دور التحكيم في إطار تجربة المركز الدولي لتسوية منازعات

Written by

·

الاستثمار بين الدول والمستثمرين الأجانب

محمد أوضبحي
أستاذ باحث بكلية العلوم
القانونية والاقتصادية والاجتماعية
بمراكش

مقدمة:

عندما نستخدم مصطلحات الوسائل البديلة لتسوية المنازعات (ADR)، أو الوسائل المناسبة لفض المنازعات كما يصطلح عليها في الوقت الحاضر، فكل هذه المفاهيم يقصد بها بشكل عام تلك الطرق والآليات التي يلجأ إليها الأطراف بشكل متزايد كبديل للتقاضي أو القضاء العادي عند وقوع نزاع بينهم، وذلك لأجل التوصل لحل لذلك النزاع. فهذه النقطة الأخيرة أساسية لكون أنها تعتبر تعريفا مشتركا لهذه المصطلحات والمفاهيم، وبالتالي ستساعدنا على فهم الإشكالية العامة لهذه الندوة الدولية المتعلقة بالطرق الودية في فض المنازعات.

وانطلاقا من هذا المعنى يخرج التقاضي من مجال هذا التعريف، فهو لا يعتبر طريقة ووسيلة بديلة لحل الخلافات بل وسيلة أساسية، إذ أن الأساس عند الأطراف هو اللجوء إلى المحاكم ومحاولة حل النزاعات التي بينها بواسطة التقاضي في حالة وقوع نزاع بينها.

إلا أنه بالرغم من أن الوسائل البديلة تشكل خيارات وبدائل متاحة لأطراف المنازعات التجارية والاستثمارية على سبيل المثال، فهي في حد ذاتها ليست خيارا منافسا للقضاء أو بديلا عنه بل هي مكملة له ومكرسة لاستقلاليته. وكنتيجة لذلك، فالعلاقة المفترضة بين الوسائل البديلة والقضاء، هي علاقة تكامل وتقارب بيهما، فإذا كان القضاء منذ القدم ولا يزال الوسيلة الأساسية لحل النزاعات، فمع تطور ظروف التجارة والاستثمارات على الصعيدين الوطني والدولي، أخذت تنشأ إلى جانب القضاء آليات أخرى لحل المنازعات، وبذلك ظهر التحكيم فتطور مع تطور التجارة والاستثمار الدوليين. ولا أبالغ في القول بأن التجارة الدولية والاستثمار، وبحكم علاقتهما الوثيقة، يعتبران أهم أس العولمة الاقتصادية في مرحلتها الراهنة التي نتج عنها تزايد وتنامي عدد الاتفاقيات الثنائية لتشجيع وحماية الاستثمارات الأجنبية، حيث كرست هذه الأخيرة أهمية التحكيم الدولي كوسيلة لحل المنازعات بين المستثمر الأجنبي والدولة المضيفة في إطار المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار.

وإذا كان الهدف من هذه الندوة يتركز في بحث ومناقشة الإشكالية العامة المرتبطة بالطرق الودية والبديلة في فض المنازعات مع معالجة المقاربات المتعددة والتجارب المعمول بها دوليا، فإن الإشكالية الخاصة لموضوع مداخلتي هي البحث في دور التحكيم في إطار تجربة المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار بين الدول والمستثمرين الأجانب.

وهذا موضوع كبير ومعقد يصعب اختصاره في 15 دقيقة. ولكن بالرغم من ذلك ترجع أهمية دراستنا إلى كون أنها لا تتجه إلى مجرد تقديم معطيات ومعلومات نظرية ومتحيزة في نتائجها، بل للتقليل من احتمالية التحيز تبنت منهجية ومقاربة موضوعية تتميز بالدقة والأمانة في البحث.

وبناء على الإشكالية الخاصة لهذا الموضع، تنقسم خطة هذه المداخلة إلى مبحثين رئيسيين. المبحث الأول متعلق بالتعرف على أهم الوسائل البديلة لفض المنازعات ومزايا التحكيم. وسأحاول في المبحث الثاني التطرق أولا إلى نظام تسوية المنازعات الاستثمارية في إطار المركز الدولي، ثم التساؤل ثانيا عن الدور الذي يقوم به هذا المركز في مجال التحكيم الدولي.

المبحث الأول: التعرف على أهم الوسائل البديلة لفض المنازعات ومزايا التحكيم

سوف يتم في هذا المبحث التعرض إلى أهم الوسائل البديلة لتجنب فض المنازعات عن طريق القضاء ومتى يلجأ الأطراف إلى طريقة التحكيم في مجال الاستثمار الأجنبي وكذا مزاياه.

المطلب الأول: أهم الوسائل البديلة لتجنب فض المنازعات عن طريق القضاء

في العقدين الأخيرين تم التركيز على اللجوء إلى “الوسائل البديلة لتسوية المنازعات “التي تهدف، كما أشرت إلى ذلك من قبل، إلى تجنب اللجوء إلى القضاء العادي.

والوسائل البديلة تضم عادة طرق مباشرة للتسوية بواسطة التحكيم، أو وسائل غير مباشرة بواسطة طرف ثالث، مثل إتاحة إمكانيات اللجوء إلى التوفيق والوساطة. ويعتبر التحكيم وسيلة بديلة لتسوية المنازعات، وسنتطرق إليه في القسم الثاني من مداخلتنا.

الفقرة الأولى: التوفيق( الصلح أو المصالحة)

التوفيق أو الصلح، وهو أيضا يطلق عليه عبارة أو تسمية المصالحة، هو أحد الطرق والوسائل البديلة لتسوية المنازعات خارج إطار القضاء الرسمي (أي قضاء الدولة) بل أهم الوسائل التي أصبح لها مكانة مهمة، ودورا بارزا في فض المنازعات كيفما كانت طبيعتها. وهذا الدور الواضح الذي يحظى به نظام التوفيق في السنوات الأخيرة، على الرغم من أنه أحد أقدم أساليب تسوية المنازعات في تاريخ البشرية، إذ لجأ الناس منذ القدم إلى الصلح في حل منازعاتهم إلى جانب التحكيم قبل ظهور القضاء الرسمي، وتولي الدولة لمهمة فض المنازعات أفرادها وشعوبها.

ويمكن تلخيص آلية وطريقة التوفيق في اتفاق أطراف النزاع على حل نزاعهم عن طريق التوفيق واختيار الموفق أو لجنة التوفيق والذي سيسند إليه أو إليها في حالة لجنة التوفيق دور تسوية النزاع. والتوفيق باعتباره طريقة لفض المنازعات، فإنه لا يصدر في نهايته قرار نهائي ملزم بحل النزاع، بل يقتصر دوره على مجرد تقديم توصيات لأطراف النزاع بدون الوصول إلى اتفاق بينهم، وذلك على عكس التحكيم الذي ينتهي بإصدار قرار يتضمن حلول معينة ملزمة للأطراف.

الفقرة الثانية: الوساطة

تعرف الوساطة بأنها وسيلة اختيارية غير ملزمة لتسوية النزاعات، يلجأ بموجبها الأطراف إلى طرف ثالث محايد يقوم بدور الوسيط في محاولة لحل النزاع، عن طريق فحص طلبات وادعاءات الأطراف، ويساعدهم في التفاوض لفض النزاع وهي وان كانت تشبه إلى حد ما التوفيق، إلا أنها تختلف عنه في بعض الحالات، فالوسيط، يكون عادة شخصا محايدا ويكون له دور أكثر إيجابية في حسم النزاع، فهو لا يجمع الأطراف المتنازعة دائما في اجتماعات مشتركة كالموفق، وقد يشتغل أحيانا متنقلا بينهم منفردا بكل طرف على حدة لمحاولة التوصل إلى حل ودي يرضي أطراف النزاع، ولكنه لا يستطيع أن يجبرهم على قبول حل معين لتسوية النزاع.

وإذا كان المبدأ العام، هو أن الوساطة اختيارية، إلا أن بعض الدول قد جعلت منها وسيلة
ملزمة وإجبارية يجب استخدامها قبل اللجوء إلى التقاضي مثل الأرجنتين. وسأنتقل الآن إلى الفرع
الثاني حيث سأتناول بالتحليل السؤال التالي: متى يلجأ الأطراف إلى طريقة التحكيم في مجال
الاستثمار الأجنبي وما هي مزايا هذه الطريقة؟

المطلب الثاني: متى يلجأ الأطراف إلى طريقة التحكيم في مجال الاستثمار الأجنبي وماهي مزايا هذه الطريقة ؟

يلعب التحكيم، وخاصة التحكيم الدولي، دورا مهما في حل المنازعات الناتجة عن الاتفاقيات الثنائية لتشجيع وحماية الاستثمارات الأجنبية بين الدول، بحكم أن هذه المعاهدات تتضمن على الخصوص فصلا متعلقا بتسوية المنازعات الاستثمارية بين الأطراف المتنازعة والناشئة مثلا عن مشاكل تأميم أو مصادرة الاستثمارات الأجنبية أو كل المشاكل الأخرى الممكنة المتعلقة بتحويل الأموال. والسؤال الذي يجب طرحه هنا، هو متى يلجأ الأطراف إلى طريقة التحكيم الدولي المتعلق بهذا النوع من الاتفاقيات؟

وبخصوص هذا السؤال تحديدا، فإن هذه الاتفاقيات تنص على أنه في حالة عدم حل المنازعات بطريقة ودية بواسطة التفاوض والتوفيق، فإن الأطراف (وداخل أجل حدد بستة أشهر) يكون لهم الخيار بعرض خلافهم إما على القضاء الوطني لطرف معين ومتفق عليه وإما على التحكيم الدولي.

وعليه ففي حالة ما لم يتمكن الأطراف من الاتفاق على اختيار القضاء الوطني، كان لهما خيار اللجوء إلى آلية التحكيم، سواء التحكيم الدولي بين دولتين أي في حالة وجود دولة في مواجهة دولة أخرى، أو الاتفاق على الخضوع إلى التحكيم المؤسساتي من نوع CIRDI/ICSID أي في حالة وجود مستثمر أجنبي في مواجهة دولة معينة. ويتعلق الأمر هنا بالمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار. لكن التجربة الحالية للاتفاقيات الثنائية للاستثمارات تبين عدم وجود أية قضية للتحكيم بين الدول، وذلك على خلاف محكمة تحكيم المركز الدولي الذي عرضت عليه عدة منازعات

طبقا لآلية التحكيم بين مستثمر أجنبي ودولة. وعليه فقد أصبح اللجوء إلى التحكيم، بموجب هذه الاتفاقيات، مشروطا بضرورة اللجوء مسبقا إلى التفاوض، الوساطة أو التوفيق. وليس من المبالغة القول بأن التحكيم يعتبر وسيلة بديلة لفض المنازعات التجارية والاستثمارية بل أصبح الوسيلة الأساسية في حل المنازعات المترتبة عن تطبيق الاتفاقيات الثنائية حول الاستثمارات الأجنبية. فما هو إذن مفهوم التحكيم وما هي مزاياه؟

الفقرة الأولى: مفهوم التحكيم

عند الحديث عن التحكيم جدير بالذكر أن نشهد وأن نتذكر ما قاله الفيلسوف أرسطو من حيث أن الأطراف المتنازعة تستطيع تفضيل التحكيم على القضاء ذلك لأن المحكم يرى العدالة بينما لا يهتم القضاي إلا بالقانون والتشريع. وعلى المستوى التاريخي ازدهر التحكيم قبل الإسلام عند العرب وبرز عديد من المحكمين حيث أن كل قبيلة لها محكميها وكانت أبرز قضية قبل الإسلام حكم فيها رسولنا عليه الصلاة والسلام في رفع الصخرة المشرفة إلى مكانها عندما اختلف قبائل قريش عليها في ذلك الوقت، ثم جاء الإسلام ليضع التحكيم في أهم موقع في الحياة وهو العلاقة الزوجية، وعليه فقد نص القرآن الكريم على موضوع التحكيم حيث جاء قوله تعالى ” وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ” (سورة النساء الآية 35)

بيد أن التحكيم في إطار التجارة الدولية والاستثمارات الأجنبية قد ارتبط بالتبادل التجاري والاستثماري بين الشعوب، وازدهر بازدهار هذين القطاعين الاقتصاديين حيث كانت وما زالت التجارة والاستثمار الدوليين الميدانيين الخصبين لإنماء وتطوير قواعد التحكيم التجاري وأيضا الاستثمار.

وعلى المستوى الفقهي نلاحظ وجود عدة تعريفات للتحكيم، فإبراهيم شحاتة والذي كان مدير للمركز الدولي لتسوية المنازعات يعرفه بأنه “إجراء اختياري لتسوية المنازعات بحكم ملزم يتأسس على القبول المسبق من جانب الأطراف في النزاع ” ([1]). وباختصار شديد يمكن تعريف التحكيم بأنه

وسيلة خاصة للتقاضي تقوم على اتفاق يفوض بمقتضاه الأطراف إلى شخص أو عدة أشخاص بسلطة حسم المنازعات المتعلقة بهم عن طريق إصدار حكم ملزم يفرض على المتنازعين بغض النظر عن رضاهم، وهذا تمييز جوهري يفرق ويميز بين التحكيم والوسائل البديلة الأخرى لفض المنازعات.

الفقرة الثانية: مزايا التحكيم

والتحكيم الناتج عن الاتفاقيات الاستثمارية يتسم بخصوصية تميزه عن التحكيم في مختلف المنازعات الأخرى، ويرجع ذلك لاختلاف نوعية المشاكل التي يجب على هيئات التحكيم المؤسساتي للمركز الدولي التصدي لها، والتي تتبع أساسا من كون أن أحد أطراف هذا النزاع يمثل شخصا من أشخاص القانون العام يتمتع بالسيادة يتعامل مع شخص من أشخاص القانون الخاص، إذ أن وجود الدولة كأحد أطراف النزاع يطيع آلية التحكيم بطابع خاص.

ويمكن أن نلخص مزايا التحكيم في اختيار المحكم، في حرية المحكم في تطبيق ما يراه مناسبا لفض النزاع، في سرعة وفعالية التحكيم، في العدالة المالية وفي عدم العلانية (Le carctère confidentiel de l’arbitrage) ، وأيا كانت المزايا التي يتمتع بها التحكيم فإنه في نهاية الأمر قضاء غير محايد بالنسبة للمنازعات التي تكون الدولة طرفا فيها مع مستثمر أجنبي وتكون ناتجة عن عملية الاستثمار المرتبطة بالمصالح الاجتماعية أو الاقتصادية ذات الطابع العام وبسيادة الدولة، فضلا عن أنه تحكيم اختياري وليس إجباري.

ولكن واقع العلاقات الاقتصادية عامة والاستثمارية، خاصة بين الدول المضيفة والمستثمرين الأجانب يبين لنا أنه لكي نتمكن هذه الدول من خلق مناخ ملائم لجاذبية الاستثمارات فقد قبلت وأقرت التحكيم كآلية لحل المنازعات مع المستثمرين الأجانب. وكما نعلم فلامستثمر الأجنبي يحتاج إلى الأمان والى ضمانات، ومن أهم هذه الضمانات توفير ضمانات قضائية وقانونية لحماية استثماراته، وفي الواقع فإن المستثمر يرتاح عند اللجوء إلى قضاء التحكيم الذي أصبح هو القضاء الطبيعي والحقيقي في هذا المجال. ومن هنا تتضح العلاقة مع التحكيم كعامل من عوامل تحسين مناخ الاستثمارات الدولية، حيث تمكن التحكيم من خلال آلية حل المنازعات وضمان العدالة الدولية التي يوفرها من كسب ثقة الاستثمارات الأجنبية والتجارية الدولية والدليل القانوني على ذلك يتمثل في كون أن معظم دول العالم ولا سيما الدول النامية، أقرت في العقدين الآخرين التحكيم كطريقة لفض منازعات الاستثمار من أجل استقطاب الاستثمارات الدولية، بحيث أنها اتجهت إلى إدخال بنودا في تشريعاتها الوطنية تتضمن إحالة نزاعاتها مع المستثمرين الأجانب إلى تحكيم المركز الدولي. ويتضح كذلك أن التزايد الهائل لعدد اتفاقيات الاستثمار الثنائية بشكل خاص يؤكد على اتجاهها غالبا إلى
الإشارة إلى التحكيم وفقا للقواعد التحكيمية للمركز الدولي.

المبحث الثاني: نظام تسوية المنازعات المؤسساتي بين دولة ومستثمر أجنبي في إطار المركز الدولي لاتفاقية واشنطن1965

من المفيد في البداية التمييز بين التحكيم الخاص والتحكيم المؤسساتي. فالتحكيم الخاص أو التحكيم الحر هو الذي يتيح للأطراف المتنازعة تشكيل هيئة التحكيم خارج إطار أية مؤسسة أو مركز من مراكز التحكيم. وباختصار فإن التحكيم الخاص يتميز بخاصية أنه تحكيم تم إنشاؤه لحالة خاصة بعينها، ويمكن اللجوء إليه مثلا في المنازعات البحرية الدولية. وأما التحكيم المؤسساتي فهو التحكيم الذي يختار الأطراف اللجوء من خلاله إلى نظام مؤسساتي تحكيمي كنظام المركز الدولي.

وليس في نطاق هذه المداخلة عرض وتقديم التفصيلات المتعلقة بالنظام التحكيمي للمركز الدولي، فهناك مراجع قيمة في هذا المجال تشبع رغبة المهتمين بهذا المركز في معرفة وفهم الإشكاليات المترتبة عن الأحكام والقرارات التحكيمية التي صدرت في نطاق تطبيق مقتضيات اتفاقية واشنطن للمركز الدولي.

سأحاول الآن أن أعرض لأهم خصائص المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار.

المطلب الأول: أهم خصائص المركز الدولي لتوسية منازعات الاستثمار

أحدث المركز الدولي بمقتضى اتفاقية واشنطن التي تم التوقيع عليها في 8ا مارس1965، والتي تنص على إنشاء المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمارات التي تقع بين دولة عضو في هذه الاتفاقية وبين شخص ذاتي أو معنوي مواطن لدولة عضو أخرى.

أحاول فيما يلي أن أعرض باختصار شديد لأهم خصائص المركز الدولي.

الفقرة الأولى: اختيار وسائل تسوية النزاع

تنص المادة الأولى (الفقرة 2) من اتفاقية إنشاء المركز على وجود طريقتين لتسوية النزاع بين الأطراف وهما التوفيق والتحكيم. ولكن جل القضايا التي تم رفعها إلى المركز الدولي لتسوية المنازعات كان التحكيم هو الحاسم فيها. وكقاعدة عامة فإنه من الطبيعي والمفيد أن توظف الجهود والتكاليف للوسيلة التي تنتهي في النهاية بحكم ملزم، أي طريق ووسيلة التحكيم.

الفقرة الثانية: التخصص في منازعات الاستثمار

وفقا للمادة 25 (فقرة 1) يتخصص المركز في تسوية منازعات الاستثمار، ولهذا فإن وقوع نزاع ناتج عن استثمار يعتبر شرطا ضروريا لتطبيق الولاية القضائية (Juridiction) للمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار. ولكن المشكل يكمن في كون أن نصوص الاتفاقية لا تحتوي على تعريف لمفهوم الاستثمار. وإذا أغفلت الاتفاقية إعطاء تعريف واضح لهذا المفهوم، فنجد على عكس ذلك أن الاتفاقيات الاستثمارية الثنائية تحتوي على تعريفات واسعة للاستثمار. حيث تعتبر أصناف مختلفة من الأنشطة في عدد كبير من الميادين الاقتصادية بأنها استثمار. وبالإضافة إلى ذلك فإن مفهوم الاستثمار يتسع أيضا ليشمل الحصص الاجتماعية وباقي أشكال المساهمات في الشركات، مختلف أنواع القروض التجارية والمالية وحقوق المؤلف ([2]). وفي الواقع، فإن هذه التعاريف ليست حاسمة فيما يخص التعريف الدقيق لهذا المفهوم بالنسبة لاختصاص المركز. فعلى سبيل المثال، ذا كانت هناك بعض الاتفاقيات تقوم على قاعدة حق الإقامة أو حق دخول الاستثمارات (Droit d’ Etablissement ) مما يلغي مبدأ سيادة الدول في تنظيم هذا الحق، فإن اتفاقية المركز الدولي لا تسري إلا بعض مرحلة الإقامة، أو بعد حق دخول الاستثمار الأجنبي أي عند حدوث استثمار فعلي ([3]). أي منذ ممارسة مختلف العمليات المرتبطة للاستثمار.

الفقرة الثالثة: القانون الواجب تطبيقه

بخصوص القانون الواجب التطبيق على النزاع، فإن اتفاقية إنشاء المركز الدولي لا تتضمن قواعد موضوعية لحل النزاع فهي توفر فقط قواعد إجرائية لتسوية المنازعات. ومن المحتمل أن الهدف من ذلك هو إتاحة هامش من الحرية لأطراف النزاع في تحديد الإطار القانوني المناسب الذي سيتم في نطاقه حل نزاعهم، ونستنتج من ذلك أن الاتفاقية تعطي الأطراف حق وسلطة تحديد القواعد القانونية التي تطق على الفصل في النزاع. وعليه تنص الفقرة الأولى في المادة 42 (1/42) من الاتفاقية على أن ” تفصل المحكمة في النزاع المعروض عليها وفقا للقواعد القانونية التي اتفق عليها الأطراف.
وعند غياب مثل هذا الاتفاق، فإن للمحكمة أن تطبق قانون الدولة الطرف في النزاع – شاملة قواعد تنازع القوانين – وقواعد القانون الدولي “.

والمعنى الجوهري لهذه المادة يكمن في كونها تضع ترتيبا تفاضليا فيما يخص القانون الواجب تطبيقه.

فأولا تطبق هيئة التحكيم قواعد القانون المتفق عليها بين الطرفين. وفي غياب هذا الاتفاق، يطبق قانون الدولة المتعاقدة الطرف في المنازعة، بما في ذلك قواعد تنازع القوانين (التي يمكن أن تشير بدورها إلى قانون دولة أخرى على أنه القانون الواجب تطبيقه). وأخيرا تلجأ هيئة التحكيم إلى تطبيق أي قواعد واجبة التطبيق من قواعد القانون الدولي. وقد فسرت هيئات التحكيم التابعة للمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار هذه الإشارة إلى القانون الدولي بأنها تعني أن قانون الدولة المتعاقدة الطرف في المنازعة يطبق مادام متوافقا مع قواعد القانون الدولي ([4]).

الفقرة الرابعة: أطراف التقاضي

تتسم إجراءات التقاضي بموجب الاتفاقية بكونها دائما مختلطجة (Mixte)، حيث أن أحد الطرفين لا بد وأن يكون دولة مضيفة وطرف في الاتفاقية، أما الطرف الآخر فهو مستثمر أجنبي ينتمي لدولة أخرى هي طرف في الاتفاقية، وهذا ما تنص عليه المادة 25 في فقرتها الأولى ([5]).

ومن الخطأ أن ينظر إلى هذا المركز على أنه آلية ملزمة وجبرية لفض منازعات الاستثمار التي تظهر بين الدول وبين المستثمرين من الدول الأخرى الأعضاء فاختصاص المركز في هذا الشأن ليس إلزاميا. فتوقيع وتصديق الدولة على اتفاقية واشنطن لا يعني سوى استعدادها لقبول خدماته وتسهيلاته دون أن يمتد ذلك إلى إلزامها باختصاصه بتسوية المنازعات التي تكون طرفا فيها. وهنا يتجلى الطابع الإرادي للمركز، فالدولة يجب أن توافق (consentement)، بشكل واضح على تقديم النزاع الذي تكون طرفا فيه إلى المركز لتسوية عن طريق التحكيم.

المطلب الثاني: الدور الذي يقوم به المركز في تسوية المنازعات

حاولنا سابقا أن نعطي فكرة عامة عن مفهوم التحكيم من خلال نموذج المركز الدولي لتسوية المنازعات بين الدول المضيفة للاستثمار والمستثمرين الأجانب. لكن السؤال الأكثر إلحاحا ودلالة بالنسبة لأهمية دور الوسائل البديلة في البحث عن فض المنازعات هو، ما هو الدور الأساسي الذي يقوم به المركز الدولي في تسوية المنازعات في مجال التحكيم؟؟

قبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال، أرى من الضروري أولا إعطاء فكرة سريعة عن القضايا المسجلة سنويا لدى المركز الدولي حتى نهاية سنة 2009:

يتضمن الجدول أعلاه ملخصا يبين عدد القضايا أو المنازعات المسجلة سنويا لدى المركز منذ 1972 إلى نهاية سنة 2009. وإذا كان الهدف من هذا الجدول هو التعرف على العمل والنشاط القانوني للمركز من خلال التركيز على مجموع المنازعات الاستثمارية بين الدول والمستثمرين المسجلة لديه سنويا منذ 1966 حتى نهاية سنة 2009 فيتضح لنا أن آلية تحكيم المركز لم تستخدم فعليا في السنين الستة الأولى بعد نشأته (1971-1966).

وبناءا على هذا الجدول، نلاحظ التطور الهائل والمنحى التصاعدي في عدد القضايا المسجلة لدى المركز منذ 1992 حتى الآن. وفي هذا الصدد ينبغي التذكير بأن ظاهرتي الاتفاقيات الدولية الثنائية للاستثمار وأيضا التجمعات والتكتلات الإقليمية التجارية قد انتشرت على صعيد كل القارات بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فمثلا حاليا ما يفوق 3000 اتفاقية ثنائية دولية للاستثمار هو العدد الإجمالي حسب التقرير السنوي الأخير 2009 لمنظمة الأونكتاد حول الاستثمارات الأجنبية. وما ينبغي استنتاجه من هاتين الظاهرتين وهذا المؤشر الإحصائي الإجمالي (BIT 3000)، هو وجود علاقة سببية بين هذه المعطيات وبين النمو المتزايد للمنازعات الاستثمارية المسجلة لدى المركز الدولي. والسبب الأساسي الذي يفسر إمكانية هذه العلاقة، هو أن هذه الاتفاقيات الدولية تنص على تسوية المنازعات الاستثمارية باللجوء إلى التحكيم المؤسساتي للمركز الدولي.

ومن الضروري الإشارة إلى أن أول نزاع قدم لمحكمة تحكيم المركز الدولي يرجع إلى سنة 1972 ويتعلق بقضية هوليداي ضد المغرب ([6]). والتي لن أتدخل في تفاصيلها، ولكن الذي يهمنا هذا الأساس، هو تقييم الدور الذي يقوم المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار في مجال التحكيم الدولي.

وهنا أؤكد هنا أن تسوية المنازعات هي إحدى المشكلات والتحديات الأساسية التي كان لها تأثير كبير على فشل اتخاذ قرار داخل المنظمة العالمية للتجارة سنة 2004، بشأن بدء مفاوضات حول اتفاق أو إطار متعدد الأطراف حول الاستثمارات.

والسؤال الأبدي الذي يطرح باستمرار ارتباطا بالمفاوضات الدولية حول الاستثمارات الأجنبية عموما والمركز الدولي يوجه خاص هو: هل يشكل المركز آلية أساسية بالنسبة لتوازن العلاقة بن البلدان المضيفة والمستثمرين الأجانب؟؟

وجدير بالذكر أن محكمة تحكيم المركز أجابت عن هذا السؤال، في قضية Amco V Indonesia (لسنة 1984)، بقولها إن تحكيم المركز الدولي ليس فقط في صالح المستثمرين الأجانب بل يسعى أيضا إلى حماية مصالح الدول:

«Ainsi, la convention a pour but de protéger, dans la même mesure et avec la même vigueur, l’investisseur et l’Etat hôte, sans oublier que protéger les investissements c’est aussi protéger l’intérêt général du développement et des pays en développement»([7]).

وتتلخص وقائع هذه القضية في تأميم ومصادرة مشروع فندقي فخم لشركة Amco وفقا لقانون داخلي أصدرته حكومة إندونيسيا آنذاك. وحكمت المحكمة بالتعويض لصالح المستثمر الأجنبي بحجة أن أندوسيا ([8]) لم تحترم العدالة ومبادي القانون الدولي.

ولا شك أن الحكمة من هذه القضية أن تحكيم محكمة المركز يحاول أن يحافظ على توازن ميزان القوى بين الطرفين المتنازعين. وأكبر حجة على ذلك نستنتجها من أن معظم الدول النامية، التي كانت في ستينات وسبعينات القرن الماضي مناهضة للمركز، انضمت إليه فيما بعد، ومجموع الدول الموقعة حاليا على اتفاقية المركز يبلغ 155 دولة موقعة. ولدعم هذه الحجة، ليس أدل على ذلك من التحليل الوصفي الذي استخدمه السكرتير العام السابق للمركز (1983 إلى 1998) إبراهيم شحاتة. إذ وصف آلية تحكيم المركز بكونها محاولة التوفيق بين مصلحتين، حاجة المستثمر الأجنبي للحماية والضمان وحاجة الدول لنامية إلى الاستثمار الأجنبي.

“A forum for conflict resolution a framework that carefully balances the interests and requirements of all parties involved”([9])

خلاصة:

نخلص مما سبق إلى أن إشكالية تسوية المنازعات الاستثمارية التي يتفق الأطراف عن فضها باختيارهم لوسيلة التحكيم الدولي، من الضروري أن تؤدي إلى حلول متوازنة وفعالة لحل هذا النوع من المنازعات الذي يقع بين الدول المضيفة والمستثمرين الأجانب. ومن المهم أن تكون هذه الحلول، نظريا وعمليا، عادلة ومنصفة للطرفين.

ولكن هذا النوع من التحكيم من شأنه أن يخضع الدول المضيفة إلى متابعات مبالغ فيها من طرف مستثمر أجنبي، يترتب عنه بالتالي فرضية انسحاب الدولة المضيفة من اتفاقية المركز الدولي، تلك الفرضية التي تحققت بالفعل في واقع العلاقات الاقتصادية الدولية على ضوء سابقة انسحاب دولة بوليفيا (Bolivie) من اتفاقية المركز الدولي سنة 2007. وبالنسبة لمختلف الوسائل البديلة لتسوية المنازعات في ظل العلاقات الاقتصادية الدولية، نستنتج أن الفاعلين الاقتصاديين يفضلون اللجوء إلى هذه الآليات البديلة التي تتلاءم مع طبيعة النزاعات الاستثمارية على سبيل المثال. ولذا من أجل تفادي مفارقة الغالب والمغلوب، نهم بوضوح اتجاه القانون الدولي الاقتصادي إلى حلول توفيقية من خلال تفضيله لوسائل بديلة عن القضاء، كالمفاوضات والوساطة والتوفيق والتحكيم.

ومن المفيد في الختام طرح سؤال حول مدى مساهمة نظام المركز الدولي التحكيمي في تطور حاضر ومستقبل التحكيم في بعض الدول العربية التي أنشأت مراكز التحكيم بوجه خاص ؟؟؟ هذا هو ما أراه السؤال أكثر دلالة الذي يشكل موضوع مشكلة البحث لمشروع مقالتي المقبلة.   


[1] انظر ك د إبراهيم شحاتة، “نبذة عامة عن التحكيم في مجال التجارة الدولية والاستثمار الدولي مع الاهتمام الخاص بالتحكيم عن طريق المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار”، مجلة مصر المعاصرة، السنة الثمانون، العددان 417 418-، سنة 1989، ص 387.

[2] انظر على سبيل المثال الاتفاقية الثنائية بين المغرب وإسبانيا، لسنة 1989، المادة الأولى.

[3] انظر محمد أوضبحي، ” معاهدات الاستثمارات الثنائية التي وقعت عليها المغرب، والتنمية الاقتصادية “، مجلة الحقوق (الكويت)، دجنبر 2001، ص 11.

[4] Applicable substan.

[5] النص القانوني بالعربي للمادة 25 فقرة 1، يوجد في الكتب الصغيرة دو اللون الخضر

UNCIAD, 2003, p36(4)

[6] Holiday Inns V Marocco (Case N°. ARB/72/10) Décision on Jurisdiction. Révision non publiée.

[7] Amco V Inolonesia, Décision on Jurisdiction, le 25 septembre 1983, ICSID Report 400. voir également Award, le 20 novembre 1984, ICSID Reports 493.

[8] عمر هاشم محمد صدقة، ضمانات الاستثمارات الأجنبية في القانون الدولي، الإسكندرية، دار الفكر الجامعي، 2008، ص 217.

[9] Shihata I.F. « Towards a Greater Depolitization of Investwent Disputes», il ICSID Review, vol 1,1986, p.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading