة من اجتهاد القضاء الإداري ومؤكد عليها من طرفه، ويعتبرها ملزمة لنشاط الإدارة. والمبادئ العامة للقانون موجودة منذ نصف قرن في اجتهاد مجلس الدولة الفرنسي، وتشكل مصدرا جديدا وهاما للشرعية[31]. وتبعا لذلك، فالقضاء الفرنسي ويخص بالذكر مجلس الدولة، قد لعب كل الدور في إرساء وتكوين هذه المبادئ، بل هو من كشف عنها، وبدء العمل بها سنة 1940. بعد أن اجتاحت القواعد الألمانية فرنسا إبان الحرب العالمية الثانية، وسقوط الجمهورية الثالثة، وقيام حكومة مؤقتة. هذا التغيير أدى إلى انهيار النظام المؤسساتي والسياسي بفرنسا، وسقطت النصوص القانونية التي تضمن حقوق الأفراد، ضد امتيازات السلطة العامة، التي تتميز بها الإدارة اتجاه الأفراد. وعلى هذا الأساس ابتكر مجلس الدولة الفرنسي المبادئ العامة للقانون، وأقر بضرورة العمل بها، وعلى الإدارة احترامها، وإلا فإن نشاطها يصبح مخالفا لمبدأ المشروعية [32].
أما من حيث قيمتها القانونية، فهناك مبادئ عامة للقانون لها قيمة قانونية. ثم مبادئ عامة للقانون، لها قيمة دستورية، حسب اجتهاد المجلس الدستوري الفرنسي، وهي بالخصوص تلك المبادئ المستمدة من تصدير الدستور[33].
يبدو أن القاضي الإداري الفرنسي، كان له كل الدور في تأسيس هذه المبادئ ذات القيمة الكبيرة، نظرا لإلزاميتها وقيمتها القانونية الموازية لتصدير الدستور. بل إن هذه المبادئ التي ابتكرها مجلس الدولة، فمخالفتها من طرف الإدارة يترتب عنه مخالفة النشاط الإداري لمبدأ الشرعية .
إن المبادئ العامة للقانون التي ابتكرها مجلس الدولة الفرنسي، لها قيمة كبيرة، وهذا ما ترك القضاء المغربي يسير في نفس الاتجاه، بتبني الغرفة الإدارية للمجلس الأعلى منذ إنشائه سنة 1957 مجموعة من المبادئ[34].
أ.2ـ مبدأ المساواة في إطار مباراة التوظيف
يعد مبدأ المساواة، أهم مبدأ يعمل به القاضي الإداري، أثناء نظره في الدعوى المتعلقة بمباراة التوظيف، أي توفر المساواة دون تمييز بين مرشح وآخر، أو بين رجل وامرأة، وتبعا لذلك يمكن تعريف مبدأ المساواة، بأنه منع التمييز لأي اعتبارات سياسية أو معتقدات دينية، أو بسبب العرق أو الجنس[35]، وهذا ما أكده مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 3يونيو 1936، في قضية الآنسة “Bobard”، حيث قضى مجلس الدولة الفرنسي بأن القانون يضمن للمرأة وفي جميع المجالات حقها تماما كما للرجل، مع منع جميع القرارات التي تمنع المرأة من الولوج إلى المباريات، سواء المهنية أو الخاصة بالقضاء وكذا المناصب العليا [36].
إلى جانب مبدأ المساواة في إطار مباراة التوظيف، هناك أيضا مبدأ احترام الحقوق المكتسبة، حيث أن المرشحين والى حين إغلاق باب الترشيح، لهم حق مكتسب يمكنهم من ولوج المباراة، كما أن الإدارة. ويعد إعلان قرار المباراة، وإيداع المرشحين لترشيحاتهم، لا يمكنها أن تتراجع عن هذا القرار، مادام أنه انشأ حقوق مكتسبة، وارتباطا بالمبدأين السابقين يوجد كذلك مبدأ الأجرأة، الذي يضمن بقاء اللجنة المكلفة طيلة مدى المباراة [37].
ب”تأسيس” قواعد قانونية
أخذت مجموعة من الأحكام، والقرارات القضائية الكبرى مكانة مميزة في القانون الإداري، من خلال منطوقها الذي عبر عن جرأة القاضي الإداري، حتى أصبحت أحكامه تمثل قواعد تنبني عليها باقي الأحكام الصادرة عن القضاء الإداري، هذا الأخير ما فتئ أن يؤسس نظريات وكذلك مفاهيم بقيت لصيقة بالقانون الإداري.
ب.1ـ إنشاء قواعد
توجد مجموعة من الأحكام القضائية الكبرى بفرنسا، والتي أسست لمجموعة من القواعد، وأصبحت أساس للقانون الإداري، حتى أصبحت تحتل مكانة ومركزا متميزين. بعد أن جعلت القضاء الإداري في موقع صعب، حتى يجد حل للمنازعة . والتوفيق بين المصلحة العامة والخاصة، حيث لعب القضاء الإداري، دورا محوريا في هذا المجال. فبتاريخ22 يناير 1929 أسست محكمة التنازع الفرنسية لما يسمى ” مؤسسات عامة ذات طابع صناعي أو تجاري“، بخصوص الشركة التجارية لغرب إفريقيا “Société commercial de l’ouest african “، ومن أهم حيثيات هذا الحكم كون الشركة التجارية لغرب إفريقيا، كانت تملك إحدى العربات التي تضررت في الحادث الذي وقع لعبارة ” ايلوكا ” Bac d’eloka))،وهي مصلحة الربط البحري على ضفاف ساحل العاج، المستغلة مباشرة من طرف المستعمرة، وتبعا لذلك ومن أجل تحديد القاضي المختص، لتعيين الخبير الذي تطالب به الشركة، كان على محكمة التنازع أن تحددها إذا كانت مصالح ما تابعة للإدارة، يمكن أن يعتبر بأنها تسير بنفس الشروط التي تسير بها المؤسسات الخاصة، ومن تم يكون القاضي العادي هو المختص، وقد كان من المقبول أن تتصرف الإدارة في بعض العمليات المعزولة مثل الخواص، دون استعمال امتيازات السلطة العامة، وكانت هذه أول مرة يتم قبول الفكرة بالنسبة لمرفق كامل [38].
وبتاريخ 8 ابريل 1935 صدر حكم عن محكمة التنازع الفرنسية، بخصوص جريدة ” أكسيون الفرنسية “(Action Française) ، بعد أن قام محافظ الشرطة بباريس صبيحة يوم 07فبراير 1934، بحجز نسخ جريدة لاكسيون الفرنسية لدى كل المستودعين في باريس، وفي محافظة السين، وأسس هذا الحكم لقاعدة ملزمة وهي ” نقطة الانطلاق لنظرية التعدي ” [39].
وبتاريخ21 يونيو 1895 صدر قرار عن مجلسي الدولة الفرنسي في قضية ” كام Cames”، وصدر هذا القرار بناءا على أن السيد “كام” ، كان عاملا بمصنع حربي تابع للدولة، وتعرض لجروح ناجمة عن تطاير شظايا الحديد، مما نتج عنه بثر يده اليسرى،ومن ثم عجزه عن العمل. وتجدر الإشارة أنه في الوقت الذي صدر فيه هذا القرار لم يكن هناك ضمان اجتماعي. فقرر وزير الحرب منحه تعويضا، حيث وجده العامل “كام” غير كاف، ومن ثم رفع أمره إلى مجلس الدولة مطالبا بتعويض أكبر. وبموجب هذا القرار تقبل مجلس الدولة لأول مرة “إمكانية قيام مسؤولية بدون خطأ أي المسؤولية على أساس المخاطر” [40].
وبتاريخ 4 أبريل 1914، صدر قرار أخر عن مجلس الدولة الفرنسي في قضية السيد “Gomel”. وصدر هذا القرار بناءا على رفض الإدارة تسليم رخصة البناء للسيد “Gomel”، بحجة أن ساحة ” بوفو ” بباريس (Place Beauvau à Paris)، موقع العقار الذي يريد المعني بالأمر انجاز أشغال به، يعتبر موقعا محتملا لانجاز نصب تذكاري، وفقا لأحكام المادة 118 من قانون31 يوليوز 1911 والتي تسمح للإدارة برفض تسليم رخصة البناء في مثل هذه الحالة، وتبعا لذلك وبموجب هذه النازلة توسع القاضي الإداري في مراقبة الإدارة، ولأول مرة يقبل مجلس الدولة أن يراقب ليس فقط سلامة التفكير القانوني الذي تتبعه الإدارة، بل أيضا “المراقبة القضائية لصحة التكييف القانوني للأحداث والوقائع التي اعتمدت عليها الإدارة لاتخاذ قرارها” [41].
وبتاريخ26 يوليوز 1910، صدر قرار عن مجلس الدولة الفرنسي، بعد أن قامت بلدية “روك كورب” (Roque Caurbe) ” بعيدها السنوي، وكان يتضمن هذا العيد ألعاب القنص على أهداف عائمة في النهر، أثناء ذلك كانت سيدة تدعى “لومونيي Lemonnier”، على الحافة المقابلة للنهر فأصيبت برصاصة أحد القناصة. فرفع الزوجان “EpauxLemonnier” دعوى ضد رئيس البلدية أمام القضاء العادي، والذي قرر مسؤولية الشخصية، وحكم عليه بتعويضها، ثم رفعا دعوى ثانية أمام مجلس الدولة مطالبين هذه المرة بالحكم على البلدية بالتعويض. وبموجب هذه القضية، توسع مجلس الدولة في تقرير مسؤولية الدولة الإدارية بسبب الأخطاء التي يرتكبها أعوانها، ومن خلال قرار مجلس الدولة الفرنسي هذا فقد تم “تقرير مسؤولية الدولة الإدارية بسبب الأخطاء التي يرتكبها أعوانها“، واعتبر مجلس الدولة كذلك في هذا القرار، بكون الحادث ناجم عن خطأ عون عمومي مكلف بتسيير مرفق عام، والخطأ ذو طابع شخصي، ويمكن أن يؤدي على العون بالتعويض أمام المحاكم العادية، ولا يحرم المتضرر من حقه في المتابعة المباشرة ضد الشخص المعنوي الذي يسير المرفق، للتعويض عن الضرر. وفي هذا السياق على القاضي الإداري أن يتأكد فقط من “وجود خطأ مرفقي يؤدي إلى قيام مسؤولية الدولة” [42].
ب.2ـ تكريس مفاهيم
إن الاجتهادات القضائية، ويخص بالذكر هنا الأحكام والقرارات، الصادرة عن القضاء الإداري الفرنسي، أسست لمجموعة من المفاهيم التي بقيت لصيقة بالقانون الإداري. وتبعا لذلك يعد مفهوم المرفق العام أول تعبير عن وجود قانون إداري، بعد حكم محكمةالتنازع الفرنسية في قضية “بلانكو”، بل أصبح معيار لتطبيق القانون الإداري، وتشبث به أشهر الفقهاء الفرنسيين (Baunard – Jeze – Duguit ) لدرجة أنهم أسسوا مدرسة أطلقوا عليها مدرسة المرفق العام [43].
إن حكم محكمة التنازع الفرنسية في قضية “بلانكو” لم يؤسس فقط لمفهوم المرفق العام، بل أسس كذلك لمفهوم المسؤولية الإدارية، باعتبارها أداة تقنية تلزم الأشخاص العامة في تحمل مسؤولية أعمالهم وتصرفاتهم، التي تتولد عنها أضرار ينبغي تعويضها وفقا لقواعد قانونية متميزة عن تلك المطبقة في نظام المسؤولية المدنية، هذا المفهوم لم يتبناه القاضي الإداري المغربي إلا في حدود 1997 بعد أن كان يسترشد في بعض الحالات في قضايا المسؤولية الإدارية بالقواعد المسلم بها في القانون الخاص [44].
كفكرة عامة، فالقاضي الإداري أسس بنية مفاهيمية كبيرة شكلت أساسا للقانون الإداري، وأصبحت ترتبط به إلى حدود الآن، نجد كذلك مفهوم المنفعة العامة الذي تشبت به الفقه، بل اعتبره أساس جديد لتطبيق القانون الإداري ومعيار لاختصاص القضاء الإداري ( حكم مجلس الدولة الفرنسي في قضية بلدية مونسيجور ) .
إن المفاهيم التي كرسها القاضي الإداري[45] كثيرة ومتنوعة، فمفهوم المصلحة العامة، يرتبط ارتباطا وثيقا بالقانون الإداري، وأساس هذا المفهوم هو دعوى الإلغاء ( إحدى أهم ركائز القضاء الإداري )، وعلى اعتبار أن دعوى الإلغاء هي دعوى موضوعية عينية، فهي ترمي إلى تحقيق المصلحة العامة، هكذا فإلغاء قرار إداري يعني شيئا وحيدا، وهو محو نتاج عدم المشروعية، الشيء الذي يدفع الإدارة المعنية إلى عدم مخالفة القانون، وعليه فإن دعوى الإلغاء لها حجية مطلقة في مواجهة الكافة، حيث أن أساس إلغاء قرار إداري يبقى في نهاية المطاف لفائدة مبدأ المشروعية والتي هي لفائدة الجميع داخل نفس المجتمع، كما أن الطاعن في دعوى الإلغاء، لا يهدف في الأساس إلا لتحقيق مصلحته الخاصة، غير أن ذات المصلحة تتفق مع المصلحة المتمثلة في تحقيق المشروعية [46].
إن القاضي الإداري لم يؤسس فقط لمفاهيم وقواعد القانون الإداري، بل كرس مفاهيم ثم شرحها وأطرها حتى لا تخرج عن مدلولها، بل قلب مجموعة من المفاهيم التقليدية، كما هو الحال فيما يخص استغلال المرفق العام[47] .
يبدو بشكل جلي أن القاضي الإداري أثناء محاولته إيجاد حل للمنازعة المعروضة عليه. فهو لا يتردد في محاولة إيجاد حل واقعي، يوفق بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة للأفراد. كما أنه بعد التأسيس لقاعدة معينة للحكم، يكون قد أسس لمفاهيم تعتمدها جميع الأحكام الموالية بشكل متواتر، بل إن القاضي الإداري، قد يؤسس لمفهوم معين، ثم يعود لتفسيره أو ليشرحه بل يضيف إليه مفاهيم أخرى، كما هو الحال بالنسبة لحكم مجلس الدولة ” الملك العام – الاستعمالات “.
يسعى الفقه والقضاء سويا لإيجاد أساس يصلح لتطبيق قواعد القانون الإداري، إلا أن دور القاضي الإداري له أهمية خاصة، ومميزة. هذه الأهمية هي التي تركت الفقه ينعت القانون الإداري، بأنه قضائي بالأساس. تبعا لذلك فهذا النعت بني على الاجتهادات القضائية، والتي ما فتئ القاضي الإداري من خلالها أن يؤسس لقواعد تصلح للتطبيق وتصلح لأن تكون حل لبعض المنازعات الأخرى. بل إن القاضي الإداري أسس مبادئ قانونية تبنتها قوانين ودساتير وتشريعات مختلف الدول، كالمبادئ العامة للقانون ومبدأ المساواة… هذا الإبداع للقاضي الإداري تواصل كذلك في تأسيس مفاهيم تكرست في بنيان القانون الإداري.
إن القانون الإداري قانون قضائي بالأساس، أما التمييز بأنه قانون غير مدون، فهو نعت مردود عليه، فعلى سبيل المثال لا الحصر، من بين القوانين المدونة، والتي تدخل في صلب القانون الإداري والتي يتم تطبيقها من طرف القاضي الإداري نفسه (القانون 97-15 بمثابة مدونة للتحصيل العمومية- القانون 08-17 المعدل للقانون 00-78 بمثابة ميثاق جماعي- القانون 05-54 المتعلق بالتدبير المفوض- القانون 00-79 المنظم للعمالات والأقاليم- القانون 90-12 المتعلق بالتعمير- ظهير شريف رقم 1.58.08 بتاريخ 24 فبراير 1958 بشأن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، والنصوص التطبيقية المتعلقة به…).
إن القانون الإداري يعرف تحولات جد مهمة، والمغرب يتجه نحو تأسيس قانون إداري محلي موازاة مع القانون الدستوري المحلي، وهذا ما يستشف من القوانين المتعلقة باللامركزية الترابية التي عرفها المغرب غداة الاستقلال، وعرفت تعديلات جوهرية مسايرة للتطورات الاقتصادية، الاجتماعية والبيئية، ويستشف كذلك من النقاشات العمومية الحالية، كالنقاش الوطني حول مشروع الجهوية المتقدمة بعد دستور سنة 2011، والقوانين التنظيمية الهامة (قانون تنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات- قانون تنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات و الأقاليم- قانون تنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات). ولهذا نأمل أن يتم التأسيس لقانون إداري محلي يكون خادما للإدارة المحلية، على ضوء دستورها المحلي لأجل دولة الحق و القانون و المؤسسات.
[1]-ربط كل من الفقهاء ” LA FERRIERE ” ، ” BERTHELEMY ” و “M.HAURIAU” مفهوم القانون الإداري، أساسا في التمييز بين أعمال السلطة وأعمال الإدارة العادية، أو ما يسمى بأعمال التسيير. وهو توجه يوحي أساسا إلى أن نشاط الإدارة الذي يحكمها قانونها الإداري يتخذ شكلين، إما أن يكون في علاقة فوقية مع الأفراد، أو في علاقة متوازنة معهم، وتبعا لذلك وعلى اختلاف المفاهيم والتعاريف، فإن جانبخر من الفقه الفرنسي رأى غير ذلك، في تحديد مفهوم القانون الإداري حيث عرفه “BONNARD”، على أن القانون الإداري هو قانون المرافق العامة، في حين اعتبر “DUGUIT” أن الأموال العامة هي الأموال المخصصة للمرفق العام، أما “JEZE” فاعتبر أن الأشغال العمومية هي الأشغال المنجزة للمرفق العام. و هو ما يفيد، أن القانون الإداري يعرف، و يجد وحدته في فكرة المرفق العام.
Jean Rivero et Jean Waline: Droit administratif, DALLOZ, 15e édition, 1994, page 27.
وعلى خلاف ربط مفهوم القانون الإداري بالمرفق العام، فهناك من رأى غير ذلك، حيث اعتبر ” DELAUBADERE ” أن القانون الإداري هو ذلك الفرع من فروع القانون العام الداخلي، الذي يحكم تنظيم ونشاط الإدارة، أي مجموع السلطات والهيئات المكلفة بتوجيه من السلطة السياسية، لتحقيق الأنشطة المتنوعة في الدولة الحديثة، وعليه فإن الجمع بين التوجهين السابقين بإعطاء أولوية للمرفق العام، ثم يأتي بعد ذلك استخدام وسائل القانون العام
André de laubadère et jean-Claude Venezia : Traité de Droit Administratif, tome 1, 15 édition 1999 , page 16.
[2]– يقصد القانون الخاص.
[3] محمد الأعرج، القانون الإداري المغربي، الجزء الأول، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 74 الطبعة الثالثة2011 ص45.
[4] – لابد من الإشارة هنا على أنه ولو أن المغرب يأخذ بازدواجية القانون (القانونين الإداري والخاص)، فإن ازدواجية القضاء يعلوه مجلس الدولة يبقى مثار شك، بعد أننص الدستوري ضمنيا على وحدة القضاء قمته محكمة النقض (الفصل 115 من دستور 2011 يرأس الملك المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ويتألف هذا المجلس من: -الرئيس الأول لمحكمة النقض، رئيسا منتدبا؛ …)، كما أن مسودة مشروع القانون المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة (صيغة 5 نونبر 2014) حافظت على مبدأ وحدة القضاء قمته محكمة النقض، كما جاء في تقديم المسودة.
[5] – مرد ذلك اختلاف تعريف القانون الإداري باختلاف المدارس الفقهية ( مدرسة السلطة العامةمدرس المرفق العام).
من الناحية الزمنية البحثة أول ما ظهر القانون الإداري بني على فكرة السلطة العامة، التي هي في يد الدولة، حيث كان الفقه في القرن التاسع عشر يميز بين نشاط السلطة العامة، والنشاط الإداري المالي.
إذا كان معيار السلطة العامة كاف في بداية القرن التاسع عشر، فإن الدولة تلعب في حياة المواطنين دورا محدودا، ولا تتدخل إلا لتنظيم مرافق الدفاع الوطني، والشرطة والقضاء، فالدولة إذن كانت الدولة الشرطي، أما تطور وظائفها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وتعدد تدخلاتها في عدة ميادين لإرضاء حاجيات العموم، جعلها افي حاجة للتمتع بامتيازات وقواعد القانون الإداري، وهكذا تبلورت فكرة المرفق العام كأساس يجد فيه القانون الإداري وحدته، ومن ثم التمييز بين نشاط المرفق العام والنشاط الأجنبي عن المرفق العام، ولذا فإن العلاقة القانونية، ينبغي أن تخضع لقواعد القانون الإداري كلما تعلق الأمر بمرفق عام، وتترك للقانون الخاص في غير ذلك كلما كانت الإدارة طرفا فيها.-محمد الأعرج، مرجع سابق، ص 50.
[6] – محاضرات ألقاها الأستاذ بوجمعة بوعزاوي في مادة القانون الإداري لطلبة ماستر التدبير الإداري المحلى، جامعة محمد الخامس الرباط، كلية الحقوق سلا، السنة الجامعية 2011/2012.
[7]– أحمد بوعشيق: المرافق العامة الكبرى على ضوء التحولات المعاصرة، مطبعة دار النشر والمعرفة بالدار البيضاء، الطبعة الثامنة ،2004 ص 12 .
[8]– محمد الأعرج: مرجع سابق 52 .
[9] – Marceau long, Prosper Weil, Guy braibant, Pierre Delvolvé et Bruno Genevois: les grands arrêts de la juris- prudence administrative, DALLOZ 16 édition 2007 pages 2.
[10] – ibidempages 2 – 3.
[11] – Jean Claud Ricci, mémento de jurisprudence, droit administrative, hachette supérieur 9 édition, page 9 .
[12] – خطابي مصطفى، القانون الإداري والعلوم الإدارية، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الرابعة 1999 ، ص 39 .
[13]– محمد الأعرج، مرجع سابق، ص 52 .
[14]– تتلخص وقائع هذه القضية، كون أنه وقع حادث لطفل صغير، في كنيسة مونسيجور، بسقوطه في حوض ماء مقدس، وأصيب بعدها بعاهة مستديمة، تمثلت بقطع ساقه، وقد حصل والد الطفل على حكم من مجلس الإقليم بإلزام البلدية المسؤولية عن صيانة الكنيسة، وألزمها بالتعويض، وقد استأنفت البلدية هذا الحكم من ناحية أنه منذ عام 1905، لم تعد البلدية مسؤولة عن دور العبادة لانفصال الدين عن الدولة بعد صدور قانون 9 شتنبر 1905، ولم تعد الكنائس منذ هذا التاريخ مرافق عامة، وبالتالي لا تدخل دعوى التعويض في اختصاص القضاء الإداري، غير أن مجلس الدولة لم يأخذ بهذا الدفع، وأسس قضائه على أنه وإن لم تعد مرافق العبادة مرفقا عاما منذ انفصال الدين عن الدولة، فإن ترك الكنائس تحت تصرف المؤمنين والمكلفين بإقامة شعائر العبادة لممارسة دياناتهم إنما يكون تنفيذا لغرض ذي نفع عام.
G A J A op.cité, pages 240 – 241 242.
[15]– إن توسع تدخلات الإدارة، والتي امتدت إلى المجالات الاقتصادية، وظهور المرافق العامة الصناعية، والتجارية، والتي تقوم بنشاط مثيل لنشاط الخواص. كما أن الخواص بدورهم أصبحوا يسيروا بعض المرافق العامة، وبذلك لم يعد معيار المرفق العام كافيا لتحديد نطاق تطبيق القانون الإداري، حيث يمكن أن يشمل إطار المرفق العام، القانون العام و القانون الخاص، ومن تم تخضع بعض منازعاته للقضاء الإداري و أخرى للقضاء العادي، وهو ما أدى إلى أزمة المرفق العام، والتشكيك في قيمته فكرة المرفق العام، والاتجاه للأخذ بفكرة المنفعة العامة. وتفيد هذه الفكرة، أن النشاط الإداري الهادف إلى تحقيق المنفعة العامة، لا يتم كله داخل نطاقالقانون الإداري.
[16]هذه القواعد لم يبتدعها القاضي الإداري من عدم، وإنما انحصر دوره في الكشف عنها من روح التشريعات الجزئية الإدارية وغير الإدارية، وكذلك من أسس التنظيم العام، وهو عندما يبتدع الحلول إنما ينشئ مبادئ عامة ذات مضمون قاعدي، فارضا على الإدارة والأفراد احترامها، تحت طائلة المسؤولية.
[17] – سليمان الطماوي، ” الأسس العامة للعقود الإدارية “، الطبعة الثالثة، دار الفكر العربي القاهرة 1975 ص، 489 .
[18] فأهمية الدور الإنشائي، تتجلى كذلك كون القاضي الإداري ينشئ قواعد قانونية من أجل ضمان الحريات العامة، والحقوق المعترف بها للأفراد. فوجود قاضي إداري يعني أن المواطن لا يعيش تحت الاستبداد الإداري، كما أن وجوده يضمن احترام مبدأ المشروعية باكتشاف حل للرابطة القانونية التي تنشأ بين الأفراد والإدارة، وعليه يحافظ على القرارات المتخذة من الإدارة وسلامة تطبيقها
– دوالقيد الحسن، خصائص التجربة المغربية في ضوء إحداث المحاكم الإدارية منشورات كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد الخامس 1996 ص 26.
[19] – خطاب الراحل الحسن الثاني، بتاريخ08 ماي 1990 بمناسبة الإعلان عن إنشاء المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، والذي دعا من خلاله إلى خلق محاكم إدارية في جميع الجهات .
[20] – الحلابي الكتاني، التطور القضائي لمبدأ حقوق الدفاع، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 14 سنة 1996ص 13 .
[21] إن مجموعة من نصوص القانون الإداري مدونة، ومقننة، ولها قواعد قانونية صلبة تنظمها، مما يوحي إلى قراءات أخرى في القانون الإداري، وتبعا لذلك فالقانون الإداري في الوقت الراهن، ليس بقانون غير مقنن وغير مدون، بل قانون مدون ومقنن ولو بشكل نسبي، وهذا ما ينعكس على ما يعرف بالدور الإنشائي للقاضي الإداري، مادام أن القاضي الإداري يعود إلى النصوص القانونية عند محاولة إيجاد حل للنازلة المعروضة عليه .
[22] – ظهير شريف رقم 1.92.31 صادر في 17 يونيو 1992 بتنفيذ القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعميرالجريدة الرسمية عدد 4159 بتاريخ 15/07/1992 الصفحة887.
[23] – القانون 08/17المتعلق بالميثاق الجماعي، المنفذ بالظهير الشريف رقم 153-08-1بتاريخ18 فبراير2009 ، المغير والمتمم للقانون00/78 المتعلق بالميثاق الجماعي لسنة 2002 .
[24] – القانون 00/79 المنظم للعمالات والأقاليم المنفذ بالظهير الشريف رقم 269-2-1، بتاريخ 21 نونبر 2002 الجريدة الرسمية عدد5038 الصفحة 3490 .
[25] – القانون 96/47 المنظم للجهات المنفذ بالظهير الشريف 84-97-1 بتاريخ3 ابريل 1997 الجريدة الرسمية عدد 4470 الصفحة 556 .
[26] – القانون 05/54 المتعلق بالتدبير المفوض للمرافق العامة، الجريدة الرسمية عدد 5404بتاريخ16 مارس 2006 الصفحة 744.
[27] – بخصوص الأملاك بالمغرب، فالنصوص القانونية التي تنظمها فهي متعددة بشكل كبير، فنجد مثلا القانون03/52المتعلق بتنظيم شبكة السكك الحديدة الوطنية وتدبيرها واستغلالها الصادر بتنفيذها الظهير رقم 256-04-1بتاريخ7 يناير 2005 ، ونجد مثلا الظهير الشريف المؤرخ في 29أكتوبر1919الجريدة الرسمية عدد 342بتاريخ7 نونبر 1919 … إلى غير ذلك من النصوص .
[28]– بوجمعة بوعزاوي: القانون الإداري للأملاك، مطبعةEMLIV الطبعة الأولى 2013 ، الصفحة 119
[29] – بالمقابل فرخصة الاحتلال المؤقت للملك العام، وفي حالة إثارة النزاع بخصوصها بين أحد الخواص أي المستفيد والسلطة الإدارية المختصة، فإن القاضي الإداري هو المختص بالنظر في هذه المنازعة، وذلك بالاعتماد على ظهير 1918 المنظم لشغل الملك العام، وفي هذا الصدد قررت المحكمة الإدارية بالرباط أن اتخاذ الإدارة قرار بفسخ اتفاقية الاحتلال المؤقت للملك العام، بعدما دعت المصلحة العامة إلى ذلك، يستند إلى سبب صحيح قانونيا وواقعيا في الحكم رقم 1135 بتاريخ24ماي 2007 – حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 1135 بتاريخ24ماي 2007 . أورده بوجمعة بوعزاوي ، مرجع سابق ، ص120 .
تبعا لذلك ففي حكم المحكمة الإدارية بالرباط، فالقاضي الإداري اعتمد على نص ظهير 30 نونبر 1918، بشأن إيجاد حل في إطار المنازعة المعروضة عليه، فيما يخص شغل الملك العام مؤقتا، وهذه إذن من بين الحالات العديدة والمتنوعة التي يعتمد فيها القاضي الإداري على نصوص قانونية. ولا يخلق أو يبتكر قواعد تصبح صالحة ومعتمدة في القانون الإداري، وهو ما يوحي بأن القاضي الإداري ليس دائما قاضيا إنشائيا، بل الأكثر من ذلك فالدور الإنشائي للقاضي الإداري ارتبط بالقاضي الإداري الفرنسي أكثر دون غيره .
[30] – نفس المرجع ص، 120 ، حيث أشار المؤلف في هذا الصدد إلى ظهير 30نونبر 1918 بشأن شغل الملك العام مؤقتا كما وقع تغييره وتتميمه.
[31] – مصطفى خطابي، مرجع سابق، ص 214 .
[32]– محمد الأعرج، مرجع سابق، ص 43 .
[33] ويمكن تصنيف هذه المبادئ إلى عدة فئات :
مبادئ تعبر عن الفلسفة الليبرالية لحقوق الإنسان والمواطن كالمساواة أمام الضريبة وأمام المرافق العامة، وكذا الولوج إلى الوظائف .
المبادئ الأساسية لسير العدالة وحماية المواطن، مثلا كل قرار إداري يمكن أن يكون محلا للإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة .
مبادئ تعبر عن الإنصاف والعدالة الاقتصادية والاجتماعية، كمبدأ استمرار المرفق العام .
مصطفى خطابي، مرجع سابق، ص 215 .
[34]-مبدأ قوة وحجية الشيء المقضي به؛
*مبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية؛
*مبدأ ضمان ووجوب حق الدفاع؛
*مبدأ وجوب احترام الحقوق المكتسبة وإلزاميتها للإدارة؛
*مبدأ عدم إمكانية تعدد العقوبة والجزاء على العقل الواحد؛
*مبدأ حرية التجارة والصناعةمحمد الأعرج، مرجع سابق، ص 44.
[35] – Jean-Marie Auby, Droit De la fonction publique, état Collectivités locales Hopitaux ; DALLOZ , 5 édition , 2005, page 168 .
[36] – G,AJ,A op.cité, pages 319; 321 .
وعلى اعتبار أن المشاركة في المباريات والامتحانات، هي حق من حقوق المواطنة، ويتعين احترامه، ومراعاته، وصيانته، بشتى الوسائل، في إطار احترام النصوص الصريحة المنظمة لهذا النشاط الإداري، والموكول لها أمر تكريس هذا الحق، فيبدو أن الكثير من الاجتهادات القضائية، ذهبت إلى ضمان حرية الرأي، وعدم تنحية أي مرشح، بسبب أرائه السياسية، أو معتقداته الدينية، أو انتساباته العرقية، وهذا ما أكده حكم مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ28 ماي 1954 في قضية “Barel”، وأكد على مساواة جميع الفرنسيين في التشغيل والوظائف العمومية، وعدم تنحية أي مرشح من مباراة بسبب أرائه السياسية، حيث أن مجلس الدولة ألغى قرار يقضي إلى إقصاء ثلاثة مرشحين، بسبب آرائهم السياسية للولوج إلى
المدرسة الوطنية للإدارة.
ibedem , pages 478 ;480 .
[37] – Jean marie Auby, op.cité, pages 170 – 171 .
[38] – G A J A,op.cité, pages 234 ; 237 .
[39] – Jean claud Ricci, op.cité, page 43 .
[40] – G A J A op.cité, pages 40 ;43 .
[41] – ibid, pages 171 ; 173 .
[42] – G A J Aop.cité, page 207– 209 .
[43] – في هذا الصدد وكما جاء في كتاب الأستاذ احمد بوعشيق، المرافق العامة الكبرى على ضوء التحولات المعاصرة في الهامش الأول في الصفحة 11، فالمرفق في اللغة هو ما يرتفق به، أي ينتفع به فيقول الله سبحانه وتعالى في الآية رقم 16 من سورة الكهف ” وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا “
[44] – بتاريخ 24 شتنبر 1997، صدر عن المحكمة الإدارية بالرباط أمر استعجالي يقضي بأداء المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لفائدة الطاعنة فاطمة العنصري تعويضا قدره 8000.000 درهم مع ضرورة النفاذ المعجل في حدود الربع، لكن المكتب المذكور امتنع عن تنفيذ الحكم، مما دفع بالطاعنة إلى سلك مسطرة الحجز لدى الغير.
-أحمد بوعشيق، المرافق العامة الكبرى على ضوء التحولات المعاصرة، مرجع سابق، ص 24 .
[45] فالقاضي الإداري المغربي تبنى مفاهيم أخرى، كمفهوم الأشغال العامة، وهذا ما يستشف من خلال حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء تحت عدد 376 بتاريخ3 يوليوز 2007 في قضية “خليل عبد الإله” ومن معه ضد وزير الأشغال العمومية، وترجع وقائع هذا الحكم إلى ثبوت تراجع مستوى الرواج التجاري لمحطة البنزين نتيجة إنشاء قنطرة للطريق السيار على مشارفها، حيث يستوجب تعويض المالكين عن الأضرار الناتجة عن التقليص من قيمة العقار، وقيمة الرأسمال المستثمر بعد حجب الرؤية عن محطة البنزين بإنشاء تلك القنطرة – حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، تحت عدد 376 بتاريخ 03يوليوز 2007.
[46]– محمد المحجوبي: خصوصيات دعوى الإلغاء وإشكالية الجمع بينهوبين دعوى التعويض، مجلة القانون المغربي العدد 14، ابريل2009ص 41 .
[47] هذا ما يمكن استخلاصه من حكم لمجلس الدولة فيما يتعلق ” بالملك العام – الاستعمالات”، حيث تدور حيثيات هذا الحكم في كون شركة الحافلات المكلفة باستغلال خدمة يومية بين مدينتي “Antibes” و “Canes”، وجدت نفسها في وضعية الاستحالة في السير، وعليه رفعت طلب إلغاء القرار الجماعي الذي لم يكن له هدف آخر غير الاحتفاظ بالاحتكار لمجموعة الترامواي في”Canes”، المكلفة بتدبير هذا القطاع بالوكالة. وبناءا على هذه الوقائع، فمجلس الدولة الفرنسي في هذا الحكم ميز بين نقل المسافرين من داخل التجمعات الحضرية ونقل المسافرين ما بين المدن الحضرية .
ففيما يخص الأول، فإنه يعود للعمدة إصدار ترخيص استغلال خدمة مرفق من داخل التجمع الحضري، وعليه فإن حركة المرور وسلامة الطرق تفرض أن يكون عدد السيارات العمومية محدود. الشيء الذي يؤدي أحيانا إلى تحديد عدد الشركات التي تضمن استغلال هذه السيارات، وإن اقتضى الأمر يمكن أن يصل إلى الاحتكار .
أما فيما يخص الحالة الثانية، فإن مجلس الدولة اعترف للعمدة بإمكانية حماية الشركة المكلفة بتدبير القطاع بالوكالة في الجماعة ضد أي منافسة من شركات أخرى، بتحديد لهذه الأخيرة فقط الوقوف الضرورية أو تحديد طرق خاصة لها. وعليه فإن قرار عمدة”Canes” قد ألغى لأنه منع كل وقوف في هذه المدينة، وجعل الشركة المدعية في وضعية شبه استحالة مطلقة لاستغلال خدماتها، المتمثلة في حركة النقل العمومي بين مدينتي” Canes” و “Antibes”-G,A,j,A, op,c,i,t pages 288-289.


