د. محمد خيري

أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني سابقا

محام بهيئة المحامين بالدار البيضاء – برلماني بمجلس النواب

إن إنجاز هذه المدونة وإخراجها إلى الوجود هو هدف طال انتظاره لعقود من الزمن.

وتدخل هذه المدونة في إطار تحقيق هدف تدوين أحكام الفقه الإسلامي في جميع المجالات وهو مقصد نبيل سبق للمرحوم محمد الخامس أن نادى به بمناسبة تعيينه للجنة تدوين الفقه الإسلامي حيث ورد في خطابه بمناسبة تعيين أعضاء هذه اللجنة بتاريخ 19 أكتوبر 1957 ما يلي:

” ولا يخفى أننا أمة عريقة في ميدان الدراسات الفقهية والتشريع نملك من ذلك ثروة تغنينا عن اتخاذ قوانين موضوعة لدول أخرى.

غير أن كل ما ينقص هذه الثروة هو إظهارها بالمظهر الحقيقي لها بعيدة عما علق بها من تأويلات عقيمة وعادات فاسدة أصبحت بحكم تداولها مع تقادم العهد من مضافات الشريعة الإسلامية ومعدودة منها.

فواجبنا إذا أن نعود إلى تراثنا وثروتنا الفقهية ونعمل على إحيائها وذلك بتأليفها في مواد منسقة مضبوطة على شكل مدونة.”

واللجنة التي تم تعيينها لم يكن عملها منحصرا في مدونة الأحوال الشخصية فظهير تأسيسها سماها ” لجنة لوضع مدونة لأحكام الفقه الإسلامي “.

حيث كانت الغاية هي تدوين جميع فروع الفقه بما في ذلك أحكام المعاملات والحقوق العينية.

وقد كان من بين برنامج هذه اللجنة وضع مدونة الالتزامات والعقود ومدونة الحقوق العينية. إلا أن اللجنة لم تستكمل أعمالها لأسباب معينة وقد كان جل أعضاء اللجنة الذين عينوا بمرسوم من العلماء وهو ما يفسر اتجاه المشرع إلى الاعتماد الكلي على المذهب المالكي في وضع القواعد القانونية.

أولا: الوضع قبل صدور مدونة الحقوق العينية

كان هناك تمييز بين العقار المحفظ والعقار غير المحفظ:

  • العقار المحفظ كانت تطبق بشأنه مقتضيات ظهير 2 يونيو 1915 المحدد للتشريع المطبق على العقارات المحفظة وهو في مجمله يتضمن أحكام الحقوق العينية أغلبها مستمد من الشريعة الإسلامية. وهي في حقيقته عبارة عن مدونة للحقوق العينية ينحصر تطبيقه على العقارات المحفظة مما ساهم في ترسيخ ازدواجية النظام العقاري.

وكانت المحاكم تستند في أحكامها إلى مقتضيات هذا القانون في كل نزاع يتعلق بعقار محفظ،

  • أما العقار غير المحفظ فلم تكن هناك أحكام مقننة يتم الرجوع إليها بل كانت المحاكم تستند على أحكام الشريعة الإسلامية والاجتهادات اعتمادا على كتب ومؤلفات فقهاء وقضاة مغاربة. ودليل ذلك أن جل القرارات الصادرة عن مختلف المحاكم بما فيها المجلس الأعلى كانت تعلل أحكامها بقواعد الشريعة الإسلامية وآراء الفقهاء المجتهدين المغاربة المستمدة من مؤلفاتهم مثل التحفة لابن عاصم ونظم العمل الفاسي وشرح الزرقاني إلخ…

ثانيا: دواعي وضع مدونة الحقوق العينية

تتلخص هذه الدواعي فيما يلي:

  • وضع حد لازدواجية الأحكام والقواعد المطبقة على العقارات المحفظة والعقارات غير المحفظة: فالعقارات المحفظة كانت تخضع لظهير 2 يونيو 1915 المحدد للتشريع المطبق على عليها والعقارات غير المحفظة كانت تخضع لأحكام الشريعة الإسلامية،
  • توحيد العمل القضائي في قضايا العقار ووضع حد لتضارب الاجتهادات وعدم التيه بين الآراء الفقهية المختلفة،
  • توحيد المواد التي لا اختلاف فيها بين العقار المحفظ وغير المحفظ مع الاحتفاظ بالازدواجية فيما استعصى على التوحيد من ذلك مثلا:
  • إثبات ملكية العقار المحفظ بواسطة الرسوم العقارية وما تتضمنه من تقييدات،
  • إثبات ملكية العقار غير المحفظ بواسطة الرسوم المثبتة لأصل التملك أو بواسطة الحيازة المستوفية لشروطها.
  • تنظيم أحكام عدة مواضيع لم تكن منظمة في السابق من بينها: أحكام الحيازة والمغارسة والهبة والشفعة.

هذا وقد تم إغفال تنظيم بعض المواضيع من بينها بيع الصفقة.

ثالثا: تعدد مرجعيات مدونة الحقوق العينية

سنتناول المرجعيات التالية:

  1. المرجعية الأساسية:

المرجع الأساسي والأصيل للأحكام المضمنة بمدونة الحقوق العينية هو الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي.

  1. المراجع التكميلية:
  • قانون الالتزامات والعقود فيما لم يرد به نص في المدونة،
  • الراجح والمشهور وما جرى به العمل.

أما الترجيح بين الأدلة عند تعارضها فيكون طبقا لقواعد الترجيح المقررة فقها لإثبات ملكية العقار غير المحفظ.

وللإشارة فلقد تم الاعتماد أثناء وضع أحكام المدونة على جملة من المؤلفات الفقهية المشهورة من بينها:

  • تحفة ابن عاصم،
  • حاشية بناني،
  • التبصرة لابن فرحون،
  • لامية الزقاق،
  • شرح التحفة للتاودي والتسولي،
  • شرح مختصر خليل الزرقاني.

رابعا: لجنة تدوين مدونة الحقوق العينية

بأمر من جلالة المغفور له الحسن الثاني تم إحداث لجنة تحت رئاسة وزير العدل السيد عمر عزيمان عهد إليها بوضع مشروع مدونة الحقوق العينية تستمد أحكامها من الفقه الإسلامي. وتنفيذا لهذا الأمر شكل وزير العدل بتاريخ 17 فبراير 1998 لجنة تحت رئاسته مكونة من ثلة من العلماء والفقهاء والقضاة والأساتذة الجامعيين.

وقد عهد إليها في بداية الأمر بتدوين مقتضيات الفقه الإسلامي المتعلقة بالحقوق العينية التي ترد على العقارات غير المحفظة. مع مراعاة التوجهات التالية:

  1. الالتزام بتدوين الأحكام التي يقررها المذهب المالكي مع إمكانية المفاضلة بين الآراء الفقهية المختلفة داخل نفس المذهب،
  2. الالتزام بالأحكام القطعية الثابتة بالكتاب والسنة.

أما الأحكام الاجتهادية فينبغي أن تراعى فيها مقاصد الشريعة الإسلامية وتطور المعاملات العقارية.

المبادرة الأولى مشروع قانون 19-01:

قامت اللجنة بإعداد مشروع سمي بمدونة الحقوق العينية المتعلقة بالعقارات غير المحفظة مشروع قانون رقم 19-01بتاريخ 12 أبريل 2001.

وقد أحيل هذا المشروع على مختلف الجهات المعنية بقصد الاطلاع عليه وإبداء الرأي بشأنه.

وما أثار الانتباه بعد إعداد المشروع الأول هو الاحتفاظ بازدواجية البينة العقارية بين عقار محفظ وعقار غير محفظ.

وفي عهد وزير العدل المرحوم محمد بوزوبع سنة 2005 تمت مراجعة المشروع الأول وإعادة النظر في بعض مقتضياته على أساس أن يكون هذا المشروع بمثابة قانون يطبق على العقار المحفظ وغير المحفظ وتوحيد المقتضيات المتعلقة بهما.

المبادرة الثانية مشروع قانون39-08:

ونتيجة لذلك تم التراجع عن صياغة المشروع الأول واستبدل بمشروع جديد وبترقيم جديد مشروع قانون 39-08 يتعلق بمدونة الحقوق العينية تطبق على العقار عموما دون تمييز بين المحفظ منه وغير المحفظ لتتم المصادقة عليه في مجلس وزاري وإحالته على البرلمان ليأخذ مساره التشريعي.

إحالة المشروع على البرلمان:

وقد أحيل المشروع سنة 2009 على البرلمان في عهد وزير العدل المرحوم الطيب الناصري.

استغرقت دراسة هذا المشروع بمجلس النواب أكثر من سنة.

انعقد أول اجتماع للجنة العدل والتشريع بمجلس النواب لدراسة هذا المشروع بتاريخ 12 ماي 2010 بحضور وزير العدل المرحوم محمد الناصري الذي قدم الخطوط العريضة للمشروع.

أوضح بأن هذا المشروع يشكل إطارا قانونيا حديثا لنظامنا العقاري يندرج ضمن مسار تحديث المنظومة التشريعية من أجل توحيد وتبسيط المقتضيات القانونية المتعلقة بالحقوق العينية المطبقة على العقارات المحفظ منها وغير المحفظ.

وعن دوافع تقديم هذه المبادرة التشريعية أفاد السيد الوزير أن الازدواجية في الأحكام المتعلقة بنفس الحقوق هو الذي دفع إلى التفكير لتوحيد المقتضيات المتعلقة بالحقوق العينية وإخضاعها لنفس الأحكام مع مراعاة بعض الاستثناءات التي تستعصى عن التوحيد.

فأحكام الحقوق العينية تخضع أصلا إلى قواعد الفقه الإسلامي وهي قواعد متعددة المراجع الفقهية وتعرف اختلافا في العمل القضائي. مما يستوجب توحيدها وانتقاء المرجح منها على غيره.

بتاريخ 15 يونيو 2010 عقدت لجنة العدل والتشريع اجتماعها الثاني الذي خصص لمناقشة مشروع القانون مناقشة عامة بحضور السيد وزير العدل وأطر الوزارة ونوه السيدات والسادة النواب بالمقتضيات القانونية المضمنة في مشروع المدونة من تجميع لقواعد فقهية وضعت في قالب تشريعي عصري يسد مجموعة من الثغرات التي يعرفها موضوع الحقوق العينية.

وأكدوا على أهمية هذا المشروع الذي يعالج العقار قديمة وحديثه المحفظ وغير المحفظ واعتماد نصوصه على أحكام الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي.

وعقدت لجنة العدل والتشريع بعد ذلك أربع اجتماعات خصصت للمناقشة التفصيلية للمشروع قدمت خلالها بعض التعديلات لإغنائه.

وقد تم الاتفاق في ختام مناقشة مواد مشروع القانون على تشكيل لجنة فرعية مكونة من ممثلي وزارة العدل وممثلي الفرق النيابية من أعضاء اللجنة لتعميق النقاش حول بعض المقتضيات وطرح التعديلات والتوافق بشأنها وبالتالي طرح صيغة توافقية للنص المعروض.

ورغم ذلك ظلت بعض النقط الأساسية موضوع خلاف الأمر الذي استدعى تنظيم لقاء دراسي مع أساتذة جامعيين وفقهاء وقضاة ومحامين ساهموا بآرائهم وخبرتهم في تقديم خلاصات هامة حول النقط الخلافية وعلى ضوئها أعدت الحكومة باتفاق مع أعضاء اللجنة صيغة جديدة مقترحة لمشروع المدونة عرضت على التصويت خلال اجتماع اللجنة المنعقد بتاريخ 6 يوليوز 2011.

وقد أحيل المشروع برمته بعد ذلك على مجلس المستشارين لتتم مناقشته والتصويت. وبعد ذلك صدر الظهير الشريف رقم 1-11-91 بتاريخ 27 شعبان 1432 الموافق 29 يوليو 2011 بتنفيذ القانون 39-08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية وتم نشره بالجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 24 نوفمبر 2011.

وحيث إن المادة 334 من مدونة الحقوق العينية أعطت فترة انتقالية لدخول هذا القانون حيز التطبيق حيث نصت على أنه يسري العمل بهذا القانون بعد ستة أشهر من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية، فقد دخلت مدونة الحقوق العينية إلى حيز التطبيق اعتبارا من تاريخ 24 ماي 2012.

وبهذا أصبحت مدونة الحقوق العينية هي المرجع الأساسي لكل ما يتعلق بمواضيع الحقوق العينية الأصلية والتبعية وأصبحت محاكم المملكة ملزمة بتطبيق مقتضيات هذه المدونة ما لم تتعارض مع تشريعات خاصة بالعقار.

فإن لم يوجد نص في هذه المدونة يرجع إلى مقتضيات قانون الالتزامات والعقود فإن لم يوجد نص فيهما فيرجع إلى الراجح والمشهور وما جرى به العمل في الفقه المالكي.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://omg10.com/4/10825527
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading