وخصائص القانون الجنائي للشركات التجارية

طارق البختي

دكتور في الحقوق

إطار بالوكالة القضائية للمملكة

أستاذ زائر بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط

مقدمة:

رغم تبني المشرع المغربي لنصوص جنائية ضمن قانون الشركات التجارية، فإنه لم يعمد إلى أحداث قطيعة مع قواعد وأسس القانون الجنائي العام، بلى ارتكز عليها مع تعديلها أو إزاحتها -أحيانا -بحكم ما تفرضه خاصيات النصوص الجنائية في ميدان الشركات ([1])، وهوما يعكس تشدد المشرع في العقاب من اجل ضمان حماية أموال الناس المودعة للشركة والمسيرة من طرف مجلس الإدارة في ظل غياب الكثير من المساهمين، حيث افرد قسما للجزاءات الجنائية في القانون الجديد للشركات التجارية أو القانون المنظم لشركات المساهمة رقم 17.95 ([2]) المعدل والمتمم بموجب القانون رقم 20.05، باعتباره اضحى يمثل الشريعة العامة ([3]).

فإذا كان القانون الجنائي للشركات التجارية أحد فروع القانون الجنائي للأعمال، فإن له خصائص تميزه عن النظرية العامة للقانون الجنائي ([4])، إذ أن اهم مميزات وخصائص القانون الجنائي للشركات التجارية ([5]) التي تثير الانتباه في هذ ا الصدد تلك المتعلقة بالشكل ([6])، فإذا كان القانون الجنائي للأعمال لم يرد مدونا في مدونة تحمل

اسمه وإنما ظلت نصوصه حبيسة التنافر والتباعد والتشتت، وهذا راجع بالأساس إلى الخاصية التي تفرضها الميادين التي تتصل بمجال الأعمال، ([7]) فإن القانون الجنائي للشركات التجارية بدوره لم يحد عن هذه الخاصية، ذلك إنه لا توجد مدونة تتعلق بهذا القانون وإنما هناك قانون يضم مقتضيات زجرية تهم شركات المساهمة، وهو ما يمكن أن يصطلح عليه بالقانون الجنائي لشركات المساهمة، بالإضافة إلى القانون الجنائي للشركات الأخرى ([8]). وعليه، يمكن حصر مميزات القانون الجنائي للشركات التجارية في صنفين، مميزات قانونية (أولا) وأخرى قضائية (ثانيا).

أولا: المميزات القانونية

إلى جانب المميزات الشكلية التي يتمتع بها القانون الجنائي للشركات التجارية، فإنه ثمة مميزات قانونية يمتاز بها عن باقي القوانين الأخرى، سواء على مستوى سياسة التجريم التي تم نهجها من طرف المشرع في مجال الأعمال ، أو على مستوى العقوبة (ب).

  1. على مستوى سياسة التجريم

يتميز القانون الجنائي للشركات التجارية على مستوى سياسة التجريم بثلاث خصائص تتجلى في الاعتماد على التفويض التشريعي وتبني تقنية الإحالة على نصوص قانونية أخرى، بالإضافة إلى تلاشي وتراجع الركن المعنوي للجريمة.

فبالنسبة لمبدأ التفويض التشريعي فهو يقوم على أساس حلول السلطة التنفيذية محلى السلطة التشريعية في خلق وسن القوانين ومن جملتها القوانين الجنائية ([9])، فإذا كان الأصل والمبدأ أن تحديد الجرائم ووضع العقوبات الكفيلة بالحد منها يندرج ضمن اختصاصات السلطة التشريعية وذلك عملا بمبدأ فصل السلط، فإنه يرد استثناء على هذا المبدأ بخصوص القوانين المنظمة لمجال المال والأعمال، إذ يسمح للسلطة التنفيذية بتقمص دور السلطة التشريعية -التي تتنازل لها عن هذا الدور بصفة استثنائية لحماية المصلحة العامة في سن القوانين والعمل على ضمان تطبيقها، إلا أن هذا الحلول يظل متوقفا على الحصول على إذن من لدن السلطة التشريعية أو في حالة حل البرلمان أو بين دورات انعقاد جلساته أو في حالة تواجده في عطلة ([10]).

هكذا، فإنه ليس ثمة اعتراض على تفويض التشريع للسلطة التنفيذية ما دامت الضرورة تفرضه وطالما لا يمس بالحرية المدنية ([11])، وإذا اعتبرنا أن شرعية التجريم تعد من اهم ضمانات حماية الحقوق والحريات، فإن مبدأ التفويض التشريعي في إنشاء الجرائم والحد منها من خلال توفير جانب زجري خاصة ميدان الشركات على أساس أن التلاعب في مجال المال والأعمال يهدد نظام وأسس الدولة ويؤدي إلى زعزعة ثقة الجمهور في النظام الاقتصادي، وان محاربة هذا التلاعب يعدو أن يكون واجبا على المشرع ([12])، لا سيما وأن مجرمي الاقتصاد لا يخضعون لمبدأ العدالة ([13])، لذلك فإن مثلى هذا الإجراء يعد عملا غير مرغوب فيه، بلى يتعين أعماله فيما يخص تحديد الجرائم ([14]).

وإذا كان مبدأ التفويض التشريعي يعرف طريقه بكثرة إلى القانون الجنائي للأعمال، فإن القانون الجنائي للشركات المغربي لم يعرف قط تطبيقا لهذا المبدأ، ذلك لأن كل النصوص التشريعية المكونة له صادرة على السلطة التشريعية بواسطة ظهير شريف، مما يعد ضمانة هامة للمستثمرين في الميدأن متفادين ذلك الشطط الذي قد تسقط فيه السلطة التنفيذية والذي يؤدي لا محالة إلى عرقلة أنشطتهم ([15])، وذلك لكون ميدان المال والأعمال يستلزم نوعا خاصا من الدراسة والدراية التي قد لا تتوافر لدى السلطة التشريعية، وهو ما يجعل هذا المبدأ يتميز بنوع من المرونة تماشيا مع خصوصيات مجال المال والأعمال.

من جانب أخر، يتميز القانون الجنائي للشركات التجارية باعتماده على تقنية الإحالة ([16])، وذلك راجع بالأساس إلى الخصوصيات التي يتميز بها ميدأن المال والأعمال في ظل غياب مدونة للقانون الجنائي للشركات، وهذا يعزى إلى كون التجريم والعقاب في ميدان المال والأعمال يضعه تقنيون في كل قطاع من اجل احترام المقتضيات المنظمة له، فهو ليس من صنع واضعي القانون الجنائي وحده، ولا سيما وأن ذلك يكون في كل قطاع على حدى وعلى فترات متباعدة ([17])، مما يؤدي إلى فقدان القانون الجنائي للشركات لخاصيه الانسجام والترابط بين مكوناته.

ولا يختلف اثنان في كون القانون الجنائي للأعمال يهدف إلى تفعيل الحماية الاقتصادية وتخليق مجال المال والأعمال وضمان مبدا المنافسة الشريفة وتشجيع روح المبادرة والرفع من القدرة التنافسية للمقاولات، وذلك من خلال توفير نصوص قانونية – زجرية -لتحقيق هذه المساعي عملا بمبدأ لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص. وتماشيا مع ذلك قد يتدخل المشرع لتجريم أفعال معينة يرى أنها تشكل خطرا حقيقيا على المصلحة العامة أو مصلحة الفاعلين داخل المنظومة الاقتصادية، وأن الأمر يستوجب التدخل بكيفية سريعة لحمايتها، وذلك على الرغم من عدم وجود نص تشريعي يجرم هذه الأفعال، لكن الضرورة تحتم هذا التدخل قصد حماية الثوابت الاقتصادية لكونها مرتبطة بالأساس بالسياسة العامة للدولة وتوجهاتها، على أن يتم في وقت لاحق إلحاقها بنص تشريعي.

لذلك، تظل تقنية الإحالة الملاذ الوحيد الذي يختاره المشرع قصد تحقيق التطابق بين التجريم والعقوبة، إلا إنه ينبغي التمييز بين نوعين من الإحالة ([18])، فهناك إحالة داخلية وأخرى خارجية، فبالنسبة للإحالة الداخلية فهم تتم داخل نفس القانون بحيث يتم تحديد الالتزامات والقواعد والأنظمة الواجب احترامها مقدما، وفي نهاية القانون يتم تخصيص باب مستقل للعقوبات الجنائية ([19])، فهذا النوع من الإحالة يجد له مجالا لتطبيقه بكيفية كبيرة في القانون الجنائي للشركات التجارية وعلى وجه التحديد قانون شركات المساهمة، ذلك أن اغلب المقتضيات القانونية فيه تحيل على القانون الجنائي ([20]) فيما يتعلق بالجانب الزجري أو على القانون التجاري أو قانون الشركات رقم 5.96، وهذا في حد ذاته يشكل زخما تشريعيا مهما، إلا إنه يؤدي في نهاية المطاف إلى تضخم تقنية الإحالة الداخلية.

أما الإحالة الخارجية، فتتجسد على مستوى قانونين مختلفين، ذلك أن العقوبة تتحدد في قانون معين، في حين أن شروط التجريم يتم تحديدها في قانون أخر، فهذا النوع من الإحالة يجد له تطبيقات على مستوى قانون شركات المساهمة كما هو الحال بالنسبة للمادة 405 من نفس هذا القانون والتي تحيل على المادة 406 من القانون الجنائي فيما يتعلق بتقييد مراقبي الحسابات بالسر المهني وتعريضهم للعقاب في حالة عدم الالتزام به. وهكذا فإن تقنية الإحالة التشريعية تتمخض عنها نتيجتين أساسيتين: أولهما تتم في اكتفاء النص الجنائي بتحديد العقوبة، في حين تتم الاستعانة بالنص القانوني المحال عليه لتحديد العناصر المكونة للجريمة، أما النتيجة الثانية فهي أن النص القانوني المحال عليه غالبا ما يفتقد لعنصر الدقة لكونه قد يؤدي إلى تفسير واسع لمقتضياته، وهو الأمر الذي يخالف مبدأ التفسير الضيق الذي يقوم عليه القانون الجنائي.

وإذا كانت الإحالة من المميزات التي يتسم بها القانون الجنائي للشركات التجارية، فإنه باستقراء نصوص هذا القانون يتبين لنا إنه لا يستلزم في بعض الحالات توافر الركن المعنوي ([21]) إلى جانب الركنين المادي والقانوني لقيام الجريمة، إذ يكفي في بعض الحالات توافر الركن المادي فقط لقيامها، فيكفي لقيام جرائم القانون الجنائي للشركات التجارية خاصة قانون شركات المساهمة ثبوت القصد الجنائي العام لدى الفاعل دون ضرورة توافر قصد جنائي خاص، وذلك دون الأخذ بعين الاعتبار الباعث أو الدافع على ارتكاب الجريمة إلا في حالات خاصة كجريمة إساءة استعمال أموال واعتمادات الشركة التي يتطلب فيها القانون توافر القصد الجنائي الخاص لدى الفاعل ([22])، والمتمثل في تحقيق المصلحة الشخصية أو تفضيل شركة أو مقاولة أخرى للفاعل فيها مصالح مباشرة أو غير مباشرة.

ويرجع السبب الرئيسي في تلاشي الركن المعنوي ([23]) داخل القانون الجنائي للشركات التجارية (المغربي) وعلى الخصوص بالنسبة لقانون شركات المساهمة، هو تشدد المشرع المغربي في العقاب، إذ اصبح الوصف الجنائي يكتمل بسرعة وبسهولة، أي بمجرد ارتكاب الفعل المادي الذي يتضمن بالضرورة القصد السيئ لصاحبه، وبذلك أخذ القانون الجنائي يعاقب على النوايا ولو كانت حسنة، كما صار القانون الجنائي للشركات يعاقب على مجرد النسيان -الإغفال -الذي هو خلة إنسانية، وهو ما يعتبر خروجا عن الأصول والمبادئ العامة واستثناءا من قاعدة ضرورة توافر الركن المعنوي أو النفسي في البنيان القانوني للجريمة ([24]). لكن ومع ذلك يظل تلاشي وتناقص الركن المعنوي ضرورة حتمية في جرائم شركات المساهمة، حيث أن هذا النوع من الشركات يستلزم من طرف القائمين عليه التحلي باليقظة والحنكة والكفاءة، بالإضافة إلى الأهمية التي تكتسيها شركة المساهمة داخل المنظومة الاقتصادية وباعتبارها من قبيل شركات الأموال، وان غالبية الجرائم المتركبة بصددها تنصب على المال. ومن تم فإن اندثار هذا العنصر سيؤدي لا محالة إلى اندثار الشركة، لذا كان من المنطقي الاعتداد في بعض الحالات بالركن المادي ([25]) فقط لقيام الجريمة.

وتعتبر جرائم الأموال من الجرائم التي عرفت تجاذبات حول المعيار المعتمد للتصنيف ضمن هذا النوع من الجرائم وعلاقتها بالجريمة الاقتصادية، فمفهوم الجرائم المالية تبعا للتوجه الذي سار عليه المشرع المغربي من خلال نقل الاختصاص النوعي من محكمة العدل الخاصة إلى أقسام الجرائم المالية لدى بعض محاكم الاستئناف ([26]) وذلك بالنسبة للجرائم الماسة بالثقة والمال العام والمرتكبة من طرف موظفين عموميين، وإسناد النظر لها في مجموعة من الجرائم محددة على سبيل الحصر ([27]).

وإذا كان القانون رقم 10.34، قد اطر نطاق الجرائم المالية وحصرها في الجرائم المنصوص عليها في الفصول من 241 إلى256 من القانون الجنائي، فإن هناك من يرى وجود مظاهر توسيع دائرة تجريم لأفعال الفساد المالي في التشريع المغربي لتشمل أفعال الفساد الكلاسيكي المتمثلة في اختلاس المال العام ” الرشوة، الغدر واستغلال النفوذ وأيضا تجريم أفعال الفساد المالي الحديثة وخاصة غسل الأموال بالإضافة إلى جرائم البورصة والتهرب الضريبي والجمركي وإساءة استعمال أموال الشركة والتفالس ([28]).

فبالنسبة لمفهوم الجرائم المالية أو ما يعرف بجرائم الفساد المالي نجد أن التعاريف قد تباينت واختلفت بشأنه، إذ يرى البعض أن الجرائم المالية تتمثل في الخروج عن القوانين والأنظمة أو استغلال غيابها من اجل تحقيق مصالح مالية لصالح الفرد أو لصالح جماعة معينة ([29])، لكن وعلى الرغم من سكوت المشرع المغربي عن تعريف الجرائم المالية، إلا إنه وبالاعتماد على المعيار العضوي من خلال الفصول من 241 إلى256 من القانون الجنائي، نجد الجرائم المالية التي عددها لا تخرج عن نطاق أو مفهوم الرشوة، الغدر، الاختلاس واستغلال النفوذ والجرائم التابعة لها، والتي تشكل اعتداء على المال العام والثقة بمرافق الدولة العامة والتي ترتكب من طرف موظفين عموميين بالمفهوم الجنائي.

وعليه، يمكن تعريف الجريمة المالية بكونها الجرائم التي يقترفها رجال الأعمال وذوي المستويات العليا الاجتماعية أو العلمية وهو ما يسمى “بجرائم ذوي الياقات البيضاء ” les cols Blans، فقد ذهب بعض الفقه في شخص الفقيه ” Bayer ” إلى القول بأن مدلول هذه الجريمة ينحصر في بحث وتحقيق الأفعال والامتناع عن الأفعال التي من شأنها أن تضر بأساس حماية النظام المالي والاقتصادي للدولة ([30]).

أما الجريمة الاقتصادية، وعلى الرغم من أنها عرفت منذ القدم كنتيجة حتمية للقيود الاقتصادية التي تعقب الأزمات والحروب، غير إنه بتصفح القانون الجنائي المغربي لا نجد أي أثر لتحديد المقصود بها، على عكس المشرع الفرنسي الذي حدد المقصود بالجرائم الاقتصادية من خلال قانون المسطرة الجنائية الفرنسي، وذلك بمقتضى المادة 704 منه وما بعدها ([31]). إلا أن مفهوم الجريمة الاقتصادية ينحصر بين اتجاهين أحدهما ضيق والأخر موسع، فبالنسبة لأنصار الاتجاه الضيق فهم يحصرون نطاق أو مفهوم الجريمة الاقتصادية في ميدان المنافسة والأسعار، فهي كل فعل أو امتناع يخالف قواعد المنافسة وتحديد الأسعار، وهو تحديد يرجع إلى ما كان يعتمده بعض المشرعين. فالمشرع الفرنسي لسنة 1945 والمشرع التونسي لسنة 1970 في تسمية القانون المتعلق بتنظيم قانون المنافسة والأسعار بأنه القانون ” المتعلق بزجر المخالفات في الميدأن الاقتصادي “، إلا أن كلا المشرعين قد الغيا هذا القانون بمقتضى القانون الفرنسي لسنة 1986 والقانون التونسي لسنة 1991، وعوضاه بقانون يحمل تسمية المنافسة والأسعار ([32]).

أما الاتجاه الموسع لمفهوم الجريمة الاقتصادية، فهو يرى أنها عبارة عن مجموع الاعتداءات التي تقع على النظام العام الاقتصادي الذي قررته السياسة الاقتصادية للدولة، ويعرف الجريمة الاقتصادية بأنها كل عمل أو امتناع يقع بالمخالفة للقواعد المقررة لتنظيم أو حماية السياسة الاقتصادية للدولة “، غير إنه لم يكن هناك إجماع حول تحديد مفهوم موحد للجريمة الاقتصادية حتى أن بعض الفقهاء قد تحاشوا إعطاء تعريف لها، ويمكن إرجاع ذلك لسببين:

السبب الأول: أن تسمية الجرائم الاقتصادية تطلق عادة على الجرائم المخالفة للسياسة الاقتصادية للدولة والسياسة الاقتصادية تختلف من نظام اقتصادي لأخر كما تختلف من بلدين خاضعين لنظام اقتصادي واحد ([33]).

السبب الثاني: أن مخالفة سياسة الدولة الاقتصادية لا تعد جريمة اقتصادية في جميع الأوقات وفي مختلف الدول، فما يعد جريمة اقتصادية عادة هو الفعل الذي يسميه المشرع جريمة اقتصادية ويعاقب عليها بعقوبة جنائية، فالكثير من مخالفات التنظيمات الاقتصادية لا ينجم عنها سوى مسؤولية مدنية أو إدارية يترتب عليها تعويض على الضرر الحاصل أو دفع مبلغ من المال ليست له صفة الغرامة، أي ليس له صفة العقوبة الجنائية ([34]).

فلا يمكن الحديث عن الجريمة الاقتصادية دون الحديث عن منشأها وبداية ظهورها، فقد ظهر هذا النوع من الجرائم بفعل التطور الاقتصادي والحضاري في عصر النهضة الصناعية نتيجة تعدد الاختراعات، حيث برزت الجريمة الاقتصادية بصورة واضحة خلال القرنين الماضين، لذلك كان من اللازم أن تتدخل مختلف التشريعات بنصوص قانونية ذات طابع اقتصادي ممزوجة بطابع جنائي لزجر هذه الجرائم نظرا لكونها تمس بالنظام العام للدولة ([35]).

وانطلاقا من التعريف الذي أعطاه أدام سميت لمفهوم الاقتصاد بأنه: ” علم الثورة “، كما عرفه الفقيه “مارشال” بأنه: ” نشاط الفرد والمجتمع للحصول على الموارد اللازمة لتحقيق الرفاهية العامة “، في حين عرفه الفقيه “ريمون بار” بأنه: “ما يبين السبل التي يتبعها الأفراد والمجتمعات لمواجهة الحاجات المتعددة باستعمال وسائل محدودة “؛ واذا أخذنا مفهوم الجريمة وفقا لمعناها القانوني بأنها كل سلوك مخالف للقانون الجزئي يستوجب العقاب نتيجة الاعتداء على مصلحة محمية قانونا، أي أنها كل فعل أو امتناع عن فعل يؤدي إلى الضرر بالغير والمعاقب عليه قانونا” ([36])، فإنه تبعا لذلك يمكن تعريف الجريمة الاقتصادية بأنها”: كلى فعل غير مشروع مضر بالاقتصاد القومي إذا نص على تجريمه في قانون العقوبات أو في القوانين الخاصة بخطط التنمية الاقتصادية الصادرة من السلطة المختصة ” ([37]).

وعليه، يمكن استخلاص العناصر المكونة للجريمة الاقتصادية فيما يلي:

  1. النشاط الإجرامي: وهو القيام بفعل مادي ضار أو الامتناع عن القيام بعمل مادي،
  2. الضرر: أن يكون لها مظهر خارجي أي ما يدل على إخلالها بالنظام الاقتصادي ونمو الدولة وبأهدافها وسياستها الاقتصادية،
  3. أن النشاط الإجرامي (الفعل المادي أو الامتناع المادي) محظور قانونا،
  4. أن اقتراف النشاط (الإجرامي الفعل المادي أو الامتناع المادي) يؤدي إلى توقيع عقوبة نص عليها المشرع،
  5. أن من يقوم بالنشاط الإجرامي (الفعل المادي أو الامتناع عن العمل المادي) الضار شخص طبيعي أو اعتباري خال من عيوب الإرادة ويكون أهلا للمسؤولية الجنائية ([38]).

من جهته ذهب الفقيه “باشمان” إلى تعريف الجريمة الاقتصادية بأنها: “الجنايات والجنح المرتكبة عن طريق التعسف أو استغلال قصور القانون المنظم للعلاقات الاقتصادية واستتار الفاعلين وراء التجارة غير المشروعة من خلال استغلالهم الثقة التي يتسم بها الوسط التجاري معرضين بذلك النظام الاقتصادي للخطر (بصرف النظر عن الضرر اللاحق بالمصالح الفردية)، والذي يتم اكتشافه بصعوبة بالغة بسبب تعقيد الأساليب المستعملة والمقترفة بها الجريمة الاقتصادية ([39]).

إلا إنه ونتيجة للتطور الحاصل في الميدان الاقتصادي، فقد تغيرت النظرة اتجاه الجريمة الاقتصادية وبالتالي تم تجاوز التعاريف السابقة التي أعطيت لها، وذلك بإدخال عناصر مرتبطة بطبيعة وحجم الضرر الناتج عن الجريمة الاقتصادية ارتباطا بالطابع العابر للحدود لهذه الظاهرة ([40]).

فالجرائم الاقتصادية ([41]) تختلف من مجتمع لأخر باختلاف نظامه الاقتصادي، إلا إنه وبفعل التطور الذي يعرفه العالم برزت أنواع جديدة من الجرائم الاقتصادية أضحت تهدد النمو الاقتصادي الأمر الذي يصعب معه حصرها نتائجها لأنها تشمل كل ما يلحق الضرر بعمليات الثروات والتوزيع والتجارة والتصنيع، بلى الأكثر من ذلك أن هذه الجرائم تستغرق في طياتها الجرائم المالية أيضا، وذلك لأن الأنظمة الاقتصادية تقوم بدورها على المعاملات المالية، ومن تم عندما يكون المال موضوعا للجرائم فإنه تبعا لذلك تكون هذه الجرائم ذات طبيعة اقتصادية.

وعليه، يتضح لنا إنه ثمة العديد من الفروق بين الجريمة المالية والجريمة الاقتصادية، وان كان يلتقيان في استنادها على الركن المعنوي باعتباره علاقة ترتبط بين ماديات الجريمة وشخصية الجاني وهذه العلاقة هي محل لوم القانون، وتتمثل في سيطرة الجاني على الفعل وأثاره ([42]) وجوهرها الإرادة، لكن وبالمقابل فالجريمة المالية تختلف عن الجريمة الاقتصادية في عدة نواحي، ذلك أن الجرائم المالية تتأسس فيها المسؤولية وتتحقق بناء على توافر الركن المادي فقط دون الاعتداد بالركن المعنوي في الحين أن الجريمة الاقتصادية تستلزم توافر الركن المعنوي لتحققها، كما أن الجرائم المالية تختلف عن الجرائم الاقتصادية من حيث توافر القصد الجنائي الخاص الذي يتطلبه تحقق الجرائم المالية كما هو الحال بالنسبة لجريمة إساءة استعمال أموال الشركة في حين أن الجرائم الاقتصادية يكفي لتحققها توافر القصد الجنائي العام، إذ بمجرد تحقق النشاط المادي للجريمة تقوم القرينة على اتجاه إرادة الجاني لمخالفة القانون ([43]).

كما تختلف الجرائم المالية عن الجرائم الاقتصادية من حيث توافر القصد الجنائي من عدمه، ذلك أن القصد الجنائي عنصر ضروري لقيام وتحقق الجرائم المالية، في حين أن الجرائم الاقتصادية يكفي لتحققها توافر العنصر الاحتمالي الذي يفترض علما حقيقيا بعناصر الجريمة التي تتطلبها القواعد العامة، إلا إنه يفترض أن الجاني قد ارتكب فعله غير متأكد من إنه سيؤدي به إلى الاعتداء على الحق الذي يحميه القانون ولا يستبعد المساس به ([44]).

والملاحظ أن الجرائم المالية لا يقتصر دورها على ردع وعقاب المجرمين بلى أنها تعتبر كذلك وسيلة من وسائل الوقاية ([45])، ولما كان توفير الأمن والحماية العامة هي الفلسفة التي حكمت كل من القانون الجنائي العام والقانون الجنائي للشركات، فإنهما يختلفان اختلافا جوهريا من حيث الفئة المشمولة بالحماية. فإذا كان القانون الجنائي العام يسعى لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، فإن مهمة القانون الجنائي للشركات تتمثل في حماية كافة المصالح سواء العامة أو الخاصة ([46])، لكن يظل التجريم مبالغا فيه على مستوى العقوبات الزجرية ([47]) لأنه لا يتماشى مع روح وفلسفة مجال المال والأعمال، وهو الأمر الذي تنبه له المشرع المغربي من خلال التعديل الأخير لقانون شركات المساهمة حين عمد إلى تلطيف جانبه الزجري.

  1. على مستوى العقاب

يتميز القانون الجنائي للشركات التجارية بكون أغلب العقوبات المنصوص عليها فيه عبارة عن عقوبات مالية تخص أعضاء أجهزة الإدارة أو التسيير، وتحديدا الجرائم المتعلقة بالتوزيع أرباح صورية، ونشر وتقديم قوائم تركيبية غير صادقة وإساءة استعمال أموال واعتمادات الشركة ([48])، وذلك على الرغم من تضمينه لعقوبات حبسية، إلا أن غالبية العقوبات التي يتضمنها فهي مالية وحبسية، لكن لا يتم إقرار هاتين العقوبتين معا إلا من خلال السلطة التقديرية لقاضي الموضوع، لا سيما وان غالبية المواد تستعمل عبارة احدى هاتين العقوبتين ؛ وهو ما قد يؤدي إلى استبعاد العقوبة الحبسية والاكتفاء بالعقوبة المادية.

إن تراجع العقوبة الحبسية من خلال نهج سياسة الحد من العقاب، امر يميز قانون شركات المساهمة عن غيره من القوانين الأخرى، إذ أن غالبية العقوبات التي تضمنها هذا القانون هي عبارة عن غرامات مالية، تتأرجح ما بين بساطتها أحيانا وارتفاعها أحيانا أخرى حسب خطورة الفعل الجرمي المرتكب، وهذا في حقيقة الأمر ما هو إلا استجابة من طرف المشرع لضغوطات الفاعلين الاقتصاديين على وجه الخصوص ([49])، ومن تم عمد المشرع المغربي إلى تضييق سياسة التجريم في قانون شركات المساهمة وتبسيط بعض المساطر والإجراءات خاصة على مستوى تأسيس الشركة، وأيضا تم استبدال العديد من العقوبات الحبسية بأخرى مالية، كما هو الشأن بالنسبة للمادة 378 فيما يتعلق بتأسيس الشركة، وكذا المادة 395 المتعلقة بالزيادة في رأس المال، والمادة 403 المتعلقة بمراقبة الشركة والمادتين 421 و422 المتعلقتين بالمخالفة المرتبطة بتصفية الشركة.

ويبلغ الحد الأدنى للعقوبة الحبسية في جرائم قانون شركات المساهمة شهرا واحدا، في حين أن الحد الأقصى هو سنتين بالنسبة لجريمة تقديم أو تأكيد معلومات كاذبة حول وضعية الشركة وعدم إعلام أجهزة الإدارة أو التدبير أو التسيير بالأعمال الإجرامية التي تم اكتشافها، أما الغرامة فقد تقرر حدها الأدنى في 2000 درهم، في حين يبلغ حدها الأقصى في 2.000.000 درهم والتي يعاقب بها مسيرو شركة المساهمة البسيطة التي تدعو الجمهور للاكتتاب. وهكذا يتضح أن العقوبات المالية المرتفعة يواجه بها أعضاء أجهزة الإدارة أو التدبير أو التسيير، نظرا لكون مصير الشركة بين أيديهم وان إساءة عمليات الإدارة والتسيير من شأنه وضع حد لاستمرارية الشركة، لذا تنبه المشرع المغربي لهذا المعطى ووضع بذلك عقوبات مالية مرتفعة كجزاء في حالة المساس بالسير العادي للشركة.

ثانيا: المميزات القضائية

إذا كانت السياسة الجنائية تساهم في توطيد نظام فعال للفصل في المنازعات يرمي إلى تحقيق هدفين: تحقيق التوازن بين المصالح الخاصة وكذلك بين هذه المصالح العامة ومستلزمات النظام العام ([50]) من خلال تبني قوانين كفيلة بتحقيق ذلك، ومن بينها القانون الجنائي للشركات التجارية، فإن هذه القوانين تحتاج قضاءا متخصصا تعهد له مهمة تطبيقه والفصل في المنازعات التي تجرمها ([51]).

فبالنسبة للقانون الجنائي للشركات التجارية بالمغرب، فقد طرحت بخصوصه العديد من التساؤلات حول مدى توافر جهاز قضائي متخصص في مجال المال والأعمال، وهل يتم انعقاد الاختصاص للقضاء الزجري ([52]) أم للقضاء التجاري فيما يتعلق بالمنازعات والجرائم المتعلقة بهذا المجال؟

إن الجواب على هذا التساؤل، نجده في جواب الحكومة عند مناقشة مشروع قانون شركات المساهمة أمام البرلمان، إذا تم بموجب ذلك منح الاختصاص للمحاكم الابتدائية للبت في جرائم الشركات على أساس أن هذه الأفعال ذات صبغة جوهرية والنيابة العامة بهذه المحاكم هي التي تقوم بالمتابعة بحكم الاختصاص والهيئات الجنحية بالتبعية، لذلك هي التي تبت في القضايا المتعلقة بهذه الجرائم ([53]).

لكن يتضح من خلال انعقاد الاختصاص للمحاكم الابتدائية للبت في جرائم الشركات التجارية، خاصة جرائم شركات المساهمة أنه ثمة تناقض صريح بين ما جاء في المادة الأخيرة من قانون شركات المساهمة والتي جاء فيها: “الى أن يتم أحداث محاكم مختصة في النزاعات التي تنشأ بين التجار أو لتطبيق هذا القانون، يبت في النزاعات وفق النصوص التشريعية الجاري بها العمل “، وبين ما يجري به العمل حاليا من إسناد الاختصاص للنظر في هذه الجرائم للمحاكم الابتدائية، ذلك إن العمل القضائي المغربي عمل على تجاهل مقتضيات هذه المادة، ذلك أن المادة 5 من القانون المحدث للمحاكم التجارية المحددة للاختصاص النوعي لهذه الأخيرة ليس من شأنها الحيلولة دون البت في جرائم قانون الشركات وذلك لصراحة المادة 454 من نفس القانون ([54]).

وتجدر الإشارة إلى أن التنصيص على توافر المحاكم التجارية على نيابة عامة وفق المادتين 2 و3 من القانون المحدث للمحاكم التجارية، أثار لبسا بعدما لم يحدد المشرع الدور الحقيقي لهذا الجهاز، مما طرح تساؤلات حول أن كان اختصاصها يشمل الجرائم الواردة في مدونة التجارة وقانون الشركات، أم إنه يقتصر فقط على المنازعات التجارية ([55]).

إلا إنه وبالنظر إلى اختصاص النيابة العامة على مستوى المحاكم التجارية نجدها ضئيلة أن صح القول، إذ أن تدخلها لا يتم إلا في الحالات التي تتعلق بالنظام العام لا سيما النظام الاقتصادي للدولة، ومن تم فإن جرائم الشركات التجارية تؤدي إلى المساس بالنظام الاقتصادي والمصالح المرتبطة به، وهو الأمر الذي كان يتعين معه أن يقوم المشرع بمنح الاختصاص للنيابة العامة على مستوى المحاكم التجارية بتحريك الدعوى العمومية في الجرائم الاقتصادية موضوع القضايا المعروضة على أنظار المحاكم التجارية.

وعليه، فقد اعتبر بعض الفقه المغربي أن عدم منح النيابة العامة لدى المحاكم التجارية الاختصاص بالبت في الجرائم الاقتصادية، خاصة جرائم الشركات يعتبر تقزيما وتضييقا لدورها ([56])، إلا أن البعض الأخر ذهب إلى القول بأنه كان من الأجدر إن يقوم المشرع المغربي بإنشاء غرفة جنحية على مستوى المحاكم التجارية تناط لها مهمة البت في الجرائم الاقتصادية، وكذا أحداث قضاة للتحقيق متخصصين في هذا النوع من الجرائم التي تتميز بتعقيدها ([57]).

وتأسيسا على ما سبق، فإن القضاء الجنائي حتى يتسنى له القيام بدوره الكامل على أحسن وجه، فإنه يتعين العمل على تكوين قضاة مختصين في مجال الأعمال، بالإضافة إلى خلق وأحداث محاكم متخصصة يعهد لها النظر في القضايا المرتبطة بالأعمال. واعتبارا لتنامي تدخل القضاء في الميدان الاقتصادي فإن الأمر يستوجب ضرورة انفتاح القضاء على محيطه الاقتصادي، ذلك أن مسألة تخصص القاضي في هذا الميدأن من شأنه الاستجابة لحاجيات وتطلعات ميدأن المال والأعمال، خاصة فيما يتعلق بسهولة ولوج العدالة وبساطة مساطرها ووضوح القرارات الصادرة عن المحاكم، كما أن القيام بإنشاء نيابات عامة متخصصة ([58]) في ميدان الأعمال سيساهم لا محالة في تنفيذ أهداف ومضامين السياسة الجنائية وإنجاحها بالشكل المطلوب، إذ أن إسناد الاختصاص للبت في جرائم الشركات للمحاكم الابتدائية من شأنه إضافة عبء كبير لهذه المحاكم، ناهيك عن افتقار غالبية قضاة المحاكم الابتدائية للتكوين والتخصص في مجال المال والأعمال.

ونظرا للدور الذي تقوم به النيابة العامة في ميدان تنفيذ السياسة الجنائية بصفة عامة، فإن البعض ذهب إلى اعتبار السياسة الجنائية بمثابة ” فقه النيابة العامة ” في ميدان البحث عن الجرائم ومرتكبيها ([59])، وتبعا لذلك فإن النيابة العامة يمكنها أن تلعب دورا فعالا في ميدأن المال والأعمال وذلك باتخاذها التدابير الضرورية ([60]) القادرة على زجر وردع الممارسات التي تشكل تهديد ا للمنظومة الاقتصادية.

وعموما، فإذا كان المشرع المغربي قد تبنى من وراء أحداث المحاكم التجارية مفهوما جديد العمل النيابة العامة في ميدان التجارة والأعمال، وهو دور بقدر ما يرتبط بالسهر على تطبيق القانون، فإن له علاقة وثيقة بالنواحي الاقتصادية والاجتماعية، ويظهر ذلك بصفة خاصة في ميدان مساطر معالجة صعوبات المقاولات، حيث تعتبر النيابة العامة صلة الوصل بين المحكمة التجارية والمحيط الاقتصادي والاجتماعي لهذه المحاكم ([61]). لكن وبالمقابل، فإن هذه الأهمية تتلاشى على مستوى الشركات التجارية وتحديدا بالنسبة لقانون شركات المساهمة، ذلك إنه وكما سبق الذكر تختص المحاكم الابتدائية بالبت فيها، ومن تم فالنيابة العامة لدى المحاكم التجارية تظل بعيدة عن الاستفادة من هذه الإمكانية مع العلم أنها هي الأجدر بالبت في الجرائم المرتبطة بمجال المال والأعمال -جرائم الشركات على وجه التحديد- نظرا لتخصصها في الموضوع واحتمال وجود ترابط بين النزاعات المعروضة عليها وبين ما قد يكتسي منها وصفا جنحيا ([62])، لا سيما في الحالات التي تكتشف فيها النيابة العامة لدى المحكمة التجارية جرائم وتجاوزات تمس النظام العام الاقتصادي.

ومهما يكن، فإنه يمكن القول بأن الممارسة العملية أثبتت أن القضاء العادي يظل صاحب الاختصاص للبت في الجرائم المتعلقة بالشركات التجارية، بلى حتى تلك التي تتخذ طابعا اقتصاديا، وذلك على الرغم من الإكراهات التي تعترض عمل الأجهزة القضائية، سواء على المستوى البشري أو حتى على مستوى البنيات التحتية واللوجيستيكية.

خاتمة

يمكن القول إن الحديث عن القانون الجنائي للشركات التجارية لا يستقيم إلا بالحديث عن القانون الجنائي للأعمال نظرا لما يتميز به هذا القانون من مميزات وخصائص تجعله قانونا فريدا من نوعه لا سميا وان القانون الجنائي للشركات التجارية يعد من اهم فروعه ومن تم فهو يتشبع بمميزات وخصائص هذا القانون وان كانت خصائص ومميزات القانون الجنائي للشركات التجارية تتميز بنوع من الخصوصية التي تعكس توجه المشرع المغربي في ميدان الشركات التجارية بصفة خاصة والرامية إلى حماية الادخار العام وتشجيع الاستثمار والمبادرة الخاصة ودعم العقوبات الزجرية على أعضاء أجهزة الإدارة والتسيير أو على كل من يشكل تهديدا حقيقيا لكيان الشركة. لذلك فإن مميزات القانون الجنائي للشركات التجارية تجعل منه قانونا متميزا لمعنى الكلمة، وذلك لما يتسم به من مميزات قانونية تهم سياسة التجريم والعقاب، لكونه قانونا لا يعتمد على مبدأ التفويض التشريعي في التجريم بقدر ما يسند على تقنية الإحالة سواء في شكله الداخلي أو الخارجي.


[1] سناء الوزيري: ” السياسة الجنائية في ميدان الشركات التجارية”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الحقوق، شعبة القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، الرباط، السنة الجامعية 2005-2006، ص 30.

[2] محمد الإدريسي العلمي المشيشي: “خصائص الشركات التجارية في التشريع الجديد!، مقال منشور بمجلة المحاكم المغربية، العدد 8، يناير -فبراير، السنة: 2000، ص 24.

[3] Mohamed El Hilali: «La société anonyme à directoire et à conseil de surveillance », thèse de doctorat, université Mohamed V, Faculté des sciences juridique et économique et sociales, Agdal, Rabat, année universitaire 2005, p . 169.

[4] لحسن بيهي: ” الشكلية في ضوء قانون الشركات التجارية المغربي وفق أخر التعديلات لسنة 2006 “، مكتبة دار السلام، الرباط، الطبعة الأولى، السنة 2005، ص 277.

[5] ليس هناك إجماع فقهي بخصوص المميزات والخصائص التي يتمتع بها القانون الجنائي لشركات التجارية، فهناك من اعتبر أن خصائص هذا القانون تتمثل في: أنه قانون تكميلي للقانون الجنائي وانه يتميز بالكثافة من الناحية التجريمية، وأنه قانون رمزي ومحدد.
للمزيد من التفصيل انظر:

-ابن خدة رضى: “محاولة في القانون الجنائي للشركات التجارية -تأصيل وتفصيل -وفق أخر التعديلات المدخلة بالقانون 2005، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، الطبعة الأولى، يوليوز، السنة 2010، ص 75 -100.

[6] محمد كرام: “المسؤولية الجنائية لمراقبي الحسابات في شركة المساهمة على ضوء القانون المغربي والمقارن “، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، وحدة قانون الأعمال، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الدار البيضاء، السنة الجامعية: 2000 -،2001، ص 47.

[7] والحق أن القانون المغربي للشركات اضحى في هذا الإطار يعاني فعلا من وقوع المشرع في عيب منهجي بوضعه أولا نصا مستقلا لشركة المساهمة، وأخر الباقي الشركات، بحيث تتضح أثار ذلك في تكرار المواد في القانونين وفي كثير الإحالات وبالضبط القانون رقم 96-5 المتعلق بباقي الشركات على القانون رقم 17.95، المتعلق بشركة المساهمة بحكم أسبقية وضع هذا الأخير من الناحية الزمنية وبسبب أن القانونين معا مقتبسين من قانون الشركات الفرنسي لسنة 1966 الذي تناول المقتضيات القانونية لجميع أنواع الشركات في نص واحد.
ذلك أن المشرع المغربي لما اختار البدء بإصلاح قانون شركة المساهمة، لجأ إلى انتقاء المواد الفرنسية المتعلقة بشركة المساهمة واقحم ضمنها هكذا ودون توقع المقتضيات العامة التي تهم جميع أنواع الشركات، على انه ولما أريد تحرير القانون المتعلق بباقي الشركات اصبح محرروا هذا القانون مضطرين لإعادة التنصيص على بعض المقتضيات والإحالة بالنسبة لأغلب المقتضيات الجنائية على قانون شركات المساهمة.
للمزيد من التفصيل انظر:

  • سناء الوزيري، “السياسة الجنائية في ميدان الشركات التجارية ” المرجع السابق، ص 35.

[8] ويتعلق الأمر هنا ب: “شركة التضامن، شركة التوصية البسيطة، شركة التوصية بالأسهم، شركة المحاصة، والشركة ذات المسؤولية المحدودة “.

[9] محمد كرام: “المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في قانون شركة المساهمة على ضوء القانون المغربي والمقارن”، المرجع السابق، ص 49.

[10] محمد كرام: “المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في قانون شركة المساهمة على ضوء القانون المغربي والمقارن”، المرجع السابق، ص 49.

[11] محمد كرام: “المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في قانون شركة المساهمة على ضوء القانون المغربي والمقارن”، المرجع السابق، ص 50.

[12] سناء الوزيري: “السياسة الجنائية في ميدان الشركات التجارية ” المرجع السابق، ص. 159.

[13] Delmas Marty Mireille : « Droit pénal des affaires », Tome I, Paris, PUF 2ème édition, 1981, p .47.

[14] محمد كرام: “المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في قانون شركة المساهمة على ضوء القانون المغربي والمقارن”، المرجع السابق، ص. 50.

[15] لحسن بيهي: “الشكلية في ضوء قانون الشركات التجارية المغربي وفق أخر التعديلات لسنة 2006 “، المرجع السابق، ص 278.

[16] تقوم تقنية الإحالة على الاعتماد والاستئناس بعقوبات واردة في نص معين تعاقب الإخلال بالواجبات المنصوص عليها سابقا في النص، دون بيان العناصر المكونة للجريمة، مما يودي إلى التضخم التشريعي، كما أن الإحالة تتعلق بالتنصيص على الاعتماد على العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي العام من قبل النصوص الخاصة، بل أن النصوص الخاصة تشير إلى تطبيق واعتماد العقوبة المنصوص عليها في القانون الجنائي العام، إذا كانت اشد من عقوبة النص الخاص، وهو ما يجعل القانون الجنائي للشركات قانونا تكميليا.

[17] عبد المجيد غميجة: “دور العدالة الجنائية في ميدان الأعمال والاقتصاد: المقاولة والسياسة الجنائية ، أشغال المناظرة الوطنية المنظمة من طرف وزارة العدل تحت عنوان “السياسة الجنائية بالمغرب: واقع وأفاق “، مكناس أيام 9 و 10 و 11 دجنبر 2001، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، الطيعة الأولى، العدد 4، السنة2005 ، ص 128.

[18] على غرار القانون الفرنسي المستوحاة منه النصوص الجنائية، فقد ارتكز محرروا قانون الشركات المغربي على تقنية الإحالة والتي تكون، إما الإحالة من فقرة إلى فقرة لنفس المادة أو من مادة إلى مادة أخرى بنفس القانون أو قانون أخر، ولعله لا حاجة للتنويه في هذا الباب إلى أن اعتماد تقنية الإحالة ليس دائما توجها سليما ومقبولا من الناحية القانونية، وهو عادة غير محمودة تجعل النصوص غير متكاملة وغير شاملة لكل المعطيات، بحيث يصبح مضمون المواد مبعثرا ويفتقر للانسجام.

للمزيد من التفصيل انظر:

  • سناء الوزيري: “السياسة الجنائية في ميدان الشركات التجارية ” المرجع السابق، ص 34.
  • Fabienne Ghelfi- Tastevin: «le droit pénal économique et des affaires», paris, édition gualina, 2001, p .109.

[19] محمد كرام: ” المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في قانون شركة المساهمة على ضوء القانون المغربي والمقارن”، المرجع السابق، ص 51.

[20] ففي هذا الصدد فإن المادة 385 من قانون شركات المساهمة تحيل على مقتضيات المادة 53 من نفس القانون حينما نصت على أنه: “يعاقب بغرامة من 3000 إلى15.000 درهم الرئيس أو المتصرف رئيس الجلسة الذي لم يعمل على إثبات مداولات مجلس الإدارة في محاضر وفق ما تنص عليه المادة 53″، كما أن المادة 408 من نفس القانون تحيل بدورها على المادة 293 من نفس القانون ولا سيما في الفقرة الثانية منها: “يعاقب بغرامة من 6000 إلى30000 درهم….. الذين أصدروا أو سمحوا بإصدار سندات قرض في حين لم يتم تحرير رأسمال الشركة تحريرا كاملا مع مراعاة أحكام الفقرة الثانية من المادة 293”.

[21] غازي تليالي: “تلاشي الركن المعنوي في الجرائم -دراسة مقارنة –”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة القاضي عياض، كلية الحقوق -مراكش، السنة الجامعية: 1997 -1998، ص 45 وما بعدها.

[22] محمد كرام: “المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في قانون شركة المساهمة على ضوء القانون المغربي والمقارن”، المرجع السابق، ص 55.

[23] يعتبر تقلص أو غياب الركن المعنوي في البنيان القانوني للجريمة استثناء بلا شك من أصل من أصول النظرية العامة للجريمة، وهو استثناء يختلف موقف الفقه بشأنه بين قابل ومعارض له.

  • عبد العظيم مرسى: “افتراض الخطأ كأساس للمسؤولية الجنائية -دراسة مقارنة في النظامين اللاتيني والأنجلو أمريكي” دار النهضة العربية، القاهرة، السنة 1988، ص13.

[24] عتيقة بوزيد: “معضلة الركن المعنوي في جرائم الشركات التجارية”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في العلوم الجنائية، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طنجة، السنة 2005 -2006، ص 18.

[25] إن الاعتداد بالركن المادي فقط في جرائم شركات المساهمة أمام تلاشي الركن المعنوي، جعل الباب مفتوحا على مصراعيه أمام الفقه لمعالجة ظاهرة تناقص الركن المعنوي الذي أثار العديد من الإشكالات، مما أدى إلى أثارة جدل الفقهاء والمهتمين بين مؤيد لإلغاء الركن المعنوي للجريمة، ومعارض لهذ ا الطرح، والواقع رغم كون الاتجاه العام قد اعتبر أن قاعدة “لا جريمة بدون ركن معنوي ” من المبادئ الأساسية في القانون الجنائي، وتكريسا مهما لحقوق الفرد، إلا إنه لم يحل دون ظهور تيار جديد ينادي بعدم الاعتذار بالركن المعنوي في بعض الجرائم، وهذ ا التيار هو الذي تبني ما يعرف بالجرائم المالية التي تنشأ عنها المسؤولية الجنائية بدون خطأ.

× للمزيد من التفصيل انظر:

  • عتيقة بوزيد: “معضلة الركن المعنوي في جرائم الشركات التجارية ” المرجع السابق، ص 46.

[26] الفصل 6 من التنظيم القضائي للمملكة الذي غير وتمم بمادة فريدة من القانون رقم 10.34 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.148 بتاريخ 16، رمضان 1432 الموافق (17 غشت 2011) والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 5975 بتاريخ 6 شوال 1432 في ا لموافق لــ 5 شتنبر 2011)، ص 4386.

[27] تنص المادة 260 -1 من القانون المسار إليه أعلاه على أنه: “استثناء من قواعد الاختصاص المنصوص عليها في هذا الفرع تختص أقسام الجرائم المالية بمحاكم الاستئناف المحددة والمعنية دوائر نفوذها بمرسوم، بالنظر في الجنايات المنصوص عليها في الفصول من 241 إلى 256 من القانون الجنائي التي لا يمكن فصلها عنها أو المرتبطة بها”.

[28] نبيل بو عاود: “خصوصيات البحث والتحقيق في الجرائم المالية!، بحث نهاية التكوين بالمعهد العالي للقضاء، الفوج، 37، السنة: 2011 -2013، ص 7.

[29] احمد أبو دية: “الفساد سيله وأليات مكافحته “، مقال منشور على الإنترنت في الموقع الإلكتروني التالي بتاريخ 13 يوليو. 2014:

http://www.aman-palestine.org/documents/publication/youth-doc6

[30] غسان رياح: “قانون العقوبات الاقتصادي”، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، السنة: 2004، ص 36.

[31] إدريس العروك: “بداية أقول الركن المعنوي في الجرائم الاقتصادية! رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، شعبة القانون المقاولة، جامعة المولى إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مكناس، السنة الجامعية: 2011 -2012، ص 1.

[32] كمال بين عبد الله المجاري: “استقلالية القانون الجنائي الاقتصادي!، مذكرة لإحراز على شهادة الدراسات المعمقة في العلوم الجنائية، جامعة تونس، السنة الجامعية 1996 -1997، ص 6.

[33] إدريس العروك: “بداية أقول الركن المعنوي في الجرائم الاقتصادية ” المرجع السابق، ص: 2 و3.

[34] غسان الرباح: “قانون العقوبات”، الطبعة الأولى، منشورات بحسون الثقافية، بيروت، السنة 1990، ص 38.

[35] عبد الوهاب بدرة: “جرائم الأمن الاقتصادي”، الطبعة الأولى، السنة1998 ، ص18.

[36] رضا عبد السلام: “اقتصاديات الجريمة -المحددات الاقتصادية للجريمة ” مجلة الحقوق (البحرين)، المجلد الأول، العدد الأول، السنة 2004، ص 181.

[37] فخري عبد الرزاق الحديثي: “قانون العقوبات -الجرائم الاقتصادية ” مطبعة جامعة بغداد، السنة 1980، ص 9.

[38] محمد كمال الدين إمام: “المسؤولية الجنائية أساسها وتطورها -دراسة مقارنة في القانون الوضعي والشريعة الإسلامية”، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، السنة، 1991، ص 12.

[39] Marius Pantea : «la criminalité économique et financière facteur de risque pour la sécurité Nationale», Edition Montechirestien, Paris, 2004, p .177.

[40] M. Panetea , C. Voicu : « Present and futur in the international security strategy of the europeon union», publicat in 6ème édition of international conférence the european integration – realities and perspectives », volume 6/2011, édition Danubius university press galati, p .251-263.

[41] إن خصائص الجريمة الاقتصادية ارتبطت أساسا بالمصلحة موضوع الحماية الجزائية في المادة الاقتصادية، ونقصد بذلك خيارات الدولة في المجال الاقتصادية المجسمة في السياسة الاقتصادية، غير أن المصلحة لا ترتقي حجة لتأسيس نظاما قانونيا متكاملا أو أحداث فرعا قانونيا جديدا ينضاف إلى فروع القانون الأخرى. فمما لا شك فيه، أن الجريمة الاقتصادية من حيث بنائها العام على مستوى القواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية تقابل قواعد وأحكام القانون الجزائي العام وكذلك القانون الجنائي الخاص.

× للمزيد من التفصيل انظر:

  • علي منصور: “المبادئ العامة في الجرائم الاقتصادية ” مقال منشور بمجلة المحاماة، العدد الأول، السنة: 46، شتنبر 1995، ص. 25.
  • جمال العطيفي: “فكرة الجريمة الاقتصادية”، مقال منشور بالمجلة العربية الأولى للدفاع الاجتماعي، مجموعة الأعمال، دار
    النشر للجامعات المصرية، السنة 1967، ص. 47.
  • حسين حمودة المهدوي: “الموجز في جرائم الموظفين الاقتصادية ” المنشأة العامة بليبيا، الطبعة الأولى، السنة 1985، ص. 24.

[42] عبد الرؤوف مهدي: “المسؤولية الجنائية عن الجرائم الاقتصادية ” -دراسة مقارنة -سلسلة الكتب القانونية، منشأة المعارف بالإسكندرية، السنة 1977، ص. 73.

[43] Stégani Gaston, Levasseur Georges, Bouloc Bernard : «Droit pénal général», 16ème édition, Dalloz, Paris, 1997, Tome 1, N° 244, p . 219.

[44] عبد الواحد العلمي: “القانون الجنائي” -القسم العام، الطبعة الثالثة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، السنة 2007، ص. 219.

[45] محمد كرام: “المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في قانون شركة المساهمة على ضوء القانون المغربي والمقارن”، المرجع السابق، ص. 56.

[46] عتيقة بوزيد: “معضلة الركن المعنوي في جرائم الشركات التجارية ” المرجع السابق، ص: 138.

[47] إن العقوبات الجنائية في قانون الشركات التجارية تظل غير ملائمة للدور الفعال الذي ينبغي أن تلعبه الشركات الأموال في اقتصاد الدول، باعتبار أن الحياة التجارية تستدعي منح التجار حرية المبادرة وحرية استغلال أموالهم وثرواتهم بدون تدخل من أية جهة كانت في إطار المنافسة المشروعة، كما أن الحياة التجارية تأبى تدخل القانون الجنائي لتنظيمها لكونه قد يعيق الاستثمارات بسبب الخوف من الوقوع تحت طائلته وان الجزاءات المدنية كافية في هذا الصدد لتعويض الخسائر والأضرار التي قد تلحق بالتاجر المتضرر.

× للمزيد من التفصيل انظر:

  • احمد شكري السباعي: “الوسيط في الشركات التجارية والمجموعات ذات النفع الاقتصادي -الجزء الثالث –شركات المساهمة”، الطبعة الأولى، دار النشر المعرفة، الرباط، السنة 2004، ص. 206.

[48] لحسن بيهي: “الشكلية في ضوء قانون الشركات التجارية المغربي وفق أخر التعديلات لسنة 2006″، المرجع السابق، ص. 278.

[49] إن المناخ والتربة اللذأن تم فيهما تبني قانون شركة المساهمة لم يكونا مستعدين بالشكل الكافي لتقبل قانون من هذا الشكل، سواء من حيث المفاهيم التي جاء بها، أو من حيث الصيغة الآمرة التي أتت فيها اغلب مواده، لأن التطور التاريخي والتجربة القانونية برهنا على أن أي قانون لا يمكن أن يكتب له النجاح إذا لم يكن نابعا من الأرضية التي سيطبق فيها، ومقبولا –على الأقل من الناحية الأخلاقية -من طرف الفئة المعنية به، وإذا لم يأخذ بعين الاعتبار مجموعة من العناصر المتداخلة بعين الاعتبار كنفسية المعنيين به، وبتركيبتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بل والسياسية أحيانا.

  • فالي علال: “قانون 20.05 مقاربة جديدة لمفهوم التجريم!، مقال منشور بمجلة القصر، العدد 24، السنة 2012، ص 12.

[50] Pierre Bezard : «l’objet de la pénalisation de la vie économique in thèmes et commentaires : les enjeux de la pénalisation de la vie économique», op.cit, p . 12.

[51] ولتحقيق هذه الأهداف تنشأ الدولة قضاءا يستند في أحكامه على السلطة العامة ليجبر المتنازعين على الامتثال لحكم القانون لو بالقوة عند الاقتضاء، كما يقوم بملاحقة الذين يقترفون الأفعال الجرمية وتطبيق العقوبات التي نصت عليها القوانين بصدد هذه الأفعال، فالقاضي كما يقول علي منصور في كتابه: “نظم الحكم والإدارة في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية”، هو وحده الذي يستطيع أن ينفذ إلى روح المشرع وإرادة الجماعة فينفخ في النصوص الصماء، فإذا بها تنفجر وتنبثق وتتمخض عنها حقوق وواجبات وزواجر وروادع، وه ووحده يستطيع أن يسخر قوى الدولة وسلطات الحاكم في رد الحق لصاحبه ولوكان اصغر مواطن ويأخذه من مغتصبه ولوكان أكبر كبير، هو وحده يستطيع أن يحكم على الحاكم باسم الشرع، باسم القانون وباسم العدالة وباسم المجتمع.

ولقد تطور مفهوم القضاء في الدول المعاصرة إلى درجة جعل القضاء سلطة تكاد تكون فوق السلط الأخرى بالنظر إلى ما تتمتع به هذه السلطة من مزايا تتعلق بكيان الدولة ووجودها، إذ أنها تراقب الأعمال التي تصدر عن البرلمان حين تتصدى لمراقبة دستورية القوانين، كما أنها تراقب القرارات التي تصدرها السلطة التنفيذ ممثلة في الإدارات والمؤسسات العمومية وقد تحكم على الدولة بالقيام بعمل أو الامتناع عنه.

× للمزيد من التفصيل انظر:

  • محمد النجاري: “استقلال القضاء”: الأعمال التحضيرية للمناظرة الوطنية التي تضمنتها وزارة العدل تحت عنوان “السياسة
    الجنائية بالمغرب: واقع وآفاق “، بمكناس أيام 9 و 10 و 11 دجنبر 2004، المجلد الأول، الطبعة الثالثة، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد 3، السنة 2004، ص. 470 و 474.

[52] إذا كان يصعب القول بداية بأن للقضاء الزجري مفهوما مختلفا لاستقلاله عن مفهوم استقلال القضاء عامة فإن خصوصيات القضاء الزجري المرتبطة أساسا بالحقوق العامة للمجتمع وتراس السيد وزير العدل الذي يعتبر عضوا في السلطة التنفيذية للنيابة العامة التي تعتبر جزءا من القضاء، قد يؤدي إلى خلق نوع من الارتباط في تطبيق هذا المبدأ ذلك إن قضاة النيابة العامة وان كانوا يشكلون مع قضاة الحكم الهيأة القضائية إلا انهم يتلقون التعليمات من رؤسائهم سواء كانوا وكلاء الملك أو وكلاء عامون للملك أو وزير العدل، ومن المعلوم أن خضوعهم لهذا التسلسل الرئاسي تقتضيه ظروف السياسة الجنائية لكل مجتمع باعتبارهم ممثلين للدولة ولدى القضاء.

  • محمد النجاري: “استقلال القضاء”، المرجع السابق، ص.478.477.

[53] سناء الوزيري: “السياسة الجنائية في ميدان الشركات التجارية ” المرجع السابق، ص. 274.

[54] محمد كرام: “المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في قانون شركة المساهمة على ضوء القانون المغربي والمقارن”، المرجع السابق، ص. 61 و 62.

[55] سناء الوزيري: “السياسة الجنائية في ميدان الشركات التجارية ” المرجع السابق، ص. 274.

[56] محمد درميش: “إشكالية المحاكم التجارية ” مقال منشور بمجلة المحاكم المغربية، العدد، 81، ص. 96.

[57] عمر أزوكار: “الاختصاص النوعي للمحاكم التجارية: الطبيعة والإشكالات، مقال منشور بمجلة المحامي، العدد 32-33، السنة: 1998، ص. 92.

[58] اعتبر جانب من الفقه المغربي في هذا الصدد ان: النيابة العامة بالمحكمة التجارية ليس لها ذلك الدور الزجري الذي تتمتع به النيابة العامة في المحاكم العادية، وان ذلك شيء إيجابي لما يمكن أن يكون للدور الزجري من تأثير سلبي على الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي على المستثمرين… على إنه يمكن لهذه المحكمة إحالة الجرائم التي تصل إلى علمها على النيابة العامة العادية للقيام بالمتابعات، كما اعتبر أن النيابة العامة لدى المحاكم التجارية مؤهلة في ظل القانون الجاري به العمل للقيام بالمتابعات، وهو راي يشاطره الجميع.

× للمزيد من التفصيل انظر:

  • جمال سرحان: الجرائم الاقتصادية وتأثيرها على الاستثمار”، المائدة التمهيدية الأولى حول سياسة التجريم في المجال الاقتصادي وسياسة العقوبة المنعقدة بالمعهد العالي للقضاء بتاريخ 17شتنبر 2004 الأعمال التحضيرية للمناظرة الوطنية تحت عنوان الأعمال التحضيرية للمناظرة العلمية!، المجلد الأول، الطبعة الثانية، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، المحمدية، العدد 3، السنة 2004، ص. 26 و 107.

[59] Jean – Claude Marin : «Méthodologie de l’approche et du traitement de la délinquance économique et financière : politique pénale et délinquance économique, in thèmes et commentaires : la justice pénale face à la délinquance économique et financière». Dalloz, Paris, 2001, p .45.

[60] في فرنسا على سبيل المثال قامت النيابات العامة باتخاذ مبادرات منذ سبعينيات القرن العشرين، كفتح متابعات ضد أصحاب الفواتير المزورة ودور النيابة العامة أمام المحاكم التجارية، بحيث ترسخت بالتدريج سياسة جنائية في المادة الاقتصادية والمالية داخل الكثير من النيابات العامة الفرنسية طوال الثمانينات إلى أن تم دعمها قانونا، بعدما أظهرت هذه التجربة النظرة المتكاملة للنيابة العامة، بشأن بعض الأفعال الخطيرة واثرها على الحياة الاقتصادية، بفضل تدخل النيابة العامة ليس فقط بواسطة دعوى عمومية جنائية بل في سياق دعوى عمومية اقتصادية في إطار مساطر معالجة صعوبات المقاولة.

  • للمزيد من التفصيل انظر:
  • عبد المجيد غميجة: “دور العدالة الجنائية في ميدان الأعمال والاقتصاد: المقاولة والسياسية الجنائية!، المرجع السابق، ص. 136.
  • François Falleti : «les politiques pénales» ; Actes du colloque « paquet et politique pénale depuis le XIX siècle », université de Lyon 3 ; 19 et 20 septembre 2002, source : http://www.gip-recherche – justice.fr, le 15/03/2011 ; à 17h21.

[61] عبد المجيد غميجة: “دور العدالة الجنائية في ميدان الأعمال والاقتصاد: المقاولة والسياسية الجنائية!، المرجع السابق، ص. 140.

[62] سناء الوزيري: “السياسة الجنائية في ميدان الشركات التجارية ” المرجع السابق، ص. 277.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading