ومتاهات الإصلاح الدستوري في المغرب:

أي إصلاح في ظل ت كريس الاستمرارية؟

الأستاذ نجيب جيري

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة

تقديم:

إن الخطاب السامي لجلالة الملك محمد السادس الرامي إلى تعديل دستوري شامل يستند إلى مجموعة من الركائز الأساسية، في إطار ظرفية دولية سمتها الأساسية الثورة الاجتماعية التي تقودها الشعوب العربية من أجل إقامة دولة الحق والقانون. ويمثل هذا الخطاب محطة تاريخية مؤسسة لعهد جديد للملكية الدستورية الديمقراطية الاجتماعية بالمغرب قائمة على تمكين كل مؤسسة من القيام بمهامها في إطار الاستقلالية والشفافية.

ولعل نصيب المغرب من الوضع الدولي الراهن جاء بثورة الشباب في 20 فبراير 2011 وما بعدها، وتزايد حدة المطالب الاجتماعية في مختلف المدن المغربية، قد ترجم أولا من خلال رفع ميزانية صندوق المقاصة للحفاظ على القدرة الشرائية للفئات الضعيفة، والحد من ارتفاع الأسعار، والزيادة في أجور الموظفين ومراجعة الحد الأدنى للأجور ورفع الحد الأدنى للتقاعد وتخصيص مناصب لتشغيل الشباب، كل هذه الإجراءات كلفت المالية العمومية ميزانية ضخمة تقدر بعشرات الملايير من الدراهم. ثم ثانيا وهو الأهم من خلال تدخل جلالة الملك محمد السادس عبر خطاب 9 مارس 2011 التاريخي، حدد فيه المرتكزات للإصلاح الدستوري.

وإذا رجعنا عبر التاريخ البعيد والقريب إلى أسباب كل هذا (عندنا) وذاك (عندهم) فيعزى في حقيقته إلى الضعف الواضح في التدبير العمومي للمالية العامة في جميع هذه البلدان. ولهذا فإن من بين المواضيع التي يجب إعطاؤها أهمية كبرى ضمن المرتكزات الأساسية الواردة في الخطاب الملكي السامي في إطار اختصاصات برلمان نابع من انتخابات حرة ونزيهة، يتبوأ فيها مجلس النواب مكانة الصدارة، مع توسيع مجال القانون، وتخويله اختصاصات جديدة، كفيلة بنهوضه بمهامه التمثيلية والتشريعية والرقابية، نجد أن المالية العامة تعتبر محورا أساسيا في صلب الإصلاح الدستوري الشامل ضمن توسيع اختصاصات مجلس النواب.

فالمالية العامة تظل من أهم الوسائل المساعدة على حل أغلب المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حيث أن أغلب الثورات الأخيرة التي عرفتها الدول العربية وكذا الثورات التي عرفتها الحضارات السابقة كل من بريطانيا منذ سنة 1214 وفرنسا سنة 1789 تعزى إلى ضعف التدبير في المالية العامة في ظل انعدام الشفافية في صرف النفقات العامة وضعف العدالة الجبائية في فرض التكاليف العمومية.

وبالحديث عن المال العام باعتباره الجانب الأكثر إثارة للانتباه، نستحضر مصدره الأصلي أي المواطن ضحية الاقتطاع الضريبي، وعلى هذا الأساس لا يفصل بين التاريخ العام للإنسانية وتاريخ الضريبة، وأن الثورات والحروب التي عرفها العالم، جاءت نتيجة تاريخ طويل من الظلم والطغيان والطبقية والامتيازات، وأن لواء هذه الثورات حملت منها الأموال العمومية على شكل ضرائب نصيب الأسد. وبالتالي لا يمكن لأي متخصص مهتم إغفال هذا الواقع، نفس الشيء بالنسبة للسلطة السياسية الحاكمة أو الطبقة السياسية في ارتباطها بالمواطن، العضو الفعال والمحور الأساسي لكل تنمية والمؤثر في اتخاذ القرار السياسي والمحدد لسلطات الملوك في الإنفاق والجباية.

فالضريبة من الناحية الاقتصادية هم تقني شغل بال المسؤولين السياسيين والمنظرين الاقتصاديين عن كيفية استخلاص وعائها وسبل إنفاقها، ومن الجانب السياسي أن إقرار شكل معين للضريبة عمل سياسي في أوله، ونتيجة سياسية في آخر المطاف، وأن المواطن يتحمل نتائج السياسة والاقتصاد من خلال الضريبة عبر مشاريع ومخططات الحكومة ومقترحات القوانين الصادرة عن أعضاء مجلس النواب، الأمر الذي يطرح إشكالية مدى احترام كل من الحكومة في المجال التنظيمي والبرلمان في مجال القانون للأموال العمومية، في كيفية تحصيلها ومراقبة سبل صرفها باستمرار دون اختلاس أو تبذير واعتماد مبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في تحمل الأعباء أي خلق أسس الثقة المتبادلة بين الدولة والمواطن في المجال الضريبي؟

وهنا يأتي دور المراقبة البرلمانية على المالية العامة في صلب عمل البرلمان، وأن وجوده ومشروعيته وتمثيليته للمواطنين وسيلة ديمقراطية لسلطة مضادة، على اعتبار أن دور البرلمان يتمثل في تفويض وسائل اشتغال الجهاز التنفيذي وفعليا للجهاز الإداري اللذين يتمتعان بسلطة واسعة في استعمال الاعتمادات، وبالتالي على البرلمان أن يتوفر على سلطة التحقق من كيفية استعمال هذه الوسائل. لأنه بدون مراقبة برلمانية في الميدان المالي فإن جمع الضرائب وتوزيع النفقات العمومية الذي تقوم به قوانين المالية لا يمكن أن يتم في ظروف واضحة ومعللة، ويجعل المشرع مشرعا أعمى لا يمتلك وسائل قراره وسيجعل البرلمان بالتالي في وضع الممول في خدمة المبادرات الحكومية.

نعتقد أن أي محاولة لفهم واقع التشريع المالي المغربي، يجب أن يبدأ بالكشف عن بدايات هذا الواقع وجذوره التي كانت الخطوة الأولى في طريق ترسيخه وهيمنته، وسنقف فقط من خلال هذه الدراسة على تفعيل جزء من الإشكالية السابقة من زاوية استعمال المال العام الذي هو مال الشعب من خلال الاختصاص المالي للبرلمان في دستور 2011 بين ترخيص كل من نواب الأمة وتنفيذ الحكومة في المجال المالي. إذ ما جدوى التصويت على الميزانية إذا كان البرلمان غير قادر على مراقبة صرف المال العام؟ وعن أية هوية يعبر البناء الدستوري الجديد للمؤسسة البرلمانية؟ وأي فلسفة تمثيلية سيقوم عليها؟ هل هي مؤسسة بفلسفة جديدة؟ وبسياق مجتمعي جديد؟ أم هي مجرد صورة أخرى من الصور التي تتخفى وراءها تقليدانية التمثيل الوفية لروح العقلنة البرلمانية؟

ثم هل سيمكن الدستور الجديد من نقل البرلمان من واقع الوهم إلى تجليات التمثيل الفعلية؟ ومن باحة لتسجيل الحضور إلى ميدان للفعل والتفاعل؟ ومن برلمان نائم إلى برلمان يقظ وفاعل؟ وهل سيخلص الإصلاح الدستوري الجديد لسنة 2011 الفعل البرلماني من قاموس التردي، ليضفي عليه صبغة الرهان الاستراتيجي الذي يحمل على عاتقه عبء بناء مسلسل الانتقال الديموقراطي وتحصين مسار التنمية البشرية المنشودة؟

إن مسايرة هذه الأسئلة وغيرها، يجعلنا نفترض أن هوية المؤسسة البرلمانية التي ستنبثق بعد تبيئة نصوص دستور 2011 لن تنسلخ عن أهم مبادئ العقلنة البرلمانية، وإن كانت الصورة التي سيقدمها هذا الدستور لهذه المؤسسة وما ستوحي به من دلالات بعد التحامها مع محيطها الاجتماعي والسوسيو ثقافي، سيفرز لا محالة قاموسا مختلفا سيحتفظ ببعض توصيفاته المألوفة وستنضاف إليها توصيفات أخرى ستتجلى معالمها وطبيعتها وجدواها مع دخول هذه المؤسسة مرحلة التجريب.

وهكذا، سيكون الجواب على هذه الأسئلة هو المدخل لمعرفة دور البرلمان المغربي في الرقابة على المال العام.

المطلب الأول:

الفعالية المحدودة للاختصاص المالي للبرلمان و تكريس الطابع الشكلي للرقابة على المال العام

يشكل الاختصاص المالي، الدعامة الأساسية والركيزة الأولى لنشوء المؤسسة البرلمانية بدءا بامتلاكها لسلطة الموافقة على فرض الضرائب، ثم بالحد من هيمنة الملوك في عملية الجباية والإنفاق. ونتيجة التطورات التاريخية شمل هذا الاختصاص “الميزانية أو قانون المالية حاليا” ثم مخططات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمعاهدات الملزمة لمالية الدولة بالإضافة إلى تصويته على قوانين الضريبة.

ويعتبر حق ممثلي الأمة في ممارسة الاختصاص المالي في كل من إنجلترا وفرنسا من الحقوق الرئيسية التي اكتسبها البرلمان عبر تطوره التاريخي، واكتسب البرلمان هذا الحق تدريجيا، إذ بدأ بضرورة موافقته على الضرائب التي تعتبر من الاختصاصات المالية التقليدية للمؤسسة البرلمانية. ([1]) ثم انتقل إلى ضرورة مراقبته للإنفاق والتحصيل وبالتالي اعتماد الميزانية. ([2])

إن مبدأ الديموقراطية، يقضي بوجوب إشراك ممثلي الشعب في كل ما يتعلق بأموال الدولة، إلا أنه في بريطانيا كان الملك إلى حدود القرن 13 حرا في الإنفاق كما يشاء، لأن جميع النفقات كانت تمول من ممتلكات التاج الخاصة، ولم يكن هناك فصل واضح بين الأموال الخاصة للحاكم والنفقات العامة للدولة، نفس الأمر بالنسبة للأموال التي تجبى من أفراد الشعب على اختلاف مستوياتهم وطبيعة أعمالهم. ([3])

ومع التزايد المستمر والسريع لنفقات الدولة، اضطر الملك للاستعانة بالضرائب بشكل مطلق وتعسفي عما قبل، وتجاهل في مرات عديدة ممثلي الأمة باستثناء ممثلي الشعب. ([4]) فرد عليه البرلمان سنة 1628 بعدم “شرعية كل ضريبة تجبى دون موافقته “، وفي نفس السنة تم إصدار وثيقة إعلان الحقوق (Petition Of Rights)) الذي نص على ضرورة موافقة ممثلي الأمة على كل ضريبة تفرض، فكان أول مظهر لتقييد سلطات الملك المطلقة بل تحديد نفقات البلاط ومناقشتها.

وعلى إثر ذلك تقوت سلطة البرلمان بمزيد من الضغوط لأجل تحديد سلطات الملك في الإنفاق والجباية، وخاصة بعد إصدار ما سمي بدستور الحقوق ((Bill Of Right)) سنة 1688 الذي أكد عدم قانونية أية جباية تجبى لأجل التاج دون موافقة البرلمان. ([5]) ورغم محاولات الأسر الملكية المتعاقبة على الحكم الإنجليزي، تجاوز البرلمان وإضعافه لم يزده ذلك إلا قوة وصلابة.

وكان من آثار النزاع التاريخي بين البرلمان والملوك الإنجليز، توسع اختصاص البرلمان المعبر القوي عن إرادة الشعب والحد من سلطة الملوك. وفي سنة 1837 أصبح للبرلمان سلطة مطلقة في الترخيص بالجباية دون غيره، بل قرر أيضا أن يجدد هذا الترخيص مدة بعد مدة. ([6]) على اعتبار أن أموال الدولة هي أموال أفراد الشعب الذين يمثلهم نواب الأمة. ([7])

وفي فرنسا شهد الاختصاص المالي للبرلمان قفزة نوعية مع قيام الثورة الفرنسية سنة 1789، نتيجة ظلم وبطش الملوك الفرنسيين والإسراف والبذخ في الحفلات والسهرات. ([8]) ثم الامتيازات التي كانت تمنح للنبلاء ورجال الكنيسة وأفراد الجيش، إذ أعلنت المادة 114 من تصريح حقوق الإنسان أنه: “من حق الشعب أن يتأكد مباشرة أو بواسطة ممثليه، من ضرورة الضرائب، وأن يوافق عليها بملء الحرية، ويراقب استعمالها، ويقرر أسسها ونسبتها، وطريقة جبايتها ومدتها. ([9]) ومنحت الدساتير اللاحقة للبرلمان حق ترخيص وتحديد النفقات من أجل المصلحة العامة ولمدة لا تفوق السنة، مما جعل معظم دساتير الأنظمة السياسية تخول لنواب الشعب سلطات في مراقبة الشؤون المالية للدولة.

لكن، إذا كان الأصل أن البرلمان يلعب دورا كيرا في المجال المالي وينفرد بسن القوانين في جميع الميادين، فإن الوضع قد انقلب بصدور دستور الجمهورية الخامسة سنة 1958 نتيجة عدم الاستقرار السياسي في ظل الجمهورية الرابعة. ([10]) حيث قلص دستور 1958 من دور البرلمان في المجال المالي ورجح هيمنة السلطة التنفيذية على حساب البرلمان. ([11])

وتم توظيف ترسانة قانونية لتحد من دور البرلمان ولم تستثن مجالا من المجالات المالية إلا ونظمته وجعلته يسير في اتجاه الحكومة دون البرلمان، وهذا ما يطلق عليه في الفقه الدستوري “بالعقلنة البرلمانية “، ([12]) أو بصيغة أخرى العقلنة السياسية.

أما في المغرب، يعتبر البرلمان ثاني مؤسسة دستورية بعد الملكية، وعلى خلاف تاريخ البرلمان الأوروبي الذي ارتبط صعوده ونشأته بمواجهة الملكية وانتزاع سلطاته منها. ([13]) فإن المسار التاريخي للبرلمان المغربي يتميز على العكس من ذلك بميلاده في أحضان الملكية وبواسطة دستور وضعته بيدها ويعد تجديدا لبيعتها. ([14]) بمعنى تبني المشرع الدستوري المغربي تقنيات “العقلنة البرلمانية ” بتقييد حرية الاختصاصات المخولة للبرلمان، حتى لا تؤدي حرية عمله إلى عدم استقرار الحكومة. ([15]) خاصة في مجال الاختصاص المالي للبرلمان، الذي تحيط به مجموعة من القيود العملية سواء تعلق الأمر بمسطرة المناقشة ([16]) أو المعلومات التي يتوفر عليها البرلمان وتحتكرها الحكومة وتستعملها كموجه ومتحكم، أو تعلق بسيطرة السلطة التنفيذية على المبادرة التشريعية وأسبقيتها في جدول أعمال البرلمان ،([17]) وبالتالي فإن البرلمان يمارس شكليا السلطة المالية، حيث يصوت على القوانين المالية، ويوافق على المخططات الاقتصادية والاجتماعية، ويصادق على الاتفاقيات التي لها أثر مالي ونتساءل على ضوء الإصلاح الدستوري الحالي، هل هناك ممارسة فعلية للاختصاص المالي؟

بما أن البرلمان هو لسان الشعب، فإن المواطن المغربي في مجال الضريبة ما أحوجه إلى من يمثله ويدافع عنه ويسعى إلى حماية حقوقه ومصالحه أمام تسلط وهيمنة الحكومة. فلا أحد ينكر أو يتجاهل أن أفراد الشعب هم الذين يتحملون الأعباء المالية في نهاية المطاف، فإذا كان الفصل 39 من دستور فاتح يوليوز 2011 ينص “على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية، التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها، وفق الإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور”. وأيضا الفصل 40 من دستور 2011 ينص “على الجميع أن يتحمل بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد”. فالتساؤل المطروح هل هذه التكاليف يتحملها فعلا جميع المواطنين وبالتساوي، أم هناك تمايز طبقي في مفهوم المواطنة؟

إن واقع مركز المواطن ضمن “اللعبة البرلمانية ” يتجاذبه أصحاب الامتياز وجماعات الضغط الداخلية والخارجية دفاعا عن مصالحها، والاستفادة من خيرات البلاد في حين المواطن الضعيف يتحمل نتائج الأعباء المالية ولا يستفيد من توزيع عادل لثروات البلاد، الأمر الذي جعل ممثلي الأمة محط شكوك وريب واتهامات لأنها تدور في فلك أصحاب المصالح العليا المنتمية إليها، والغير الخاضعة للضريبة كعبء يتحمله المواطن الفقير كما وكيفا وبتجنبه المواطن الغني المحظوظ لأنه قريب من صناعة القرار المالي، ومادامت السلطة ذات مضمون طبقي، فالقانون يأتي انعكاسا لها ومرتبطا بها. ([18])

للأسف، وأمام هذه الحقائق، تطرح إشكالية موقع الدولة من الديموقراطية وموقع الديموقراطية داخل البرلمان. وبما أن البرلمان خاضع لأصحاب المصالح العليا، حيث تمارس قوى الضغط ولعبة القوى السياسية والاجتماعية تأثيراته عليه والذي تعكس مكوناته هيمنة المصالح الخاصة، ([19]) فإنه خاضع كذلك لهيمنة السلطة التنفيذية، فرغم تنوع الاختصاصات المخولة للبرلمان (تشريعية، مالية، رقابية، تأسيسية، دبلوماسية) فإن مضمون ومسطرة ممارسة هذه الاختصاصات منظمة بطريقة مقلصة لمضمونها، ومقيدة أشد التقييد لمسطرة ممارستها بصفة تجعل البرلمان خاضعا للسلطة التنفيذية. ([20]) وأن الدستور المغربي لسنة 1996 كرس وضعية خضوع البرلمان للحكومة، بحيث أن هذه الأخيرة تتوفر على أولوية مطلقة على البرلمان في المسطرة التشريعية من بدايتها أي مناقشة القوانين إلى إقرارها. ([21])

وهكذا تحدث دستور 1996 والنظامين الداخليين لمجلسي البرلمان على منظومة متكاملة من الوسائل الرقابية التي يستطيع أعضاء البرلمان فرادى أو عبر مجموعات ممارستها على أعضاء الحكومة، منظومة تضم وسائل رقابية مختلفة ومتنوعة ومتفاوتة من حيث درجة الأثر الذي تلحقه بالحكومة، كالأسئلة البرلمانية، وملتمس الرقابة، وملتمس توجيه التنبيه، ولجان تقصي الحقائق، وآليتي الاستماع والاستطلاع، بالإضافة إلى الدور الرقابي الذي توفره اللجان البرلمانية أثناء مباشرة مسطرة التشريع. إلا أن الحصيلة العامة لهذه الآليات مع ذلك لم ترقى إلى المستوى المأمول، حيث ظلت مسطرة تقديم ملتمس الرقابة بدون استعمال ولو على سبيل التحذير أو التهديد، أما لجان تقصي الحقائق والتي تم استعمالها بشكل ضئيل، فإنها لم تقدم أي قيمة مضافة في مجال المراقبة، نظرا لبعض المشاكل البنيوية المرتبطة أساسا بمحدودية الاطار القانوني المنظم لها والظروف العامة المتعلقة بسريان أشغالها، والتي ساهمت في إفراغ قرارات هذه اللجان من أي سلطة تقريرية، في حين تبقى الجلسة العمومية الخاصة بالأسئلة الشفوية التي شهدت تهافتا كبيرا من طرف البرلمانيين على استعمالها بعيدة عن ممارسة الرقابة الفعلية وتنحى إلى ممارسة مراقبة وهمية غير مؤذية، تزكي الطابع الرمزي والمسرحي للبرلمان
المغربي. ([22])

ورغم آليات “العقلنة البرلمانية “، استطاعت الممارسة البرلمانية المغربية أن تفرز عدة خصوصيات كفيلة بجعل البرلمان هو صاحب الاختصاص المالي، سواء تعلق الأمر بالقانون المالي السنوي والقوانين المعدلة له أو بقوانين التصفية، ويعبر عن حق السلطة التشريعية في اعتماد القانون المالي السنوي بقاعدة مالية هي “أسبقية الاعتماد على التنفيذ”. بمعنى أنه لا يمكن للسلطة التنفيذية أن تشرع في تنفيذ قانون الميزانية، إلا بعد الموافقة عليه من طرف السلطة التشريعية، إذ لو سمح للحكومة القيام بالتنفيذ قبل الترخيص، لتم إضعاف سلطة البرلمان في مراقبة سياسة الحكومة وأعمالها. ([23])

ونتساءل عن مدى احترام آجال الإيداع سواء بالنسبة للقانون المالي السنوي، أو قانون التصفية وعن آليات مراقبة البرلمان للحكومة في المجال المالي أو ما يسمى “بالمراقبة السياسية “؟

إن إيداع مشروع القانون المالي بالبرلمان يمر بإجراءات مسطرية يحددها الدستور والقانون التنظيمي للمالية والنظامين الداخليين لمجلس النواب ومجلس المستشارين. ([24]) بمعنى أن المشروع يقدم في آجال محددة وصارمة، يلتزم البرلمان خلالها بفحصه قبل عرضه على الجلسة العامة لأجل المناقشة والتصويت، إلا أن احترام الآجال يثير العديد من المصاعب، خاصة عند تجاوز الآجال من طرف الحكومة أو البرلمان. ([25])

فالممارسة العملية أفرزت أن إيداع مشروع قانون المالية في التاريخ المحدد قلما يحترم، وأن تاريخ فاتح نونبر هو تاريخ تجاوزته الحكومة بشكل واسع. ([26]) فإلى حدود 1998 لم تلتزم الحكومة البتة بأي تاريخ محدد في إحالة قانون المالية على البرلمان. ولسنوات معدودة تم اللجوء إلى اعتماد السنة الفلاحية التي تبتدئ من 30 يونيو، آخذا بعين الاعتبار التغييرات
المناخية والمحصول الزراعي. وسرعان ما تمت العودة إلى اعتماد السنة المالية الميلادية التي تبتدئ من فاتح يناير، مرورا بمرحلة انتقالية عبر اعتماد قانون مالية نصف سنوي.

ورغم أن المادة 33من القانون التنظيمي للمالية رقم 7.98، ([27]) حددت آجالا قصوى للحكومة من أجل الإيداع، ([28]) إلا أنها لا تنص على أي عقوبة، ويكتنفها الغموض والإبهام بإقرارها للإيداع دون التوزيع، في حين نجد في فرنسا يتم إيداع المشروع قبل افتتاح الدورة البرلمانية، ويبتدئ الأجل من لحظة افتتاح الدورة، شرط أن يتم إيداع الوثائق الأساسية، أي تقوم الحكومة بتوزيع النص مباشرة بعد نسخه، حتى قبل افتتاح دورة الميزانية. ([29])

وهكذا فإن الإيداع المتأخر لمشروع القانون المالي، وعدم التنصيص على مساطر قانونية لاستدراك الإيداع المتأخر عند التصويت كما هو الشأن في فرنسا، يشكل ثغرة قانونية طبعت الدساتير المغربية وحتى دستور فاتح يوليوز 2011، وكذلك القوانين التنظيمية للمالية. وهذا يؤكد عدم وجود إرادة سياسية مسؤولة في التعامل القانوني مع أموال الشعب، وواقعيا هيمنة الحكومة على مسار الأموال العمومية وجعل الإيداع المتأخر مسطرة عرفية ضمن العملية التشريعية. ([30])

كما نجد أن المشرع الدستوري لم يعلن صراحة تاريخا محددا للبت في مشروع القانون المالي، وأحال على القانون التنظيمي للمالية الذي وضع بشكل دقيق آجالا للبت والاعتماد. ([31]) فالفصل 75 من دستور فاتح يوليوز 2011 والمادتين 33 و34 من القانون التنظيمي للمالية رقم 7.98 يحددون آجالا معينة للبرلمان لمناقشة القانون المالي، إلا أن الممارسة أثبتت أن هذه المسطرة تكون أكثر صعوبة إذا كان البرلمان يتكون من غرفتين، كما في التجربة البرلمانية المغربية مع تواجد نظام للتوازن بين المجلسين في مجال الاختصاص المالي للبرلمان. ([32]) حيث أفرزت تجربة الثنائية البرلمانية التي يعتبر عمرها بعمر دستور 1996 الكثير من الإشكالات والعديد من المآخذ التي سجلها فقهاء القانون الدستوري والفاعلين السياسيين والحقوقيين، خاصة على شكل ومضمون مجلس المستشارين، والذي نظر إليه من زوايا مختلفة، باعتباره “نسخة مطابقة لمجلس النواب “، لا يقوم بأي دور سوى ” تقزيم مجال اشتغال الغرفة الأولى “، وتعطيل “العمل التشريعي وعمل المراقبة “، وحتى “عمل الحكومة “، وغيرها من التوصيفات التي تأكد المأزق الذي وجدت فيه هذه المؤسسة.

وإذا كان الجميع يتفق على أن الغرفة الثانية قد وفقت في مهمتها بنجاح في تأمين التناوب السياسي، والتحكم في مراقبته، فإن مساهمتها مع ذلك في المجال التمثيلي والتشريعي والرقابي ظلت محدودة، بل أكثر من ذلك كانت سببا في بروز إنتاج تشريعي ورقابي يفتقد إلى التكامل والتمايز ويسقط في الروتين والعبث مع تكرار نفس العمل سواء كان تشريعيا أو رقابيا بين المجلسين، مما دفع العديد من الباحثين والمتتبعين إلى المطالبة بإلغاء مجلس المستشارين أو على الأقل إعادة النظر في تركيبته وصلاحياته. ([33])

إن اختصاص البرلمان في المجال المالي معقلن بزمن محدد وآجال لا يحتمل التمديد، بمعنى أن مسطرة البت محدودة بشكل دقيق في أجل شمولي لا يجب تجاوزه، وآجال للقراءة يجب احترامها من طرف المجلسين، فضبط مسطرة احترام أجل 70 يوما التي منحتها المادة 33من القانون التنظيمي للمالية، تعتبر سلاحا فعالا لإرغام المجلسين المعروض عليهما النص للبت في الآجال المخصص لهما.

وإذا تعذر البت من طرف البرلمان في مشروع القانون المالي، بسبب عدم الاتفاق بين المجلسين في أجل 60 يوما المخصصة له في قراءة أولى ([34]) (أي 30 يوما لمجلس النواب ومثلها لمجلس المستشارين)، تعمل الحكومة على اجتماع اللجنة الثنائية المختلطة، التي لها أجل سبعة أيام لاقتراح نص بشأن الأحكام التي مازالت محل خلاف بين المجلسين، وأجلا لا يتجاوز ثلاثة أيام لمجلسي البرلمان لإقرار النص المقترح من اللجنة البرلمانية المختلطة، والا تم عرض مشروع قانون المالية على مجلس النواب للبت فيه نهائيا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم. ([35]) وإذا لم يتم في نهاية السنة المالية التصويت على قانون المالية أو لم يصدر الأمر بتنفيذه، بسبب إحالته على المحكمة الدستورية، تطبيقا للفصل 132، من الدستور، فإن الحكومة تفتح بمرسوم الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية والقيام بالمهام المنوطة بها على أساس ما هو مقترح في الميزانية المعروضة على الموافقة. ([36])

وبعبارة أخرى، إذا لم يتم في نهاية السنة المالية التصويت على مشروع قانون المالية، فإن الحكومة يمكن لها أن تستغني عن ترخيص السلطة التشريعية، وتبدأ في تنفيذ الميزانية (سنوات (99-98-94-65-64.

ويسترسل العمل في هذه الحالة باستخلاص المداخيل طبقا للأحكام التشريعية والتنظيمية الجارية عليها، باستثناء المداخيل المقترح إلغاؤها في مشروع قانون المالية، أما المداخيل التي ينص المشروع المذكور على تخفيض مقدارها فتستخلص على أساس المقدار الجديد المقترح. ([37])

وإذا كان المشرع قد نص بكل وضوح على ما يمكن للحكومة أن تفعله في حالة عدم الموافقة على الميزانية في 31 دجنبر فيما يخص المداخيل، فإنه قد أبقى على نوع من الغموض فيما يتعلق بالنفقات، ذلك أن المشرع اكتفى فيما يتعلق بالنفقات بإعطاء الإذن للحكومة لتفتح الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية حيث تحل الحكومة محل البرلمان إذا لم يتم التصويت على مشروع قانون المالية في الأجل المحدد. ومن هنا يبرز مشكل تفسير هذا الحكم وبالتالي معرفة ما هو لازم وما هو غير لازم لسير المرافق العمومية، على أن الحكومة تتمتع بحق القرار في هذا الشأن. ([38])

والملاحظ أنه إذا كان هذا الحق ممنوح للحكومة له ما يبرره في حالة إذا كان التأخير راجع للبرلمان، فهو غر مقبول في الحالات التي يكون فيها التأخير راجع للحكومة. حيث لا يقابل التعطيل أو التأخير عن إيداع مشروع قانون المالية من طرف الحكومة أي عقوبة كانت سياسية أو قانونية، على غرار تجاوز البرلمان للآجال الذي يعاقب عنه. ([39]) عكس المشرع الفرنسي. ([40])

من خلال ما سبق يظهر بأن للحكومة كامل الصلاحية في تجاوز سلطات البرلمان في المصادقة، والسؤال الذي يمكن طرحه في هذا الإطار هو ما الغرض من هذه المصادقة أو المراقبة السياسية مادام للسلطة التنفيذية كافة الوسائل القانونية التي تخول لها تنفيذ برنامجها؟

لكن انطلاقا من الممارسة، لابد من طرح أسئلة من قبيل: هل يمكن للمجلس المعروض عليه الأمر أولا، أن يبت في مشروع قانون المالية قبل انصرام الثلاثين يوما أم إن عليه أن يبت فيه بالضرورة وبالضبط داخل أجل الثلاثين يوما الموالية لإيداعه أي مع انصرام آخر يوم من الأجل المذكور وليس قبله أو بعده؟ وهل يحق للحكومة أن تحيل على مجلس المستشارين مشروع قانون المالية قبل انصرام الثلاثين يوما التي على مجلس النواب أن يبت داخلها في المشروع المذكور؟ وهل هي ملزمة بعرض النص الذي تم البت فيه من المجلس المعروض عليه أولا فور التصويت على المشروع أو عند انصرام أجل الثلاثين يوما، أم عليها انتظار استيفاء المجلس المعروض عليه الأمر للأجل المذكور بالتمام والكمال، وليس قبل ذلك، مثلما حدث بالنسبة إلى قانون المالية لسنة 2011، دون مراعاة ما إذا كانت ستفرض أجندة معينة وغير مواتية للمجلس الذي تحيل عليه الأمر ثانيا؟ ليقوم هذا المجلس بدوره بالبت في المشروع داخل أجل الثلاثين يوما الموالية لعرض الأمر عليه، وما ترتب عنه من ضغط زمني واختلال في البرمجة على مستوى الجلسة العامة بسبب الخلط الحاصل حول ما إذا كان أجل الثلاثين يوما المضروبة للمناقشة، والبت في المشروع المعروض عليه ثانيا يبدأ من تاريخ الإحالة أم من تاريخ انصرام الثلاثين يوما المخولة للمجلس الذي عرض عليه المشروع أم لا؟

تطرح هذه الأسئلة لكون مجلس النواب، نظرا إلى أجندة مفروضة مرتبطة بعيد الأضحى، قام بالبت في مشروع قانون المالية لسنة 2011 قبل انصرام الثلاثين يوما المحددة قانونا.

وإذا كان التصويت حق أصلي للأنظمة البرلمانية فإن مفهوم “العقلنة البرلمانية ” بحكم الواقع وضع مقتضيات مخافة التعسف، تحد من سلطة التصويت ليست خاصة بمسطرة مشروع قانون المالية، بل تسري على التصويت بشأن مختلف القوانين. ([41]) فالمادة 36 من القانون التنظيمي للمالية رقم 7.98 توضح بحيث “لا يجوز في أحد مجلسي البرلمان عرض الجزء الثاني من مشروع قانون المالية للسنة قبل التصويت على الجزء الأول “. ([42]) ويعتبر هذا التقديم وسيلة لإضعاف نفوذ البرلمان الذي يظهر عند مناقشته للنفقات وذلك لاحترام الحد الذي وضع في إطار الإيرادات.

فمنطلق “العقلنة البرلمانية “، ينطوي على قيد جوهري لسلطة البرلمان المالية تضمنته المادتين 33 و 34 من القانون التنظيمي للمالية، وكرسته المادة 77من دستور فاتح يوليوز 2011 بنصها على أن “المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان ترفض إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة للقانون المالي إما إلى تخفيض الموارد العمومية وإما إلى إحداث تكليف عمومي أو الزيادة في تكليف موجود”.

وهذا القيد الجوهري بالغ التقييد لسلطة البرلمان كان منصوص عليه في دستور 1996 في الفصل 51 منه، وتم الإبقاء عليه في الدستور الحالي لسنة 2011 في الفصل 75 منه، ومن شأن التمسك الصارم بهذا الفصل أن يؤدي لشل المبادرة التشريعية للنواب، لأن ما من مقترح أو تعديل برلماني لابد أن ينجم عنه الزيادة في تكليف موجود وإحداث تكليف عمومي. وبذلك يعتبر الفصل 51من دستور 1996 أو الفصل 75 من دستور 2011، بمثابة “فيتو” تستعمله الحكومة من خلال وزير الاقتصاد والمالية في وجه ممثلي الأمة بمجرد الإعلان عن مقترح لهؤلاء قد يزيد في تكاليف عمومية أو يخفضه من موارد أخرى. ([43])

لذلك ولتجاوز السلبيات التي يمكن أن يطرحها الفصل 51من دستور96 والذي تم الإبقاء عليه ضمن الدستور الحالي من خلال الفصل 75، اقترح الأستاذ “محمد أوزيان” أنه يمكن اعتبار قرار وزير الاقتصاد والمالية عند استخدامه للفصل المذكور، قرارا إداريا يجوز الطعن فيه أمام القضاء الإداري باعتباره قرارا مؤثرا في المراكز القانونية للطاعنين. ([44])

وبناء عليه يعتبر الأستاذ “محمد أوزيان” أن القرار الناتج عن إعمال الفصل 51 من دستور 96، يعتبر قرارا إداريا مؤثرا في مركز الأشخاص المطبق عليهم، وهم الشعب بدرجة أولى، وصادر عن سلطة وطنية تتمثل في الحكومة عن طريق وزير الاقتصاد والمالية، وهو لا يعتبر في جميع الأحوال من القرارات الملكية أو من أعمال ذات الارتباط بمجال السيادة.

إن هذه السلطة الممنوحة للحكومة باعتبارها تمثل عالم العقلنة السياسية من خلال الدفاع عن الحلول العقلانية المنجزة داخل المقرات الإدارية من طرف خبرائها التقنوقراط، ومن خلال معرفة دقيقة بواقع المالية العمومية عكس المنتخبون الذين يبقى همهم الأساسي الدفاع عن المصالح الحقيقية لناخبيهم بينما رجل الحكومة يبقى منشغلا بالفعالية والصالح العام، مما قد يدفعه أن يؤخذ مواقف ضد مصالح فئة معينة. ولكن هذه النظرة غير صحيحة ويكفي الاطلاع على التجارب العالمية للتأكد من أن دور البرلمان متغير. مما دفع الباحث Alain Lambert إلى التصريح أنه إذا كان الاعتقاد السائد سابقا هو أنه كلما كان تدخل البرلمان في تدبير المالية العمومية محدودا كلما كانت المالية العمومية تدبر بشكل جيد. فإن عصر هذا الاعتقاد قد ولى، ويكفي للاستدلال على ذلك الفارق الكبير بين التوقعات الحكومية المقترحة في القانون المالي والتنفيذ من خلال ما أنجز فعليا إبان المصادقة على قانون التصفية، مما يظهر فشل هذه النظرية. ([45])

حيث أن مثال الولايات المتحدة الأمريكية والسويد التي يتمتع البرلمان فيها بسلطات واسعة، ويعرف كيف يثبت مسؤوليته، في هاتين الدولتين يمكن للبرلمان أن يعارض توقعات التنمية المقدمة من طرف الحكومة. لهذا نرى أنه كان من الضروري إعادة النظر في محتوى الفصل 51 من الدستور من خلال الإصلاح الدستوري الجديد لسنة 2011 بشكل يمنح
للبرلمان سلطة معينة في مناقشة تقدير النفقة العمومية، بحيث لم يعد البرلمان في الديمقراطيات الحديثة يهتم بحجم الوسائل الممنوحة، ولكن البرلمان صار يركز على تحديد الأهداف وثمن التكلفة ومقارنة الوسائل بالأهداف المحددة ومردودية ما تم إنجازه سابقا. إن البرلمانيين عبر العالم ليس همهم الأساسي هو تضخيم المصاريف ولكن صار الهاجس الحالي والمستقبلي هو تحسين المصاريف. ([46])

إذن السياق العام الذي تحكم في صياغة محتوى الفصل 51 من الدستور المراجع في فاتح يوليوز 2011) الذي حافظ على مضمونه من خلال الفصل 75 (قد تغير، بحيث إن تحسين المصاريف قد غير بشكل كلي النظرة إلى القوانين المالية من النظرة الكمية السابقة المعتمدة على حجم ومبلغ الاعتمادات إلى أسئلة نوعية: أن البرلمان ومعه الرأي العام ليس المطلوب منهم المصادقة على حجم المصاريف بل صار المطلوب منهم أن يعرفوا بشكل مدقق أين تستعمل -هذه الأموال وجدوى هذا الاستعمال.

إن التقديم الأهم للقانون المالي يجب أن يعتمد على تحديد الأهداف، تحديد الوسائل، قياس النتائج. إن الهدف يبقى هو إعطاء مدلول جديد للقوانين المالية من خلال دراسة الأهداف والنتائج بشكل دقيق ومتابعة حسابات الدولة بشكل كامل. بدل التشبث بالرمز الكمي مثلا تخصيص 1% أو 2% للثقافة، والصراع البرلماني الساخن حول هذه النسب، بينما المهم هو أين تصرف 1 % وكيف ستصرف؟ وهنا وجب التذكير بمقولة Gothe “الأرقام لا تحكم العالم بل العالم يحكم من خلال الأرقام “. وما هي النتائج المرجوة من صرفها؟ إن التقييم يجب أن لا ينبني على الوسائل بل على النتائج.([47])

وفي نفس السياق، فإن الدستور الخالي أبقى على مضمون الفصل 57 من دستور1996، في الفصل 83 من الدستور الخالي لسنة 2011، والذي يتيح للحكومة معارضة التعديلات التي لم يتم إحالتها على اللجنة المالية ويمكنها أن تقيد حرية التصويت للبرلمان وحصره في تصويت واحد ((vote Bloque)) بخصوص “النص المتناقش فيه كله أو بعضه إذا ما طلبت الحكومة ذلك، مع الاقتصار على التعديلات المقترحة أو المقبولة من قبلها”. كما يمكن للوزير الأول أن يضغط على البرلمان باستعمال مسطرة ربط التصويت على قانون المالية بمواصلة الحكومة لتحمل مسؤوليتها بتصويت يمنح الثقة في موضوع السياسة العامة، أو بشأن نص يطلب الموافقة عليه. ([48]) فالحكومة وحدها تملك صلاحية تقديم تعديلات جديدة على مشروع قانون مالية السنة خلال الجلسات العامة.

وإذا كان هذا القيد من شأنه أن يعقلن العمل البرلماني ويوضح العلاقة بين البرلمان والحكومة، وذلك بغية تفادي سوء التنظيم والعشوائية أثناء المناقشة العامة، فماذا يمكن قوله بالنسبة لحق النواب ومستشاري الأمة في طرح بعض الاقتراحات والتعديلات تتعلق بمستجدات ظهرت على الواقع الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي بعد طرح مشروع قانون المالية على اللجان؟ خصوصا إذا علمنا بأن السلطة التشريعية في بعض الحالات لا تتمكن من أخذ المدة القانونية المخولة لها لافتحاص المشروع، بسبب تأخر الحكومة في تقديمه. لذلك كنا نأمل من الإصلاح الدستوري تعديل المادة 57 من الدستور، وذلك بتضمينها استثناءات تتطابق والتطورات الداخلية والخارجية التي تعرفها الساحة الوطنية والدولية من حين لآخر، ([49]) وهو ما لم يتم أخذه بعين الاعتبار في دستور 2011 الذي حافظ على مضمون هذا الفصل في المادة 83.

فالاتجاه الذي تسير عليه جميع الدول ذات الترسانة القانونية المتطورة، هو التخفيف من القواعد القانونية وجعلها أكثر مرونة، وجعلها ذات قدرة لا متناهية على استيعاب مستجدات الواقع وتطوراته.

بالإضافة إلى كل هذه القيود، فإن البرلمان يتوفر على بعض الآليات لمراقبة الحكومة دون إثارة مسؤوليتها السياسية. ([50]) وتنحصر في الأسئلة المنقسمة لنوعين شفوية وكتابية، ولجان تقصي الحقائق. ([51]) وأن توزيع زمن التدخلات صارم لا يعطي للنواب حرية كبيرة لبسط أفكارهم. وكما أن طبيعة المداخلات لا تسمح بالرهان كثيرا على المؤسسة التشريعية في ضوء مكونات هذه الأخيرة وطبيعة ميزان القوى الذي يحكم عناصرها، وهذا ما يفسر خيبات الأمل التي طبعت نظرة قطاعات واسعة في المجتمع للبرلمان، وللعمل البرلماني بشكل عام وإمكانية تأثيره في الحقل السياسي المغربي. ([52]) ولعل العبارة الشهيرة ل Edgar Faure:” نوم النواب -مجاملات بلاغية -نقاش عقيم “، دالة ومعبرة ولا تحتاج إلى تعليق. لأن للأسئلة البرلمانية في المغرب وظائف خفية، أكير من الوظائف المعلنة، ويعود الأمر في ذلك إلى مفهومها وطبيعتها وأنواعها وما يؤدي التفاضل فيما بينها من نتائج. ([53])

المطلب الثاني:

امتيازات الحكومة في مجال الاختصاص المالي تكريس لهيمنة الحكومة في تجاوز الترخيص البرلماني

إذا كانت الترسانة القانونية من دستور وقانون تنظيمي للمالية وكذلك النظامين الداخليين للبرلمان والتي في مجموعها تقلص من الاختصاص المالي للبرلمان، فإنه بالمقابل تزكي الدور الراجح للسلطة التنفيذية في تدبير المادة المالية. ([54]) فإعداد وتحضير مشروع القانون المالي يعتبر من الأهمية بمكان بالنسبة لمختلف مرافق الدولة، وله انعكاسات مباشرة على مختلف الوظائف التي تمارسها الدولة. ([55]) ففي هذه المرحلة تلعب السلطة التنفيذية الدور الأساسي من حيث تكليفها بإعداد وتحضير الميزانية على نحو ملائم للظروف الاقتصادية التي تمر بها كل دولة ويكون من المؤكد أنها ستقوم بهذه المهمة بكل دقة وعناية. ([56])

ويرجع اختصاص إعداد مشروع القانون المالي أساسا إلى وزارة المالية، أي أن الدور الأساسي في الإعداد يعود إلى وزير المالية. ([57]) وفي هذا الصدد تنص المادة 32 من القانون التنظيمي للمالية رقم 7.98 على ما يلي: “يتولى الوزير المكلف بالمالية تحضير مشاريع قوانين المالية تحت سلطة الوزير الأول “

ويتضح من الفصل 47 من دستور 2011 الذي ينص على أنه “يعين الملك رئيس الحكومة… ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها…”، على أن وزير المالية كباقي الوزراء أعضاء الحكومة، مكلف بتحضير مشاريع قوانين المالية التي تحدد في مجلس وزاري. ([58]) إلا أنه عمليا وواقعيا يحتل وزير المالية وضعا متميزا في الحكومة، حيث ينص الفصل الأول من المرسوم رقم 2.78.539 بشأن اختصاص وتنظيم وزارة المالية، ([59]) على أنه: “يتولى وزير المالية إعداد السياسة المالية والنقدية وسياسة القرض والمالية الخارجية للدولة، ويتتبع تنفيذها وفقا للنصوص التشريعية والتنظيمية المعمول بها…”، وهكذا فإن وزير المالية يمارس سلطات مالية هامة ومتنوعة، وبمثابة أمين بنك الدولة. ([60])

فوزير المالية يراقب كل نفقات وإيرادات الدولة، وبهذه الكيفية نقر بقوة نفوذه على مستوى الدولة. وهذا ما تؤكده مقتضيات المادة 3 من مرسوم 26 أبريل 1999 المتعلق بإعداد وتنفيذ قوانين المالية، ([61]) والتي تنص على ما يلي: “كل مشروع قانون أو نظام قد يكون له انعكاس مالي مباشر أو غير مباشر يجب أن يذيل سلفا بتأشيرة الوزير المكلف بالمالية”.

فهذا النص جاء ليعكس الواقعية في المجال المالي حتى يتم تجنيب المقترحات المتعددة والمتزايدة في المجال المالي، حيث أن البرلمان دائما يقترح الزيادة في النفقات وإنقاص الإيرادات، هذا الالتزام بالواقع الاقتصادي يجعل وزير المالية يسمح بالنفقة وبرد النفقة بواسطة تأشيرة، فكيفية تطويق الحياة الاقتصادية والمالية من قبل وزير المالية تجعله بحكم الفعل والواقع رجلا قويا ومتميزا في الدولة، وله نفوذ أكبر من رئيس الحكومة، بما أن أسرار الدولة كلها في مجال المالية يضطلع عليها قبل أي مسؤول آخر.

إلا أنه بعد الترخيص البرلماني تأتي عملية التنفيذ من قبل الحكومة، وعملية التنفيذ هي مبدئيا عملية تقنية، لا يمكن بتاتا أن نعتبرها بالدرجة الأولى عملية سياسية، بينما عملية الترخيص هي عملية سياسية. فالحكومة ملزمة بتنفيذ ما يقر به القانون المالي على أرض الواقع، بمعنى هناك سياسة معينة يجب أن تنفذها، ومرحلة التنفيذ هذه تعتبر من أدق مراحل قانون المالية وأكثرها أهمية لما لها من انعكاسات على الواقع المالي للدولة أو الأفراد. ([62]) حيث يرخص للسلطة التنفيذية تحصيل الموارد وصرف النفقات الواردة في القانون المالي. وما يلاحظ أن السلطة العمومية تكون ملزمة بتحصيل الموارد.([63])

وبالتالي فإن إلزامية التحصيل تعتبر مطلقة بالنسبة للموارد الجبائية أو يخير الجبائية، إلا أنه بالنسبة للنفقات العمومية، فإن الترخيص بالإنفاق الممنوح للسلطة التنفيذية من طرف البرلمان لا يكتسي صبغة الإلزام، أي أن الحكومة ليست ملزمة بإنفاق كل ما تضمنه القانون المالي، ويترك الخيار للحكومة بين أن تنفق أو لا تنفق. ([64])

وما يؤكد ذلك أن وزير المالية يمكن له أن يصدر مرسوما لإلغاء اعتمادات لم تستعمل أو لوقف تنفيذ بعض نفقات الاستثمار، عندما تقتضي الظروف الاقتصادية، أو المالية ذلك. ([65]) حيث نصت المادة 45 من القانون التنظيمي للمالية رقم 7.98 على أنه: “يجوز للحكومة أثناء السنة المالية وقف تنفيذ بعض نفقات الاستثمار، إذا استلزمت ذلك الظروف الاقتصادية والمالية ويتم إخبار اللجنة المختصة في البرلمان)).

وتماشيا مع “العقلنة البرلمانية ” المقيدة للاختصاص وسلطة البرلمان المالية حسب الفصل 77 من دستور 2011، الذي يشكل عرقلة في وجه ممارسة البرلمان لسلطته في الموافقة وتعديل المقتضيات الضريبية في اتجاه تخفيضها أو ملاءمتها مع القدرة التكليفية للملزمين. ([66]) في المقابل تبرز هيمنة الحكومة من خلال تجاوز مبدأ سنوية الميزانية. إما لأسباب اقتصادية أو سياسية وفي غالب الأحيان بسبب ما يطرأ من تغييرات اقتصادية غير منتظرة وذلك باتخاذها للقوانين المالية التعديلية، وهي قوانين تغير خلال السنة مقتضيات قانون مالية السنة كما نص على ذلك الفصل الثاني من القانون التنظيمي للمالية رقم 7.98 ، والقانون المالي التعديلي هو حق خاص للحكومة وليس لممثلي الأمة، إذ يسمح من حنت الواقع العملي للوزراء بطلب اعتمادات جديدة خلال السنة، علما أن الوزير لو طلب هذه الاعتمادات المخصصة لوزارته داخل مقتضيات مشروع قانون المالية سترفض لا محالة، لذلك يتم التقليص من الغلاف المالي المخصص لوزارته عند المصادقة البرلمانية، ليعوض الخصاص فيما بعد بواسطة قانون مالي تعديلي، وهذه الثغرة القانونية في التشريع الجبائي تسمح للوزراء الحصول على أموال إضافية خارج الغلاف المالي المصوت عليه، ولا يعلم مصيرها ومآلها إلا الله. لأنه عمليا لا يعير البرلمان اهتماما للقانون التعديلي كما يفعل في شأن القانون المالي السنوي، إضافة إلى أن وتيرة دراسة ومناقشة القانون التعديلي تتم في عجالة لتزامنها مع مشاريع قوانين أخرى معروضة أمام البرلمان. ([67]) وبالتالي تبذير للمال العام واختلاسه لعدم خضوعه لمراقبة ومحاسبة مستمرة.

وبعد عملية الترخيص يقوم البرلمان بمراقبة التنفيذ الفعلي للميزانية والتأكد من الطريقة التي صرفت بها الأموال العمومية، هل فعلا تم احترامها؟ هل فعلا صرفت بكيفية منطقية؟ هل فعلا ساهمت في تحقيق سياسة اقتصادية واجتماعية معينة؟ فضرورة فرض رقابة سياسية يمارسها البرلمان تفرض نفسها في إطار مبدأ فصل السلطات، وهي رقابة نوعا ما موضوعية، بمعنى سوف يرخص البرلمان في البداية ويطلب الحسابات في النهاية، من خلال قانون مالي يسمى قانون التصفية (Loi de règlement). ([68]) فإذا كان قانون المالية السنوي يفتتح السنة، فقانون التصفية يقفلها. ويثبت قانون التصفية النتائج المالية لكل سنة مدنية ويصادق على الفروق الحاصلة بين النتائج وتقديرات القانون المالي السنوي المتمم عند الاقتضاء والقوانين المعدلة له. ففيه يسجل المبلغ النهائي للمداخيل المحصلة والنفقات المأمور بدفعها. فهو قانون تصفية للحساب وتصفية للميزانية، ولهذا يسمى كذلك بالحساب الختامي. ([69])

ويكتسب قانون التصفية أهمية بالغة باعتباره أداة للإخبار وإطلاع ممثلي الأمة على طرق صرف الاعتمادات واستخلاص الموارد، وهو كذلك سلاح ذو حدين عند استعماله للرقابة البعدية على أعمال الحكومة، وخاصة ما يتعلق بالانحرافات التي قد تحصل في تنفيذ الميزانية بصفة عامة. ([70])

في هذا الإطار تنص المادة 47 من القانون التنظيمي للمالية على أنه: “يجب أن يودع مشروع قانون التصفية، بمكتب أحد مجلسي البرلمان في نهاية السنة الثانية الموالية لسنة تنفيذ قانون المالية على أبعد تقدير”. ويكون المشروع مشفوعا بتقرير المجلس الأعلى للحسابات، وهنا كذلك يلعب وزير المالية دورا مهيمنا في إعداد قانون التصفية سواء على المستوى
القانوني أو العملي، لأن كل آمر بالصرف مطلوب منه عن طريق دورية وزير المالية كي يقدم تقريره إلى إدارة المالية، من أجل تركيز الحساب العام للمملكة. ([71])

إن محتوى الفصل 47من القانون التنظيمي للمالية صار في حاجة إلى تدقيق، بحيث لم يعد المطلوب هو فقط المطابقة، بل يجب على المجلس الأعلى للحسابات أن يعمد على المصادقة على حسابات الدولة فيما يتعلق بمبدأ المشروعية ومدى صدقية وحقيقة هذه الحسابات. هذا من جهة ومن جهة أخرى لا يجب أن يكون مبدأ الصدقية لاحقا فقط بل قبليا كذلك، أي أن يوافق المجلس الأعلى على صدقية مقترح القانون المالي. ([72])

وإذا كان مبدأ الصدقية يعتبر مبدأ أساسي للمصادقة على حسابات شركة ما، فإنه لا يعتبر كذلك بالنسبة للحسابات العمومية في المغرب، بل لازال الشرط الوحيد المطلوب هو استجابة هذه الحسابات لشرط المشروعية. وهنا وجب التذكير أن القرار الصحيح ليس في الغالب هو القرار المشروع بل هو القرار الأقل تكلفة.

إلا أن الممارسة المغربية حيال قانون التصفية، تتسم بعدم الانتظام والتباعد الصارخ في الإيداع، فالتأخير الحاصل في إيداع قانون التصفية أمام البرلمان يقلل من أهميته كأسلوب للرقابة يمارسه البرلمان تجاه الحكومة، خاصة أنه لا توجد عقوبات زجرية تلزم الحكومة بإيداع مشاريعها في الآجال المحددة، وبالتالي لا تولي أهمية لتقديم مشاريع قوانين التصفية، بينما في فرنسا تراجع عدم الاهتمام بقانون التصفية إلا في ظل دستور 1958. ([73]) وأصبحت مناقشة قانون التصفية تكتسي نوعا من الأهمية، وذلك عبر الإسراع في إيداع مشروع قانون التصفية، واحترام الآجال المعطاة للسلطات الإدارية لتقديم هذا القانون. ([74]) علاوة أن مناقشة والتصويت على قانون التصفية بالمغرب، يتم في آجال ضيقة لا تسمح لأعضاء ممثلي الأمة بالتعمق في مضامينها، لكون المهنة النيابية والانشغالات الانتخابية تدفع إلى تفضيل الأسئلة التي تتعلق بأحداث الساعة وبالقضايا الآنية ذات الصدى السياسي، على الأسئلة والنقاشات الفنية والمالية التي لا تنتج عنها مردودية سياسية لكونها تنصب على قوانين تصدر متأخرة ([75]) وتتعلق بعمليات دخلت في فعل مضى.

وإذا كانت الحكومة تقوم بتقديم مشاريع قوانين التصفية بشكل متأخر، مثلا مناقشة مشروع قانون التصفية لسنة 1972 الذي كان سنة 1985 وكذلك مشروع قانون التصفية لسنة 1993 الذي تم بتاريخ دجنبر 2000، فإن هذا التقديم يكون تحت إكراهات وضغوطات دولية خاصة من طرف صندوق النقد الدولي للحصول على قروض جديدة، وأن الأغلبية البرلمانية تزكي بالتصويت الإيجابي على قانون التصفية. ورغم وضع الحكومة لجدولة زمنية لتقديم مشاريع قوانين التصفية والتزام وزير المالية أمام اللجنة المالية لمجلس المستشارين بتاريخ 5 أكتوبر 1999 لتدارك التأخير، فإن الإهمال هي السمة الرئيسية في تعامل الحكومة مع قوانين التصفية بحجة تعقد مسطرة الإعداد، وما دام عمليا لا يوجد أي جزاء برلماني يمكن ممارسته على الحكومة. ([76])

وكذلك الشأن بالنسبة إلى أسلوب مرافقي أو مصطحبي الميزانية (Cavaliers budgétaires)، والذي يعتبر اللجوء إليه ممارسة يمنعها القانون. ويقصد بمرافقي الميزانية مختلف المقتضيات التي تدمج في مشروع القانون المالي، ولا ترتبط بالموضوع المالي لهذه القوانين. فهي مقتضيات غريبة عن مالية الدولة تصطحب المقتضيات المالية التي تدمج في قوانين المالية. ([77]) كما لو أن المقتضيات يخير المالية تستغل تقديم مشروع القانون المالي لتندمج معها ضامنة بذلك مرورا مستترا لا يثير انتباها عكس ما لو قدمت في نص منفصل. فلا يمكن أن تتضمن قوانين المالية سوى مقتضيات تتعلق بالمداخيل والنفقات، أو تهدف إلى تحسين الشروط المتعلقة بتحصيل المداخيل، وكذا مراقبة استعمال الأموال العمومية. والمادة الثالثة من القانون التنظيمي للمالية صريحة بهذا الشأن، حيث ورد فيها: “لا يمكن أن يتضمن قانون المالية إلا أحكاما تتعلق بالموارد والتكاليف أو تهدف إلى تحسين الشروط المتعلقة بتحصيل المداخيل وكذا مراقبة استعمال الأموال العمومية “.

إن تضمين قوانين المالية لمقتضيات قانونية دخيلة محرم، انطلاقا من الفصل 71 من الدستور والمادة 3 من القانون التنظيمي لقانون المالية، أي أن الأمر يعتبر خرقا للدستور، ([78]) مما يتطلب التفكير بجدية في طرق بديلة وكفيلة بحماية مجال قوانين المالية من أية مقتضيات مقحمة، خصوصا في ظل غياب جهاز قضائي مكلف بالمراقبة القبلية لمشاريع النصوص القانونية (مجلس الدولة بالنسبة لفرنسا مثلا)، وإسناد مهمة مراقبة مشاريع النصوص للأمانة العامة للحكومة، على اعتبار أنه قطاع حكومي ينتمي للجهاز التنفيذي وبالتالي محروم من أية قوة قانونية تعزز موقفه في مراقبة النصوص القانونية أمام المشاريع المقترحة من باقي القطاعات الحكومية، مما يعطي لهذه الأخيرة قوة مسبقة لتضمين القانون المالي مقتضيات دخيلة، نظرا لسرعة تمريره والحصانة التي تمنحها له مقتضيات الفصل 77 من دستور فاتح يوليوز 2011، وتركيز النقاش بخصوصه حول السياسة الحكومية الاقتصادية والمالية، مما يشجع الحكومة على تهريب مقتضيات قانونية من خلال القانون المالي رغم محالفتها للدستور مستغلة كون المسطرة الخاصة المتبعة بالنسبة للقانون المالي، هي أسهل بالنسبة للحكومة والتي تمنحها حق “الفيتو” أمام التعديلات والسرعة في الإقرار نظرا لخصوصية القانون المالي ([79]).

وإذا كان المشرع الفرنسي عمل على حماية النصوص القانونية من أية تدخل أو تهريب لتلك النصوص خارج المقتضيات الدستورية من خلال رقابة قبلية ومصاحبة لإقرار النصوص القانونية، ومراقبة بعدية عبر منح الدستور حق طلب رأي المجلس الدستوري واستعمال هذا الحق من طرف النواب والحكومة على السواء، فإن الوضع في المغرب مختلف، حيث ضعف أو انعدام المراقبة القبلية القانونية لمشاريع النصوص القانونية نظرا لتهلهل دور الأمانة العامة للحكومة في هذا المجال، ينضاف إليه ضعف من نوع آخر، هو نذرة تدخل البرلمان للتنبه إلى مشروعية النصوص القانونية المعروضة عليه، نظرا لضعف الثقافة القانونية لدى أغلب أعضائه، وقلة اللجوء إلى تحكيم المجلس الدستوري سابقا، في انتظار تدارك ذلك مع المحكمة الدستورية حاليا. ([80])

لقد اعتادت الحكومة ممثلة بوزارة المالية وتحديدا مديرية الميزانية وبموافقة الأمانة العامة للحكومة، على اعتبار مشروع القانون المالي مجالا خصبا تدرج من خلاله كل النصوص القانونية كيفما اختلفت مواضيعها ومساطرها، وهكذا وفي تحد صارخ وفاضح للقواعد الدستورية التي أوجدها المشرع لتحترم من طرف الجهاز التنفيذي، عملت الحكومة إلى تضمين قوانين المالية قواعد من القانون التجاري، الوظيفة العمومية، قانون السير… إلى قانون المحاكم المالية. ولكن إغارة القانون المالي على قانون المحاكم المالية لم تمر مرور الكرام، بل دفع الأمر بالمجلس الأعلى للحسابات إلى الرد، سواء عن طريق المراسلات ما بين المجلس ووزارة المالية، ثم ما بين المجلس والأمانة العامة للحكومة، وفي آخر المطاف تمت الإشارة إلى ذلك ضمن التقرير العام لسنة 2007، وهو تقرير يقدم إلى ملك البلاد، كما لو أن المجلس الأعلى للحسابات كان يطلب تدخلا حازما من الملك لاستعمال صلاحياته المخولة له دستوريا، لإلزام أصحاب المبادرة التشريعية الخاصة بالقانون المالي إلى احترام الدستور بقوة القانون ، ([81]) من خلال اقتراح تغييرات تضمن تحقيق الهدف، ومنها إحياء ما سبق أن طالب به الملك الراحل عند مطالبته بإنشاء مجلس الدولة المغربي الذي نظرا لطبيعته القضائية بإمكانه أن يوقف كل ما ليس له علاقة بموضوع قانون المالية، منذ البداية أثناء رقابته القبلية على المشاريع القانونية المقدمة من طرف الحكومة.

ومن جهة أخرى فإنه في نظرنا فإن المجلس الأعلى للحسابات أراد أن ينبه الأمانة العامة للحكومة ووزارة المالية خصوصا مديرية الميزانية ومن خلالهما الحكومة إلى أنه قد يكون له تصرف مغاير في التعامل مع النصوص القانونية الدستورية بتجاهل التغيرات التي أتت بها قوانين المالية في تحد سافر لمحتوى الفصل الثالث من القانون التنظيمي للمالية والفصل 71 من دستور 2011، حيث نجد أن الدستور المراجع في فاتح يوليوز قد حدد بشكل دقيق موضوع هذا التدخل من خلال تنصيصه على أن البرلمان يختص بالتشريع في ميادين معينة، مما يعني أ ن المشرع الدستوري قد حدد مجال القانون من خلال ميدانه أو موضوعه.

ورغم ذلك يبدو أن القوانين المالية التعديلية تتضمن العديد من مرافقي أو مصطحبي الميزانية، فمنها ما يصدر عن الحكومة ومنها ما يصدر عن البرلمان، كما لو أن هناك تواطؤ بين الحكومة وأغلبيتها (أو من يساندها) في البرلمان. فكل طرف يقبل مرافقي ميزانية الطرف الآخر. ([82]) وكممارسة قد تزول بإمكانية إحالة القانون على المحكمة الدستورية من طرف خمس أعضاء مجلس النواب وأربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين. ([83])

إن بناء دولة الحق والقانون ودولة المؤسسات لا يمكن أن يتم إذا لم يحترم كل جهاز الاختصاصات المحددة له دستوريا، علما أن الالتزام بالمشروعية يتمخض عنه سيادة الدستور، وما تفرضه من ضرورة الالتزام بالقاعدة القانونية الأعلى في مجال تدرج القواعد القانونية، وكما يقول الأستاذ “بارتلمي” “فإن كان مبدأ المشروعية يفرض على الجميع احترام القانون، فإنه يفرض من باب أولى احترام الدستور الذي هو القانون الأعلى للبلاد”. ([84])

لكن احترام المشروعية يقتضي التعجيل بإنشاء مجلس الدولة المغربي كما سبق للملك الراحل أن طالب إبان ترأسه للمجلس الأعلى للقضاء، حتى تتعزز دولة الحق والقانون، خصوصا على مستوى محتوى وصياغة النصوص القانونية، التي لا يمكن الاستمرار في إسناد دور المراقبة القبلية لمشاريع النصوص القانونية للجهاز التنفيذي (الأمانة العامة للحكومة) لأن الممارسة أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أنها غير قادرة على إيقاف النزيف على حد تعبير الباحث “المنتصر السويني “.

وما الخلاف العلني مع المجلس الأعلى للحسابات إلا دليل على ما نقول، وإذا لم يتم تدارك الأمر فإن الخلاف قد يتوسع إلى أجهزة أخرى، وتفقد بالتالي القاعدة القانونية مشروعيتها ومكانتها، وينتج عن ذلك تعميم تجاهل المقتضيات الدستورية، باعتبارها جهازا أنشأه الدستور وحدد لها مجال عمله، يتمرد على مقتضيات دستورية، مما يضرب في الصميم دولة المؤسسات ودولة الحق والقانون، وكما قال “مونتسكيو”: “القانون يجب أن يكون له سلطة على الأشخاص، وليس الأشخاص على القانون “. ([85])

إن فقدان البرلمان لجزء من امتيازاته التقليدية خصوصا في المجال المالي لا يمكن أن يفسر جانب منه بتعقيد القرارات في المجتمع المعاصير والذي قد لا توازيه دوما كفاءة وخبرة تقنية لدى نسبة هامة من النواب. فالوضع يستلزم اطلاعا ومعرفة كافية، وهو ما يفسر أن التقنوقراطيين يقومون بالتدخل في اختيار القرارات ويؤثرون على عمل باقي العناصر الفاعلة خصوصا السلطة السياسية. ومن هذه الملاحظات يمكن القول أن البرلمان لم يعد يمارس في حقيقة الأمر السلطة التشريعية، وبالتالي لم يعد هو الممارس الفعلي للسلطة المالية. ولا يتردد البعض من منطلق هذه الوضعية في المناداة بتجاوز التمثيل كوسيلة لوصول النواب بسبب عدم كفاءة بعضهم لمعالجة المشاكل. ([86])

وهكذا نقول بأن سلطة البرلمان ليست سلطة مطلقة، فهي سلطة وسيطة ضرورية. فهو كبديل ناتج عن تطور العصر، وكبديل مؤسساتي تمارس اختصاصاته بطريقة شبه مقتطعة. ولعل بروز آثاره السلبية أدى إلى شل فاعليته وجعله مجرد سلطة للإذن. وهنا نجد عدة عوامل تتداخل فيما بينها لتفسر ظاهرة التهميش الذي يعرفه البرلمان، فمنها ما يرتبط بكيان البرلمان ذاته، ومنها ما يلتصق بمحيطه الخارجي.

وتتجلى الأسباب الداخلية لتهميش السلطة النيابية في غياب المؤسسة البرلمانية عن الحياة السياسية في فترات متعددة، ([87]) وفي غياب النواب داخل المؤسسة البرلمانية عندما تكون هذه المؤسسة قائمة، ([88]) وكذلك في تركيبة البرلمان ذاته، حيث إن العديد من النواب ليسوا مكونين ولا يتوفرون على المعلومات الضرورية للتقصي والبحث ومراقبة الحكومة، وبالتالي فنسبة هامة لا تمثلك الوسائل الملائمة للمساهمة بفعالية في الإنتاج التشريعي وخاصة المالي. فمثلا نلاحظ أن إعداد الميزانية أصبح أمرا معقدا جدا يتعذر على نسبة هامة من النواب الإحاطة به وفهمه على حقيقته. وبالإضافة إلى هذه البنية الفكرية نجد أن تشكيلة البرلمان تتميز بتمثيل قوي لبعض الفئات داخل مجلس النواب، كما أن وجود أغلبية مساندة للحكومة تفوق عدديا أصوات المعارضة يضمن لمشاريع القوانين شبه حصانة لا تؤثر فيها التعديلات، إلا إذا حظيت بقبول الحكومة.

وترتبط هذه الأسباب أساسا بثقل مسطرة الميزانية ومدى جدوى المناقشات التي تثار بشأنها. وإذا كانت المناقشات لا تعرف تجاوزا ملحوظا في الوقت الذي تستغرقه في مجلس النواب حيث تصل إلى 60 ساعة تقريبا (بالمقارنة تصل في فرنسا إلى 200 ساعة، وفي إنجلترا إلى 150 ساعة)، يبقى في نهاية المطاف أن المناقشة أصبحت عملا روتينيا. وتسري وفق مسطرة إلى حد ما عقيمة ومهجورة سواء من النواب أنفسهم أو من المواطنين، فلا يهتم الرأي العام بها إلا قليلا. ولا غرابة في هذا الأمر لأن المواطن لا تتضح له العلاقة بين اهتماماته اليومية والاختيارات الهامة والاستراتيجية في ميدان المالية العمومية. فتظهر له المناقشات كتتابع مونولوجات وتصويتات مع نتائج عملية محدودة، كما لو كانت المسألة هي مجرد تكرار عمل ينحصر في مؤاخذات من البعض أو طلبات من البعض الآخر، وكل هذا يتم في إطار شعائر وطقوس مسطرية محددة، تؤدي في بعض الأحيان بالنواب بسبب طول وقتها أو عدم فهم فحواها إلى سبات أو نوم عميق لا توقظهم منه سوى عملية التصويت. ([89])

أما عن أسباب التهميش الخارجية، فهناك نوع من اللامساواة في الوسائل التي يرتكز عليها كل طرف من أطراف العمليات المالية من أجل التأثير على القرارات المالية والاقتصادية، فبعضهم يملك قدرة قوية على التفاوض، وبعضهم له إمكانية بسيطة على الصمود. ومن خلال القرار المالي يترصد الباحث مصادر السلطة المالية على مستويين، يتضمن المستوى الأول المصادر الفنية أو التقنية التي يمكن أن تؤثر على الاختيارات والتوجهات المالية والاقتصادية التي يتبناها ويوافق عليها البرلمان في النهاية، والمستوى الثاني يحدد موقع السلطة المالية الذي هو سياسي بالأساس. وهذان الامتدادان للسلطة المالية يمكن أن يدخلا في نظام تنافسي إما للتكامل فيما بينهما أو ليمحو أحدهما الآخر. ([90])

إن الفنيين التقنوقراط المكلفين بوضع السياسة الاقتصادية والمالية يمارسون تأثيرهم بالضرورة على توجهات هذه السياسة. فإعداد مشاريع قوانين المالية هو عمل الأطر التي توجد في الإدارة العليا، فاعتمادا بالتالي على معرفتهم الفنية، واستنادهم المباشر على مصادر المعلومات والمعطيات بشتى أنواعها، ومعرفتهم بالأوساط المالية الوطنية والعالمية، فهم يتدخلون (أي التقنوقراطيون) في اختيار القرارات ويؤثرون على باقي العناصر الفاعلة. وما يؤكد مكانتهم هو ديمومتهم الإدارية التي تضمن لهم قوة وثقلا في مقابل باقي العوامل. ([91])

فالخبراء يتأثرون بشكل واسع بالتوجهات والنظريات والإيديولوجيات المالية والاقتصادية التي تهيمن على الساحة. ([92]) وتلعب المؤسسات المالية الدولية دورا هاما في ترويج وتحريك هذه النظريات، لتجعل بذلك أكبر القرارات والتوجهات الاستراتيجية والجوهرية في الميدان الاقتصادي والمالي تحصل تحت تأثير الخارج.

فهذه الوضعية ليست خاصية لصيقة بالبرلمان المغربي، بل تعرفها حتى برلمانات الدول المتقدمة، مما يؤكد على أن البرلمان لم يعد يمارس في حقيقة الأمر السلطة التشريعية، ولم يبق له سوى حق الرفض. ([93])

وهكذا فإن الصبغة المتزايدة والمتنامية للمشاكل المالية والتقنيات المرتبطة بها أدت إلى إضعاف الوظيفة التشريعية، لكون الجانب الفني أصبح ذات مصداقية تبرر قراراته، وان كان الأمر يتعلق في أغلب الحالات ببعده النظري والتحليلي. وهذا لا يعني أن الجانب الفني قد محى الجانب السياسي بصفة نهائية، فمشروع القانون المالي، ورغم الكثير من التعقيد الذي يتضمنه، يبقى في نهاية المطاف تعبيرا عن موقف سياسي. فالسلطة السياسية التي توثر في اتخاذ القرارات في المجال المالي يرتبط دورها بمجموعتين من العوامل. فدور السلطة السياسية رهين بمدى سلطة ضغطها وقدرتها بالمقارنة مع الأطراف الفاعلة الأخرى، ورهين كذلك بمدى توفرها على نظرة شاملة تجمع بين الجانب الاقتصادي والجانب السياسي أثناء اتخاذ القرارات.

وعليه فإن دراسة هذه العوامل الداخلية والخارجية، أكدت أن المصدر المادي والفعلي للسلطة المالية يتمثل في السلطة التنفيذية ولا يشكل البرلمان إلا المصدر الشكلي لها.

المطلب الثالث:

برلمان دستور2011

وعودة السلطة إلى البرلمان في انتظار التفعيل والفعالية والانتقال من برلمان الرمز إلى برلمان السلطة

أثار دستور 2011 الذي جرى التصويت عليه بأغلبية فاقت 98 % الكثير من القراءات، وذلك بحسب مواقع الفاعلين ومواقفهم السياسية، فهناك من اعتبره تقدما ملحوظا من حيث البناء المؤسساتي للبلاد، وهناك من اعتبره دستور ديموقراطي يمكن أن يضع حدا فاصلا بين مرحلة الاستبداد ومرحلة الدخول إلى الديمقراطية، وبالمقابل نظر إليه البعض الآخر على أنه تكريس لنفس الثوابت الدستورية السابقة.

غير أن ما يهمنا من هذه الدراسة هو هوية المنظومة الدستورية التي قدمها المشرع الدستوري للانتقال من برلمان الرمز إلى برلمان السلطة، وطبيعة التوصيفات الممكنة لقراءة واقع المؤسسة البرلمانية في إطار زمن وسياق مختلف عن سياق الأزمنة التي شهدت على ولادة النماذج البرلمانية المختلفة التي عرفها التاريخ البرلماني المغربي.

من بين أبرز القراءات الراهنة لدستور 2011 أنه دستور يجسد في مبناه ومعناه فلسفة دستورية تروم إلى التغيير أو الإصلاح في إطار الاستمرارية، ويبرر البعض هذا التوجه بطبيعة الجغرافيا السياسية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، حيث أن واقع النخبة السياسية ودرجة الوعي الديموقراطي والثقافة السياسية الناظمة للمؤسسات، كلها متغيرات تجعل التغيير يلبس جبة الاستمرارية ([94]) كخيار أمثل وأنسب لمسار التطور السياسي بالمغرب.

يتضح جليا من خلال قراءة فصول الدستور الجديد أن الكتلة النصية التي تتأسس عليها بنية ووظيفة ومجال تحرك المؤسسة البرلمانية، تعكس بشكل جلي هذا التوجه، وهو ما يعني أن هذا الدستور لم يؤسس لفكرة القطيعة الكلية مع بعض قواعد وآليات النظام البرلماني الكلاسيكي التي كانت ترهن تطور الممارسة البرلمانية بالمغرب حيث يلاحظ المتتبع استمرار إرث العقلنة البرلمانية في إنتاج نفسه والكشف عن هويته عبر أكثر من مقتضى وإجراء دستوري. ([95])

يكاد يكون هناك إجماع على أن الدستور الجديد عمل على توسيع مجال القانون من تسعة مجالا بموجب الفصل 46 من دستور 1996 إلى ثلاثين مجالا بموجب الفصل 71 من دستور 2011، وهو ما اعتبر مؤشرا على إعادة الاعتبار للمؤسسة التشريعية فيما يتعلق بدورها في مجال إعداد السياسات العمومية ومراقبتها وتقييمها.

لكن القراءة الدقيقة للنصوص توحي بعكس ذلك، حيث أن مجمل هذه الاختصاصات تم نقلها من دستور 1996 ولكن هذه المرة بشكل من التدقيق والتفصيل المضلل، مع إضافة مجالات جديدة تتعلق أساسا بالعفو العام ومعايير التقطيع الانتخابي والاتفاقيات الدولية، وهو ما يزكي فرضية الاستمرارية، والتي يتأسس عليها القول أن الدستور الجديد بقى وفيا لفكرة تحديد مجال القانون على سبيل الحصر، ولروح فلسفة العقلنة البرلمانية، من خلال الاحتفاظ بغالبية القواعد والآليات الدستورية المرتبطة باستقرار العمل المؤسساتي.

هذه القواعد المحتفظ بها، كان ينظر إليها في مجملها على أنها السبب الرئيسي في تبخيس دور البرلمان التشريعي والرقابي، حيث تشير أرقام الحصيلة الدورية أو السنوية لهذه المؤسسة بمجلسيها، إلى تفوق القوانين ذات المصدر الحكومي على مقترحات القوانين ذات المصدر البرلماني، حيث لا تتجاوز نسبة هذه الأخيرة في أفضل الأحوال 10 % من مجموع الإنتاج التشريعي الصادر بموجب الفصل 46 من دستور 1996 والذي يقابله الفصل 71 من الدستور الجديد، وفي ضوء هذا المعطى تبقى المبادرة التشريعية رهينة سلطة الحكومة ومدى تجاوبها، حيث يبقى تجاوبها من عدمه خاضعا لحسابات سياسية بين الأغلبية البرلمانية والحكومة من جهة، وبين الأغلبية والمعارضة من جهة أخرى، وذلك حسب مصدر هذه المقترحات والجهة التي تقدمت بها، وكأن السلطة التشريعية تحولت إلى مشرع استثنائي مقابل المشرع الأصلي التي أصبحت تمثله المؤسسة التنفيذية. ([96])

وبالنظر إلى توسيع الاختصاصات الرقابية والتشريعية للبرلمان، فمن خلال قراءة فصول الدستور يتبين أن مظاهر العقلنة متجلية وتفرغ مبدأ الفصل ما بين السلطات القائم على التوازن من محتواه مما يجعل من البرلمان ليس سيد نفسه وميدانه وليس مجالا لممارسة السلطة، حتى وإن كان يتبين ظاهريا أن هناك توسيع للاختصاصات، فعلاقة البرلمان سواء بالملك أ و
الحكومة هي غر متوازنة وتجعل من البرلمان في وضعية الإلحاق بهذه المؤسسات، وبالتالي فإن الدستور الجديد يعيد ترسيم أدبيات وأدوات اشتغال المؤسسة البرلمانية على شاكلة دستور 1996، حتى وإن كانت هناك تحسينات وتلطيفات إلا أنها لا تمس الجوهر. وعلى الرغم من تعزيز أدوات الرقابة، فإن مطلب تضمين تقنية استجواب الوزراء لم يتم اعتمادها، وهي كانت بمثابة مطلب يكتسي نوعا من الإلحاحية من أجل تعزيز قواعد المسؤولية والمحاسبة والشفافية وتكريس دولة الحق والقانون وتركيز ثقافة عدم الانفلات من العقاب.

وعليه، ومهما حاولت بعض القراءات تفسير هذا الأفول بأسباب خارجة عن النص الدستوري، فإن المشرع الدستوري مع ذلك كان عليه أن يتدخل بشجاعة للحد من بعض القيود التي تفرضها العقلنة البرلمانية على فعالية البرلمان.

ملاحظتنا هذه لا تنكر الجرعات القوية التي قدمها دستور 2011 للمنظومة البرلمانية، من خلال اعتماده بعض القواعد والآليات الجديدة لتطوير عمل البرلمان والرفع من قدرته، خاصة بعد الاعتراف له بممارسة السلطة. حيث اتجه المشرع الدستوري إلى الاعتراف لأول مرة بالبرلمان كمؤسسة تمارس السلطة، حيث نصت الفقرة الأولى من الفصل 70 من دستور 2011 على ما يلي: “يمارس البرلمان السلطة التشريعية “، ويعتبر هذا المقتضى إضافة نوعية وضرورية لتعزيز روافد الشرعية التمثيلية للمؤسسة البرلمانية التي كانت تفتقد إليها، ذلك أن برلمان دون شرعية لا يعد برلمان، ونفس الشيء يقال عن برلمان شرعي يعاني من نقص القدرة على اتخاذ القرارات.

ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن الاعتراف للبرلمان بالسلطة سيكون له تأثير إيجابي على صورته وعلى أداء وظيفة السلطة التشريعية المنوطة به، وذلك متى توفر على المتطلبات الضرورية لتدبير هذه السلطة، والمرتبطة أساسا بنخبة برلمانية مؤهلة، وإمكانيات مادية وبشرية كافية، وفضاء سياسي محفز. ([97]) خاصة بعد الاعتراف الفعلي بحقوق المعارضة ([98]) وتمكينها من الوسائل اللازمة للنهوض بمهامها على الوجه الأكمل في العمل البرلماني والحياة السياسية، في انبثاق ثقافة برلمانية جديدة، وفي بناء فضاء عمومي مستقل، فضاء له رهاناته الخاصة به، وقراراته التي تعبر عن إرادة الأمة التي يمثلها، وذلك بعيدا عن تأثيرات ثقافة الهيمنة والتي تؤسس لهما العقلنة البرلمانية والممارسة الحكومية.

وتجدر الإشارة أيضا، أنه وبالرغم من القيمة الرمزية لمفهوم السلطة التشريعية، فإن تجسيد مضامين هذا المفهوم على أرض الواقع، حتى في ظل وجود نصوص دستورية صريحة، فإنه سيبقى قاصرا ما لم تصاحبه إرادة فاعلة لتحرير النصوص من شراك تطبيقات النص الضمني، وتأويلات الفاعل السياسي غير المنضبطة لروح الوثيقة الدستورية، خاصة وأن هناك العديد من الفصول الدستورية خاصة (الفصول: (79-78-73-72 التي تسحب البساط من تحت أقدام البرلمان وتجعل من الحكومة هي المشرع الأصلي بينما البرلمان هو المشرع الاستثنائي. ([99])

وفي إطار تعزيز مسلسل تخليق الممارسة البرلمانية، فإن الدستور الجديد قطع الشك باليقين وارتقى بمضمون المادة الخامسة من قانون الأحزاب السياسية الذي سبق وأن منع الترحال البرلماني، إلى مرتبة المقتضى الدستوري، عندما نص في الفقرة 1 من الفصل 61 على أنه: “يجرد من صفة عضو في أحد المجلسين كل من تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح
باسمه في الانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها”، وهو ما سيؤدي إلى تخليق وتطبيع الممارسة البرلمانية الداخلية وإضفاء طابع الاستقرار المؤسساتي عليها. ([100])

وفي نفس الاتجاه خطى المشرع الدستوري خطوة أكثر جرأة عندما ألغى الحصانة الجنائية التي كانت تشكل درعا لحماية فساد بعض أعضاء البرلمان، واكتفى بالحصانة ضد المسؤولية التي تكفل للعضو البرلماني حرية الرأي وحرية المناقشة والتعبير وحرية التصويت بالموافقة أ و المعارضة، دون أن يتعرض للمتابعة أو الاعتقال أو المحاكمة مع مراعاة الاستثناءات المقررة في الفصل 64 من الدستور، ومعنى هذا أن النائب البرلماني أصبح مواطنا عاديا ينطبق عليه ما ينطبق على باقي المواطنين، يحتفظ له القانون فقط بالحصانة اللازمة لتأمين أداء دوره النيابي داخل المجلس لا خارجه.

كما ألزم المشرع الدستوري البرلمان بمناسبة صياغة النظام الداخلي لمجلسيه بالتنصيص على الجزاءات المطبقة على النواب البرلمانيين الذين لا يلتزمون بالحضور إلى جلسات وأشغال البرلمان، ويعتبر هذا الإعلان توجيها ملزما يكمل ما كان معمولا به في النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2004، والذي كان قد نص على العديد من الجزاءات المقررة في حق المتغيبين، رغم أنها بقيت بدون فعالية بسبب رفض البرلمانيين الاستجابة لمقتضياتها، بل أكثر من ذلك اعتبرت من طرف الكثيرين مسا بحريتهم الشخصية ومواقفهم السياسية، واحتكارا لحصانتهم البرلمانية، وهو ما يفرض على الجميع تحمل مسؤوليته، والانخراط بجدية في حملة التصدي لهذه الظاهرة في انتظار تقرير إجراءات أكثر صرامة يكون الغياب المتكرر بدون عذر مقبول سببا موجبا لتجريد النائب البرلماني من عضويته. ([101])

وسيرا على نفس المنوال أكدت مقتضيات الفصل 63 من الدستور الجديد على ضرورة تضمين القانون التنظيمي لكل من مجلسي البرلمان قواعد تحد من الجمع بين الانتدابات الانتخابية، وهو ما يشكل اعترافا مريحا بخطورة هذه الظاهرة، التي كانت تقتضي أكثر من توجيه بوضع قواعد شبه دستورية للحد منها، ما دام أن التحديد الجزئي لن تكون له إلا نتائج محدودة، كما تعلمنا خلاصات العديد من التجربة الفرنسية في هذا الإطار.

وهكذا فإن الديمقراطية على هذا المستوى المالي هي ديمقراطية فارغة من محتواها، ([102]) ومكانة المواطن في كل هذه الاعتبارات سواء على مستوى الرقابة أو التنفيذ أو التحضير هي مكانة يجب أن تؤخذ بنوع من التمييز والدقة، حتى لا يقال بأن البرلمان سيد الموقف دون أ ن نزيد اعتبارات أخرى، مثلا هناك فرق بين برلمان وبرلمان آخر، عندما يكون البرلمان قويا، واثقا من نفسه وذا مصداقية، فإنه يكون برلمان قد يجعل من الأدوات والوسائل المتاحة أسلحة فتاكة في وجه الحكومة، أما إذا كان البرلمان لا مصداقية له (نائم) ولا يتوفر على الكفاءة التي تخوله صلاحية استعمال كل الأدوات المتاحة، فإننا نقر بأن هناك إهمال على مستوى قانون التصفية وتقاعس على مستوى الأسئلة الكتابية والشفوية، ولجان تقصي الحقائق.

وهذا كله يعطينا فكرة عن مصر الديمقراطية ومكانة المواطن في الديمقراطية كيفما كان نوعها، بموازاة مع تضييق حجم هذا العنصر الديمقراطي نلاحظ بروز وصعود نجم وزير المالية الذي يتمتع بصلاحيات أوسع بفضل انتشاره بواسطة ممثليه عبر الوزارات، وهذا الوزير بحكم أنه ينتمي إلى الحكومة، فإنه من هنا جاءت فكرة ترسيخ هيمنة السلطة التنفيذية في المجال المالي بقوة وإضعاف السلطة التشريعية التي تمثل المواطن.

وفي هذا الصدد كنا ننتظر ونتوخى أن يقتضي عمل اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور بالمغرب، الأخذ بعين الاعتبار تعزيز المرجعية الدستورية للمالية العامة في إطار المراجعة الشاملة لمقتضيات الدستور المغربي من خلال ما يلي:

أولا: تكريس المكانة الدستورية للمالية العامة: من خلال جعل المقتضيات الدستورية المنظمة للمالية العامة مؤطرة في باب خاص ضمن أبواب الدستور المراجع عبر تجميع وإعادة النظر في مقتضيات الفصول 17 و18 من دستور 1996، المقابلة للفصول 39 و40 في دستور 2011، بخصوص فرض التكاليف العمومية، وكذا إعادة النظر في الفصلين 50 و 51 من دستور 1996 الذي تم تعديلهما بمقتضى الفصلين 75 و 77 في دستور 2011 الحالي، وهي تعديلات طالت الشكل فقط دون المضمون، وذلك من خلال تجاوز الحطوط الحمراء التي كان يفرضها دستور 96، عبر الحد من سلطات الحكومة في مجال التدبير المالي العمومي لمشروع قانون مالية السنة، وإزالة العراقيل الحقيقية المفروضة على سلط البرلمان في مجال تدبير الأنشطة المالية العمومية، بحيث ينص الفصل 77 من الدستور الحالي المراجع بموجب استفتاء فاتح يوليوز 2011 على ما يلي : “للحكومة أن ترفض، بعد بيان الأسباب، المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة لقانون المالية إلى تخفيض الموارد العمومية، أو إلى إحداث تكليف عمومي، أو الزيادة في تكليف موجود”.

فإذا كانت أغلب الدول تمنح للبرلمان مجموعة من الاختصاصات للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والمالية والاجتماعية للمواطنين، ومن بينها الدفاع من أجل التخفيف من الضغط الجبائي على دافعي الجبايات من الناخبين، والدفاع عن مختلف الشرائح من أجل تمكينها من الاستفادة من الخدمات العامة الاجتماعية والاقتصادية عبر الرفع من النفقات العامة، فإن الفصل المذكور لا يمنح لأعضاء البرلمان والفرق البرلمانية ولا حتى للأغلبية البرلمانية أن تتقدم بمقترحات مفادها التخفيض من التكاليف العمومية خاصة الجبايات المفروضة على كاهل الناخبين من المواطنين المكلفين بأدائها، أو التقدم بطلبات لرفع النفقات العمومية في مجالات الخدمات العامة كالصحة والتعليم والثقافة والبنيات التحتية…إلخ.

ثانيا: حصر الاختصاص البرلماني في مجال المالية العامة ضمن اختصاص مجلس النواب لوحده دون سواه: بحيث يبقى لمجلس النواب باعتباره أهم مؤسسة داخل البرلمان، صلاحية التشريع المالي على مستوى الاقتراح والمناقشة والتصويت على الأنشطة المالية والاقتصادية على غرار دوره فيما يخص مناقشة البرنامج الحكومي المقدم من طرف الوزير الأول. مع تمكين مجلس المستشارين بمجموعة من السلط الموازية فيما يخص مراقبة الأنشطة المالية العمومية التي تنفذها الحكومة.

ثالثا: تكريس وأجرأة التخطيط الاستراتيجي ضمن الإصلاح الدستوري: عبر تفعيل دور المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وربط كل مستويات التخطيط بالمالية العامة في إطار المخططات الوطنية الشاملة والقطاعية والجهوية والمحلية، وكذا الاتفاقيات الدولية.

رابعا: ربط المالية الوطنية بالمالية الجهوية والمحلية: أي ضرورة ربط المالية العامة بالمالية الجهوية فيما يخص توزيع الموارد المالية وتوزيع الاختصاص في مجال الإنفاق العمومي بين الدولة ووحداتها الترابية، وتعزيز صلاحيات المجالس التداولية للجهات وكذا تقوية اختصاصات رؤسائها.

خامسا: الإقرار الدستوري بمبادئ الشفافية في إطار ميزانية الدولة: بحيث يجب إلزام الحكومة على وضع تقارير مزامنة، وشهرية ونصف سنوية وسنوية نهائية، وحصيلة كل مخطط تم الانتهاء من تنفيذه من أجل المواكبة والاطلاع على التقدم الحاصل على مستوى تنفيذ الأنشطة المالية الواردة في بنود الميزانية السنوية سواء على مستوى المداخيل والنفقات المرخص بها من طرف السلطة التشريعية، وتوضيح الظروف التي تم وفقها ذلك التنفيذ، ومدى التزام الحكومة بإنجاز البرامج الواردة في المخططات الاستراتيجية القائمة على تلبية الخدمات العامة لمختلف الشرائح الاجتماعية مع الأخذ بعين الاعتبار النوع الاجتماعي والبعد المجالي والترابي، من أجل جعل ميزانية الدولة مفتوحة في مختلف مراحلها منذ الإعداد إلى التنفيذ والمراقبة على جميع المواطنين والفاعلين للتعرف على التوقعات والمعطيات المالية والبرامج المقترحة، وكذا المساهمة في وضعها وتمكينهم من تتبع تنفيذها ومراقبتها في إطار ميزانية شفافة.

فالشفافية تقتضي إلزام الحكومة بتقديم مجموعة من تقارير منتظمة حول نظم تدبير صفقات الدولة وطرق تفويت ممتلكاتها، والإعانات المقدمة للمؤسسات العمومية وللجماعات الترابية ولمختلف المرافق العمومية، والكشف عن تطور مديونية الدولة الخارجية والداخلية، وتوضيح التوازنات المالية والاقتصادية الأساسية لميزانية الدولة، وتدعيم استقلالية المؤسسات العمومية من أجل التقليل ولم لا حذف نظام ميزانيات المرافق المسيرة بطريقة مستقلة، عبر منح تلك المرافق الاستقلال الإداري والمالي، وكذا العمل على تطوير الأداء الفني للإدارة الجبائية من أجل الاقتصاد في النفقات الجبائية.

وفي هذا الإطار يجب إعطاء أهمية قصوى للرقابة والمساءلة المالية المنوطة بكل من البرلمان والمحاكم المالية في إطار استقلالية تامة، مع التركيز على تقوية صلاحيات المحاكم المالية ومنحها الاستقلالية التامة من أجل تمكينها من تنفيذ أحكامها وقراراتها.

سادسا: تمكين مجلس النواب من الوقت الكافي لدراسة ومناقشة ميزانية الدولة المقدمة في إطار قانون مالية السنة: وذلك على غرار العديد من الدول التي تمنح لمؤسساتها التشريعية ما لا يقل عن 120 يوما، بالرغم من كونها تتوفر على مجلس واحد داخل مؤسسة البرلمان، فالنظام القائم في المغرب على وجود مجلسين بالبرلمان المغربي لهما نفس الاختصاص، يتطلب وقتا طويلا يتعدى 70 يوما المعمول به حاليا، الشيء الذي يساهم في تأخير وعدم التعمق في دراسة مشاريع قوانين مالية السنة.

سابعا: ضرورة إصدار قانون تنظيمي جديد للمالية العامة: باعتباره يشكل دستورا للمالية العامة من حيث الموضوع، يضع القطيعة مع القانون التنظيمي رقم 7.98 الصادر بتاريخ 26 نوفمبر 1998، والمعدل بمقتضى القانون رقم 14.00 الصادر بتاريخ 19، أبريل 2000، الذي أضعف سلطة البرلمان في مجال المالية العامة وخول للحكومة استغلال سلطتها التنظيمية من خلال المراسيم والقرارات الوزارية للقيام بالتعديلات والتحويلات داخل السطور في ميزانية الدولة خارج رقابة البرلمان. وتجدر الإشارة أنه بالرغم من إعلان الحكومة في السنة الفارطة على لسان وزير الاقتصاد والمالية عن اعتماد سنة 2010 كسنة لإصلاح القانون التنظيمي للمالية، بهدف الرفع من نجاعة تدبير الموارد العمومية وبرمجة النفقات مع تطوير افتحاص السياسات العمومية، فإن ذلك لم يتحقق إلى اليوم.

فتعديل الدستور يجب أن يوازيه تعديل القانون التنظيمي للمالية العامة، مع الأخذ بعين الاعتبار مراجعة مجموعة من المقتضيات الواردة في القانون التنظيمي الحالي من بينها ([103]):

  • إعادة النظر في قانون التصفية، لكون تصفية الميزانية هي بمثابة مقدمة للقانون المالي القادم. لأن الرقابة التي يمكن أن تعاقب الحكومة وتطردها حفاظا على المال العام، توجد على مستوى قانون التصفية، وهذا القانون تم إهماله وإضعاف الصلاحية المالية للبرلمان، بالإضافة إلى تفعيل مبادرات البرلمان لعقد جلسات خاصة لمناقشة تقارير المجلس الأعلى للحسابات للوقوف على الاختلالات المالية.
  • التنصيص على إنشاء مجلس للجباية يختص في وضع المبادئ الأساسية للعدالة الجبائية.
  • توسيع نطاق الجباية على القطاعات المنظمة المعفية منها كالقطاع الفلاحي المنظم، واستثناء الفلاحة المعاشية، وإقرار الجباية على الثروات، وضرورة وضع مقتضيات خاصة بتنظيم الجبايات ذات الطابع الديني في إطار الشريعة الإسلامية، وتوجيه مواردها نحو مجالات التكافل الاجتماعي لفائدة الفقراء ومستحقيها.

وعلى العموم يمكن القول أن مجموع الإجراءات الدستورية التي تضمنتها وثيقة دستور 2011، والرهانات التي رفعتها يمكن أن تكسب المؤسسة البرلمانية هوية خاصة تميزها عن المؤسسات البرلمانية السابقة، ويمكن أن تساعد كذلك على إعادة قدر من الاحترام لها وحيز من القيمة لوظائفها التمثيلية والتشريعية والرقابية، وتساهم في نزع تلك النعوت والتوصيفات المشار إليها سابقا، والتي ساهمت في تقهقر صورتها لدى شرائح واسعة من المجتمع. لندخل مرحلة تجديد مهمة المراقبة التي يقوم بها البرلمان وتعتمد على الانتقال من المراقبة السياسية التي يقوم بها البرلمان إلى سياسة للمراقبة، وأنه لا يكفي إعطاء الصلاحية الضرورية للبرلمان، بل يتطلب الأمر كذلك توفر الإرادة لدى البرلمانيين للقيام بهذا الدور وممارسة الاختصاصات الموكولة لهم، وهذا لن يتم إلا إذا تم ربط مهمة المراقبة بالمردودية الانتخابية، وهي نتائج لا يمكن تحقيقها إلا إذا تم تحسيس الرأي العام الوطني بأهمية المراقبة والشفافية وحسن التدبير وربط هذه المهام وانعكاساتها على مستوى حياتهم المعيشية. ([104])


[1] MEHL (L) et BELTRAM (P): ((Sciences et Techniques fiscales)) , PUF, Paris, 1984, P.:62

[2] منار المصطفى: ” واقع الأموال العمومة بين ضعف البرلمان وهيمنة الحكومة “، المجلة المغرية للأنظمة القانونية والسياسية، عدد 7، يونيو 2006، ص. 20.

[3] فهمي محمود شكري ل! “الموازنة العامة، ماضيها وحاضرها ومستقبلها “، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1990 ص. 13

[4] منار المصطفى: “واقع الأموال العمومية “، مرجع سابق، ص. 20.

[5] عبد القادر تيعلاتي: “المالية العامة المغرية والمقارنة “، قانون الميزانية، الجزء الأول، الطبعة الثالثة، دار النشر الجسور، وجدة، 2002، ص 54.

[6] حسن عواضة: “المالية العامة، دراسة مقارنة “، الطبعة الرابعة، دار النهضة العربية، بيروت 1978، ص. 29.

[7] مصطفى قلوش: “النظام الدستوري المغربي “، الطبعة الثانية، 1988، ص. 73.

[8] فهمي محمود شكري: “الموازنة العامة. “، مرجع سابق، صص 15-16.

[9] FIKRI (A) ” Le parlement marocain et les finances de l’Etat ” Afrique Orient, 1988, P.56

[10] في ظل الجمهورية الرابعة سنة 1946، كان لنواب الأمة إمكانية تقديم مشاريع مضادة، وكان بإمكان اللجنة المالية المكلفة بالتقرير حول مشروع الحكومة، أن تقدم مشروعا مخالفا، وتعديلات إجمالية على المشروع الحكومي.

[11] عبد القادر تيعلاتي: “المالية العامة والمقارنة…”، مرجع سابق الذكر، ص 218.

[12] امحمد المالكي: “القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، النظم السياسية المعاصرة “، دار وليلي للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، مراكش، صص، 190-199.

[13] Voir: Encyclopédie Universalise: “Parlement “، volume 12, 11éme publication، Paris, 1978، p. 551.

[14] محمد معتصم: “النظام السياسي الدستوري المغربي “، الطبعة الأولى، مارس، 1992، ص 93.

[15] منار المصطفى. “واقع الأموال العمومية بين ضعف البرلمان وهيمنة الحكومة “، مرجع سابق، ص. 22

[16] الفصل 75 من دستور 2011، المراجع بموجب استفتاء فاتح يوليوز 2011، الجريدة الرسمية عدد 5952 مكرر، تاريخ 14 رجب 1432(17 يونيو (2011.

[17] الفصل 82 من دستور 2011 السابق الذكر

[18] المصطفى منار: “واقع الأموال العمومية “، م. س، ص ص: 22-23.

[19] محمد شكيري: “القانون الضريبي المغربي، دراسة تحليلية ونقدية “، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة “مؤلفات وأعمال جامعية “، عدد 49، ص. 77.

[20] محمد المعتصم: “النظام السياسي الدستوري المغربي “، مرجع سابق، صص. 95-96.

[21] نفسه، ص. 97.

[22] لزعر عبد المنعم: “المؤسسة البرلمانية بالمغرب: توصيفات التردي ورهانات الإصلاح الدستوري الجديد لسنة 2011″، مجلة وجهة نظر، عدد 50، خريف 2011، ص. 44.

[23] منار المصطفى: “واقع الأموال العمومية “، مرجع سابق، ص. 24

[24] لقد تبنى المغرب بموجب دستور 13 شتنبر 1996 نظام الثنائية المجلسية بعد سنوات من أخذه بنظام المجلس الواحد.

[25] عبد القادر تيعلاتي: مرجع سابق، ص.205.

[26] نفس المرجع أعلاه، ص.207.

[27] ظهير شريف رقم 1.98.138 صادر في 7 شعبان 1419 26) نوفمبر 1998) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 7.98 لقانون المالية، ج. ر عدد 4644 بتاريخ 3/12/1998، ص. 3297.

[28] تنص المادة 33 الفقرة 1 من القانون التنظيمي للمالية رقم 7.98: (يودع مشروع قانون المالية للسنة بمكتب أحد مجلسي البرلمان في نهاية السنة المالية الجارية بسبعين يوما على أبعد تقدير”

[29] Paul (M) ” Les finances de l’état: budget et comptabilité”، Economica, Paris, 1981, p. 246

[30] منار المصطفى: “واقع الأموال العمومة “، مرجع سابق، ص. 25.

[31] عبد القادر تيعلاتي: “المالية العامة المغربية والمقارنة… “، مرجع سابق، ص. 205

[32] يضع الدستور نظاما للمساواة بين المجلسين، وكذا المادة 33 من القانون التنظيمي للمالية رقم 7.98 دون تمييز بين المجلسين كما هو الشأن في معظم الأنظمة في العالم، وان كان هناك تفضيل الحكومة لمجلس النواب على مجلسا المستشارين.

[33] لزعر عبد السلام : “المؤسسة البرلمانية بالمغرب… “، مرجع سابق الذكر، ص. 43

[34] إن مدة 30 يوم المخصصة لدراسة مشروع قانون المالية، هي مدة قصيرة إذا ما قورنت بالمدة الممنوحة للجمعية الوطنية الفرنسية وهي مدة 40يوما، حسب المادة 40 من القانون التنظيمي للمالية الفرنسي، الصادر بتاريخ 1 غشت 2001.

[35] المادة 34 من القانون التنظيمي للمالية رقم 7.98 السابق ذكره.

[36] المادة 75 من دستور فاتح يوليوز 2011

[37] عبد النبي اضريف. “المالية العامة: أسس وقواعد تدبير الميزانية العامة ومراقبتها “، المطبعة دار القرويين، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2007، ص. 93.

[38] عبد الفتاح بلخال. “علم المالية العامة والتشريع المالي المغربي “، مطبعة فضالة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2005، ص. 298

[39] عبد القادر تيعلاتي: “المالية العامة “، مرجع سابق، ص. 186.

[40] وضع الدستور الفرنسي لسنة 1958 مخاطر استعجالية في حالة التأخير في الإيداع تكمن في إجراءين:

الأول: إما أن تطلب الحكومة 10 أيام قبل إغلاق الدورة الأولى، القيام بتصويت منفصل على مجموع القسم الأول من القانون المالي.

ثانيا: أو أن تقدم الحكومة 48 ساعة تجل انتهاء الدورة، مشروع قانون مالي خاص.

Voir : SAIDJ (L) : « Finances publiques «, Dalloz, Paris. 1995, p. 161, et LOÏC (P) : « Finances publiques : les pro­blèmes généraux des finances publiques et les budgets “, CUJAS, Paris, 1975, p.328 et suiv

[41] عبد القادر تيعلاتي: “المالية العامة “، الجزء الأول، مرجع سابق، ص. 197.

[42] يجري التصويت على المداخيل تصويت إجمالي فيما يخص الميزانية العامة، وتصويت عن كل ميزانية ملحقة أو كل صنف من أصناف الحسابات الخصوصية للخزينة، ويجري بشأن نفقات الميزانية تصويت عن كل عنوان، وتشمل الميزانية العامة على ثلاثة عناوين: نفقات الاستثمار، نفقات التسيير والنفقات المتعلقة بالدين العمومي باستثناء العمري

لمزيد من التفاصيل ينظر: عبد القادر تيعلاتي: مرجع سابق، صص. 192-191.

[43] محمد أوزيان: “الأثر السلبي للفصل 51 من الدستور، لماذا لا يعتبر “فيتو” وزير المالية قرارا إداريا قابلا للطعن؟”، مجلة عدالة جوست، عدد 10، أبريل 2011، ص. 101

[44] محمد أوزيان. نفس المرجع السابق، ص 101.

[45] المنتصر السويني: ” البرلمان المغربي والرقابة على المال العام “، مجلة وجهة نظر، عدد مزدوج 25-26، صيف 2005، ص. 43

[46] المنتصر السويني : ” البرلمان المغربي والرقابة على المال العام “، مرجع سابق، ص. 44.

[47] نفس المرجع أعلاه، ص. 44.

[48] المادة 103 من دستور 2011 السابق ذكره

[49] عبد النبي اضريف : “المالية العامة “، مرجع سابق، ص 96.

[50] أما مراقبة الحكومة لإثارة مسؤوليها السياسية، أي التصويت بالثقة أو بنزع الثقة عنها، يمكن أن يكون بمبادرة من طرف البرلمان (عن طريق ملتمس رقابة) أو بمبادرة من الحكومة بطرح مسألة الثقة.

[51] محمد معتصم : “النظام السياسي الدستوري المغربي “، مرجع سابق، ص 100.

[52] امحمد المالكي: “السؤال في الممارسة البرلمانية المغربية الفترة التشريعية “(1984-1992)، كتاب تكريمي للأستاذ عبد الرحمان القادري: “التنمية، الوساطة والمشاركة في النظام السياسي المغربي “، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1997، ص. 47.

[53] أحمد السوداني: “العلاقة بين السلط في النظام الدستوري الإسباني لسنة 1978، دراسة مقارنة “، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، الرباط، السنة الجامعية 1999، -2000، الجزء الثاني، ص. 588.

[54] محمد حركات: “القانون التنظيمي للمالية، المعطيات والآفاق “، المجلة المغربية للتدقيق والتنمية، عدد مزدوج 8-9، دار النشر بابل، الرباط 1998، ص. 57.

[55] حمادي حميدي. ” المالية العامة “، الطبعة ا لأولى، مطبعة بني إزناسن، سلا، 2000، ص 53

[56] منار المصطفى: “واقع الأموال العمومية “، مرجع سابق الذكر، ص 28.

[57] عبد القادر تيعلاتي: ” المالية العامة… “، مرجع سابق، ص 104.

[58] على العكس يلاحظ في النظام الإنجليزي تفوق وزير المالية جليا، إذ يختص وحده بتحضير قانون المالية، وهو غير ملزم حتى بإخبار باقي أعضاء الحكومة. لمزيد من التفاصيل أنظر عبد القادر تيعلاتي : “المالية العامة “، مرجع سابق، ص. 109.

[59] تنظر الجريدة الرسمية، عدد 3450 تاريخ 1978/12/13.

[60] منار المصطفى. مرجع سابق، ص. 30.

[61] الجريدة الرسمية عدد 4688 تا ريخ 19 محرم 1420 (6 ماي 1999)، ص 1015. وتجب الإشارة إلى أن هذه المادة كانت موجودة في ق. ت. م ل (18 شتنبر 1972) في المادة 13، وتم صياغتها في إطار مرسوم عوض القانون التنظيمي للمالية الجديد ل 26 نوفمبر 1998.

[62] عبد القادر تيعلاتي: “المالية العامة “، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 90

[63] ما يستنتج من مضمون المادة الأولى من قانون المالية لكل سنة ” تسمر الجهات المختصة وفقا للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل ومع مراعاة أحكام هذا القانون في القيام خلال السنة: باستيفاء الضرائب والحاصلات والدخول المخصصة للدولة “.

[64] منار المصطفى : “واقع الأموال العمومية “، مرجع سابق الذكر، صص. 32-33.

[65] باستيفاء الضرائب والحاصلات والدخول المخصصة للجماعات المحلية والمؤسسات العامة والهيئات المخولة ذلك بحكم القانون، وترد عقوبات بشأن كل مسؤول أو موظف لا يقوم بتحصيل مورد رخص به البرلمان، أو يقوم بالعكس ويمنح إعفاءات لم ترد في نص تشريعي.

[66] محمد شكيري: “القانون الضريبي المغربي “، مرجع سابق، ص ص : 70-72.

[67] عبد القادر تيعلاتي : “المالية العامة “، مرجع سابق الذكر، ص. 49.

[68] نفس المرجع أعلاه، ص. 49

[69] نفسه، ص. 50.

[70] حماد حميدي: “المالية العامة “، مرجع سابق، ص. 35.

[71] منار المصطفى: “واقع الأموال العمومية “، مرجع سابق، ص 34.

[72] المنتصر السويني: “البرلمان المغربي والرقابة على المال العام ” مرجع سابق، ص. 45

[73] تعزز احترام آجال إيداع مشروع قانون التصفية في ظل الجمهورية الخامسة، وتأكد ذلك عبر مرسوم 2 يناير وكذا قانون 28 يونيو 2001.

[74] منار المصطفى: مرجع سابق، ص.35.

[75] عبد القادر تيعلاتي : مرجع سابق الذكر، صص 197-196.

[76] منار المصطفى: مرجع سابق، ص 35

[77] عبد القادر تيعلاتي: “المالية العامة “، مرجع سابق، ص. 223.

[78] المنتصر السويني : “مضمون قوانين المالية ومدى احترامها للدستور”، مجلة عدالة جوست، عدد 8، فبراير 2011، ص 8

[79] المنتصر السويني: “مضمون قوانين المالية ومدى احترامها للدستور “، مرجع سابق، ص.  9.

[80] ينظر الفصل 129 من دستور 2011.

[81] المنتصر السويني: مرجع سابق، ص 12.

[82] عبد القادر تيعلاتي. “المالية العامة “، مرجع سابق الذكر، ص. 223.

[83] الفصل 132 من دستور فاتح يوليوز 2011

[84] BARTHELMY ET DUEZ “Traité du droit constitutionnel”، p. 183

[85] المنتصر السويني : “مضمون قوانين المالية ومدى احترامها للدستور “، مرجع سابق، ص. 13.

[86] عبد القادر تيعلاتي: “المالية العامة “، مرجع سابق، ص.227.

[87] إن التاريخ الدستوري للمغرب يظهر البرلمان في العشرينات الأولى بعد الاستقلال على أنه برلمان غائب أكثر مما هو حاضر، فالمجلس الأول (المعين) اجتمع من نوفمبر 1956 إلى يناير 1959، أما البرلمان الثاني المنتخب في ماي 1963 فقد تم توقيفه في يونيو 1965، والمجلس المجتمع في أكتوبر 1970 فقد توقف في ديسمبر 1971. أما التجربة التشريعية المتواصلة لم تبدأ إلا منذ 1976، فخلال مدة 38 سنة من الاستقلال لم ينعقد البرلمان إلا لمدة سنة وشهرين.

[88] إن إحصاء الأصوات ابتداء من سنة 1977 يدل على أن معدل الحضور يدور حول نسبة 50 %، فقد تمت مناقشة بعض الميزانيات بأقل من 20 نائب أما أعمال اللجان فقد تقلصت في بعض الأحيان لتقتصر على 3 أشخاص هم الرئيس والسكرتير والمقرر.
وعكس مثلا ما يلاحظ في النظام الإنجليزي، جث تواجد معارضة قوية قادرة على الإمساك بزمام السلطة في أي لحظة، وحيث لا يسمح بالانتخاب بالتفويض كما هو الأمر في فرنسا، يلزم هذا الأمر جميع الفرق البرلمانية على الحضور.

[89] عبد القادر تيعلاتي: “المالية العامة المغربية والمقارنة “، مرجع سابق، ص.229

[90] عبد القادر تيعلاتي. مرجع سابق، ص. 230.

[91] منصور ميلا يوسف: “مبادئ المالية العامة “، الجامعة المفتوحة، 1994، مطبعة الانتصار، ص 198.

[92] للمزيد من التفاصيل ينظر كولفرني محمد. “مفهوم التكنوقراطية بالمغرب “، م. م. إ. م. ت، عدد 84-85، 2009، صص. 111-127.

[93] عبد القادر تيعلاتي: مرجع سابق، ص.231.

[94] عبد المجيد أيت حسن : ” دستور 2011 أو عندما يلبس التغيير جبة الاستمرارية “، مجلة وجهة نظر، عدد 50 خريف 2011، السنة الخامسة عشر، ص. 22.

[95] لزعر عبد المنعم: “المؤسسة البرلمانية بالمغرب “، مرجع سابق، ص 44.

[96] عثمان الزياني: “المذكرات الحزبية ودستور 2011، دراسة في التقاطعات والتعارضات وبناء المواقف السياسية الحزبية “، مجلة وجهة نظر، عدد 50، خريف 2011، ص. 19.

[97] لزعر عبد المنعم: “المؤسسة البرلمانية بالمغرب “، مرجع سابق، ص 45.

[98] الفصل 60من دستور 2011.

[99] عثمان الزياني : “المذكرات الحزبية ودستور 2011″، م. س، ص.  19.

[100] لزعر عبد المنعم: “المؤسسة البرلمانية بالمغرب “، مرجع سابق، ص: 45.

[101] نفسه، ص 45

[102] منار المصطفى: “واقع الأموال العمومية “، مرجع سابق، ص. 36.

[103] عمر العسري: “تكريس دسترة المالية العامة وربطها بالتخطط الاستراتيجي الوطني والجهوي ضمن مرتكزات الإصلاح الدستوري الشامل في العهد الجديد للملكية الديمقراطية بالمغرب “، مجلة الفقه والقانون الإلكترونية، بتاريخ 12 مارس 2011 على الرابط التالي:

http://www.majalah.new.ma

[104] المنتصر السويني : “البرلمان المغربي والرقابة على المال العام “، مرجع سابق، ص. 46.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading